٢٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
قُلْتُ: قوله: «قِيدَ شِبْرٍ». بكسر القاف، أي: قدر شبر.
والشبر هو: ما بين طرفي الخنصر والإبهام عند التفريج بينهما.
وذكر أهل العلم للتطويق عدة معانٍ:
منها: أن يكلف بنقل ما ظلم من الأرض في يوم القيامة إلى المحشر، ثم بعد حمله يصير كالطوق في عنقه.
والآخر: معناه أنَّه يعاقب بالخسف إلي سبع أرضين أي: فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه.
ويدل على المعنى الأول ما رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٥٤٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣١٠١)، وابن قانع في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٢٣٩)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَّحَابَةِ] (١٩١١)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٦١١)، وأبو يعلى (١٤٧٤) كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ] (٧/ ٤١٤) لابن حجر، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطِيَّةَ الدَّعَّاءِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ
[ ٩ / ٢٩١ ]
السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لجهالة حال عطية، وهو ابن سعد الدَّعاء.
وروى أحمد (١٧٦٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ، كَلَّفَهُ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ».
قُلْتُ: وقد اختلف في الراوي عن يعلى بن مرة، هل هو أيمن بن نابل، الثقة، أم أيمن بن ثابت، وهو حسن الحديث، فجاء عند أحمد، وعبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٤٠٧)، والخرائطي في [مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ] (٦٣٣) تسميته بابن نابل، وجاء عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٦)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥١٦٤) تسميته أيمن بن ثابت. وهذا الاختلاف لا يضر فكلاهما ممن يحتج بحديثه، والظاهر أنَّه ابن ثابت، فإنَّ هذا يروي عن يعلى، ويروي عنه الربيع بخلاف الأول.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٥٢٣):
[ ٩ / ٢٩٢ ]
«الربيع بن عبد الله عن أيمن بن نابل عن يعلى بن مرة بحديث في غصب الأرض، روى عنه زائدة بن قدامة، ذكره بن حبان في "الثقات"، لكنه قال: يروي عن أيمن بن ثابت فأصاب، ثم جوز أنَّه الربيع بن خطاف، وهو بعيد» اهـ.
قُلْتُ: فتبقى علة الحديث في الربيع فإنَّه ممن يجهل، ولا يعتمد على ذكر ابن حبان له في "الثقات" فقد أدخل في كتابه هذا عدد كبير من المجهولين.
ورواه أحمد (١٧٥٩٤) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُعَقِّبُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي الْفَزَارِيَّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ الثَّقَفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقٍّ، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: إسماعيل المعقب ترجم له الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٣١٠): «روى عنه أحمد وابنه عبد الله بن أحمد، وقال: كان من خيار الناس. كان أبي يحدث عنه وهو حي». ولم يزد على ذلك.
وأبو يعفور هو: عبد الرحمن بن عبيد، وأبو ثابت هو: أيمن بن ثابت.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٤)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦١٥٠)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٥٤١).
[ ٩ / ٢٩٣ ]
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، ثنا أَبُو يَعْفُورَ، حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ظُلْمًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٤٤٥)، ومِنْ طَرِيْقِه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٤٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورَ، عَنْ أَيْمَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وأمَّا المعنى الآخر: فيدل عليه ما رواه البخاري (٢٤٥٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ».
وهناك أقوال أخرى في معنى التطويق منها: أنَّه من تطويق التَّكْلِيف لَا من تطويق التَّقْلِيد فيكلَّف حمله وليس بقادر. ومنها: أنَّه يلزمه إثم ذلك كلزوم الطوق.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم ظلم الناس في أموالهم، ولو كان شيئًا يسيرًا.
ويدل عليه أيضًا ما رواه مسلم (١٣٧) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ،
[ ٩ / ٢٩٤ ]
وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ».
٢ - أنَّ ظلم الناس في أموالهم من كبائر الذنوب، ويؤخذ هذا من الوعيد بالعقوبة.
٣ - أنَّ الأرض سبع طباق.
ويدل على ذلك من القرآن قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
٤ - أنَّ ملك الشخص للأرض يتعدى إلى قرارها، ولذلك لا يجوز لشخص أن يجعل له نفقًا يمر به من تحت أرض غيره إلَّا بإذن مالك الأرض.
٥ - إمكان غصب الأرض، وهو قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى عدم إمكان ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٠):
«أحدها، أنَّه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها.
هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه، وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.
[ ٩ / ٢٩٥ ]
وروى ابن منصور، عن أحمد في من غصب أرضًا فزرعها، ثم أصابها غرق من الغاصب، غرم قيمة الأرض، وإن كان شيئًا من السماء، لم يكن عليه شيء.
وظاهر هذا أنَّها لا تضمن بالغصب.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها، ولا تضمن بالغصب، وإن أتلفها، ضمنها بالإتلاف؛ لأنَّه لا يوجد فيها النقل والتحويل، فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع؛ لأنَّ الغصب إثبات اليد على المال عدوانًا على وجه تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.
ولنا، قول النبي ﷺ: "من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين". رواه البخاري عن عائشة. وفي لفظ: "من غصب شبرًا من الأرض".
فأخبر النبي ﷺ أنَّه يغصب ويظلم فيه.
ولأنَّ ما ضمن في البيع، وجب ضمانه في الغصب، كالمنقول، ولأنَّه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي أورده المؤلف: «مَنْ غَصَبَ أَرْضًا» لا يثبت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٧٦٥ - ٧٦٦) - بعد ذكره لألفاظ الحديث -:
[ ٩ / ٢٩٦ ]
«إذا عرفت هذه الطرق وتأملتها حكمت على رواية الرافعي تبعًا للغزالي: "من غصب" بالغرابة، وإن كان لفظ أحمد: "أخذ"، و"ظلم" ونحوهما مما تقدم شاملات للغصب بالعموم، نعم في "الطبراني الكبير" من حديث عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "من غصب رجلًا أرضًا ظلمًا لقي الله وهو عليه غضبان". وروينا من حديث إبراهيم بن موسى، أبنا عبد الله بن عمر القواريري، ثنا قزعة، عن يحيى بن جرجة، عن الزهري، عن محمود بن لبيد، عن شداد بن أوس يرفعه: "من غصب شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" ويحيى هذا روى عنه ابن جريج مجهول، كذا في "المغني" للذهبي، وفي "الميزان": يحيى بن جرجة لا يعرف، حدث عن الزهري بحديث معروف. وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. ثم قال الذهبي: ما حدث عنه غير ابن جريج.
قُلْتُ: يروي عنه قزعة كما تراه هنا» اهـ.
قُلْتُ: حديث الطبراني هو عنده برقم (١٧٤٩٤) وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين علقمة بن وائل وأبيه.
قُلْتُ: وفي غصب الأرض مسائل:
المسألة الأولى: أن يغصب الأرض ويغرس فيها غرسًا.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
فإذا طلب صاحب الأرض من الغاصب قلع الغرس، وتسوية التراب، مع دفع قيمة النقص إن حصل فيها، فله ذلك.
وإذا أراد صاحب الأرض تملك الغراس ويدفع للغاصب نفقته فالأظهر أنَّ له ذلك، كما سيأتي معنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند الكلام على زرع الغاصب للأرض، وهي رواية لأحمد كما سيأتي.
المسألة الثانية: إذا كان الغراس لصاحب الأرض فله أن يبقيه وليس للغاصب شيء، وله أن يطلب من الغاصب قلع الغراس إذا لم تكن له مصلحة فيه، ويضمن كل ما حصل من التلف والنقص في الأرض والغراس.
المسألة الثالثة: البناء في الأرض يأخذ أحكام الغراس فيما سبق.
وإذا كان التراب والحجارة وسائر مواد البناء مغصوبة وهي لصاحب الأرض وأراد صاحب الأرض إبقاء البناء فله ذلك كالغراس إذا كان لصاحب الأرض، وليس للغاصب شيء.
المسألة الرابعة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٨٢ - ١٨٣):
«فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
[ ٩ / ٢٩٨ ]
وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا، أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ، فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ، وَأَذِنَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ طَمُّهَا. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ، زَالَ التَّعَدِّي، فَزَالَ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه ليس للغاصب أن يطم البئر لغير غرض صحيح إذا طلب مالك الأرض إبقاءه لما في ذلك من السفه.
[ ٩ / ٢٩٩ ]
المسألة الخامسة: على الغاصب أن يدفع إجارة الأرض مدة الغصب سواء انتفع بها أولا.
