٣٣٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ -وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا- فَدَفْنه، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَبِّرْ، كَبِّرْ" - وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ - فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" قَالُوا: كَيْفَ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ».
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ"، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ».
[ ١٢ / ٧٩ ]
وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ».
قَوْلُهُ: «يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا». أي يضطرب ويتخبط ويتمرغ في دمه.
وقَوْلُهُ: «فَعَقَلَهُ». العقل الدية، وإنَّما سميت به لأنَّهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل.
وقَوْلُهُ: «فيُدفع بِرُمَّتِه». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٨): «هو بضم الراء، وهو: الحبل البالي. وأصله: أنَّ رجلًا سلَّم رجلًا لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه، فقيل: ذلك لكل من سقَم شيئًا بكلِّيته، ولم يبق له به تعلُّق. والرِّمَّةُ - بكسر الراء -: العظم البالي. يقال: رمَّ العظم، وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء البالي، المتفتت كالورق، المتهشم. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَت عَلْيه إلا جَعَلَتهُ كالرَّمِيم﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٣٠): «قَوْلُهُ: "برُمَّته" مضموم الراء المهملة مشدد الميم المفتوحة وهو مفسر بإسلامه للقتل وفي أصله في اللغة قولان:
أحدهما: أنَّ الرمة حبل يكون في عنق البعير فإذا قيد أعطي به.
والثاني: أنَّه حبل يكون في عنق الأسير فإذا أسلم للقتل سلم به» اهـ.
[ ١٢ / ٨٠ ]
وقَوْلُهُ: «يُبْطِلَ». أي: يهدر.
وقَوْلُهُ: «فَوَدَاهُ». أي: دفع ديته.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية القسامة. وهي مأخوذة من القَسَم وهو اليمين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٣٥): «قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صورة الأخذ به وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكمًا وهذا مذهب الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه.
قُلْتُ: وهذا ينافي ما صدر به كلامه أنَّ كافة الأئمة أخذوا بها وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب وفيهم من لم يذكره القاضي» اهـ.
[ ١٢ / ٨١ ]
قُلْتُ: والذين ذكرهم الحافظ في أول الباب: سالم بن عبد الله بن عمر، والحكم بن عتيبة. ونقل عن آخرين عدم القود بها.
٢ - إثبات القود بالقسامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٤٠): «والقسامة يجب فيها القود عند مالك وأحمد وأبي حنيفة وتوجب الدية فقط عند الشافعي، وأمَّا أهل الرأي فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة ويوجبون عليه الدية مع تحليفه» اهـ.
قُلْتُ: ذكره لأبي حنيفة في الأول الكلام لعله خطأ في النسخة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ١٢٩ - ١٣٠): «فممن قال بوجوب القود بالقسامة: مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والظاهر أنَّ عمر بن عبد العزيز رجع عنه.
وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود.
[ ١٢ / ٨٢ ]
وقضى بالقتل بالقسامة عبد الملك بن مروان، وأبوه مروان; وقال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إنِّي لأرى أنَّهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان.
وقال ابن حجر في "فتح الباري": إنَّما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت; كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلَّا فأبو الزناد لا يثبت أنَّه رأى عشرين من الصحابة فضلًا عن ألف.
وممن قال بأنَّ القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود: الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية ﵃. وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وغيرهم. وعن معاوية: القتل بها أيضًا» اهـ.
قُلْتُ: وحجة الحنفية ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٩١) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بِالْيَمَنِ بَيْنَ حَيَّيْنِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: «انْظُرُوا أَقْرَبَ الْحَيَّيْنِ إِلَيْهِ، فَأَحْلِفُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ».
[ ١٢ / ٨٣ ]
قُلْتُ: ابن أبي ليلى واسمه محمد ضعيف الحديث، ورواية الشعبي عن عمر منقطعة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٤٣٠) حدثنا عبد الرحيم، عن أشعث، عن الشعبي به.
قُلْتُ: أشعث بن سوار ضعيف الحديث، ورواية الشعبي عن عمر منقطعة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٩٠، ٢٨٤٣١) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَزْمَعِ، قَالَ: «وُجِدَ قَتِيلٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ، فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ قِسْ مَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَخُذْهُمْ بِهِ»، قَالَ: «فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى وَادِعَةَ» قَالَ: «فَأَخَذْنَا وَأَغْرَمْنَا وَأَحْلَفْنَا فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"» قَالَ: «فَأَحْلَفَ مِنَّا خَمْسِينَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا فَعَلْتُ وَلَا عَلِمْتُ قَاتِلًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٥١٦): «وأبو إسحاق لم يسمعه من الحارث. قال علي بن المديني، عن أبي زيد، عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: "أنَّ قتيلًا وجد بين وداعة وخيوان"
[ ١٢ / ٨٤ ]
فقُلْتُ: يا أبا إسحاق من حدثك؟ قال: حدثني مجالد، عن الشعبي، عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحاق إلى حديث مجالد، واختلف فيه على مجالد في إسناده، ومجالد غير محتج به» اهـ.
قُلْتُ: مجالد كذبه الشعبي وغيره.
وخلاصة القول: أنَّ أثر عمر لا يصح. والله أعلم.
٣ - البداءة بأيمان المدعين في القسامة.
وإنَّما كانت الأيمان بجانب المدعين لقوة جانبهم بحصول اللوث. وهذا الذي عليه جمهور العلماء، وذهبت الحنفية إلى أنَّ الأيمان بجانب المدعى عليهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٤٨): «وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، بالله ما قتلناه، ولا علمنا قاتلًا، ويغرمون الدية؛ لقضاء عمر، بذلك. ولم نعرف له في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر لا يثبت كما سبق.
٤ - أنَّه لا يكتفى بالقسامة بأقل من خمسين إن وجدوا.
[ ١٢ / ٨٥ ]
٥ - الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين.
٦ - إعطاء الدية من إبل الصدقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢ - ١٣): «ومنها: وهو الذى أشكل على كثير من الناس إعطاؤه الدية من إبل الصدقة، وقد ظن بعض الناس أنَّ ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصح، فإنَّ غارم أهل الذمة لا يعطى من الزكاة، وظنَّ بعضهم أنَّ ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها، فللإمام أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأول، وأقرب منه: أنَّه ﷺ وداه من عنده، واقترض الدية من إبل الصدقة، ويدل عليه: "فواده من عنده" وأقرب من هذا كله أن يقال: لما تحملها النبي ﷺ لإصلاح ذات البين بين الطائفتين، كان حكمها حكم القضاء على الغرم لما غرمه لإصلاح ذات البين، ولعل هذا مراد من قال: إن قضاها من سهم الغارمين، وهو ﷺ لم يأخذ منها لنفسه شيئًا، فإنَّ الصدقة لا تحل له، ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطاء الغارم منها لإصلاح ذات البين. والله أعلم» اهـ.
[ ١٢ / ٨٦ ]
٧ - قضاء النبي ﷺ بالقسامة كان مع وجود اللَّوْثِ وهي العداوة بين المسلمين واليهود، فأمَّا إذا لم يوجد لوث فلا قسامة لعموم قول النبي ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». رواه مسلم (١٧١١) عن ابن عباس ﵄.
وروى البخاري (٤٥٥٢) عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ»، ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
ورواه البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
[ ١٢ / ٨٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٣٠): «فصل: فأمَّا إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة، فحكمها حكم سائر الدعاوى، في اشتراط تعيين المدعى عليه، وأنَّ القول قوله.
لا نعلم فيه خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: ولا يلزم المدعى عليه غير يمين واحدة على الصحيح، وذهب الشافعي وأحمد في رواية عنهما إلى لزوم الخمسين اليمين على المدعى عليه.
وإن نكل المدعى عليه عن اليمين فهو لوث فلأولياء الدم أن يقسموا خمسين يمينًا ويستحقون دم صاحبهم إن كانت الدعوى عمدًا، وإن لم تكن عمدًا استحقوا الدية، وهذا مذهب الإمام الشافعي، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وذهب الإمام أحمد إلى عدم القود بذلك.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في اللوث، فذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ اللوث هو العداوة الظاهرة، واشترط الإمام الشافعي في العداوة أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم.
وذهب الإمام أحمد في الرواية الأخرى أنَّ اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي. وهذا هو الصحيح.
[ ١٢ / ٨٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٣): «وهو الأمارة الظاهرة الدالة على أنَّ المدعى عليهم قتلوه» اهـ.
وللوث صور ذكرها أهل العلم.
الصورة الأولى: العداوة الظاهرة.
الصورة الثانية: أن يتفرق جماعة عن قتيل، فيكون ذلك لوثًا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة، فالقول قوله مع يمينه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك، إلَّا أن يثبت ببينة.
الصورة الثالثة: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلَّا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنَّه قتله، ومثل أن يُرى رجلًا هاربًا يحتمل أنَّه القاتل.
الصورة الرابعة: أن يقتتل فئتان، فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى.
فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضًا، فاللوث على طائفة القتيل.
هذا قول الشافعي.
[ ١٢ / ٨٩ ]
وروي عن أحمد، أنَّ عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان، إلَّا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك.
الصورة الخامسة: أن يشهد بالقتل عبيد أو نساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان؛ إحداهما، أنَّه لوث؛ لأنَّه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه، فأشبه العداوة.
والثانية، ليس بلوث؛ لأنَّها شهادة مردودة، فلم تكن لوثًا، كما لو شهد به كفار.
وإن شهد به فساق أو صبيان، فهل يكون لوثًا؟ على وجهين:
أحدهما: ليس بلوث؛ لأنَّه لا يتعلق بشهادتهم حكم، فلا يثبت اللوث بها، كشهادة الأطفال والمجانين.
والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنَّها شهادة تغلب على الظن صدق المدعي، فأشبه شهادة النساء والعبيد، وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار، وقبول الهدية، ونحوها. وهذا مذهب الشافعي.
ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين؛ لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ هذا داخل في اللوث.
وقد ذكر جميع ذلك العلامة ابن قدامة ﵀ في "المغني".
[ ١٢ / ٩٠ ]
الصورة السادسة: أن يصرح المقتول قبل موته بقاتله، فهو لوث عند الإمام مالك والليث، وخالفه الجمهور، والصحيح قول الإمام مالك والليث، وذلك أنَّ ساعة الموت مما يتحرى فيها المرء الصدق غالبًا. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٢١٢ - ٢١٣): «إنَّما جعل مالك قول المقتول دمي عند فلان شبهة ولطخًا وجب به تبدأة أوليائه بالأيمان في القسامة لأنَّ المعروف من طباع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة والتندم على ما سلف من سيئ العمل ألا ترى إلى قول الله ﷿: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فهذا معهود من طباع الإنسان وغير معلوم من عادته أن يعدل عن قاتله إلى غيره ويدع قاتله وما خرج عن هذا فنادر في الناس لا حكم له فلهذا وشبهه مما وصفنا ذهب مالك إلى ما ذكرنا والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: واللَّوْثُ مَاَخُذٌ مِنَ التَلَوُّثِ وَهُوَ: التَّلُّطخ. يُقَالُ: لَاثَهُ في التراب، ولَوَّثَهُ أَيْ لَطَّخَهُ.
٨ - واحتج به من قال: إنَّ الدعوى في القسامة لا تكون إلَّا على معين.
[ ١٢ / ٩١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٢٩): «ولا تسمع الدعوى على غير المعين، فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تسمع الدعوى. وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: تسمع، ويستحلف خمسون منهم؛ لأنَّ الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله ﷺ دعواهم.
ولنا، أنَّها دعوى في حق، فلم تسمع على غير معين، كسائر الدعاوى.
فأمَّا الخبر، فإنَّ دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله ﷺ لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإنَّ تلك من شرطها حضور المدعى عليه عندهم، أو تعذر حضوره عندنا، وقد بين النبي ﷺ أنَّ الدعوى لا تصح إلَّا على واحد، بقَوْلِهِ: "تقسمون على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته".
وفي هذا بيان أنَّ الدعوى لا تصح على غير معين» اهـ.
[ ١٢ / ٩٢ ]
قُلْتُ: وقوله في الحديث: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ». صريح في أنَّ المدعين إذا لم يعينوا رجلًا، واكتفوا بالدعوى العامة ونكلوا عن اليمين فإنَّ اليمين تتجه إلى المدعى عليهم عمومًا ويكفي أن يحلف منهم خمسون رجلًا.
