٢٧٩ - عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لا تَشْتَرِهِ، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ"».
وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
اللفظ الذي ذكره المصنف روى أحمد (٢٨١) قريبًا منه وهو: «فَإِنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
ولفظ حديث عمر في البخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٠): «فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
وفي بعض نسخ "العمدة" ذكر هذا اللفظ بعد حديث ابن عباس.
ولفظ حديث ابن عباس في البخاري (٢٦٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ».
ولفظ مسلم (١٦٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ».
[ ٩ / ١٣٧ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٦٩):
«"الصدقة" ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين ولا طلب غرض من جهته؛ لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات.
وأمَّا "الهدية" فيقصد بها إكرام شخص معين؛ إمَّا لمحبة وإمَّا لصداقة؛ وإمَّا لطلب حاجة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٦٥):
«وجملة ذلك أنَّ الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة.
والصدقة والهدية متغايران؛ فإنَّ النَّبي ﷺ كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
وقال في اللحم الذي تصدق به على بريرة: "هو عليها صدقة، ولنا هدية" فالظاهر أنَّ من أعطى شيئًا ينوي به إلى الله تعالى للمحتاج، فهو صدقة. ومن دفع إلى إنسان شيئًا للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هدية» اهـ.
قُلْتُ: وفي حديث الباب «لا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ»، «فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ» ففيه تسمية الصدقة هبة.
قُلْتُ: والأصل أنَّ الصدقة أفضل من الهدية إلَّا في بعض المواضع فإنَّ الهدية تفضل فيها على الصدقة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٦٩):
[ ٩ / ١٣٨ ]
«وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلَّا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة مثل: الإهداء لرسول الله ﷺ في حياته محبة له.
ومثل: الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله: فهذا قد يكون أفضل من الصدقة» اهـ.
وقوله في الحديث: «فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ». أي بخدمته وعلفه، وقيل: في استعماله في الذي وهب من أجله، والمعنى الأول هو الأظهر لقول عمر: «فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ». فهذا يدل على أنَّه أهمله حتى قلت قيمته.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حمل المجاهدين في سبيل الله تعالى.
وقد روى البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».
٢ - تحريم الرجوع في الصدقة، ويلحق بذلك الكفارة والنذر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٢٩):
«فصل: ولا يجوز للمتصدق الرجوع في صدقته، في قولهم جميعًا؛ لأنَّ عمر قال في حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة، فإنَّه لا يرجع فيها. مع عموم أحاديثنا، فاتفق دليلهم ودليلنا، فلذلك اتفق قولهم وقولنا» اهـ.
[ ٩ / ١٣٩ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٣): «ويلتحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات» اهـ.
٣ - النهي عن شراء الرجل صدقته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٣٧):
«كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر في الفرس، وهو قول مالك، والليث، والكوفيين، والشافعي، وسواء عندهم صدقة الفرض أو التطوع، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، والأولى به التنزه عنها، وكذلك قولهم فيما يخرجه المكفر عن كفارة اليمين مثل الصدقة سواء.
قال ابن المنذر: ورخص في شراء الصدقة: الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعي، وقال ابن القصار: قال قوم: لا يجوز لأحد أن يشترى صدقته، ويفسخ البيع، ولم يذكر قائلي ذلك، ويشبه أن يكونوا أهل الظاهر، وحجة من لم يفسخ البيع أنَّ الصدقة راجعة إليه بمعنى غير معنى الصدقة، كما خرج لحم بريرة، وانتقل عن معنى الصدقة المحرمة على النبي ﷺ، إلى معنى الهدية المباحة له.
قال ابن القصار: وقد قال ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني إلَّا لخمسة". وذكر منهم من اشتراها بماله، ولم يفرق بين أن يكون المشترى لها صاحبها أو غيره» اهـ.
[ ٩ / ١٤٠ ]
وَقَالَ ﵀ (٣/ ٥٣٨): «فإن قيل: فلم كرهتم شراءه إياها؟. قيل: لئلا يحابيه الذى تصدق عليه بها فيصير عائدًا في بعض صدقته، لأنَّ العادة أنَّ الذى تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٥٧):
«كَرِهَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ شِرَاءَ الصَّدَقَةِ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهَا
فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدٌ صَدَقَتَهُ لَمْ يَفْسَخُوا الْعَقْدَ وَلَمْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ وَرَأَوْا لَهُ التَّنَزُّهَ عَنْهَا
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي شِرَاءِ الْإِنْسَانِ مَا يُخْرِجُهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مِثْلُ الصَّدَقَةِ سَوَاءً وَإِنَّمَا كَرِهُوا شِرَاءَهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَفْسَخُوا الْبَيْعَ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى
وَقَدْ بَدَا ذَلِكَ فِي قِصَّةِ هَدِيَّةِ بِرَيْرَةَ بِمَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ طَابَقَ النَّهْيَ فَفُسِّرَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٣٥):
«والأولى: حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأنَّ النبي ﷺ فهم عن عمر ﵁ ما كان وقع له، من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن. وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلَّا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «قُلْتُ: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم» اهـ.
[ ٩ / ١٤١ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٣):
«وَقَالَ بن الْمُنْذِرِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا لِلنَّهْيِ الثَّابِتِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ الْبَيْعِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٥٩ - ١٦٠):
«فَصْلٌ وَفِي أَكْلِهِ ﷺ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بريرة وَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ" دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْغَنِيِّ وَبَنِي هَاشِمٍ وَكُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ مِمَّا يُهْدِيهِ إِلَيْهِ الْفَقِيرُ مِنَ الصَّدَقَةِ؛ لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْمَأْكُولِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِمَالِهِ.
هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ صَدَقَةَ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ صَدَقَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَلَا يَقْبَلَهَا هَدِيَّةً.
كَمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عمر ﵁ عَنْ شِرَاءِ صَدَقَتِهِ وَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ"» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح، وذلك أنَّ الأصل في النهي التحريم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٣٠٩ - ٣١٠):
«وللمنع من شرائه علتان:
إحداهما: أنَّه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها لأنَّ الفقير يستحي منه فلا يماسكه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو
[ ٩ / ١٤٢ ]
توهم أنَّه إن لم يبعه إياها استرجعها منه فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان.
العلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق فإنَّ النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالها بعد متعلقة به فلم تطب به نفسًا لله وهي متعلقة به فقطع عليها طمعها في العود ولو بالثمن ليتمحض الإخراج لله، وهذا شأن النفوس الشريفة ذوات الأقدار والهمم أنَّها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا بغيره وتعد ذلك دناءة ولهذا مثل النبي ﷺ العائد في هبته بالكلب يعود في قيئه لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته.
فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته ولهذا منع من سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دار إسلام كما منع النبي ﷺ المهاجرين بعد الفتح من الاقامة بمكة فوق ثلاثة أيام لأنَّهم خرجوا عن ديارهم لله فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله» اهـ.
٤ - وهل يدخل في ذلك إذا انتقلت إلى ثالث ثم اشتراها المتصدق الأول منه.
[ ٩ / ١٤٣ ]
الجواب: لا يدخل، ولا ينطبق عليه هذا الحديث فإنَّه ليس بعائد في هبته، وبه جمهور العلماء. والأولى ترك ذلك للمعني الذي ذكره العلامة ابن القيم في كلامه السابق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤):
«وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور» اهـ.
قُلْتُ: وللإمام مالك في ذلك روايتان، الأولى الكراهة، وعلل ذلك الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ١٣٩) بقوله: «لأنَّ من زال ملكه عن شيء لله تعالى على وجه الصدقة فإنَّه يجب أن لا يعود إلى ملكه؛ لأنَّه من باب العود في الصدقة» اهـ.
والرواية الأخرى: الجواز.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ١٤٠):
«ووجه القول الثاني أنَّ المتصدق عليه ربما سامحه في بعض الثمن لما تقدم من صدقته عليه، والأجنبي لا يتوقع ذلك منه غالبًا ولو وجد ذلك منه لما كان في معنى الرجوع في الصدقة» اهـ.
٥ - وعموم الحديث يشمل صدقته لولده، وفي ذلك نزاع بين العلماء، فأجاز الرجوع في ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، ومنع من ذلك الإمام مالك وأبو حنيفة.
[ ٩ / ١٤٤ ]
ومما احتج به المجوزون عموم قول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ، فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» وسيأتي قريبًا.
قُلْتُ: والعطية تشمل الصدقة، فيخص حديث عمر بهذا الحديث، وهذا هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٦ - واستثنى بعض العلماء من العود بالصدقة من دفع زكاة ماله للساعي، ثم ردها الساعي إليه لفقره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٠٥):
«فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا لَهُ عِيَالٌ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ؟ قِيلَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِلْإِمَامِ أَوِ السَّاعِي أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد» اهـ.
٧ - ويستثنى من النهي السابق من تصدق على غيره بصدقة، أو أعطى غيره كفارة، أو نذر، أو أهدى إليه هدية، ثم رجعت إليه بالميراث، فإنَّه لا يعتبر بذلك عائدًا، فإنَّه لا اختيار له في ذلك.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١١٤٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ
[ ٩ / ١٤٥ ]
عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا». قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٥٧):
«وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مِنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ رُزِقَهَا أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ، رَوَاهُ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ قَدْ وَجَبَ أَجْرُكَ وَرَجَعَتْ إِلَيْكَ بِالْمِيرَاثِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٣٨): «وأجمعوا أنَّ من تصدق بصدقة ثم ورثها أنَّه حلال له» اهـ.
٨ - وفيه تحريم عود الواهب في هبته.
قُلْتُ: ويستثنى من هذا النهي الوالد فيما وهبه لولده، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢١١٩، ٤٨١٠، ٥٤٩٣)، وأبو داود (٣٥٣٩)، والنسائي (٣٦٩٠، ٣٧٠٣)، والترمذي (١٢٩٩، ٢١٣٢)، وابن ماجة (٢٣٧٧) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ رَفَعَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ، فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ، فَيَرْجِعُ فِيهَا، كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فِي قَيْئِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ٩ / ١٤٦ ]
وروى أحمد (٦٧٠٥)، وابن ماجة (٢٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدٍ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
قُلْتُ: عامر الأحول في حديثه بعض اللين، وحديث حسين المعلم أصح منه.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب الإمام أحمد في رواية، وأبو حنيفة، والثوري إلى أنَّ الأب كغيره في عدم الرجوع في الهبة.
وقد ذكر علماء الحنابلة وغيرهم شروطًا لرجوع الوالد في هبته، وهي:
الشرط الأول: أن تكون باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه، ببيع، أو هبة، أو وقف، أو إرث، أو غير ذلك، لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنَّه إبطال لملك غير الوالد.
وإن عادت إليه بسبب جديد، كبيع أو هبة أو وصية أو إرث ونحو ذلك، لم يملك الرجوع فيها؛ لأنَّها عادت بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلا يملك فسخه وإزالته، كالذي لم يكن موهوبًا له وإن عادت إليه بفسخ البيع، لعيب، أو إقالة أو فلس المشتري، ففيه وجهان:
أحدهما: يملك الرجوع؛ لأنَّ السبب المزيل ارتفع، وعاد الملك بالسبب الأول، فأشبه ما لو فسخ البيع بخيار المجلس أو خيار الشرط.
وهذا هو الذي يظهر لي صحته.
[ ٩ / ١٤٧ ]
والثاني: لا يملك الرجوع؛ لأنَّ الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل إليه عليه، فأشبه ما لو عاد إليه بهبة.
فأمَّا إن عاد إليه للفسخ بخيار الشرط، أو خيار المجلس، فله الرجوع؛ لأنَّ الملك لم يستقر عليه.
الشرط الثاني: أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف في رقبتها، فإن استولد الأمة، لم يملك الأب الرجوع فيها؛ لأنَّ الملك فيها لا يجوز نقله إلى غير سيدها.
وإن رهن العين، أو أفلس وحجر عليه، لم يملك الأب الرجوع فيها؛ لأنَّ في ذلك إبطالًا لحق غير الولد فإن زال المانع من التصرف، فله الرجوع؛ لأنَّ ملك الابن لم يزل، وإنَّما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك، فمنع الرجوع، فإذا زال، زال المنع.
وقد ذكروا شروطًا أخرى ليس عليها حجة قوية.