المسألة السادسة: في زرع الأرض المغصوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٨٨ - ١٩٠):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ) قَوْلُهُ: "فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا" يَعْنِي اسْتَرْجَعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " اُسْتُحِقَّتْ ". يَعْنِي أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا. فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ النَّقْصِ.
وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَيْضًا؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يُقِرُّ الزَّرْع فِي الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْغَرْسِ سَوَاءٌ، لِقَوْلِهِ ﵇: "لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ". وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا، أَشْبَهَ الْغِرَاسَ.
[ ٩ / ٣٠٠ ]
وَلَنَا، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. وَرُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ. فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ. قَالَ: فَخُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ. قَالَ رَافِعٌ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ".
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ. وَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا. فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ. كَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً. وَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ. وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ. وَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ
[ ٩ / ٣٠١ ]
الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ. وَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، قِيمَةُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ. فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ. وَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ، كَانَ مِلْكًا لَهُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ. فَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ. وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ، وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ، لِقَوْلِهِ ﵇ "عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ". وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ.
وَالْحَدِيثُ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ. أَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ
[ ٩ / ٣٠٢ ]
إلَيْهِ نَفَقَتَهُ؛ لِلْأَثَرِ. وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا، فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ، فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا. وَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا، كَالزَّرْعِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ
[ ٩ / ٣٠٣ ]
وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ. فَكَانَ لِصَاحِبِهِ.
الثَّانِي، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٢٩)
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا» اهـ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ﵀: «خَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ اللَّيْثُ: ثُمَّ كَتَبْتُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ» اهـ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (٤/ ٨٧):
[ ٩ / ٣٠٤ ]
«قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَلَا نَحْفَظُ أَحَدًا، قَالَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ إِلَّا عَبْدَ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٢٦) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
ووكيع عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٣٨٢).
وسفيان بن عيينة عند ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٠٥٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وعبد الله بن إدريس عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٤/ ٤١٤ - ٤١٥):
«يَرْوِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
تَفَرَّدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْهُ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَتَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَهُ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ.
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَالْمُرْسَلُ عَنْ عُرْوَةَ أَصَحُّ» اهـ.
لكن للحديث شواهد يتقوى بها منها حديث عبادة بن الصامت عند عبد الله في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٢٢٧٧٨).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (٥/ ١٩):
«وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ» اهـ.
قُلْتُ: وحديث: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ». لا يصح بهذا اللفظ، لكن الصحيح الحديث الآخر الذي ذكره وهو ما رواه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٣٨٨٩) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى - هو القطان-، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: بَعَثَنِي عَمِّي أَنَا وَغُلَامًا لَهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ شَيْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ فِي الْمُزَارَعَةِ؟، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، حَدِيثٌ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالَ:
[ ٩ / ٣٠٦ ]
مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ، قَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قَالَ: أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ؟، قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّهُ زَرْعُ فُلَانٍ، قَالَ: «فَخُذُوا زَرْعَكُمْ وَرُدُّوا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ»، قَالَ رَافِعٌ: «فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ النَّفَقَةَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وهو محمول على المزارعة الفاسدة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٢٣ - ١٢٤): «وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ رَأْيِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ: اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحَبَّ وَالنَّوَى فِي الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ: هُوَ الْأَصْلُ وَالْبَاقِي تَبَعٌ حَتَّى قَضَوْا فِي مَوَاضِعَ بِأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ النَّوَى وَالْحَبُّ مَعَ قِلَّةِ قِيمَتِهِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ أَرْضِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا قَضَى بِضِدِّ هَذَا حَيْثُ قَالَ: "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ" فَأَخَذَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَبَعْضُ مَنْ أَخَذَ بِهِ يَرَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ وَهَذَا لِمَا انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنَّ الزَّرْعَ تَبَعٌ لِلْبَذْرِ وَالشَّجَرَ تَبَعٌ لِلنَّوَى. وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ؛ فَإِنَّ إلْقَاءَ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ سَوَاءٌ؛ وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ النِّسَاءَ حَرْثًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ كَمَا سَمَّى الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ حَرْثًا وَالْمُغَلَّبُ فِي مِلْكِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا هُوَ جَانِبُ الْأُمِّ. وَلِهَذَا تَبِعَ الْوَلَدُ الْآدَمِيُّ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ دُونَ أَبِيهِ وَيَكُونُ جَنِينُ الْبَهِيمَةِ لِمَالِكِ الْأُمِّ دُونَ مَالِكِ الْفَحْلِ الَّذِي نُهِيَ عَنْ
[ ٩ / ٣٠٧ ]
عَسْبِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأُمِّ أَضْعَافُ الْأَجْزَاءِ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأَبِ. وَإِنَّمَا لِلْأَبِ حَقُّ الِابْتِدَاءِ فَقَطْ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ الْحَبُّ وَالنَّوَى؛ فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ أَكْثَرُهَا مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَقَدْ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ فَتَضْعُفُ بِالزَّرْعِ فِيهَا؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ تُسْتَخْلَفُ دَائِمًا - فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَزَالُ يَمُدُّ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَبِالتُّرَابِ إمَّا مُسْتَحِيلًا مِنْ غَيْرِهِ وَإِمَّا بِالْمَوْجُودِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَرْضِ نَقْصُ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ شَيْئًا إمَّا لِلْخَلَفِ بِالِاسْتِحَالَةِ وَإِمَّا لِلْكَثْرَةِ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته، والله أعلم.