٩ - وظاهره أنَّ القسامة تكون على شخص واحد ولا تكون على جماعة.
وهذا مذهب الإمام مالك وأحمد فيما إذا كانت القسامة لإثبات القود، وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو ثور، والمغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب مالك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٧٥): «وقال الشافعي ﵁: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول أنَّه يجب القصاص عليهم» اهـ.
وأمَّا إذا كانت القسامة فيما لا قود فيه فيجوز أن يقسموا فيها على جماعة في مذهب مالك، والشافعي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٣٨): «واستدل بِقَوْلِهِ: "على رجل منهم" على أنَّ القسامة إنَّما تكون على رجل واحد وهو قول أحمد ومشهور قول مالك. وقال الجمهور يشترط أن تكون على معين سواء كان واحدًا أو أكثر واختلفوا هل يختص القتل بواحد أو يقتل الكل» اهـ.
[ ١٢ / ٩٣ ]
قُلْتُ: وإذا كانت القسامة على قتل خطإ فالمشهور عن أحمد أيضًا أنَّ القسامة تكون على معين ولا تكون على جماعة، وله رواية أنَّها تكون على الجماعة المعينين وتجب عليهم الدية.
العمل بظاهر الحديث هو الأصوب.
١٠ - وكون النبي ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر دليل على عدم اشتراط ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٣٩): «فصل: وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر. وبهذا قال مالك، والشافعي.
وعن أحمد: أنَّه شرط. وهذا قول حماد، وأبي حنيفة، والثوري؛ لأنَّه إذا لم يكن به أثر، احتمل أنَّه مات حتف أنفه.
ولنا؛ أنَّ النبي ﷺ لم يسأل الأنصار، هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولأنَّ القتل يحصل بما لا أثر له، كغم الوجه، والخنق، وعصر الخصيتين، وضربة الفؤاد، فأشبه من به أثر، ومن به أثر قد يموت حتف أنفه؛ لسقطته، أو صرعته، أو يقتل نفسه.
[ ١٢ / ٩٤ ]
فعلى قول من اعتبر الأثر، إن خرج الدم من أذنه، فهو لوث؛ لأنَّه لا يكون إلَّا بالخنق له، أو أمر أصيب به، وإن خرج من أنفه، فهل يكون لوثًا؟ على وجهين» اهـ.
١١ - وقول النبي ﷺ في الحديث: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ». يدل على اجتماع الأولياء في ذلك، فإذا اختلف الأولياء على رجلين فلا تثبت القسامة، وذلك أنَّ كل رجل منهم قد برأه بعض الأولياء.
وهذا مذهب الجمهور.
١٢ - وفي أنَّه إذا لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليهم خمسين يمينًا وبرؤا.
وهذا مذهب الجمهور وهو الصحيح، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى لزوم الدية على أهل المحلة التي وجد بها القتيل.
١٣ - وفيه أنَّه إذا لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، أنَّ الإمام يفديه من بيت المال.
١٤ - واحتج بقول النبي ﷺ في الحديث: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ». من قال: إنَّ القسامة تكون لجميع الورثة، وذلك أنَّ القود حق لجميعهم، والخطاب في القسامة موجه لجميع من يستحق أن يقيد.
[ ١٢ / ٩٥ ]
وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي ﵀، ورواية عن الإمام أحمد.
وخرج من ذلك الصبي باتفاق العلماء، وخرجت المرأة في قول أكثرهم، وقد أدخلها الإمام الشافعي ﵀ مطلقًا، وأدخلها الإمام مالك ﵀ في قسامة الخطاء دون العمد.
والذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك أنَّ القسامة قامت مقام الشهادة ولا يدخل النساء في شهادة القتل.
وذهب الإمام مالك، وأحمد في إحدى الروايات إلى تحليف سائر العصبات من يرث منهم ومن لم يرث، وذلك إذا لم يبلغ الورثة الخمسين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٦١): «اختلفت الرواية عن أحمد، فيمن تجب عليه أيمان القسامة؛ فروي أنَّه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث، خمسون رجلًا، كل واحد منهم يمينًا واحدة.
وهذا قول لمالك، فعلى هذا، يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم يبلغوا خمسين، تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها، ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأمَّا من عرف أنَّه من القبيلة، ولم يعرف وجه النسب، لم يقسم؛ مثل أن يكون الرجل قرشيًا والمقتول قرشي، ولا
[ ١٢ / ٩٦ ]
يعرف كيفية نسبه منه، فلا يقسم؛ لأننا نعلم أنَّ الناس كلهم من آدم ونوح، وكلهم يرجعون إلى أب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه، لم يقسم عنه سائر الناس، فإن لم يوجد من نسبه خمسون، رددت الأيمان عليهم، وقسمت بينهم، فإن انكسرت عليهم، جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين؛ لقول النبي ﷺ للأنصار: "يحلف خمسون رجلًا منكم، وتستحقون دم صاحبكم".
وقد علم النبي ﷺ أنَّه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلًا وارثًا، فإنَّه لا يرثه إلَّا أخوه، أو من هو في درجته، أو أقرب منه نسبًا، ولأنَّه خاطب بهذا بني عمه، وهم غير وارثين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ١٤٢): «وأظهر الأقوال دليلًا هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير الوارثين في أيمان القسامة; لأنَّ النبي ﷺ قال لحويصة ومحيصة: "يحلف خمسون منكم" الحديث. وهما ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه، وقد قال لهم: "يحلف خمسون منكم"، وهو يعلم أنَّه لم يكن لعبد الله بن سهل المقتول عشرون رجلًا وارثون، لأنَّه لا يرثه إلَّا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسبًا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
[ ١٢ / ٩٧ ]
١٥ - وظاهر قَوْلِهِ: «يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ». أنَّ على كل رجل منهم يمينًا واحدة. وهو مذهب الإمام مالك، وأحمد في رواية.
وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى، والإمام الشافعي في رواية إلى عرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم، على حسب مواريثهم.
وذهب الإمام الشافعي ﵀ في قوله الآخر: إلى أن يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينًا، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه. والصحيح ما دل عليه الحديث. والله أعلم.
١٦ - وظاهر قَوْلِهِ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ». أنَّ اليمين إذا ردت على المدعى عليهم فلا بد من خمسين رجل يأتون بالقسم، وهل يدخل في ذلك من اتجهت إليه الدعوى وغيره من الأولياء أو لا فيه نزاع والأظهر عدم دخولهم، وأمَّا هذا الحديث فالدعوى كانت على عموم اليهود فلا حجة فيه على لزومها لمن لم تتجه إليه الدعوى من الأولياء. والله أعلم.
ويستوي في ذلك الدعوى في قتل العمد أو الخطاء.
[ ١٢ / ٩٨ ]
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٢٣٦): «وهذا حجة لمالك في مشهور قوله في موطئه وغيره أنَّه يحلف من أولياء المدعى عليه خمسون رجلًا خمسين يمينًا، إلَّا ألَّا يبلغوا العدد فترد عليهم خمسين يمينًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٨): «وفيه دليل على أنَّ الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلَّا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. وروى مطرف عن مالك: أنَّه لا يحلف مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشَافعي. وهو الصحيح؛ لأنَّ من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأنَّ أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُوَا وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» اهـ.
[ ١٢ / ٩٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٦٦ - ٣٦٧): «فصل: إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم، وكان عمدًا، لم تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يمينًا، وإن كانت عن غير عمد، كالخطإ وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي، أنَّه لا قسامة في هذا؛ لأنَّ القسامة من شرطها اللوث، والعداوة، إنَّما أثرها في تعمد القتل، لا في خطئه، فإنَّ احتمال الخطإ في العمد وغيره سواء.
وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة. وهو قول الشافعي؛ لأنَّ اللوث لا يختص العداوة عندهم.
فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة، فإذا ادعي على جماعة، لزم كل واحد منهم خمسون يمينًا.
وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلَّا أنَّها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأنَّ المدعى عليهم متساوون فيها، فهم كبني الميت.
وللشافعي قولان، كالوجهين.
والحجة لهذا القول، قول النبي ﷺ: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا".
وفي لفظ قال: "فيحلفون لكم خمسين يمينًا، ويبرءون من دمه".
[ ١٢ / ١٠٠ ]
ولأنَّهم أحد المتداعيين في القسامة، فتسقط الأيمان على عددهم، كالمدعين.
وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن لم يبلغوا خمسين رجلًا، رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينًا، فإن لم يوجد أحد يحلف إلَّا الذي ادعي عليه، حلف وحده خمسين يمينًا؛ لقول النبي ﷺ: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا".
ولنا، أنَّ هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعي على كل واحد وحده قتيل؛ ولأنَّه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلَّا ما يبرئه حال الانفراد، ولأنَّ كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه، بخلاف المدعين، فإنَّ أيمانهم على شيء واحد، فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو مقصوده» اهـ.
وجاء عن مالك خلاف هذا ففي [الُموَطَّأِ - رواية يحيى الليثي] (٢/ ٨٧٨): «قال يحيى: وقد قال مالك في القوم يكون لهم العدد يتهمون بالدم فيرد ولاة المقتول الأيمان عليهم وهم نفر لهم عدد أنَّه يحلف كل إنسان منهم عن نفسه خمسين يمينًا ولا تقطع الأيمان عليهم بقدر عددهم ولا يبرءون دون أن يحلف كل
[ ١٢ / ١٠١ ]
إنسان عن نفسه خمسين يمينًا. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك» اهـ. والمشهور عنه القول الأول.
١٧ - وفيه جواز أن يحلف الأولياء على أنَّ فلانًا قتله وإن لم يشهدوا القتل ولا مكانه إذا غلب على ظنهم أنَّه قتله؛ لأنَّ النبي ﷺ قال للأنصار: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ». وكانوا بالمدينة، والقتل بخيبر.
١٨ - وفيه من الأدب البداءة بالأكبر في الكلام. وهذا عند الاستواء في الفضائل من حيث الظاهر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ١٢٤): «لأنَّ السن إنَّما يراعى عند استواء المعاني والحقوق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٧٦): «إنَّما ذلك إذا استوت حال القوم في شيء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأمَّا إذا كان لبعضهم على بعض فضل في شيء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٣): «وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلَّا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق
[ ١٢ / ١٠٢ ]
التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابًا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز ﵁، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال له عمرُ: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، وأوجز» اهـ.
١٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٧): «وقَوْلُهُ: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"؛ دليل: على أنَّ من توجهت عليه يمين فنكل عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر، ويحلف. وهو قول مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد بن حنبل: يُقضى عليه دون رد اليمين» اهـ.
٢٠ - وفيه دليل لصحة يمين الكافر أو الفاسق في الدعاوى إذا توجهت اليمين إليه.
٢١ - وفيه المبادرة بدفن الميت وعدم نقله من بلد إلى آخر.
* * *
[ ١٢ / ١٠٣ ]
٣٣٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك: فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ».
وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيَّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قَوْلُهُ: «مَرْضُوضًا» أي: مرضوخًا، ومدقوقًا، ومكسورًا.
وقَوْلُهُ: «عَلَى أَوْضَاحٍ» أي: بسبب أوضاح، وهي حجارة الفضة الغير مضروبة، ولا مصوغة إذا استعملت حليًا.
والرواية التي عزاها للنسائي هي فيه (٤٧٤٠)، واللفظ له دون مسلم، وقد رواه البخاري (٦٨٧٩)، ومسلم (١٦٧٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ: «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟» فَأَشَارَتْ
[ ١٢ / ١٠٤ ]
بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قتل الرجل بالمرأة. وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث ابن مسعود أول كتاب القصاص.
٢ - وفيه أنَّ الجاني يفعل به كما فعل بالمجني عليه مالم يكن حرامًا.
وهذا مذهب الجمهور، وخالفت في ذلك الحنفية، وسفيان الثوري، وعطاء، وقالوا: لا قود إلَّا بالسيف.
وقد جاء في ذلك ما رواه ابن ماجة (٢٦٦٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْعُرُوقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَازِبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ جِدًا جابر هو ابن يزيد الجعفي متروك الحديث وقد كذبه ابن معين وغيره، وأبو عازب مجهول الحال.
[ ١٢ / ١٠٥ ]
ورواه ابن ماجة (٢٦٦٨) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُرُّ بْنُ مَالِكٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ».