وظاهر الحديثين اختصاص هذا الحكم بالأب دون الجد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٢٥٩):
«وليس للجد الرجوع لأنَّ الخبر يتناول الوالد حقيقة وليس الجد في معناه لأنَّه يدلي بواسطة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٣٧):
«وهل يلحق بالأب الأم والجد، اختلف في ذلك قول مالك، والشافعي.
[ ٩ / ١٤٨ ]
ففي قول: يُقْصَرُ ذلك على الأب. وفي قول آخر: إلحاقهما به. والمشهور من مذهب مالك: إلحاق الأم. ومن مذهب الشافعي: إلحاق الأم، والأجداد، والجدَّات مطلقًا» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر الحديثين اختصاص جواز العود في الهبة بالأب دون الأم، والجدة. وهذا مذهب أحمد في رواية، وأحد القولين للإمام مالك والشافعي، كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٠٤):
«قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجوع للمرأة فيما أعطته ولدها كالرجل؟ قال: ليس هي عندي في هذا كالرجل؛ لأنَّ للأب أن يأخذ من مال ولده، والأم لا تأخذ وذكر حديث عائشة: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". أي كأنَّه الرجل.
قال أصحابنا: والحديث حجة لنا، فإنَّه خص الوالد، وهو بإطلاقه إنَّما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما أنَّ للأب ولاية على ولده، ويحوز جميع المال في الميراث، والأم بخلافه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي رجحانه تمسكًا بظاهر الحديث، ولأنَّ للأب تسلط في مال الولد ما ليس للأم، وقد روى ابن ماجة (٢٢٩١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ
[ ٩ / ١٤٩ ]
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أحمد (٦٩٠٢)، وابن ماجة (٢٢٩٢) مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يُخَاصِمُ أَبَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا قَدِ اجْتَاحَ مَالِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتَ، وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
قُلْتُ: وفيه الحجاج وهو ابن أرطأة في حفظه ضعف، وهو مع ذلك مدلس وقد عنعن، ويشهد له ما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٠٤):
«وقال مالك: للأم الرجوع في هبة ولدها ما كان أبوه حيًا، فإن كان ميتًا، فلا رجوع لها؛ لأنَّها هبة ليتيم وهبة اليتيم، لازمة، كصدقة التطوع، ومن مذهبه أنَّه لا يرجع في صدقة التطوع» اهـ.
قُلْتُ: ومذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى أنَّ الأم في ذلك كالأب.
٩ - ويستثنى من هذا النهي إذا كانت العطية أريد بها المعاوضة، فإنَّه إذا لم يوف له ما أراد فله العود.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٨٣):
[ ٩ / ١٥٠ ]
«في السنن عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ليس لواهب أن يرجع في هبته؛ إلَّا الوالد فيما وهبه لولده". وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم؛ إلَّا أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة: مثل من يعطي رجلًا عطية ليعاوضه عليها، أو يقضي له حاجة: فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظًا، أو عرفًا فله أن يرجع في هبته أو قدرها. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٣٦ - ٣٧):
«فأمَّا هبة الثواب: فقد قال بها مالك، وإسحاق، والطبري، والشافعي - في أحد قوليه -: إذا علم أنَّه قصد الثواب؛ إمَّا بالتصريح به، وإمَّا بالعادة والقرائن، كهبة الفقير للغني، والرَّجل للأمير. وبها قال أبو حنيفة: إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر. وقد روي عنهما، وعن أبي ثور: منعها مطلقًا. ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل. والأصل في جواز هبة الثواب: ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَبْ عليها منها". قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، وما خرَّجه مالك عن عمر أنَّه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم، أو على وجه الصَّدقة أنَّه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنَّما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها، وما خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ
[ ٩ / ١٥١ ]
ناقة، فعوضه منها بعض العوض، فتسخَّطه. وفي رواية: أهدى له بكرة، فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال رسول الله ﷺ على المنبر: "إنَّ رجالًا من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة، فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليِّ. وايم الله! لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلَّا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسيٍّ". وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي، فيعضده كل ما تقدم. وما حكاه مالك من أنَّ هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه، إلَّا وجهًا واحدًا؟! وهي: أنَّ العوض فيها غير معلوم حالة العقد. وإنَّما سامح الشرع في هذا القدر؛ لأنَّهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة، لا المشاحَّة، فعفا عن تعيين العوض فيه، كما فعل في نكاح التفويض» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره القرطبي ﵀ رواه ابن ماجه (٢٣٨٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع.
والحديث الآخر رواه الترمذي (٣٩٤٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكْرَةً فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَتَسَخَّطَهَا، فَبَلَغَ
[ ٩ / ١٥٢ ]
ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فُلَانًا أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ فَظَلَّ سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وقد رواه أحمد (٧٩٠٥) مِنْ طَرِيْقِ أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن عن المقبري به. وأبو معشر ضعيف الحديث.
وروى أبو داود (٣٥٣٧) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن إسحاق عن ابن المقبري عن أبيه به. واقتصر على فيه على كلام النبي ﷺ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٠/ ٣٩٣): «يرويه ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة.
وخالفه محمد بن إسحاق، فرواه عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو الصواب» اهـ.
وأثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٤٠) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أبي غطفان وعمر.
[ ٩ / ١٥٣ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٧٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَثِبْ مِنْهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٩٦٩)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٣٢٣) ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٠٢) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، نا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ، لكن قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (٥/ ١٨ - ١٩): «أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المزني عن مروان بن الحكم أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنَّه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنَّما أراد الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها".
ورواه سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر: "من وهب هبة يريد ثوابها فإنَّه يرجع فيها إن لم يرض منها".
وغلط فيه عبد الله بن موسى فرواه عن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها.
[ ٩ / ١٥٤ ]
والصحيح رواية عبد الله بن وهب عن حنظلة عن سالم أبيه عن عمر كما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٥٨):
«واختلف عن حنظلة، فحدث به علي بن سهل بن المغيرة، وكان ثقة عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، ووهم فيه. وإنَّما هو عن ابن عمر، عن عمر.
ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قوله» اهـ.