٦ - واحتج به على منع الحجز في المساجد لغير سابق إليها ببدنه.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٣/ ٢٤ - ٢٨):
«من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أحمد رمضاني سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
وصلنا كتابكم تاريخ ٢٣/ ٩ الذي تذكرون فيه أنَّ بعض الزمازمة والمطوفين يفرشون بسط وحنابل في المسجد، ويمنعون الناس من الجلوس عليها والصلاة، ويتحجرونها لبعض الحجاج الذين يفدون عليهم.
نفيدكم أنَّ هذا لا يجوز، لأنَّ المساجد لله سبحانه، والسابق أحق من المتأخر، والسبق والتقدم إلى المسجد يكون بالبدن لا بالفراش والوطاء، فمنع الناس والحالة هذه لا يجوز، بل هو ظلم وغصب لتلك البقعة من المسجد بدون حق،
[ ٩ / ٣٠٨ ]
وعن عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طُوقَ به سبع أرضين يوم القيامة".
وأيضًا: فعمارة المساجد بطاعة الله فيها من الذكر والقراءة والصلاة كما في حديث أبي سعيد: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ " الآية. رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب.
ومتحجر تلك البقعة مانع لتلك العمارة المعنوية المطلوبة شرعًا والمرغوب فيها، ولا يبعد دخوله تحت قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ الآية.
ثم إنَّ واضع ذلك الوطاء والفراش ونحوه قد يحمله ذلك على التأني والتأخر عن إتيان المسجد في أول الوقت، ويفوت على نفسه بسبب ذلك خيرًا كثيرًا، وقد يأتي متأخرًا ويتخطى رقاب الناس وهذا حرام كما في الحديث: أنَّ النَّبي ﷺ رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس فقال له: "اجلس فقد آذيت".
ولم يكن من عادة السلف الصالح وضع تلك الفراش وتحجر المساجد، بل أنكروا ذلك وعدوه بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة، كما يروون أنَّ عبد الرحمن بن مهدي فرش مصلاه في مسجد الرسول ﷺ فأمر بحبسه، وقال: أما علمت أنَّ هذا في مسجدنا بدعة.