قُلْتُ: مبارك مدلس وقد عنعن. وقد رواه موسى بن داود الضبي عن مبارك عن الحسن مرسلًا، وهو الأصح. وحديثه عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٦٨).
قَالَ الْحَافِظُ البَّزَارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (٩/ ١١٥): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده بأحسن من هذا الإسناد عن رسول الله ﷺ، ولا نعلم أحدًا قال عن أبي بكرة إلَّا الحر بن مالك ولم يكن به بأس وأحسبه أخطأ في هذا الحديث؛ لأنَّ الناس يروونه عن الحسن مرسلًا» اهـ.
قُلْتُ: وللحديث شواهد واهية لا نطيل الكلام بها.
والصحيح مذهب الجمهور لهذا الحديث، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
[ ١٢ / ١٠٦ ]
قَالَ أَبُو الَوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [المُقَدِمَاتِ] (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠): «فصل:
فيما يجب به القصاص والقصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء:
إمَّا ببينة تقوم على القتل.
وإمَّا باعتراف القاتل على نفسه.
وإمَّا بقسامة أولياء المقتول بما تصح به القسامة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.
فإذا قامت البينة على القتل أو اعترف به القاتل على نفسه اقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها إلَّا أن يكون قتله بالنار أو بالسم فاختلف في ذلك.
قال ابن حبيب في الواضحة: إنَّه لا يقتل بالنار ولا بالسم لأنَّ ذلك من المثل. وظاهر ما في المدونة أنَّه يقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها وإن كان قتله بالنار إذ لم يفرق فيها بين النار وغيره، وهو ظاهر قوله في السم أنَّه يقاد منه به.
ومن أهل العلم من يرى أنَّه لا يكون القود إلَّا بالسيف.
وأمَّا إن لم يثبت القتل بالبينة وإنَّما استحق دمه بالقسامة فلا يقتل إلَّا بالسيف» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (١٢/ ١٤٠ - ١٤٣):
[ ١٢ / ١٠٧ ]
«فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ بِكُلِّ مَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ بِكُلِّ مَا قَتَلَ، إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَنْ يُقْتَلَ بِالسِّحْرِ، أَوْ بِاللِّوَاطِ، أَوْ بِسَقْيِ الْخَمْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ وَإِنْ قَتَلَ وَلَا يُقْتَلُ باللواط وإن لاط به، وَلَا يُقْتَلُ بِسَقْيِ الْخَمْرِ وَإِنْ سَقَاهُ، وَيُعْدَلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي قَتْلِ اللِّوَاطِ بِإِيلَاجِ خَشَبَةٍ، وَفِي سَقْيِ الْخَمْرِ بِسَقْيِ الْخَلِّ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَتِ الْمُمَاثَلَةُ لِحَظْرِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعُدُولِ عَنْهَا مُمَاثَلَةٌ، كَانَ السَّيْفُ أَحَقَّ، فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ بِالسُّمِّ الْمَهْرِيِّ احْتَمَلَ الْقِصَاصُ بِمِثْلِهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِإِمْكَانِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غُسْلُهُ، كَذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَنْ بَاشَرَ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ.
فَصْلٌ:
[ ١٢ / ١٠٨ ]
نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَهُ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَى وَأَسَلُّ، فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْعُنُقِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ، وَقَدِ اسْتَوْفَى قِصَاصَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِإِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ كَانَ لَهُ، وَرُوعِيَ مَا فَعَلَهُ الْجَانِي مِنْ إِحْرَاقِهِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِ نَارًا، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَمُوتَ وَبَيْنَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ، فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، وَإِذَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي مِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِهِ وَمَا هُوَ أَمْضَى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ، وَيُخْرَجُ مِنَ النَّارِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى جِلْدُهُ، لِيُمْكِنَ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ، وَلَا تَمَاثُلَ بِالْمُحَرَّقِ إِنْ أَكلتهُ النَّارُ لِمَا عَلَيْنَا مِنِ اسْتِيفَاءِ جَسَدِهِ في حقوق الله تعالى.
مسألة:
[ ١٢ / ١٠٩ ]
قال الشافعي ﵁: "وإن ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ أعطي وليه حجرًا مثله فقتله به، وقال بعض أصحابنا، إن لم يمت من عدد الضرب قتل بالسيف".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَتَلَهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ لِوَلِيِّهِ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ عَدَلَ إِلَى الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى، وَإِنْ شَاءَ رَمَاهُ بِحَجَرٍ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَمَاهُ مِنْ بَدَنِ الْمَقْتُولِ إِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ رَمَاهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّهْرِ رَمَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَطْنِ رَمَاهُ عَلَى بَطْنِهِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْ مَوْضِعِ الرَّمْيِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ رَمَاهُ بِمِثْلِ مَا رمي فَمَاتَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُوَالِي رَمْيَهُ بِالْحَجَرِ وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالَةٍ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهَا، وَلَا تَطُولُ حَيَاتُهُ بَعْدَهَا، فَيُمْسِكُ عَنْهُ كَمَا يُمْسَكُ عَنِ مَضْرُوبِ الْعُنُقِ إِذَا بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِرَمْيِهِ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَالزَّانِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
[ ١٢ / ١١٠ ]
أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ حَتَّى تَرَدَّى فَمَاتَ، أَوْ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَطْحِ دَارٍ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ قَتْلَهُ فَعَلَ، وَإِنْ أَرَادَ إِلْقَاءَهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعَلَ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُلْقَى حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جِدَارٍ فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ بِسَيْفِهِ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ رُوعِيَ مَدَى الْعُلُوِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَالْمُسْتَقْبِلُ لَهُ بِسَيْفِهِ هُوَ الْقَاتِلُ، وَإِنْ كان ذلك المدى بعيد لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُلْقِيَ هُوَ الْقَاتِلُ، لِأَنَّهُ بِإِلْقَائِهِ كَالْمُوجِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لَهُ بِالسَّيْفِ هُوَ الْقَاتِلُ، لِمُبَاشَرَةِ التَّوْجِئَةِ.
[ ١٢ / ١١١ ]
مَسْأَلَةٌ:
قال المزني: "هكذا قال الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمَحْبُوسِ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى مَاتَ إِنَّهُ يُحْبَسُ فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ قُتِلَ بِالسَّيْفِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَبْسِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ جَازَ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي ذَلِكَ الْمَحْبِسِ وَفِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الْمَحَابِسِ زِيَادَةٌ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهُ إذا حبس من ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَمُوتَ كَأَنَّهُ قَدْ حَبَسَ الْمَقْتُولَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَاتَ فِيهَا، فَحُبِسَ هُوَ فَمَاتَ
فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ لِيُوَارَى وَيُدْفَنَ، وَلَا يُتْرَكُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ فَيَتَغَيَّرُ لَحْمُهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ فِي مِثْلِهَا فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي الْمُدَّةِ وَالتَّلَفِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْبَسَ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلَا يَمُوتُ فِيهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُسْتَدَامُ حَبْسُهُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من قتل غيره بالإحراق بالنار فيقاصص بذلك ولا يدخل هذا في النهي لأنَّ النهي وارد في التعذيب بالنار ولا يدخل في ذلك القصاص.
[ ١٢ / ١١٢ ]
والذي يظهر لي أنَّ من قتل غيره بالضرب فإنَّه يراعي عدد الضرب ولا يضرب حتى يموت لما في ذلك من زيادة تعذيبه على مقدار جنايته، ويضرب بالسيف، وهكذا من حبس غيره حتى مات فيحبس بمقدار ذلك ثم ضرب بالسيف.
وجمهور العلماء على من قتل غيره بما لا يحل فإنَّه يقتل بالسيف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٠٤):
«فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ، مِثْلُ أَنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَغْرِيقٍ، أَوْ خَنْقٍ، فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَا إذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ، أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْجَانِي، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ آلَتِهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرَفَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، أَوْ مَسْمُومَةٍ، أَوْ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ، فَلَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، أَوْ بِالسِّحْرِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
[ ١٢ / ١١٣ ]
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَمْ يَمُتْ، قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِذَلِكَ، فَلَهُ قَتْلُهُ بِمِثْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْوَلِيُّ مِثْلَهُ فَلَمْ يَمُتْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَعْدِلُ إلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا.
فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ، مِثْلَ إنْ لَاطَ بِهِ فَقَتَلَهُ، أَوْ جَرَّعَهُ خَمْرًا أَوْ سَحَرَهُ، لَمْ يُقْتَلْ بِمِثْلِهِ اتِّفَاقًا، وَيَعْدِلُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ. وَحَكَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي مَنْ قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ وَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُدْخِلُ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةً يَقْتُلُهُ بِهَا، وَيُجَرِّعُهُ الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ. وَإِنْ حَرَّقَهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُحَرَّقُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ". وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّ
[ ١٢ / ١١٤ ]
فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، كَالتَّغْرِيقِ؛ إحْدَاهُمَا، يُحَرَّقُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ "حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ". وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث الذي ذكره ابن قدامة رواه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (١٢/ ٤٠٩) برقم (١٧١٨٥) أَنْبَأَنِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، إِجَازَةً، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: وَفِيمَا أَجَازَ لِي عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَازِمٍ،. فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَرَّقَ حَرَقْنَاهُ» زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: «وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ».
وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ بَعْضُ مَنْ يُجْهَلُ اهـ.
مسألة: في قصاص الأعضاء قبل القَوَد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٠١):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، قُتِلَ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَلَا رِجْلَاهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ
[ ١٢ / ١١٥ ]
اللَّهُ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَرَحَ رَجُلًا، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ؛ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ، كَالدِّيَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ، وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ
[ ١٢ / ١١٦ ]
بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الجمهور أصح.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ القتل الغِيلة لا يشترط فيه إذن الولي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٩): «فإنَّ رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتمًا، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قال: إنَّه فعل ذلك لنقض العهد، لم يصح، فإنَّ ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٩) - عند كلامه على فوائد حديث العرنيين -: «وعلى أنَّ قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا، وأفتى به» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِأَحْمَدَ وِإسْحَاقَ] (٧/ ٣٣٦٩):
[ ١٢ / ١١٧ ]
«قال إسحاق: كما قال، لا يجوز في ذلك عفو الأولياء، كذلك قتل الغيلة، هو إلى السلطان» اهـ. ولإسحاق رواية أخرى كقول الجمهور.
قُلْتُ: وجمهور العلماء يشترطون إذن الولي في القَوَد.
والغِيلة: هو القتل على وجه التحيل والخديعة إمَّا لأخذ مال، أو انتهاك عرض أو غير ذلك.
قُلْتُ: وحجة الجمهور عموم الأدلة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وما رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ».
فلم يفرق الله ﷿ بين قتل وقتل.
وَجَاءَ فِي [أَبْحَاثِ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ] (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٨): «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
[ ١٢ / ١١٨ ]
فبناء على ما تقرر في الدورة (السادسة) لهيئة كبار العلماء، بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الغيلة، وقد أعدته وأدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف من ٢\ ٨\ ١٣٩٥ هـ إلى ١١\ ٨\ ١٣٩٥ هـ.
وقد عرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس ومناقشة المجلس لكلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة وعند الفقهاء، وما ذكر من المذاهب والأدلة والمناقشة في عقوبة القاتل قتل غيلة هل هو القصاص أو الحد؟ وتداول الرأي، وحيث أنَّ أهل العلم ذكروا أنَّ قتل الغيلة ما كان عمدًا عدوانًا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، سواء كان على مال أو لانتهاك عرض، أو خوف فضيحة وإفشاء سرها، أو نحو ذلك، كأن يخدع إنسان شخصًا حتى يأمن منه ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر ثم يقتله؛ خوفًا من أن يطالبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه- مثلًا- للتخلص منه، أو العكس ونحو ذلك.
لذا قرر المجلس بالإجماع-ما عدا الشيخ صالح بن غصون - أنَّ القاتل قتل غيلة يقتل حدًا لا قصاصًا، فلا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد.
[ ١٢ / ١١٩ ]
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى: أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية.
وقتل الغيلة نوع من الحرابة فوجب قتله حدًا لا قودًا.
وأمَّا السنة: فما ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ، أنَّ يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين.
فأمر ﷺ بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا لرد الأمر إليهم؛ لأنَّهم أهل الحق، فدل أنَّ قتله حدًا لا قودًا.