وَقَالَ بعد روايته للحديث في [سُنَنِهِ] (٣/ ٤٦٠):
«لَا يَثْبُتُ هَذَا مَرْفُوعًا، وَالصَّوَابُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٦٦ - ٦٧):
«فَصْلٌ: وَالْهِبَةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا تَقْتَضِي ثَوَابًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْإِنْسَانِ لِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْهِبَةِ لِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ كَقَوْلِنَا. فَإِنْ كَانَتْ لِأَعْلَى مِنْهُ، فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ، يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا.
[ ٩ / ١٥٥ ]
وَلَنَا أَنَّهَا عَطِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فَلَمْ تَقْتَضِ ثَوَابًا، كَهِبَةِ الْمِثْلِ وَالْوَصِيَّةِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنْ عَوَّضَهُ عَنْ الْهِبَةِ، كَانَتْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لَا عِوَضًا، أَيُّهُمَا أَصَابَ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ.
وَإِنْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، أَخَذَهَا صَاحِبُهَا، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِبَدَلِهَا. فَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا، صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضِ مَعْلُومٍ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ، فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ، فَصَحَّ مَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ كَانَ هِبَةً، وَإِذَا ذَكَرَ الْعِوَضَ صَارَ بَيْعًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِي هَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ
فَأَمَّا إنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لَمْ يَصِحَّ، وَفَسَدَتْ الْهِبَةُ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، يَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ. وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، رَدَّ قِيمَتَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، ﵀، أَنَّهَا تَصِحُّ، فَإِذَا أَعْطَاهُ عَنْهَا عِوَضًا رَضِيَهُ، لَزِمَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: إذَا قَالَ الْوَاهِبُ: هَذَا لَك عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي. فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا لَمْ يُثِبْهُ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ.
[ ٩ / ١٥٦ ]
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا وَهَبَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِثَابَةِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُثِيبَهُ عَنْهَا، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يُرْضِيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَدْرَ قِيمَتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي، إلَّا أَنَّهُ بَيْعٌ بِالْمُعَاطَاةِ، فَإِذَا عَوَّضَهُ عِوَضًا رَضِيَهُ، حَصَلَ الْبَيْعُ بِمَا حَصَلَ مِنْ الْمُعَاطَاةِ مَعَ التَّرَاضِي بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّرَاضِي، لَمْ تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَلَا الْمُعَاطَاةُ مَعَ التَّرَاضِي.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ، يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا. وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَمَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي ثَوَابًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا وَهَبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً، فَأَعْطَاهُ ثَلَاثًا فَأَبَى، فَزَادَهُ ثَلَاثًا، فَأَبَى، فَزَادَهُ ثَلَاثًا، فَلَمَّا كَمُلَتْ تِسْعًا، قَالَ: رَضِيت: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ. مِنْ " الْمُسْنَدِ ".
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَلَمْ يُثِبْهُ مِنْهَا، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ نُقْصَانَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ إذَا رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَهُ، أَوْ غُلَامًا اسْتَعْمَلَهُ، أَوْ جَارِيَةً اسْتَخْدَمَهَا، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ إذَا نَقَصَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَانَ عِنْدِي مِثْلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِصَاحِبِهِ» اهـ.
[ ٩ / ١٥٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ٥٤٩ - ٥٥١):
«اعْلَمْ أَنَّ الْهِبَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ لَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ وَنَوْعٌ يَقْتَضِيهَا، فَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ فَمِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: هِبَةُ الْإِنْسَانِ لِمَنْ دُونَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّفَضُّلُ.
وَالثَّانِي: هِبَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا النَّفْعُ.
وَالثَّالِثُ: هِبَةُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِلصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ، لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ مِنْهَا.
وَالرَّابِعُ: الْهِبَةُ لِلْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَالْخَامِسُ: الْهِبَةُ لِلْمُنَافِرِ الْمُعَادِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّآلُفُ.
وَالسَّادِسُ: الْهِبَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْقُرْبَةُ وَالتَّبَرُّرُ.
وَالسَّابِعُ: الهبة للأصدقاء والإخوان، لأن المقصود بها تأكيد الْمَوَدَّةِ.
وَالثَّامِنُ: الْهِبَةُ لِمَنْ أَعَانَ بِجَاهٍ أَوْ بِمَالٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْمُكَافَأَةُ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْهِبَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّمَانِيَةِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْمُكَافَأَةَ، وَإِذَا أَقْبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ فَقَدْ مَلَكَهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا كَالَّذِي يملك بابتياع أو ميراث.
فصل: وأمَّا مَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ فَهُوَ مَا سِوَى هَذِهِ الْوُجُوهِ مِمَّا يَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا طَلَبُ الْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا فَفِي وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِسَلْمَانَ إِنَّا نَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا، وَلِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ
[ ٩ / ١٥٨ ]
﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً فَكَافَأَهُ فَلَمْ يَرْضَ فَكَافَأَهُ فَلَمْ يَرْضَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَافِئُهُ حَتَى رَضِيَ ثُمَّ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ لَا أَتَّهِبَ إِلَّا مِنْ قرشيٍّ أَوْ أنصاريٍّ أَوْ ثقفيٍّ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا، لأنَّهم مَشْهُورُونَ بِسَمَاحَةِ النُّفُوسِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ فَلَوْلَا وُجُوبُ الْمُكَافَأَةِ لَمَا صَبَرَ عَلَى طَمَعِ الْأَعْرَابِيِّ وَآذَاهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ فِي النَّاسِ الْمُكَافَأَةُ بِهَا يَجْعَلُهُ كَالشَّرْطِ فِيهَا وَيَكُونُ قَبُولُ الْهِبَةِ رِضًى بِالْتِزَامِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حنيفة إِنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ "لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ"، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ تَمَلُّكُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ بَدَلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الْبَدَلَ كَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّ الْعُقُودَ لَا يَخْتَلِفُ اسْتِحْقَاقُ الْبَدَلِ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْعَاقِدِينَ لَهَا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْعُقُودِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَارِيَةِ فِي إِسْقَاطِهِ.