[ ٩ / ٣٠٩ ]
فإذا علمت ما ذكر فلا شك أنَّ فعل ذلك في المسجد الحرام أعظم تحريمًا وأشد منعًا، لعظم حرمة ذلك المسجد، وقد صرحت الأدلة أنَّ المعاصي في الأيام المعظمة والأمكنة المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال ابن الحاج في "المدخل": ليس للإنسان في المسجد إلَّا موضع قيامه وسجوده وجلوسه وما زاد على ذلك فلسائر المسلمين، فإذا بسط لنفسه شيئًا ليصلي عليه احتاج لأجل توسعة ثوبه شيئًا كبيرًا ليعم ثوبه على سجادته، فيكون في سجادته اتساع خارج فيمسك بسبب ذلك موضع رجلين أو نحوهما إن سلم من الكبر من أنَّه لا ينضم إلى سجادته أحد، فإن لم يسلم من ذلك وولى الناس عنه وتباعدوا منه هيبة لكمه وثوبه وتركهم هو ولم يأمرهم بالقرب إليه فيمسك ما هو أكبر من ذلك فيكون غاضبًا لذلك القدر من المسجد، فيقع بسبب ذلك في المحرم المتفق عليه المنصوص عن صاحب الشريعة حيث قال: "من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة" وذلك الموضع الذي أمسكه بسبب قماشه وسجادته ليس للمسلمين به حاجة في الغالب إلَّا وقت الصلاة، وهو في وقت الصلاة غاصب له، فيقع في هذا الوعيد بسبب قماشه وسجادته، فإن بعث بسجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ففرشت له هناك وقعد هو إلى أن يمتلئ المسجد
[ ٩ / ٣١٠ ]
بالناس ثم يأتي كان غاضبًا لذلك الموضع الذي عملت السجادة فيه، لأنَّه ليس له أن يحجزه، وليس لأحد فيه إلَّا موضع صلاته. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": وأمَّا ما يفعله كثير من الناس من تقديم المفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها قبل ذهابه إلى المسجد فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين بل محرم. وهل تصح صلاته على ذلك المفروش، فيه قولان للعلماء لأنَّه غصب بقعة في المسجد في فرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة؟ على وجهين وفي الصلاة في الأرض المغصوبة قولان للعلماء، وهذا مستند من كره الصلاة في المقاصير التي تمنع صلاة عموم الناس، والمشروع في المسجد أنَّ الناس يتمون الصف الأول. كما قال النبي ﷺ: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون في الصف".
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنَّه قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه". والمأمور أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر فقد خالف الشريعة من وجهين:
[ ٩ / ٣١١ ]
من وجه تأخره وهو مأمور بالتقدم.
ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنع السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه وأن يتموا الصف الأول فالأول. ثم أن يتخطى الناس إذا حضروا، وفي الحديث: "الذي يتخطى رقاب الناس يتخذ جسرًا إلى جهنم". وقال النبي ﷺ للرجل: "اجلس فقد آذيت" ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
والثاني: وهو الصحيح أنَّ لغيره رفعه والصلاة مكانه، لأنَّ هذا السابق يستحق الصلاة في الصف المتقدم، وهو مأمور بذلك أيضًا، ولا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء ذلك الحق إلَّا برفع ذلك المفروش، وما لا يتم المأمور إلَّا به فهو مأمور به، وأيضًا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منكر، وقد قال النبي ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم» اهـ.
وَلِلْعَلَامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيْلٍ ﵀ فَتْوَى مأخوذة من كلام العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، كما في [فَتَاوَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيْلٍ] (٢/ ١٢٣ - ١٢٥) قال في آخرها:
[ ٩ / ٣١٢ ]
«فإن قدَّم صاحبًا له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه وأجلسه مكانه فلا بأس؛ لأنَّ النائب يقوم باختياره، وروي أنَّ محمد بن سيرين كان يرسل غلامًا له يوم الجمعة فيجلس في مكانه، فإذا جاء قام الغلام وجلس محمد. فإن لم يكن نائبًا فقام باختياره فلا بأس؛ لأنَّه قام باختياره، وأمَّا إذا قام الرجل من موضعه لعارض لَحِقَه، ثم عاد إليه قريبًا، فهو أحق به؛ لما روى مسلم: "إذا قام أحد من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به". واللَّه أَعْلَمُ» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ٢٠٨):
«سائل يسأل عن حجز الأماكن يوم الجمعة وحبسها لأناس خلف الإمام ومنع من جاء ليجلس فيها. إلخ، وعن موقف المأمومين خلف الجنازة؟
ج: المسجد لمن سبق، فلا يجوز لأحد أن يحجز مكانًا في المسجد، ولهذا قال النبي ﷺ: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا". أي: لاقترعوا، فحجزه أمر لا يجوز وغصب للمكان ولا حق لمن غصبه، فالسابق أولى منه وأحق به حتى يتقدم الناس إلى الصلاة بأنفسهم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من سبق إلى مكان في المسجد ثم أراد الذهاب إلى قضاء الحاجة، أو الوضوء فله أن يحجز مكانه الذي سبق إليه؛ لأنَّه أحق به من غيره، وقد جاء في
[ ٩ / ٣١٣ ]
[رَسَائِلَ وَفَتَاوَى الْعَلَّامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي بَطِيْنٍ] (ص: ١٨٦ - ١٨٧): «بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لتحريره إبلاغ السلام، ومن حال ما سألت عنه، فإذا صار إنسان يجلس في المسجد فلا بأس كونه يجعل عصاه في مكان فاضل، بحيث أنَّه ما يخرج من المسجد إلَّا لما لا بد منه، من نحو وضوء، وكذلك لفطور، وسحور، ونحوه، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل. وإن كان يحط عصاه في مكان، ويخرج لأشغاله لنحو: بيع وشراء أو كد ونحوه، فلا ينبغي لمثل هذا يحط عصاه في مكان يحميه عن غيره.