وأمَّا الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلًا يدل على أنَّه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم على أنَّه يقتل حدًا لا قودًا.
وأمَّا المعنى: فإنَّ قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنَّه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه» اهـ.
[ ١٢ / ١٢٠ ]
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١١/ ٢٣٦): «والأرجح في هذه المسألة هو ما اختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وما هو مشهور في مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ من أنَّه لا يصح العفو في مثل هذه القضية، حيث أنَّها من قتل الغيلة، ولما فيها من الفساد العام والخطر العظيم على أمن المسلمين» اهـ.
قُلْتُ: هذا مذهب قوي، وفيه ما لا يخفى من المصلحة العامة.
٤ - وفيه ثبوت القصاص بالقتل بالمثقل.
وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث ابن مسعود.
٥ - وفيه أنَّ الإشارة في حق غير القادر على القول تنزل منزلة القول.
٦ - وفيه قتل الكبير بالصغير، والكافر بالمسلم، وهذا مما لا نزاع فيه.
٧ - وفيه الأخذ بالإقرار.
٨ - وفيه جواز سؤال القتيل قبل موته من قتله.
* * *
[ ١٢ / ١٢١ ]
٣٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ: حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُودِيَ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُكْتُبُوا لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إلَّا الإِذْخِرَ"».
قَوْلُهُ: «بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أي الرأيين.
وَقَوْلُهُ: «إلَّا الإِذْخِرَ».
[ ١٢ / ١٢٢ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩): «والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود» اهـ.
وقَوْلُهُ: «أَبُو شَاه» قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٧/ ٢٠٢):
«أبو شاه اليماني يقال إنَّه كلبي ويقال إنَّه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن كذا رأيت بخط السلفي. وقيل إنَّ هاءه أصلية وهو بالفارسي معناه الملك قال: ومن ظن أنَّه باسم أحد الشياه فقد وهم انتهى.
وقد ثبت ذكره في الصحيحين في حديث أبي هريرة في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح فقام رجل يقال له أبو شاه فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال: "اكتبوا لأبي شاه" يعني الخطبة المذكورة» اهـ.
قُلْتُ: كثير من ألفاظ الحديث سبق الكلام عليها في حديث أبي شريح وابن عباس ﵄ في باب حرمة مكة من كتاب الحج.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١٢ / ١٢٣ ]
١ - حرمة مكة.
٢ - وفيه أنَّ مكة فتحت عَنوة ولم تفتح صلحًا.
وقد سبقت هذه المسألة في "باب حرمة مكة". عند شرحنا لحديث أبي شريح.
٣ - أنَّه لا يجوز قطع شجر مكة، وقد سبق الكلام على ذلك عند شرحنا لحديث أبي شريح.
٤ - وفيه أنَّ لقطة مكة لا تحل إلَّا لمنشد. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن عباس في كتاب الحج.
٥ - وفيه أنَّه لا يتعين القَوَد. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن مسعود في أول كتاب القصاص.
٦ - وفيه حجة للجمهور على جواز كتابة الحديث.
وجاء في النهي عن ذلك ما رواه مسلم (٣٠٠٤) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
[ ١٢ / ١٢٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٢٥): «وقَوْلُهُ: "اكتبوا لأبي شاه"؛ دليل على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور. وقد كرهه قومٌ من أهل العلم؛ تمسُّكًا بحديث أبي سعيد الآتي في كتاب العلم، وكان محمل النهي الذي في حديث أبي سعيد إنَّما هو لئلا يتكل الناطق على الكتب، ويتركوا الحفظ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه؟ لقوله في الحديث نفسه: "من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه"» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٨٩): «قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب. وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاه" وحديث صحيفة عليّ ﵁، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات. وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنسًا
[ ١٢ / ١٢٥ ]
﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أنَّ ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث.
وقيل: إنَّ حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنَّما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط، فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٢١ - ٣٢٢): «فإنَّ الناس على عهد رسول الله ﷺ كانوا يكتبون القرآن وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن وقال: "من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه"، ثم نسخ ذلك عند جمهور العلماء؛ حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمرو. وقال: "اكتبوا لأبي شاه". وكتب لعمرو بن حزم كتابًا. قالوا: وكان النهي أولًا خوفًا من اشتباه القرآن بغيره ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله ﷺ ما يكتبون وكتبوا أيضًا غيره» اهـ.
[ ١٢ / ١٢٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨): «وفي القصة: أنَّ رجلًا من الصحابة يقال له: أبو شاه، قام، فقال: اكتبوا لي، فقال النبي ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه"، يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم، ونسخ النهى عن كتابة الحديث، فإنَّ النبي ﷺ قال: "من كتب عني شيئًا غير القرآن، فليمحه" وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذى يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه.
وصح عن عبد الله بن عمرو أنَّه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تسمى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه عنه، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠): «قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإنَّ النبي ﷺ قال في غزاة الفتح "اكتبوا لأبي شاه" يعني خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنهَّ لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة
[ ١٢ / ١٢٧ ]
التي كان يسميها "الصادقة" ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أنَّ الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح. والحمد لله. وقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال لهم في مرض موته "ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا". هذا إنَّما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه. وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتابًا عظيمًا في الديات وفرائض الزكاة وغيرها، وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب وكتاب أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس وقيل لعلي: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وإنَّما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنَّما كان النهي عن كتابة مخصوصة وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس. وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقًا. وكان بعضهم يرخص
[ ١٢ / ١٢٨ ]
فيها حتى يحفظ فإذا حفظ محاها. وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلَّا أقل القليل» اهـ.
قُلْتُ: وفي الباب ما رواه أحمد (٦٩٣٠) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيِدَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فِي حَدِيثِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ، فَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وقد جاء من غير طريقه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣٥٨)، وفيه رجل مختلط، فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ من هذين الطريقين. والله أعلم.
* * *
[ ١٢ / ١٢٩ ]
٣٣٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ:
«شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ - عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ - فَقَالَ: لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ».
إمْلاصُ الْمَرْأَةِ: أَنْ تُلْقيَ جنينَها مَيْتًا.
الإِمْلاص: يدل على معنى الانزلاق فكل ما انزلق من اليد فقد ملص، ومنه سمى الجنين المنزلق من رحم المرأة قبل أوانه ميتًا إملاصًا.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ دية الجنين إذا ألقي ميتًا غرة عبد أو أمة.
وقد جاء الحديث في البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا».
قُلْتُ: وأمَّا إذا انفصل حيًا ثم مات ففيه الدية كاملة اتفاقًا.
[ ١٢ / ١٣٠ ]
ويستوي في ذلك الخطأ والعمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٤): «واعلم أنَّ المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتًا أمَّا إذا انفصل حيًا ثم مات فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا كله العمد والخطأ» اهـ.
وهذا إذا سقط لستة أشهر فأكثر، وأمَّا إذا سقط قبل ذلك ففيه الغرة مطلقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٤٥ - ١٤٦): «الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ، كَمَا لَوْ سَقَطَ مُتَأَلِّمًا. وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ، وَقَدْ تَلِفَ مِنْ جِنَايَتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ حَيَاةٌ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ بِهَا، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، كَمَا لَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، وَكَالْمَذْبُوحِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ.
قُلْنَا: وَإِذَا سَقَطَ مَيِّتًا وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ عَلِمْنَا حَيَاتَهُ أَيْضًا» اهـ.
قُلْتُ: وإذا لم يسقط إِثْرَ الضرب ولم تبق متألمة حتى ألقته، وإنَّما سقط بعد ذلك فليس فيه غرة ولادية لأنَّه لم يتحقق أن سقوطه كان من الضرب.
[ ١٢ / ١٣١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٤): «الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ إذَا عُلِمَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبَةِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِسُقُوطِهِ فِي الْحَالِ وَمَوْتِهِ أَوْ بَقَائِهِ مُتَأَلِّمًا إلَى أَنْ يَمُوتَ، أَوْ بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ تُسْقِطَهُ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ مَوْتُهُ بِالْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا فَمَاتَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ، أَوْ بَقِيَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا، فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَعَلَى الثَّانِي الْأَدَبُ. وَإِنْ وَقَعَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ بَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ» اهـ.
قُلْتُ: وإذا لم توجد الغرة كأيامنا هذه فينتقل إلى القيمة، وقد قدر ذلك أهل العلم بعشر دية أمه، أو نصف عشر دية أبيه، وذلك خمس من الإبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٩): «الفصل الرابع: أنَّ الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل.
روي ذلك عن عمر، وزيد، ﵄. وبه قال النخعي، والشعبي، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي» اهـ.
[ ١٢ / ١٣٢ ]
قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٤٢٨) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: «قَوَّمَ الْغُرَّةَ خَمْسِينَ دِينَارًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ وَمُنْقَطِعٌ، فإسماعيل ابن عياش ضعيف في غير أهل بلده وهذا منها، وروايته زيد بن أسلم عن عمر منقطعة.
٢ - ويشمل الحديث ما إذا ألقته ميتًا بعد موتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٤): «وأمَّا إذا ألقته ميتًا، فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو بعد موتها.
وبهذا قال الشافعي: وقال مالك: وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها، لم يضمنه؛ لأنَّه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها.
ولنا، أنَّه جنين تلف بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنَّه لو سقط حيًا ضمنه، فكذلك إذا سقط ميتًا، كما لو أسقطته في حياتها، وما ذكروه ليس بصحيح؛ لأنَّه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتًا ثم
[ ١٢ / ١٣٣ ]
ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنَّه آدمي موروث، فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حيًا» اهـ.
٣ - ويشمل الحديث ما إذا ألقت مضغة قد ظهر فيها صورة وإن كانت خفية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٥): «وإن ألقت مضغة، فشهد ثقات من القوابل أنَّ فيه صورة خفية، ففيه غرة، وإن شهدت أنَّه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور، ففيه وجهان؛ أصحهما، لا شيء فيه؛ لأنَّه لم يتصور، فلم يجب فيه، كالعلقة، ولأنَّ الأصل براءة الذمة، فلا نشغلها بالشك.
والثاني، فيه غرة؛ لأنَّه مبتدأ خلق آدمي، أشبه ما لو تصور.
وهذا يبطل بالنطفة والعلقة» اهـ.
قُلْتُ: وإذا لم توجد صورة ظاهرة ولا خفية ففي وجوب الغرة خلاف.
وسبق مذهب الحنابلة في ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (٤/ ٦٣٠):
«قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا، مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مَنْ خَلْقِهِ أُصْبُعٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ. أَتَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
[ ١٢ / ١٣٤ ]
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَلْقَتْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ دَمًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الطَّلَاقِ وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
«وَلَوْ أَسْقَطَتْ مُضْغَةً، فَلَهَا أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ صُورَةِ الْآدَمِيِّ، كَيَدٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ ظُفْرٍ وَغَيْرِهَا، فَتَنْقَضِيَ بِهَا الْعِدَّةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَظْهُرَ شَيْءٌ مِنْ صُورَةِ الْآدَمِيِّ لِكُلِّ أَحَدٍ، لَكِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنَ النِّسَاءِ: فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّةٌ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ لَنَا وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهَا، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ، وَيُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ صُورَةً ظَاهِرَةً وَلَا خَفِيَّةً يَعْرِفُهَا الْقَوَابِلُ، لَكِنَّهُنَّ قُلْنَ: إِنَّهُ أَصْلُ آدَمِيٍّ، وَلَوْ بَقِيَ لَتَصَوَّرَ وَلَتَخَلَّقَ، فَالنَّصُّ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ. وَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ، وَأَشْعَرَ نَصُّهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِيلَادُ، فَقِيلَ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ. وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النُّصُوصِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَتْ. وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْغُرَّةِ. وَأُمُومَةُ الْوَلَدِ إِنَّمَا تَثْبُتُ تَبَعًا لِلْوَلَدِ.
[ ١٢ / ١٣٥ ]
وَقِيلَ: تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ قَطْعًا، وَحُمِلَ نَصُّ الْمَنْعِ عَلَى مَا إِذَا يَعْلَمْنَ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقٍ.
وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ قَطْعًا، وَحُمِلَ نَصُّ الْعِدَّةِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ صُورَةً خَفِيَّةً، وَالْمَذْهَبُ عَلَى الْجُمْلَةِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَمَنْعُ الْآخَرِينَ.
