٣٠٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ: مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - وجوب الإيفاء بالشروط في النكاح.
وبالوجوب قال أحمد وغيره، وذهب الثلاثة إلى الاستحباب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٢٢):
«قال الشافعي وأكثر العلماء: إنَّ هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف، وأنَّه لا يقصر في شيء من حقوقها، ويقسم لها كغيرها، وأنَّها لا تخرج من بيته إلَّا بإذنه، ولا تنشز عليه، ولا تصوم تطوعًا بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إلَّا بإذنه. ولا تتصرف في متاعه إلَّا برضاه، ونحو ذلك. وأمَّا شرط يخالف مقتضاه كشرط ألَّا يقسم لها، ولا يتسرى عليها، ولا ينفق عليها، ولا يسافر بها، ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به بل يلغو الشرط ويصح
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
النكاح بمهر المثل لقوله ﷺ: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا لحديث: "إنَّ أحق الشروط" والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الحديث مع الإمام أحمد، وما ذكره من الحديث فالمراد به الشروط المحرمة المخالفة للكتاب أو السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٦ - ١٠٧):
«فصل: في حكمه ﷺ في الشروط في النكاح.
في "الصحيحين": عنه: "إنَّ أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج".
وفيهما عنه: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنَّما لها ما قدر لها". وفيهما: أنَّه نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها.
وفى مسند أحمد: عنه: "لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى".
فتضمن هذا الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد إذا لم تتضمن تغييرًا لحكم الله ورسوله. وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به، ونحو ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، الخلو عن المهر، ونحو ذلك.
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
واختلف في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وشرط دار الزوجة، وأن لا يتسرى عليها، ولا يتزوج عليها، فأوجب أحمد وغيره الوفاء به، ومتى لم يف به فلها الفسخ عند أحمد.
واختلف في اشتراط البكارة والنسب، والجمال والسلامة من العيوب التي لا يفسخ بها النكاح، وهل يؤثر عدمها في فسخه؟ على ثلاثة أقوال:
ثالثها: الفسخ عند عدم النسب خاصة.
وتضمن حكمه ﷺ بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها، وأنَّه لا يجب الوفاء به.
فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها، وكسر قلبها، وخراب بيتها، وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها، ونكاح غيرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد» اهـ.
٢ - أنَّ الشروط في النكاح أوكد من الشروط في البيع والإجارة وغيرهما.
٣ - وفيه مشروعية الشروط في النكاح.
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
والمراد بذلك الشروط التي لا تخالف الشرع، وأمَّا الشروط المخالفة للشرع فلا تجوز، وهل يصح بها العقد مع فسادها؟ في ذلك نزاع وتفاصيل، والصحيح في ذلك بطلان النكاح بها مطلقًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٦٠):
«ولأنَّ النكاح إذا قيل بصحته ولزومه: فإمَّا أن يقال بذلك مع الشرط المحرم الفاسد وهذا خلاف النص والإجماع. وإمَّا أن يقال به مع إبطال الشرط فيكون ذلك إلزامًا للعاقد بعقد لم يرض به ولا ألزمه الله به. ومعلوم أنَّ موجب العقد: إمَّا أن يلزم بإلزام الشارع؛ أو إلزام العاقد» اهـ.
٤ - واحتج بعمومه من أجاز أن تشترط المرأة على من أراد الزواج بها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٦١ - ٦٣):
«يروى هذا عن عمر بن الخطاب ﵁، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن العاص ﵃، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وطاووس، والأوزاعي، وإسحاق.
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
وأبطل هذه الشروط الزهري، وقتادة، وهشام بن عروة، ومالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
قال أبو حنيفة، والشافعي: ويفسد المهر دون العقد، ولها مهر المثل.
واحتجوا بقول النبي ﷺ: "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط" وهذا ليس في كتاب الله؛ لأنَّ الشرع لا يقتضيه، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "المسلمون على شروطهم، إلَّا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا". وهذا يحرم الحلال، وهو التزويج والتسري والسفر؛ ولأنَّ هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، ولم يبن على التغليب والسراية، فكان فاسدًا، كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها.
ولنا قول النبي ﷺ: "إنَّ أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" رواه سعيد، وفي لفظ: "إنَّ أحق الشروط أن توفوا بها، ما استحللتم به الفروج" متفق عليه، وأيضًا قول النبي ﷺ: "المسلمون على شروطهم"؛ ولأنَّه قول من سمينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا.
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
وروى الأثرم بإسناده: أنَّ رجلًا تزوج امرأة، وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذا تطلقينا.
فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط؛ ولأنَّه شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع المقصود من النكاح، فكان لازمًا، كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد.
وقوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل" أي: ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته، وعلى من ادعى الخلاف في مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل، وقولهم: إنَّ هذا يحرم الحلال.
قلنا: لا يحرم حلالًا، وإنَّما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به.
وقولهم: ليس من مصلحته. قلنا: لا نسلم ذلك فإنَّه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده، كاشتراط الرهن والضمين في البيع، ثم يبطل بالزيادة على مهر المثل.
وشرط غير نقد البلد إذا ثبت أنَّه شرط لازم فلم يف لها به، فلها الفسخ، ولهذا قال الذي قضى عليه عمر بلزوم الشرط: إذا تطلقنا فلم يلتفت عمر إلى ذلك،
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
وقال: مقاطع الحقوق عند الشروط؛ ولأنَّه شرط لازم في عقد فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به، كالرهن والضمين في البيع» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في ذلك هو جواز جميع شروط النكاح التي لا تخالف شرع الله ﷿.