وأمَّا الذي ما يخرج إلَّا لنحو أكل وشرب أو وضوء، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل؛ ليجوز فضيلة الصف الأول، أو وسط الصف، وكذلك الجمعة، وغيرها.
وأمَّا من دخل المسجد، ووجد فيه عصى يضعونها أهلها، ويخرجون لغُرضانهم -فلا بأس بتوخيرها، والمجيء في موضعها، فإن حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك، إذا أخرت عصاه، وجلست في مكانه، فالذي أُحِبُّ تركها، والجلوس في مكان آخر» اهـ.
[ ٩ / ٣١٤ ]
وَجَاءَ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٤/ ٤١ - ٤٢):
«سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما يفعله كثير من الناس من حجز المكان في المسجد الحرام أو في غيره، يضع كرسي أو المصحف مثلًا على مكانه ويأتي بعد ست أو سبع ساعات ويحجز عن غيره من المسلمين الذين يأتون قبله، فهل هذا جائز أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى في حجز الأماكن في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد أنَّه إن حجز وهو في نفس المسجد، أو خرج من المسجد لعارض وسيرجع عن قرب فإنَّه لا بأس بذلك، لكن بشرط إذا اتصلت الصفوف يقوم إلى مكانه ولا يتخطى الرقاب.
وأمَّا ما يفعله بعض الناس يحجز ويذهب إلى بيته وينام ويأكل ويشرب، أو إلى تجارته يبيع ويشتري، فهذا حرام ولا يجوز، هذا هو القول الصحيح في هذا المسألة، لكن قد يرد علينا مسألة الحجز في منى فإنَّه يذكر عن النبي ﷺ أنَّه قيل له: ألا نبني بناء يعني في منى، فقال: "منى، مناخ من سبق" فنقول: إذا حجز الناس في منى فأحجز، لأنَّه لو لم تفعل ما وجدت مكانًا، ولو أنَّ الناس كلهم اتقوا الله ﷿، وتركو الحجز، وصار من سبق فهو أحق، فهذا هو الخير، لكن الآن الأمر بالعكس، إلَّا أنَّه بحمد الله في ظني أنَّ ما حصل أخيرًا
[ ٩ / ٣١٥ ]
من الحملات التي تأخذ أرضًا بإذن المسئولين عن توزيع الأراضي هي أهون بكثير من الحجز؛ لأنَّه بذلك تكون البقاع منظمة، وكل إنسان يعرف مكانه» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث الذي ذكره العلامة ابن عثيمين ﵀، رواه أحمد (٢٥٧٥٩) ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (٢٠١٩)، ورواه الترمذي (٨٨١)، وابن ماجة (٣٠٠٦) مِنْ طَرِيْقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا بِمِنًى يُظِلُّكَ؟ قَالَ: «لَا. مِنًى مُنَاخُ لِمَنْ سَبَقَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة مسيكة.
وَجَاءَ أَيْضًَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١٢/ ٣٢١):
«سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم حجز المكان في المسجد؟
فأجاب قائلًا: إنَّ حجر الأماكن إذ كان الذي حجزها خرج من المسجد فهذا حرام عليه، ولا يجوز، لأنَّه ليس له حق في هذا المكان، فالمكان إنَّما يكون للأول فالأول، حتى إنَّ بعض فقهاء الحنابلة يقول: إنَّ الإنسان إذا حجز مكانًا وخرج من المسجد فإنَّه إذا رجع وصلى فيه فصلاته باطلة، لأنَّه قد غصب هذا المكان؛ لأنَّه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه أحد أليه، والإنسان إنَّما يتقدم ببدنه لا بسجادته أو منديله أو عصاه، ولكن إذا كان الإنسان في المسجد ووضع هذا وهو في المسجد لكن يحب أن يكون في مكان آخر يسمع درسًا، أو يتقي عن الشمس ونحو ذلك فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتخطى الناس عند رجوعه إلى مكانه،
[ ٩ / ٣١٦ ]
فإن كان يلزم من رجوعه تخطي الناس وجب عليه أن يتقدم إلى مكانه إذا حاذاه الصف الذي يليه لئلا يؤذي الناس» اهـ.