وَلَوْ شَكَّ الْقَوَابِلُ فِي أَنَّهُ لَحْمُ آدَمِيٍّ، أَمْ لَا، لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فَقَالَتْ: كَانَ السَّقْطُ الَّذِي وَضَعْتُهُ مِمَّا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، وَضَاعَ السَّقْطُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ فِي الْعِدَّةِ» اهـ.
٤ - وظاهر ذكر الغرة أنَّها تجب خالية من العيوب، فإنَّ الغرة من معانيها الخيار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٧ - ١٢٨): «وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قل العيب؛ لأنَّه حيوان وجب بالشرع، فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة، ولأنَّ الغرة الخيار، والمعيب ليس من الخيار.
ولا يقبل فيها هرمة، ولا ضعيفة، ولا خنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأنَّ ذلك عيب.
ولا يتقدر سنها، في ظاهر كلام الخرقي. وهو قول أبي حنيفة.
[ ١٢ / ١٣٦ ]
وقال القاضي، وأبو الخطاب، وأصحاب الشافعي: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ لأنَّه يحتاج إلى من يكفله له ويحضنه، وليس من الخيار.
وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنَّه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنَّه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنَّها تتغير.
وهذا تحكم لم يرد الشرع به فيجب أن لا يقبل.
وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأنَّ بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنَّه خيار، ولم يشهد لما ذكروه نص، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلًا وبنية، وأقدر على التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونه لا يدخل على النساء إن أريد به النساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته، فليس بصحيح، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ثم لو لم يدخل على النساء، لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتًا، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتًا ولا خسرانًا» اهـ.
[ ١٢ / ١٣٧ ]
٥ - وظاهر الحديث أنَّ الغرة الواحدة تكون في الجنين الواحد، فأمَّا إذا سقط أكثر من جنين ففي كل واحد غرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٣٣): «فصل: وإذا ضرب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحد غرة.
وبهذا قال الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم.
وذلك لأنَّه ضمان آدمي، فتعدد بتعدده، كالديات» اهـ.
٦ - وتمسك بلفظ "الغرة" من قال باشتراط البياض في العبد أو الأمة، وذلك أنَّ أصل الغرة هي البياض في جبهة الفرس.
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٠): «الغرة عبد أو أمة؛ سميا بذلك لأنَّهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة الخيار» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٤٩): «وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدميًا كان أو غيره ذكرًا كان أو أنثى، وقيل أطلق على الآدمي غرة لأنَّه أشرف الحيوان فإنَّ محل الغرة الوجه والوجه أشرف الأعضاء» اهـ.
[ ١٢ / ١٣٨ ]
وَقَالَ ﵀ (١٢/ ٢٤٩): «وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء. قال: فلا يجزئ في دية الجنين سوداء إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائد لما ذكرها ولقال عبد أو أمة. ويقال: إنَّه انفرد بذلك وسائر الفقهاء على الاجزاء فيما لو أخرج سوداء وأجابوا بأنَّ المعنى الزائد كونه نفيسًا فلذلك فسره بعبد أو أمة لأنَّ الآدمي أشرف الحيوان» اهـ.
٧ - وتخصيص الدية بالعبد أو الأمة دليل على عدم إجزاء غير ذلك.
وخالف ذلك طاووس وعطاء ومجاهد فأجازوا دفع الفرس في ذلك، وذهب داود الظاهري إلى إجزاء كل ما يقال له غرة، وأجاز ابن سيرين إخراج مائة شاة.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٤٥٧٩) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، أَوْ فَرَسٍ، أَوْ بَغْلٍ».
فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، لَمْ يَذْكُرَا أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ اهـ.
[ ١٢ / ١٣٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٦): «وذكر الفرس والبغل في الحديث وهم انفرد به عيسى بن يونس، عن سائر الرواة، فالظاهر أنَّه وهم فيه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٤): «وأمَّا ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح: "بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل" فرواية باطلة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠): «فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وهم» اهـ.
٨ - وظاهر الحديث استواء الذكر والأنثى.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ الدية تجب بإخراج الجنين، فإن لم يخرج فليس فيه غرة لأنَّ الإملاص هو انزلاق الجنين قبل أوانه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٦):
«وَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا لَمْ يَسْقُطْ جَنِينُهَا، أَوْ ضَرَبَ مَنْ فِي جَوْفِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ، فَسَكَّنَ الْحَرَكَةَ وَأَذْهَبَهَا، لَمْ يَضْمَنْ الْجَنِينَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ،
[ ١٢ / ١٤٠ ]
وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَلَيْهِ الْغُرَّةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتَلَ الْجَنِينَ، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ أُسْقِطَتْ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إلَّا بِخُرُوجِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا مِيرَاثٌ، وَلِأَنَّ الْحَرَكَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَرِيحٍ فِي الْبَطْنِ سَكَنَتْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (١١/ ٢٣٥):
«لَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ إلْقَاءَهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ ﵊ "فِي الْجَنِينِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" كَيْفَمَا أُصِيبَ - أُلْقِيَ أَوْ لَمْ يُلْقَ - فَفِيهِ الْغُرَّةُ الْمَذْكُورَةُ» اهـ.
١٠ - وفيه الاستشارة في الوقائع الشرعية إذا لم يكن عند العالم فيها سنة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٣٣): «واستشارة عمر في ذلك أصل في الاستشارة في الأحكام إذا لم تكن معلومة للإمام» اهـ.
١١ - واحتج به من اشترط العدد في الرواية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٤٦): «والاستظهار بالعدد في أخبار العدول. وليس ذلك عن شك في العدالة، وإنَّما هو استزادة يقين،
[ ١٢ / ١٤١ ]
وطمأنينة نفس. ولا حجَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار الآحاد؛ لأنَّ عمر ﵁ قد قبل خبر الضَّحَّاك وغيره من غير استظهار. والله تعالى أعلم» اهـ.
١١ - وفيه أنَّ العالم مهما بلغ من العلم قد تفوته بعض السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٣٣): «وفي ذلك دليل أيضًا على أنَّ العلم الخاص قد يخفى على الأكابر ويعلمهم من هو دونهم وذلك يصد في وجه من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث فقال: لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلًا فإنَّ ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز» اهـ.
* * *
[ ١٢ / ١٤٢ ]
٣٣٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ. فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ - عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ - وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ وَلا أَكَلَ، وَلا نَطَقَ وَلا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ"» مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ.
قَوْلُهُ: «عَلَى عَاقِلَتِهَا». العاقلة هم العصبة، وإنَّما سميت العاقلة بذلك، لأنَّهم يمنعون عن القاتل، والعقل: المنع، أو لأنَّهم يأتون بإبل الدية معقولة إلى أولياء الدم.
وَقَوْلُهُ: «وَلا اسْتَهَلَّ». الاستهلال رفع الصوت بالصياح.
وَقَوْلُهُ: «يُطَلُّ». أي: يُهدر ولا يطلب به.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال بعدم وجوب القصاص في القتل بالمثقل.
[ ١٢ / ١٤٣ ]
قُلْتُ: ولا حجة في ذلك، بل ذلك محمول على حجر لا يحصل به القتل غالبًا، وإلَّا فقد أقاد النبي ﷺ اليهودي الذي قتل الجارية بحجر.
٢ - وفيه أنَّ دية الجنين إذا سقط ميتًا غرة عبد أو أمة.
٣ - وفيه أنَّ الدية في شبه العمد على العاقلة، وأنَّه لا قود فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٠٢): «والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم.
وجعله مالك عمدًا موجبًا للقصاص؛ ولأنَّه ليس في كتاب الله إلَّا العمد والخطأ، فمن زاد قسمًا ثالثًا، زاد على النص، ولأنَّه قتله بفعل عمده، فكان عمدًا، كما لو غرزه بإبرة فقتله.
وقال أبو بكر من أصحابنا: تجب الدية في مال القاتل.
وهو قول ابن شبرمة؛ لأنَّه موجب فعل عمد، فكان في مال القاتل، كسائر الجنايات.
ولنا. ما روى أبو هريرة، قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أنَّ دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها".
[ ١٢ / ١٤٤ ]
متفق عليه.
فأوجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل عمدًا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٥٣): «والعاقلة إنَّما تحمل الخطأ لا تحمل العمد بلا نزاع، وفي شبه العمد نزاع والأظهر أنَّها لا تحمله، والخطأ مما يعذر فيه الإنسان؛ فإيجاب الدية في ماله ضرر عظيم به من غير ذنب تعمده ولا بد من إيجاب بدل المقتول. فالشارع أوجب على من عليهم موالاة القاتل ونصره أن يعينوه على ذلك فكان هذا كإيجاب النفقات التي تجب للقريب؛ أو تجب للفقراء والمساكين وإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإنَّ هذا أسير بالدية التي تجب عليه وهي لم تجب باختيار مستحقها ولا باختياره كالديون التي تجب بالقرض والبيع، وليست أيضًا قليلة في الغالب كإبدال المتلفات فإنَّ إتلاف مال كثير بقدر الدية خطأ نادر جدًا بخلاف قتل النفس خطأ، فما سببه العمد في نفس أو مال فالمتلف ظالم مستحق فيه للعقوبة، وما سببه الخطأ في الأموال فقليل في العادة؛ بخلاف الدية» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه أحمد (١٦٧٧٥)، وأبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي (٤٧٣٩)، وابن ماجة (٢٦٤١) عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ
[ ١٢ / ١٤٥ ]
سَمِعَ طَاوُسًا، يُحَدِّثُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ: نَشَدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتَيِ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، وذكر القود لا يثبت وهو من أوهام عمرو بن دينار، فقد جاء عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٨٧) ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ، وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا قَالَ: فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَضَى بِدِيَتِهَا، وَبِغُرَّةٍ فِي جَنِينِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ شَكَّكْتَنِي.
وفي مسند أحمد (٣٤٣٩، ١٦٧٢٩) إثر روايته للحديث: «قُلْتُ لِعَمْرٍو: لَا أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ: لَقَدْ شَكَّكْتَنِي».
قُلْتُ: العاقلة هم العصبات.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٨٧): «ولا خلاف بين أهل العلم في أنَّ العاقلة العصبات، وأنَّ غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة» اهـ.
واختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في العاقلة مذهبًا آخر فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦):
«فصل: النبي ﷺ قضى بالدية على العاقلة وهم: الذين ينصرون الرجل ويعينونه وكانت العاقلة على عهده هم عصبته. فلما كان في زمن عمر جعلها على أهل الديوان؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء فيقال: أصل ذلك أنَّ العاقلة هم محدودون بالشرع أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين. فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب؛ فإنَّهم العاقلة على عهده. ومن قال بالثاني جعل العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك الزمان والمكان. فلما كان في عهد النبي ﷺ إنَّما ينصره ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة؛ إذ لم يكن على عهد النبي ﷺ ديوان ولا عطاء فلما وضع عمر الديوان كان معلومًا أنَّ جند كل مدينة ينصر بعضه بعضًا ويعين بعضه بعضًا وإن لم يكونوا أقارب فكانوا هم العاقلة. وهذا أصح القولين. وأنَّها تختلف باختلاف الأحوال:
[ ١٢ / ١٤٧ ]
وإلَّا فرجل قد سكن بالمغرب وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى ولعل أخباره قد انقطعت عنهم؟ والميراث يمكن حفظه للغائب؛ فإنَّ النبي ﷺ قضى في المرأة القاتلة أنَّ عقلها على عصبتها؛ وأنَّ ميراثها لزوجها وبنيها فالوارث غير العاقلة» اهـ.
وله قول آخر موافق لمذهب الشافعي وأحمد حيث قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٥٨): «وأمَّا "العاقلة" التي تحمل: فهم عصبته: كالعم وبنيه والإخوة وبنيهم باتفاق العلماء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ١١١):
«الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ عَنِ الْجَانِي دِيَةَ الْخَطَأِ.
فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الْعَاقِلَةَ هُمْ أَهْلُ دِيوَانِ الْقَاتِلِ إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ، وَأَهْلُ الدِّيوَانِ أَهْلُ الرَّايَاتِ، وَهُمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ كَتَبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الدِّيوَانِ لِمُنَاصَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ نَسَبًا عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصِبَاتِ.