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الثَّوَابَ لَا يَجِبُ فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ لَا تُسْتَحَقُّ فَأَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَافَأَ فَهِيَ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ حُكْمُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْهِبَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، فَلَوِ اسْتُحِقَّتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ فَالْأُخْرَى عَلَى حَالِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَرْجَعَ فَإِنْ شَرَطَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ ثَوَابًا وَمُكَافَأَةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ الَّذِي شَرَطَ مَجْهُولًا فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ، لِاشْتِرَاطِ مَا يُنَافِيهَا.
[ ٩ / ١٥٩ ]
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَائِزَةٌ، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى بَدَلٍ مَعْلُومٍ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَإِذَا قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الثَّوَابِ مَعْلُومًا كَانَ أَوْ مَجْهُولًا فَالْمَوْهُوبُ لَهُ ضَامِنٌ لَهَا بِالْقَبْضِ، لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَعَلَيْهِ رَدُّهَا لِفَسَادِ الْعَقْدِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهَا كَالْمَقْبُوضِ مِنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِأَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَتُهُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ عَلَى أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ فِي ضَمَانِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ نَقَصَتْ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا ضَمِنَ قَدْرَ نَقْصِهَا، فَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْهِبَةِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الثَّوَابِ الْمَعْلُومِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ الْمَحْضِ يَسْتَحِقُّ فيه خيار المجلس بالعقد وخيار الثلث بِالشَّرْطِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ، وَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الْهِبَةُ وَجَبَ رَدُّ الثَّوَابِ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ الثَّوَابُ وَجَبَ رَدُّ الْهِبَةِ وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مُعَيَّنًا أَوْ غُرِمَ مِثْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْهِبَةِ إِنْ كَانَ الثَّوَابُ مَوْصُوفًا، وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْهِبَةِ عَيْبٌ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الثَّوَابَ وَاجِبٌ وَالْمُكَافَأَةَ مُسْتَحَقَّةٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِطَ الثواب أولًا بشرطه، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ.
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُثِيبَ وَيُكَافِئَ حَتَّى يَرْضَى الْوَاهِبُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُكَافِئُ الْأَعْرَابِيَّ حَتَّى رَضِيَ.
[ ٩ / ١٦٠ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِمَا يَكُونُ فِي الْعُرْفِ ثَوَابًا لِمِثْلِ تِلْكَ الْهِبَةِ، لِأَنَّ الرِّضَى لا ينحصر فكان العرف أولى أن يعتبره.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْهِبَةِ لَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ النُّقْصَانُ مِنْهَا، لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ فِيهِ الْبَدَلُ إِذَا عُدِمَ الْمُسَمَّى رَجَعَ إِلَى الْقِيمَةِ اعْتِبَارًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُكَافِئَ فِي مِقْدَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الثَّوَابِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَاهِبِ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ رَدَّ الْهِبَةَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّوَابِ، فَإِنْ رَدَّهَا نَاقِصَةً فَإِنْ كَانَ نَقْصُهَا بِفِعْلِهِ ضَمِنَهُ لِلْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَفِي ضَمَانِهِ إِيَّاهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُهُ، وَإِنْ رَدَّهَا وَقَدْ زَادَتْ فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ لَا تَتَمَيَّزُ كَالطُّولِ وَالسَّمِنُ أَخَذَهَا الْوَاهِبُ زَائِدَةً، لِأَنَّ مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنَ الزِّيَادَاتِ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَالنِّتَاجِ وَالثَّمَرَةِ، لِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَاهِبِ وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْهِبَةَ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَكَافَأَهُ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الثَّوَابِ فِيهَا فَالْوَاهِبُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُكَافَأَةَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْبَلَ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي اسْتِرْجَاعِ الْهِبَةِ، فَإِنْ قَبِلَ الْمُكَافَأَةَ ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُكَافِئَهُ ثَانِيَةً وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ، وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الْهِبَةُ دُونَ الْمُكَافَأَةِ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُكَافَأَةِ، فَلَوْ قَالَ الْوَاهِبُ أَنَا أَهَبُ لَكَ مِثْلَ تِلْكَ الْهِبَةِ وَلَا
[ ٩ / ١٦١ ]
أَرُدُّ الْمُكَافَأَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْمُكَافَأَةِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافَأْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَكَافَأَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ جَازَ وَلَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ، لِوُصُولِ الثَّوَابِ إِلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُكَافِئِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمَا أَثَابَ عَنْهُ وَكَافَأَ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ إِلَّا أَنْ يكافئ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافِئْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنِ الْهِبَةِ حَتَّى تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَفِي وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ وَيُثِيبَ فِي الْحَالِ الَّتِي إِنْ رَدَّ وَلَمْ يُثِبْ فَعَلَى هَذَا تتلف غير مضمونة عليه.
والقول الثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ أَثَابَ وَإِلَّا ضَمِنَهَا بِالْقِيمَةِ لِتَلَفِهَا عَنْ بَدَلٍ فَائِتٍ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر في هبة الثواب أنَّ له أن يرجع فيها إذا لم يحصل له مقصوده كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وتعرف هبة الثواب بالقول أو القرينة الدالة على ذلك، والأظهر أنَّ الإثابة تكون بمقدار الهبة ولا يشترط الرضا لحديث الأعرابي فإنَّه لم يرض بالست البكرات وليس في الحديث أنَّه رد الهبة إليه بسبب عدم الرضا.
١٠ - ويستثنى من النهي من رد الهدية بعد قبولها ليأخذ غيرها فإنَّ للمهدي أن يأخذها، لما روى البخاري (٣٧٣)، ومسلم (١٢٣٨) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ
[ ٩ / ١٦٢ ]
قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي».
١١ - ويدخل في عموم ذم العود في الهبة، عود المرأة عن هبتها ليومها لبعض ضراتها.
قُلْتُ: المرأة إن وهبت يومها لبعض ضراتها فليس لها الرجوع في ذلك أي فيما مضى، وإن كان لها الرجوع في المستقبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٧):
«ومتى رجعت الواهبة في ليلتها، فلها ذلك في المستقبل؛ لأنَّها هبة لم تقبض، وليس لها الرجوع فيما مضى؛ لأنَّه بمنزلة المقبوض» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٤٨٦):
«وإن وهبت ليلتها ثم رجعت لا يصح الرجوع فيما مضى لأنه هبة اتصل بها القبض ويصح في المستقبل لأنها هبه لم يتصل بها القبض» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ مَعَ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧):
«(وَلَوْ تَرَكَتْ قِسْمَهَا) بِالْكَسْرِ: أَيْ نَوْبَتَهَا (لِضَرَّتِهَا) (صَحَّ، وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهُ مَا وَجَبَ فَمَا سَقَطَ» اهـ.