قُلْتُ: لكن قد يقال: ليس له الحق في شغل مكانين في المسجد، فيشغل مكانًا ببدنه ومكانًا بعمامته أو بعصاه أو بكتابه أو غير ذلك.
فائدة: روى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (١١٤٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٥٠/ ٥٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَوَجَدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي قَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: تَدْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ مَدَدْتُ رِجْلَيَّ؟ لَيَجِيءَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَيَجْلِسَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٥/ ١٢):
«هَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ عَنْ صَحَابِيٍّ جَلِيْلٍ» اهـ.
قُلْتُ: ففي ذلك أنَّ حجز الشخص لغيره ببدنه لا يضر وذلك أنَّ للشخص أن يمد رجليه في المسجد وله أن يقبضهما لجلوس من شاء.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ١٦٠ - ١٦١):
«ويحرم "و" وَفِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَوْ كَانَ الْغَيْرُ وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ، أَوْ عَادَتُهُ يُصَلِّي فِيهِ، حَتَّى الْمُعَلَّمُ وَنَحْوُهُ "ش"؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ إذَا حَضَرَ لَمْ يَكُنْ
[ ٩ / ٣١٧ ]
لِغَيْرِهِ جُلُوسُهُ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إلَّا مَنْ جَلَسَ بِمَكَانٍ يَحْفَظُهُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ دونه، قيل: لأنَّه يقوم باختياره، وقيل: لأنَّه جَلَسَ لِحِفْظِهِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةً: أَوْ دُونَهُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي اخْتِصَاصٍ بِمُبَاحٍ، كَتَوْكِيلِهِ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحِ وَمَقَاعِدِ السُّوقِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (١/ ٣٢٢):
«(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَبُّهُ إذَا جَاءَ، لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى رَبِّهِ، وَتَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَيَجُوزُ فَرْشُهُ (مَا لَمْ تَحْضُرْ) أَيْ تُقَمْ (الصَّلَاةُ) وَلَا يَحْضُرُ رَبُّهُ، فَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ فَإِنَّ الْمَفْرُوشَ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ لَمْ يَحْضُرْ» اهـ.
قُلْتُ: من سبق ببدنه ثم ذهب لحاجة قريبة كالوضوء فلا يزال حجزه إلَّا إذا حضرت الصلاة، ومن أرسل سجادته إلى المسجد ولم يحضر بنفسه فلا حرمة لسجادته لأنَّه متعد بفعله.
فائدة أخرى: جاء في الحجز ما رواه أبو داود (٤٨٥٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنْ كَعْبٍ الْإِيَادِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَامَ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ نَزَعَ نَعْلَيْهِ، أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ».
[ ٩ / ٣١٨ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيْفٌ جِدًّا، فتمام ضعيف الحديث واه، وكعب الأيادي مجهول.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٧/ ٢٩٨):
«الرَّابِعَةُ- إِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذُ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لَا يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الْآمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ. فَرْعٌ- وَعَلَى هَذَا مَنْ أَرْسَلَ بِسَاطًا أَوْ سَجَّادَةً فَتُبْسَطُ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ» اهـ.
قُلْتُ: إرسال السجاد ونحوه منهي عنه باتفاق المسلمين كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وما جاء عن ابن سيرين هو من قبيل السبق بالبدن والسابق له أن يبقى بمكانه وله أن يؤثر به غيره، على أنِّي لم أقف على أثر ابن سيرين مسندًا.
فائدة أخرى: روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣) عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى طِنْفَسَةً لِعَقِيلِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، يومَ الْجُمُعَةِ تُطرَحُ إِلى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٩ / ٣١٩ ]
واحتج به من قال بمشروعية إرسال البساط للحجز في المسجد، وليس فيه دلالة على ذلك، فلعلها كانت توضع له في مجلس العلم لا الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٥٥):
«الْمَعْنَى فِي طَرْحِ الطِّنْفِسَةِ لِعَقِيلٍ عِنْدَ الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ وَكَانَ نَسَّابَةً عَالِمًا بِأَيَّامِ النَّاسِ» اهـ.
* * *
[ ٩ / ٣٢٠ ]