[ ١٢ / ١٤٨ ]
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀: الْبُدَاءَةُ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ أَيْضًا، فَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُمْ قَائِمًا فَعَاقِلَتُهُ عَصَبَتُهُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَلَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِ.
وَلَيْسَ لِأَمْوَالِ الْعَاقِلَةِ حَدٌّ إِذَا بَلَغَتْهُ عَقَلُوا، وَلَا لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حَدٌّ، وَلَا يُكَلَّفُ أَغْنِيَاؤُهُمُ الْأَدَاءَ عَنْ فُقَرَائِهِمْ.
وَمِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَصَبَةً فَعَقْلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَوَالِي بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ مِنَ الْقَرَابَةِ، وَيَدْخُلُ فِي الْقَرَابَةِ الِابْنُ وَالْأَبُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ أَلْفًا فَهُمْ قَلِيلٌ، يُضَمُّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إِلَيْهِمْ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَصَبَةِ مِنَ الدِّيَةِ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ وَثُلُثٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلَاثِ، فَالْمَجْمُوعُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ أَهْلَ الدِّيوَانِ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْعَقْلِ إِلَّا إِذَا كَانُوا عَصَبَةً، وَمَذْهَبُهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الْعَصَبَةُ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ وَالْآبَاءُ» اهـ.
[ ١٢ / ١٤٩ ]
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٣٢٥) قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَسَنٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: «عُمَرُ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ عَشَرَةً عَشَرَةً فِي أَعْطِيَاتِ الْمُقَاتَلَةِ دُونَ النَّاسِ».
ورواه أيضًا برقم (٣٥٨٦٤) من طريق حميد به.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ فالحكم وهو ابن عتيبة لم يدرك عمر.
ورواه في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٤٣٨، ٣٥٨٠٤) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ فَرَضَ الْعَطَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَفَرَضَ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَثُلُثَيِ الدِّيَةِ فِي سَنَتَيْنِ، وَالنِّصْفَ فِي سَنَتَيْنِ وَالثُّلُثَ فِي سَنَةٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فِي عَامِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ أيضًا.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٨٥٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أَنَّ عُمَرَ، جَعَلَ الدِّيَةَ فِي الْأُعْطِيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَالنِّصْفَ، وَالثُّلُثَيْنِ فِي سَنَتَيْنِ، وَالثُّلُثَ فِي سَنَةٍ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ عَامِهِ».
قُلْتُ: أشعث هو ابن سوار ضعيف.
[ ١٢ / ١٥٠ ]
وروى أبو يوسف في [الْآثَارِ] (٩٨٠) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ «فَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْغَنَمِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ».
قُلْتُ: أبو حنيفة ضعيف ولم يسم من حدثه ولعله أشعث بن سوار الكوفي الضعيف الذي تقدم.
وهذه الأسانيد يقوي بعضها بعضًا ويصح بها أنَّ عمر قضى بالدية على أهل الديوان الواحد.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الآباء والأبناء هل يدخلون في العاقلة أو لا.
فأدخلهم في العاقلة أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وأخرجهم من العاقلة الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
قُلْتُ: وقد روى البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا
[ ١٢ / ١٥١ ]
بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا».
وجاء في رواية للبخاري (٦٩٠٩)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠): «وفي هذا الحكم أنَّ شبه العمد لا يوجب القود، وأنَّ العاقلة تحمل الغرة تبعًا للدية، وأنَّ العاقلة هم العصبة، وأنَّ زوج القاتلة لا يدخل معهم، وأنَّ أولادها أيضًا ليسوا من العاقلة» اهـ.
لكن تأول الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٥) الحديث بتأويل آخر فقال: «قال العلماء: هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده، والصواب أنَّ المرأة التي ماتت هي المجني عليها أم الجنين لا الجانية، وقد صرح به في الحديث بعده بقَوْلُهُ: "فقتلها وما في بطنها" فيكون المراد بقوله التي قضى عليها بالغرة، أي: التي قضى لها بالغرة، فعبر بعليها عن لها.
[ ١٢ / ١٥٢ ]
وأمَّا قَوْلُهُ: "والعقل على عصبتها" فالمراد عصبة القاتلة» اهـ.
وروى أبو داود (٤٥٧٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ، مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا، قَالَ: فَقَالَ عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ: مِيرَاثُهَا لَنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا، مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا».
قُلْتُ: فيه مجالد وهو ابن سعيد ضعيف الحديث.
والذي يظهر لي هو دخول الآباء والأبناء في العصبة. والله أعلم.
٤ - وظاهر الحديث أنَّ الدية تقسم على جميع العاقلة.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٩٥ - ٩٦): «فصل: ويبدأ في قسمته بين العاقلة بالأقرب فالأقرب، يقسم على الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، ثم أعمام الأب ثم بنيهم، ثم أعمام الجد، ثم بنيهم، كذلك أبدًا، حتى إذا
[ ١٢ / ١٥٣ ]
انقرض المناسبون، فعلى المولى المعتق، ثم على عصباته، ثم على مولى المولى، ثم على عصباته، الأقرب فالأقرب، كالميراث سواء.
وإن قلنا: الآباء والأبناء من العاقلة، بدئ بهم؛ لأنَّهم أقرب.
ومتى اتسعت أموال قوم للعقل، لم يعدهم إلى من بعدهم؛ لأنَّه حق يستحق بالتعصيب، فيقدم الأقرب فالأقرب، كالميراث وولاية النكاح.
وهل يقدم من يدلي بالأبوين على من يدلي بالأب؟ على وجهين: أحدهما: يقدم؛ لأنَّه يقدم في الميراث، فقدم في العقل، كتقديم الأخ على ابنه.
والثاني، يستويان؛ لأنَّ ذلك يستفاد بالتعصيب، ولا أثر للأم في التعصيب.
والأول أولى، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ قرابة الأم تؤثر في الترجيح والتقديم وقوة التعصيب، لاجتماع القرابتين على وجه لا تنفرد كل واحدة بحكم، وذلك لأنَّ القرابتين تنقسم إلى ما تنفرد كل واحدة منهما بحكم، كابن العم إن كان أخًا من أم، فإنَّه يرث بكل واحدة من القرابتين ميراثًا منفردًا، يرث السدس بالأخوة، ويرث بالتعصيب ببنوة العم، وحجب إحدى القرابتين لا يؤثر في حجب الأخرى، فهذا لا يؤثر في قوة ولا ترجيح، ولذلك لا يقدم ابن العم الذي هو أخ من أم على غيره، وما لا ينفرد كل واحد منهما بحكم، كابن العم من أبوين مع ابن
[ ١٢ / ١٥٤ ]
عم من أب، لا تنفرد إحدى القرابتين بميراث عن الأخرى، فتؤثر في الترجيح وقوة التعصيب؛ ولذلك أثرت في التقديم في الميراث، فكذلك في غيره.
وبما ذكرناه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسوى بين القريب والبعيد، ويقسم على جميعهم؛ لأنَّ النبي ﷺ جعل دية المقتولة على عصبة القاتلة.
ولنا، أنَّه حكم تعلق بالتعصيب، فوجب أن يقدم فيه الأقرب فالأقرب، كالميراث، والخبر لا حجة فيه؛ لأننا نقسمه على الجماعة إذا لم يف به الأقرب، فنحمله على ذلك» اهـ.
قُلْتُ: ويشبه هذا قول النبي ﷺ: «وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ». رواه البخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩) عن أبي هريرة ﵁، ولا يتساوى جميع الورثة في ذلك، وإنَّما يقدم من الورثة الأقرب على الأبعد، وهكذا قضاء النبي ﷺ الدية على العاقلة لا يلزم من ذلك تساويهم في الدية، وإنَّما يقدم الأقرب على الأبعد. والله أعلم.
٤ - وظاهر الحديث أنَّ القاتل إذا كان قتله شبه عمد، وأولى منه الخطأ المحض لا يتحمل شيئًا من الدية.
[ ١٢ / ١٥٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٥٧): «فصل: ولا يلزم القاتل شيء من الدية.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة؛ لأنَّها وجبت عليهم إعانة له، فلا يزيدون عليه فيها.
ولنا، ما روى أبو هريرة، أنَّ النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها. متفق عليه.
وهذا يقتضي أنَّه قضى بجميعها عليهم، ولأنَّه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنَّه بحق، فبان مظلومًا، ولأنَّ الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه» اهـ.
قُلْتُ: واختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وجوبها على الجاني عند تعذر العاقلة حيث قال كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٩٧): «وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء» اهـ.
[ ١٢ / ١٥٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٠٤ - ١٠٦): «مسألة: قال: "ومن لم يكن له عاقلة، أخذ من بيت المال، فإن لم يقدر على ذلك، فليس على القاتل شيء".
الكلام في هذه المسألة في فصلين:
الفصل الأول: أنَّ من لا عاقلة له، هل يؤدي من بيت المال أو لا؟ فيه روايتان:
إحداهما: يؤدى عنه. وهو مذهب الزهري، والشافعي؛ لأنَّ النبي ﷺ ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال.
وروي أنَّ رجلًا قتل في زحام في زمن عمر، فلم يعرف قاتله، فقال عليٌّ لعمر: يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم. فأدى ديته من بيت المال.
ولأنَّ المسلمين يرثون من لا وارث له، فيعقلون عنه عند عدم عاقلته، كعصباته ومواليه.
والثانية: لا يجب ذلك؛ لأنَّ بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين والفقراء ولا عقل عليهم، فلا يجوز صرفه فيما لا يجب عليهم، ولأنَّ العقل على العصبات، وليس بيت المال عصبة، ولا هو كعصبة هذا، فأمَّا قتيل الأنصار، فغير
[ ١٢ / ١٥٧ ]
لازم؛ لأنَّ ذلك قتيل اليهود، وبيت المال لا يعقل عن الكفار بحال، وإنَّما النبي ﷺ تفضل عليهم.
وقولهم: إنَّهم يرثونه.
قلنا: ليس صرفه إلى بيت المال ميراثًا، بل هو فيء، ولهذا يؤخذ مال من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال، ولا يرثه المسلمون، ثم لا يجب العقل على الوارث إذا لم يكن عصبة، ويجب على العصبة وإن لم يكن وارثًا فعلى الرواية الأولى، إذا لم يكن له عاقلة، أديت الدية عنه كلها من بيت المال، وإن كان له عاقلة لا تحمل الجميع، أخذ الباقي من بيت المال.
وهل تؤدى من بيت المال في دفعة واحدة، أو في ثلاث سنين؟ على وجهين؛ أحدهما: في ثلاث سنين، على حسب ما يؤخذ من العاقلة.
والثاني: يؤدي دفعة واحدة.
وهذا أصح؛ لأنَّ النبي ﷺ أدى دية الأنصاري دفعة واحدة، وكذلك عمر، ولأنَّ الدية بدل متلف لا تؤديه العاقلة، فيجب كله في الحال، كسائر بدل المتلفات، وإنَّما أجل على العاقلة تخفيفًا عنهم، ولا حاجة إلى ذلك في بيت المال، ولهذا يؤدى الجميع.
[ ١٢ / ١٥٨ ]
الفصل الثاني: إذا لم يمكن الأخذ من بيت المال، فليس على القاتل شيء.
وهذا أحد قولي الشافعي؛ لأنَّ الدية لزمت العاقلة ابتداء، بدليل أنَّه لا يطالب بها غيرهم، ولا يعتبر تحملهم ولا رضاهم بها، ولا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل، فإنَّ الدية لا تجب على أحد، كذا هاهنا.
فعلى هذا، إن وجد بعض العاقلة، حملوا بقسطهم، وسقط الباقي، فلا يجب على أحد، ويتخرج أن تجب الدية على القاتل إذا تعذر حملها عنه.
وهذا القول الثاني للشافعي؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾.
ولأنَّ قضية الدليل وجوبها على الجاني جبرًا للمحل الذي فوته، وإنَّما سقط عن القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل، فإذا لم يؤخذ ذلك، بقي واجبًا عليه بمقتضى الدليل، ولأنَّ الأمر دائر بين أن يطل دم المقتول، وبين إيجاب ديته على المتلف، لا يحوز الأول؛ لأنَّ فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة، فتعين الثاني، ولأنَّ إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية على قاتل الخطأ له نظائر، فإنَّ المرتد لما لم يكن له عاقلة تجب الدية في ماله، والذمي الذي لا عاقلة له تلزمه الدية، ومن رمى سهمًا ثم أسلم، أو كان مسلمًا فارتد، أو كان عليه الولاء لموالي أمه فانجر إلى موالي أبيه، ثم أصاب بسهم إنسانًا فقتله، كانت الدية في ماله؛
[ ١٢ / ١٥٩ ]
لتعذر حمل عاقلته عقله، كذلك هاهنا، فنحرر منه قياسًا فنقول: قتيل معصوم في دار الإسلام، تعذر حمل عاقلته عقله، فوجب على قاتله، كهذه الصورة.