[ ٩ / ١٦٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الضِّيَاءِ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي ﵀ فِي [مُخْتَصَرِهِ مَعَ شَرحِ الْخَرَشِيُّ] (٤/ ٦): «وَإِنْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّةٍ لَهُ الْمَنْعُ لَا لَهَا وَتَخْتَصُّ بِخِلَافٍ مِنْهُ وَلَهَا الرُّجُوعُ» اهـ.
١٢ - ويدخل في عموم الحديث نهي المرأة أن ترجع في هبتها لزوجها.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٠٥):
«اختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه، فقال جمهور العلماء: ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه للآخر، هذا قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وعطاء، وربيعة، وبه قال مالك، والليث، والثوري، والكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وفيها قول آخر، وهو أنَّ لها أن ترجع فيما أعطته، وليس له أن يرجع فيما أعطاها، روى هذا عن شريح، والشعبي، والزهري. قال الزهري: ما رأيت القضاة إلَّا يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها، ولا يقيلون الرجل فيما وهب لامرأته. وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني، قال: كتب عمر بن الخطاب أنَّ النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيَّما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت.
والقول الأول أحسن لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، وروى عن علي ابن أبي طالب، أنَّه قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة
[ ٩ / ١٦٤ ]
دراهم، ويشترى بها عسلًا، ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به، فيجمع هنيئًا مريئًا وماء مباركًا، فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٦٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١١٢٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أَزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا شَيْئًا فَأَرَادَتْ أَنْ تَعْتَصِرَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين محمد بن عبيد الله الثقفي، وعمر بن الخطاب ﵁.
وأمَّا أثر علي بن أبي طالب، فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤١٥٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُغِيرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهَا عَسَلًا، فَيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاءِ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ الْهَنِيءَ الْمَرِيءَ وَالْمَاءَ الْمُبَارَكَ وَالشِّفَاءَ».
قُلْتُ: في إسناده يعفور لم يوثقه معتبر، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي، وقد علم تساهلهما في توثيق المجاهيل، ويبقى النظر هل سمع من علي أو لا.
قُلْتُ: ولأحمد في هذه المسألة ثلاث روايات:
الرواية الأولى: ليس لها الرجوع.
[ ٩ / ١٦٥ ]
والثانية: لها الرجوع.
والثالثة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩):
«وعن أحمد رواية أخرى ثالثة، نقلها أبو طالب، إذا وهبت له مهرها، فإن كان سألها ذلك، رده إليها، رضيت أو كرهت؛ لأنَّها لا تهب إلَّا مخافة غضبه، أو إضرار بها بأن يتزوج عليها.
وإن لم يكن سألها، وتبرعت به، فهو جائز.
فظاهر هذه الرواية، أنَّه متى كانت مع الهبة قرينة، من مسألته لها، أو غضبه عليها، أو ما يدل على خوفها منه، فله الرجوع؛ لأنَّ شاهد الحال يدل على أنَّها لم تطب بها نفسها، وإنَّما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]» اهـ.
١٣ - واحتج بقوله: «كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». على عدم تحريم عود الواهب في هبته؛ لأنَّ الكلب غير متعبد فالقيء ليس حرامًا عليه. وهذا مذهب الحنفية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٣٥):
«وتعقب باستبعاد ما تأوله ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأنَّ عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٥٨):
[ ٩ / ١٦٦ ]
«ولهذا يذكر: أنَّ الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقال له الشافعي: الكلب ليس بمكلف. فقال له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث؛ فإنَّ النبي ﷺ لم يذكر هذا المثل إلَّا ليبين أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذمومًا وإن لم يكن الكلب مذمومًا في ذلك من جهة التكليف؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله سبحانه قد بين بقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾، أنَّ التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذمومًا بقدر ذلك المثل السوء» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو ما رواه البخاري (٢٦٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ».
ورواه أيضًا (٦٩٧٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ».
١٤ - وفيه أنَّ الحمل في سبيل الله تمليك لمن حمله فيجوز له بيعه وهبته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٥٧):
«وفيه: أنَّه من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل به بعد ذلك ما يفعل في سائر ماله، ألا ترى أنَّ رسول الله لم ينكر على بائعه بيعه، وإنَّما أنكر على عمر شراءه» اهـ.
[ ٩ / ١٦٧ ]
١٥ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان.
قُلْتُ: وقد دلت الأدلة المتكاثرة على النهي عن التشبه بالحيوان منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧].
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].
الدليل الثالث: قول الله تعالى: قول الله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
[ ٩ / ١٦٨ ]
الدليل الخامس: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
الدليل السادس: قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].
الدليل السابع: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
قُلْتُ: والشاهد من هذه الآيات أنَّ الله ﷿ شبه الكافرين بالأنعام في موضع الذم، فدل ذلك على ذم التشبه بالأنعام.
وبيَّن في آية لقمان أنَّ رفع الصوت بالصياح من التشبه بالحمير، وأنَّ ذلك من أنكر الأصوات، وهذا يقتضي ذم التشبه بالحمير في أصواتها.
الدليل الثامن: ما رواه أحمد (١٥٥٧١، ١٥٧٠٥)، وأبو داود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وابن ماجة (١٤٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ تَمِيمِ بْنِ مَحْمُودٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «يَنْهَى عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ افْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ».
[ ٩ / ١٦٩ ]
قُلْتُ: تميم في حديثه لين. ويشهد له ما رواه أحمد (٢٣٨٠٩) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ فَرْشَةِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ مَقَامَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ».
قُلْتُ: عبد الحميد بن سلمة مجهول، والحديث حسن بهذين الطريقين.
الدليل التاسع: ما رواه البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ».
الدليل العاشر: ما رواه أحمد (٨٠٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: «أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بشواهده.
وأمَّا النهي عن بروك كبروك الإبل فلا يثبت.