وهذا أولى من إهدار دماء الأحرار في أغلب الأحوال، فإنَّه لا يكاد يوجد عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال، فتضيع الدماء، ويفوت حكم إيجاب الدية.
وقولهم: إنَّ الدية تجب على العاقلة ابتداء.
ممنوع، وإنَّما تجب على القاتل، ثم تتحملها العاقلة عنه.
وإن سلمنا وجوبها عليهم ابتداء، لكن مع وجودهم، أمَّا مع عدمهم، فلا يمكن القول بوجوبها عليهم.
ثم ما ذكروه منقوض بما أبديناه من الصور.
فعلى هذا، تجب الدية على القاتل إن تعذر حمل جميعها، أو باقيها إن حملت العاقلة بعضها.
والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا كلام حسن.
[ ١٢ / ١٦٠ ]
ومقدار الدية مائة من الإبل، فإن كان القتل من قبيل الخطإ أو شبه العمد أو العمد ووقع النزاع في صفتها.
فروى أبو داود (٤٥٤٧) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُسَدَّدٌ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: مُسَدَّدٌ خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» - إِلَى هَاهُنَا حَفِظْتُهُ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَا - «أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ». ثُمَّ قَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِ أَوْلَادِهَا». وَحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أَتَمُّ.
ثم قال (٤٥٥٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ مَعْنَاهُ.
ورواه النسائي (٤٧٩٣) من طريق حماد بن زيد عن خالد الحذاء به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد اختلف على خالد الحذاء في اسم الصحابي:
[ ١٢ / ١٦١ ]
فسماه حماد بن زيد: عبد الله بن عمرو بن العاص، كما سبق.
وأبهمه:
هشيم بن بشير وحديثه عند أحمد (١٥٤٢٥)، والنسائي (٤٧٩٤) من طريق هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فِيهَا أَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهُنَّ خَلِفَةٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ٣٢١):
«البازل من الإبل الذي تَمَّ ثمانِيَ سنين ودخل في التاسعة وحينئذ يطلعُ نابُه وتكمل قوّته ثم يقال له بعد ذلك بازلُ عامٍ وبازِلُ عامَين» اهـ.
قُلْتُ: والخَلِفَة هي الحامل.
وتابعه: بشر بن المفضل. وقد روى حديثه النسائي (٤٧٩٦).
وتابعهما: يزيد بن زريع وروى حديثه النسائي (٤٧٩٧، ٤٧٩٨).
وتابعهم: عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي روى حديثه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٧٨).
[ ١٢ / ١٦٢ ]
وتابعهم: سفيان الثوري روى حديثه ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٤٥٧).
قُلْتُ: إبهام الصحابي في حديث خالد الحذاء أصح. والله أعلم.
واختلف على خالد الحذاء في وصله وإرساله:
فوصله:
سفيان الثوري، وحماد بن زيد، وهشيم بن بشير، وبشر بن المفضل، ويزيد بن زريع، عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي كما سبق.
وأرسله:
محمد بن إبراهيم بن أبي عدي وحديثه رواه النسائي (٤٧٩٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةٌ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
قُلْتُ: الصحيح في حديث خالد الحذاء الوصل.
واختلفوا في اسم شيخ القاسم:
فسماه جميع من تقدم: عقبة بن أوس.
[ ١٢ / ١٦٣ ]
وسماه بشر بن المفضل: يعقوب بن أوس:
وقد روى حديثه النسائي (٤٧٩٦) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
وتابعه: يزيد بن زريع.
روى حديثه النسائي (٤٧٩٧، ٤٧٩٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
واختلف قول إسماعيل بن علية في تسميته فتارة سماه عقبة وتارة يعقوب.
وقد روى حديثه أحمد (٢٣٥٤٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ مَرَّةً: يَعْقُوبُ بْنُ أَوْسٍ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
[ ١٢ / ١٦٤ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْفَتْحِ - وَقَالَ مَرَّةً: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ تُعَدُّ وَتُدَّعَى، وَدَمٍ وَمَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ، أَوْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ، أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ - قَالَ خَالِدٌ: أَوْ قَالَ: قَتِيلُ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ - قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
قُلْتُ: هما واحد كما ذكر ذلك غير واحد من الحفاظ.
ورواه أحمد (٦٥٣٣، ٦٥٥٢)، والنسائي (٤٧٩١)، وابن ماجة (٢٦٢٧) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَتِيلُ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
قُلْتُ: واختلف فيه على أيوب في وصله وإرساله:
فوصله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولم يذكر الواسطة بين القاسم بن ربيعة وعبد الله بن عمرو بن العاص:
شعبة بن الحجاج كما سبق.
واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله.
[ ١٢ / ١٦٥ ]
فأرسله: يونس بن محمد المؤدب وحديثه عند النسائي (٤٧٩٢ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ» مُرْسَلٌ اهـ.
ووصله:
سليمان بن حرب.
وقد روى حديثه ابن ماجة (٢٦٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
ووهيب بن خالد، وحديثه عند الدارقطني (٣١٧٠)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦٠١١) من طريق وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ تُعَدُّ أَوْ تُدْعَى تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا السِّدَانَةَ وَالسِّقَايَةَ، أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
[ ١٢ / ١٦٦ ]
ومحمد بن عبيد بن حساب روى حديثه محمد بن نصر المروزي في [السُّنَّةِ] (٢٣٧)، وأبو عاصم في [الدِّيَاتِ] (١٠٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، تُعَدُّ وَتُدَّعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمِي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ، أَوْ بِالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
ويحيى بن حبيب بن عربي روى حديثه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٩٤٨) من طريق يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فِيهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
قُلْتُ: الصحيح في حديث حماد الوصل.
واختلف في الحديث على القاسم بن ربيعة في صحابي الحديث:
[ ١٢ / ١٦٧ ]
فسماه عبد الله بن عمرو بن العاص: أيوب السختياني، وأبهمه خالد الحذاء على الصحيح كما سبق بيان ذلك.
وخالفهم: علي بن زيد بن جدعان فسماه عبد الله بن عمر.
روى حديثه أحمد (٤٥٨٣)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجة (٢٦٢٨) من طريق سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُدْعَانَ، سَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا شِبْهِ الْعَمْدِ، فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةٌ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
ورواه أحمد (٤٩٢٦) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن جدعان به.
قُلْتُ: ابن جدعان ضعيف الحديث والمعروف في الحديث ما سبق.
ورواه أحمد (٥٨٠٥) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ السَّدُوسِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ، أَوِ الْعَصَا مُغَلَّظَةٌ: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَالٍ وَمَأْثُرَةٍ
[ ١٢ / ١٦٨ ]
كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ، فَإِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُهَا لِأَهْلِهَا».
قُلْتُ: وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما سبق.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٨/ ٦٨):
«قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ. فَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ كَانَ يَخْلِطُ فِيهِ، فَالْحَدِيثُ حَدِيثُ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ: وَيُقَالُ: يَعْقُوبُ السَّدُوسِيُّ هُوَ عُقْبَةُ بْنُ أَوْسٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَصَرَ بِإِسْنَادِهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَاسِمَ بْنَ رَبِيعَةَ» اهـ.
واختلف فيه على القاسم بن ربيعة في وصله وإرساله:
فوصله:
خالد الحذاء، وأيوب على الصحيح من حديثهما غير أنَّ خالد أبهم الصحابي، وسماه أيوب عبد الله بن عمرو العاص كما سبق.
وأرسله:
[ ١٢ / ١٦٩ ]
حميد الطويل. وقد روى حديثه النسائي (٤٨٠٠) خْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَطَأُ شِبْهُ الْعَمْدِ - يَعْنِي بِالْعَصَا وَالسَّوْطِ - مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
وهو عند أحمد (١٥٤٢٦) مختصرًا.
قُلْتُ: حديث أيوب وحماد أصح من حديث حميد الطويل. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٨/ ٧٣):
«قَصَرَ بِإِسْنَادِهِ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَوُهَيْبٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ».
قُلْتُ: أمَّا الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٦٢):
«قُلْتُ: وقد روى هذا الحديث بطوله: حماد بن سلمة، عن حميد، عن القاسم بن ربيعة: أنَّ النبي ﷺ، خطب الناس يوم الفتح … مرسلًا وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم» اهـ.
[ ١٢ / ١٧٠ ]
قُلْتُ: وعلى كل حال فلا يصح سماع عقبة بن أوس من عبد الله بن عمرو فقد قَالَ الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ ﵀ فيِ [جَامِعِ التَّحْصِيْلِ] (ص: ٢٣٩): «عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو قال ابن الغلابي فيما رواه عنه إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: لم يسمع منه» اهـ.
فالحديث معلول بالانقطاع كما ترى لكن هناك ما يشهد له ويقويه.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٩٩١) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَى شِبْهُ الْعَمْدِ، فِيهَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفيه حجاج بن أرطأة سيء الحفظ، وأبو معاوية هو الضرير محمد بن خازم.
وروى أبو داود (٤٥٤٣) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، ح وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذَكَرٍ».
[ ١٢ / ١٧١ ]
ورواه النسائي (٤٨٠١)، وابن ماجة (٢٦٣٠) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِبه مطولًا.
قُلْتُ: إَسْنَادُهُ حَسَنٌ لكنه معل كما سيأتي.
وهذا الحديث وارد في قتل الخطأ، وما سبق في شبه العمد.
وقد اختلف في هذا الحديث على محمد بن راشد فرواه بما سبق:
مسلم بن إبراهيم الأزدي.
وزيد بن أبي الزرقاء.
ويزيد بن هارون.
وخالفهم:
حبان بن هلال الباهلي فروى الترمذي (١٣٨٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ وَهُوَ ابْنُ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا،
[ ١٢ / ١٧٢ ]
وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ».
وتابعه: خالد بن يزيد السلمي وحديثه عند ابن ماجة (٢٦٢٦).
وتابعهما: أبو النضر هشام بن القاسم.
وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحديثهما أحمد في [مُسْنَدِهِ] (٦٧١٧).
والهيثم بن جميل عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩١٨).
وبهز بن أسد عند الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٣٧٥).
وعبد الله بن المبارك في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٧٤٩).
وهذا هو الصحيح في حديث محمد بن راشد، ويدل على ذلك ما رواه أحمد في أحمد في [مُسْنَدِهِ] (٧٠٣٣) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَكَرَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، فَذَلِكَ عَقْلُ
[ ١٢ / ١٧٣ ]
الْعَمْدِ، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ شَدِيدُ الْعَقْلِ». وذكر حديثًا طويلًا.
وفيه محمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع.
واختلف في الحديث على عمرو بن شعيب فرواه عنه سليمان بن موسى ومحمد ابن إسحاق موصولًا.
وخالفهم:
عبد الملك بن جريج فرواه عنه مرسلًا.
وقد روى حديثه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧١٧٦، ١٧٢١٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الْعَقْلَ دِيَةَ مُسْلِمَةٍ، وَهِيَ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، فَذَلِكَ الْعَمْدُ إِذَا لَمْ يُقْتَلْ صَاحِبُهُ».
قُلْتُ: الصحيح في الحديث الإرسال.
وسيأتي في حديث عبادة، ومرسل الزهري: ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة.
[ ١٢ / ١٧٤ ]
وهذا هو الصحيح مما جاءت به السنة.
وفي الباب ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٣٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ قَالَ: «فِي الْكِتَابِ الَّذِي عِنْدَ أَبِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فِي دِيَةِ الْخَطَأِ مِثْلَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ».
قُلْتُ: هَذِهِ وِجَادَةٌ مُرْسَلَةٌ، وحديث معمر ذكره قبل ذلك (١٧٢٣٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «دِيَةُ الْخَطَأِ مِنَ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٌ».
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٣٤) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أيضًا ويقويه ما سبق.
وفي الباب أثر لعلي بن أبي طالب ﵁.
رواه أبو داود (٤٥٥٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثٌ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا وَكُلُّهَا خَلِفَةٌ».