قُلْتُ: وأمَّا ما روى البزار (٢٩٣) عَنْ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا عَلَى عَاتِقَيِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: نِعْمَ الْفَرَسُ تَحْتَكُمَا قَالَ: «وَنِعْمَ الْفَارِسَانِ هُمَا». فلا يثبت في ذلك عن النبي ﷺ شيء، وقد
[ ٩ / ١٧٠ ]
تكلم على ذلك بتوسع فأفاد وأجاد الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] (٦٥٩٤)، وكان مما قاله:
«ضعيف جدًا. روي عن عمر، وسلمان، وأبي جعفر الباقر مرسلًا، ﵃ جميعًا، والأسانيد عنهم واهية» اهـ.
قُلْتُ: وجاء من حديث جابر، وقد أورده الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] (٢٦٦١) وقال: «منكر جدًا بهذا السياق» اهـ.
قُلْتُ: وأحسن ما في الباب ما رواه الترمذي (٣٧٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَامِلَ الْحُسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ المَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلَامُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل زمعة بن صالح، وليس فيه التشبه بالحيوان، فإنَّ حمل الأطفال على العواتق ليس من التشبه بالحيوان في شيء.
وِلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ مبحث نفيس حول التشبه بالحيوان قال فيه كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٥٦ - ٢٦٠):
[ ٩ / ١٧١ ]
«فَصْلٌ: التَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ فِي الشَّرْعِ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ: فِي أَصْوَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِثْلُ: أَنْ يَنْبَحَ نَبِيحَ الْكِلَابِ؛ أَوْ يَنْهَقَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِوُجُوهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّا قَرَّرْنَا فِي "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ" نَهْيَ الشَّارِعِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ جِنْسُهُمْ نَاقِصٌ كَالتَّشَبُّهِ؛ بِالْأَعْرَابِ وَبِالْأَعَاجِمِ وَبِأَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فِي أُمُورٍ مِنْ خَصَائِصِهِمْ وَبَيَّنَّا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ.
أَنَّ الْمُشَابِهَةَ تُورِثُ مُشَابَهَةَ الْأَخْلَاقِ؛ وَذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ عِشْرَةَ بَعْضِ الدَّوَابِّ اكْتَسَبَ مِنْ أَخْلَاقِهَا: كَالْكَلَّابِينَ وَالْجَمَّالِينَ. وَذَكَرْنَا مَا فِي النُّصُوصِ مِنْ ذَمِّ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ: أَهْلَ الْإِبِلِ وَمِنْ مَدْحِ أَهْلِ الْغَنَمِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ التَّشَبُّهُ بِنَفْسِ الْبَهَائِمِ فِيمَا هِيَ مَذْمُومَةٌ بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ النَّهْيَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ مُطْلَقًا فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى فِعْلِ مَا هُوَ مَذْمُومٌ بِعَيْنِهِ؛ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَوْنَ الشَّخْصِ أَعْرَابِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا خَيْرٌ مِنْ كَوْنِهِ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهَذَا الصِّنْفِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي خَصَائِصِهِ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ تَشَبُّهًا فِيمَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ وَيَدْعُو إلَيْهِ: فَالتَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا وَمَنْهِيًّا عَنْهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ مِثْلَ الْبَهَائِمِ مَذْمُومٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
[ ٩ / ١٧٢ ]
كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا شَبَّهَ الْإِنْسَانَ بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِمَا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ () سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الْآيَةَ. وَإِذَا كَانَ التَّشَبُّهُ بِهَا إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَذْمُومُ التَّشَبُّهَ بِهَا: فَالْقَاصِدُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا؛ لَكِنْ إنْ كَانَ تَشَبَّهَ بِهَا فِي عَيْنِ مَا ذَمَّهُ الشَّارِعُ: صَارَ مَذْمُومًا مِنْ وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَمْ يَذُمُّهُ بِعَيْنِهِ: صَارَ مَذْمُومًا مِنْ جِهَةِ التَّشَبُّهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَذْمُومِ بِعَيْنِهِ. يُؤَيِّدُ هَذَا:
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحِ: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ؛ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ". وَلِهَذَا يُذْكَرُ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَد تَنَاظَرَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: الْكَلْبُ لَيْسَ بِمُكَلَّفِ. فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْمَثَلَ إلَّا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا شَابَهَ الْكَلْبَ كَانَ مَذْمُومًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلْبُ مَذْمُومًا فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ
[ ٩ / ١٧٣ ]
بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ أَنَّ التَّمْثِيلَ بِالْكَلْبِ مَثَلُ سَوْءٍ وَالْمُؤْمِنُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَثَلِ السَّوْءِ. فَإِذَا كَانَ لَهُ مَثَلُ سَوْءٍ مِنْ الْكَلْبِ كَانَ مَذْمُومًا بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمَثَلِ السَّوْءِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ" وَقَالَ: "إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا" فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَصْوَاتَهَا مُقَارِنَةٌ لِلشَّيَاطِينِ وَأَنَّهَا مُنَفِّرَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَابِهَ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ بِقَدْرِ الْمُشَابَهَةِ فَإِذَا نَبَحَ نِبَاحَهَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِينِ وَتَنْفِيرُ الْمَلَائِكَةِ بِحَسَبِهِ. وَمَا يَسْتَدْعِي الشَّيَاطِينَ وَيُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إلَّا لِضَرُورَةِ؛ لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ: كَالصَّيْدِ. أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ حَتَّى قَالَ ﷺ: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالتَّشَبُّهُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي مِنْ الْحَمْدِ وَالذَّمِّ بِحَسَبِ الشَّبَهِ؛ لَكِنَّ كَوْنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لَا يَنْفِي التَّكْلِيفَ عَنْ الْمُتَشَبِّهِ كَمَا لَوْ تَشَبَّهَ بِالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِين. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ والمتشبهات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَجَعَلَ صَلَاحَهُ وَكَمَالَهُ فِي أَمْرٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَبَيْنَ أَمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ. فَأَمَّا الْأُمُورُ
[ ٩ / ١٧٤ ]
الْمُشْتَرِكَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَوَاقِعِ النَّهْيِ؛ وَإِنَّمَا مَوَاقِعُ النَّهْيِ الْأُمُورُ الْمُخْتَصَّةُ. فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ النِّسَاءِ لَيْسَ لِلرِّجَالِ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهَا وَالْأُمُورُ الَّتِي مِنْ خَصَائِصِ الرِّجَالِ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيهَا: فَالْأُمُورُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الْبَهَائِم لَا يَجُوزُ لِلْآدَمِيِّ التَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ قَدْرٌ جَامِعٌ مُشْتَرِكٌ وَقَدْرٌ فَارِقٌ مُخْتَصٌّ ثُمَّ الْأَمْرُ الْمُشْتَرِكُ: كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَصْوَاتِ وَالْحَرَكَاتِ؛ لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِالْوَصْفِ الْمُخْتَصِّ كَانَ لِلْإِنْسَانِ فِيهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ؛ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِمَا يَفْعَلُهُ الْحَيَوَانُ فِيهَا. فَالْأُمُورُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ أَوْلَى؛ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُشْتَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ وَلَكِنْ فِيهِ أَوْصَافٌ تُشْبِهُ أَوْصَافَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ إنَّمَا وُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ؛ لَا فِي الْخَارِجِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ مُخَالِفًا بِالْحَقِيقَةِ لِلْحَيَوَانِ وَجَعَلَ كَمَالِهِ وَصَلَاحَهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تُنَاسِبُهُ وَهِيَ جَمِيعُهَا لَا يُمَاثِلُ فَهَا الْحَيَوَانَ؛ فَإِذَا تَعَمَّدَ مُمَاثَلَةَ الْحَيَوَانِ وَتَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ: فَقَدْ دَخَلَ فِي فَسَادِ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١٥ - وفيه سؤال المرء عمَّا يجهل.
١٦ - قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٢٢):
[ ٩ / ١٧٥ ]
«استدل بقوله في رواية الشيخين: "وإن أعطاكه بدرهم". على أنَّه يجوز لصاحب السلعة أن يبيعها بغبن فاحش ولا رجوع له في ذلك وبهذا قال جمهور العلماء.
وقال البغداديون من المالكية متى انتهى الغبن للثلث فله الرجوع في البيع، وجعلوا قوله في هذا الحديث: "وإن أعطاكه بدرهم". ضرب مثل لا حقيقة، وقال الجمهور لا مانع من الحقيقة فلا يعدل عنها بغير دليل والله أعلم» اهـ.
١٧ - واحتج به على جواز وقف الحيوان، وهذا الاحتجاج إنَّما يستقيم إذا جعلنا عمر أوقف فرسه، ولم يتصدق به، وقد سبق الكلام في هذا.
قُلْتُ: وقد أجاز وقف الحيوان الشافعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، ومنعا من ذلك في الرواية الأخرى، وهو مذهب أبي يوسف.
ومما يدل على جواز وقف الحيوان، وغيره من المنقولات، ما رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «… وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣٣):
«و"الأعتاد": جمع عتد، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية، وكلاهما جمع قلة، وهو الفرس الصلب. وقيل: هو المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب» اهـ.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أحمد (٢٧٣٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحَجَّاجٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ
[ ٩ / ١٧٦ ]
قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ الْأَسَدِيَّةِ يَسْأَلُهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ، أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتِ الْعُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا الْبَكْرَ فَأَبَى، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ»، وَقَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، أَوْ تُجْزِئُ حَجَّةً»، وَقَالَ حَجَّاجٌ: «تَعْدِلُ بِحَجَّةٍ أَوْ تُجْزِئُ بِحَجَّةٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. والحديث فيه اختلاف، وقد سبق ذكر الحديث عند شرح حديث ابن عباس أول أحاديث كتاب الزكاة.
١٨ - وفيه النهي عن العود بالقيء.
* * *
[ ٩ / ١٧٧ ]
٢٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم العود في الهبة.
٢ - وهل يدخل في عمومة الرجوع بهدايا الخطبة عند فسخها أولا؟ محل نزاع بين العلماء.
فذهب الشافعية إلى أنَّها هبة ويشرع العود فيها لأنَّها هبة مشروطة بتمام الخطبة وحصول النكاح، فإذا لم يحصل ذلك شرع الرجوع فيها.
وذهبت الحنفية إلى استرداد ما كان قائمًا دون الهالك والمستهلك.
وذهب بعض المالكية إلى عدم الرجوع، وذهب بعضهم إلى الرجوع بالشطر.
وذهبت الحنابلة إلى أنَّ الفسخ إن كان من قبل الخاطب فلا يرجع بشيء. وإذا كان من جهة المخطوبة، فللخاطب أن يسترد الهدايا، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فإن هلكت أو استهلكت وجبت قيمتها، لأنَّه وهب بشرط بقاء العقد، فإن زال العقد، فله الرجوع، وهذا أصح المذاهب. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٣٢٥):
[ ٩ / ١٧٨ ]
«وَلَيْسَتْ هَدِيَّتُهُ مِنْ الْمَهْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَدْ وَعَدَ بِهِ فَزَوَّجُوا غَيْرَهُ رَجَعَ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَقَالَ: مَا قُبِضَ بِسَبَبِ نِكَاحٍ فَكَمَهْرٍ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [قَوَاعِدِهِ] (ص: ٣٢٢):
«وَمِنْهَا: مَاحَكَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْلَى يَتَزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا بَعْضَ الْمَهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا يَرُدُّوهُ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى هَدِيَّةً يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ; لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا زَالَ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ انْتَهَى» اهـ.
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ يُونُسَ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٣/ ٢٤): «(فَمَا) أَهْدَاهُ زَوْجٌ (قَبْلَ عَقْدٍ إنْ وَعَدُوهُ) بِأَنْ يُزَوِّجُوهُ (وَلَمْ يَفُوا) بِأَنْ يُزَوِّجُوهَا غَيْرَهُ (رَجَعَ بِهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَإِنْ كَانَ الْإِعْرَاضُ مِنْهُ أَوْ مَاتَتْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ] (٣/ ٢٩٦)
«وَمِنْهَا: إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ فَحَمَلَ إلَيْهِمْ هَدِيَّةً ثُمَّ لَمْ تَنْكِحْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا سَاقَهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَّا بِنَاءً عَلَى إنْكَاحِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ، قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي الرُّجُوعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ» اهـ.
[ ٩ / ١٧٩ ]