[ ١٢ / ١٧٥ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فعاصم لا يصح له سماع من علي، وهو يخالف ما سبق.
وروى أبو داود (٤٥٥٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «فِي الْخَطَإِ أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ أيضًا.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ: «ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ،
وكان علي يقول: في شبه العمد: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة».
قُلْتُ: أَثَرُ عَليٍّ صَحِيْحٌ، ورواية الشعبي عن علي بن أبي طالب في البخاري، ورواية الشعبي عن زيد منقطعة.
وابن أبي خالد هو إسماعيل.
وقد روى أثر زيد عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٢٠) من طريق الشعبي به.
[ ١٢ / ١٧٦ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٢٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٧) من طريق الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين إبراهيم النخعي وعلي بن أبي طالب ﵁.
وجاء أثر لعمر بن الخطاب ﵁.
رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢١٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٤)، وأحمد (٣٤٨)، وأبو داود (٤٥٥٠)، من طريق ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مجاهد وعمر لكنه يتقوى بما سيأتي.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٤٦٧) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ قَتَادَةَ، كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَرْعَى غَنَمَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مِنْهَا: حَتَّى مَتَى تَسْتَأْمِي أُمِّي؟ وَأَبِيهِ لَا يَسْتَأْمِهَا أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْمَيْتَهَا، قَالَ: إِنَّكَ
[ ١٢ / ١٧٧ ]
لَهَا هُنَا، فَخَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: «فَائْتِنِي بِهِ وَبِعِشْرِينَ وَمِائَةٍ» قَالَ حَجَّاجٌ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «وَبِأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلٍ عَامُهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ إِخْوَتِهِ وَلَمْ يُوَرِّثْهُ شَيْئًا».
رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩١٩) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أنبأ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّقْرِ، ثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ به.
قُلْتُ: في إسناده حجاج ابن أرطأة سيء الحفظ.
ومعنى: (تستأمي) تسترقي.
وجاء أثر لعبد الله بن مسعود.
وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٢)، وأبو داود (٤٥٥٤) من طريق أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «شِبْهُ الْعَمْدِ أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ».
قُلْتُ: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة فالْإِسْنَادُ مُنْقَطِعٌ.
[ ١٢ / ١٧٨ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٣) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ عامر الشعبي لا يصح له سماع من ابن مسعود، لكن يشهد له ما سبق.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٢٣)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٦١٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاصٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٢٤) عن الثوري عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي مجلز عن أبي عبيدة مثله.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٠٧) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ،
[ ١٢ / ١٧٩ ]
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، ﵁: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَرْبَاعٌ: رُبُعٌ بَنَاتُ لَبُونٍ، وَرُبُعٌ حِقَاقٌ، وَرُبُعٌ جِذَاعٌ، وَرُبُعٌ ثَنِيَّةٌ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ومرسلات أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ فإنَّها صحيحة أيضًا، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه لكن روايته عن أبيه مقبولة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [شَرْحِ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ] ص (١٨٢):
«قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".
قال يعقوب بن شيبة: "إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر "» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧):
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه: قاله ابن المدني وغيره» اهـ.
[ ١٢ / ١٨٠ ]
قُلْتُ: ابن التيمي هو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وأبو مجلز لاحق بن حميد.
وجاء في دية العمد والخطإ ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٢٢٨٣٠) واللفظ له، والشاشي في [مُسْنَدِهِ] (١١٨٧)، وأبو عاصم في [الدِيَّاتِ] (١٥٨) من طريق الفضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة قال:
«إِنَّ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ». وذكر حديثًا طويلًا وفيه:
«وَقَضَى فِي دِيَةِ الْكُبْرَى الْمُغَلَّظَةِ ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، وَقَضَى فِي دِيَةِ الصُّغْرَى ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَعِشْرِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ الفضيل بن سليمان يروي عن موسى بن عقبة مناكير كما ذكر ذلك صالح جزرة.
وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت أحاديثه غير محفوظة كما ذكر ذلك ابن عدي، وهو مع ذلك لم يدرك عبادة.
[ ١٢ / ١٨١ ]
ويشهد لحديث عبادة في الكبرى مرسل الزهري الذي رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢١٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «الدِّيَةُ الْكُبْرَى الَّتِي غَلَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً».
وروى البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١١١٠)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٥٢٤)، وأبو نعيم في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٣٠٧٨)، وابن أبي عاصم في [الدِيَّاتِ] (١٦٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ، ثنا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كَانَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ: أَرْبَعَةَ أَسْنَانٍ، خَمْسَةً وَعِشْرِينَ حِقَّةً، وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ بَنَاتِ مَخَاضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن، ومثله صالح بن أبي الأخضر فإنَّه ضعيف لا سيما في الزهري.
ويتقوى بكتاب عمر عن رسول الله ﷺ الآتي.
وجاء في ذلك أثر عن عثمان وزيد بن ثابت رضي عنهما.
[ ١٢ / ١٨٢ ]
رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٩، ٢٧٢٩٦)، وأبو داود (٤٥٥٤، ٤٥٥٥) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «فِي الْمُغَلَّظَةِ أَرْبَعُونَ جَذَعَةً خَلِفَةً، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي الْخَطَإِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٌ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ».
قُلْتُ: رواية سعيد بن المسيب عن زيد مرسلة، وعبد ربه هو ابن أبي يزيد مجهول، وَالْأَثَرُ حَسَنٌ من هذين الطريقين. والله أعلم.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٢٥) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُثْمَانَ، وَزَيْدًا، قَالَا: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَرْبَعُونَ جَذَعَةً خَلِفَةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ».
قُلْتُ: وذكر في روايته "شبه العمد" ولم يذكر "المغلظة"، وفيه عثمان بن مطر ضعيف الحديث.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٠١) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا هُشَيْمٌ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الْمُغَلَّظَةِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً خَلِفَةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا».
[ ١٢ / ١٨٣ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ الشعبي لم يسمع من زيد.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زَيْدِ؛ فِي دِيَةِ الْخَطأِ: «ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ الشعبي لم يسمع من زيد كما سبق.
الحسن بن صالح هو ابن حي، وابن أبي ليلى هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري.
وقد خالف ابن أبي ليلى إسماعيل بن أبي خالد في روايته عن الشعبي وإسماعيل أوثق من روى عن الشعبي، لكن لعل القول بثبوت الروايتين عن الشعبي أظهر، وذلك أنَّه لا ينبغي توهيم الثقة إلَّا بأمر بيِّن. والله أعلم.
وجاء في ذلك أيضًا أثر عن أبي موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة ﵁.
رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢١٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٩٧)، البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٠٢) من طريق مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، يَقُولَانِ: «فِي الْمُغَلَّظَةِ مِنَ الدِّيَةِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا، كُلُّهَا خَلِفَةٌ».
[ ١٢ / ١٨٤ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، الشعبي صح سماعه من المغيرة كما في مسلم (١٨٩)، ولا يبعد سماعه من أبي موسى فإنَّهما متقاربان في الوفاة.
وجرير هو ابن عبد الحميد، والمغيرة هو ابن مقسم.
وفي الباب أثر عن علي ﵁.
رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٣٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «فِي الْخَطَأِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين إبراهيم النخعي وعلي بن أبي طالب ﵁.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٣٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ فِي كِتَابٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَاعٌ» مِثْلُ قَوْلِ: عَلِيٍّ هَذَا وَزَادَ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ بِنْتُ الْمَخَاضِ جُعِلَ مَكَانَهَا بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٌ.
قُلْتُ: عبد العزيز حسن الحديث، وروايته لكتاب عمر وجادة.
ويتقوى بحديث السائب بن يزيد الماضي.
[ ١٢ / ١٨٥ ]
وروى أبو داود (٤٥٤٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُرٍ» وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ اهـ.
ورواه النسائي (٤٨٠٢) من طريق حجاج به.
قُلْتُ: الحجاج هو ابن أرطأة سيء الحفظ وهو مع ذلك مدلس وقد عنعن، والمعروف في الحديث أنَّه من قول ابن مسعود ﵁.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٨/ ٧٥):
«أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، قَالَا: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَرْمَلٍ الْجُشَمِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَّا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَالْحَجَّاجُ فرَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَبِأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَالَ: وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ عَنِ الْحَجَّاجِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِيهِ، فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ
[ ١٢ / ١٨٦ ]
زِيَادٍ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنِ الْحَجَّاجِ فَجَعَلَ مَكَانَ الْحِقَاقِ بَنِي اللَّبُونِ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْحَجَّاجِ فَجَعَلَ مَكَانَ بَنِي الْمَخَاضِ بَنِي اللَّبُونِ، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَجَمَاعَةٌ عَنِ الْحَجَّاجِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ تَفْسِيرَ الْأَخْمَاسِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَّاجُ رُبَّمَا كَانَ يُفَسِّرُ الْأَخْمَاسَ بِرَأْيِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَيَتَوَّهَمُ السَّامِعُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ: وَكَيْفَمَا كَانَ، فَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ، وَخِشْفُ بْنُ مَالِكٍ مَجْهُولٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ جَعَلَ أَحَدَ أَخْمَاسِهَا بَنِي الْمَخَاضِ فِي الْأَسَانِيدِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، لَا كَمَا تَوَّهَمَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاهُ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْخَطَأِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنُو مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ».
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٣٦) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به.
[ ١٢ / ١٨٧ ]
قُلْتُ: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة فالْإِسْنَادُ مُنْقَطِعٌ.
قال الحافظ ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٦) - بعد الرواية السابقة حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٨) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُمَا قَالَا: «دِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا».
قُلْتُ: أثر ابن مسعود هذا صَحِيْحٌ ومراسيل إبراهيم النخعي عن ابن مسعود صحيحة، وأمَّا أثر عمر فَمُنْقَطِعٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٣٧) بالإسناد السابق فقال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: «فِي دِيَةِ الْخَطَأِ أَخْمَاسٌ: خُمُسٌ بَنُو مَخَاضٍ، وَخُمُسٌ بَنَاتُ مَخَاضٍ، وَخُمُسٌ بَنَاتُ لَبُونٍ، وَخُمُسٌ حِقَاقٌ، وَخُمُسٌ جِذَاعٌ».
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهَذِهِ الْأَسَانِيدِ وَقَدْ رَوَى بَعْضُ حُفَّاظِنَا، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذِهِ الْأَسَانِيدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَجَعَلَ مَكَانَ بَنِي الْمَخَاضِ، بَنِي اللَّبُونِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ
[ ١٢ / ١٨٨ ]
خُزَيْمَةَ، وَهُوَ إِمَامٌ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادَيْهِ، كَذَلِكَ بَنِي لَبُونٍ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَذَلِكَ بَنِي لَبُونٍ وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: بَنِي مَخَاضٍ فَإِنْ كَانَ مَا رَوَيَاهُ مَحْفُوظًا فَهُوَ الَّذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ، وَصَارَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَعَارِضَةً، وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللهِ مَشْهُورٌ فِي بَنِي الْمَخَاضِ، وَقَدِ اخْتَارَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ فِي هَذَا مَذْهَبَهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ إِنَّمَا صَارَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَالسُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَدَتْ مُطْلَقَةً بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ غَيْرَ مُفَسَّرَةٍ، وَاسْمُ الْإِبِلِ يَتَنَاوَلُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ، فَأَلْزَمَ الْقَاتِلَ أَقَلَّ مَا قَالُوا إِنَّهُ يَلْزَمُهُ، فَكَانَ عِنْدَهُ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَقَلَّ مَا قِيلَ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَوَجَدْنَا قَوْلَ عَبْدِ اللهِ أَقَلَّ مَا قِيلَ فِيهَا؛ لِأَنَّ بَنِي الْمَخَاضِ أَقَلُّ مِنْ بَنِي اللَّبُونِ، وَاسْمُ الْإِبِلِ يَتَنَاوَلُهُ، فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ اهـ. كلامه ﵀.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٢٣٨)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٦١٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: «فِي الْخَطَأِ
[ ١٢ / ١٨٩ ]
أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ ابْنَةَ لَبُونٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٨/ ٦٩):
«قَدِ اخْتَلَفُوا هَذَا الِاخْتِلَافَ، وَقَوْلُ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ» اهـ.
أقول: خلاصة ما سبق مما ثبت به الحديث:
أنَّ دية شبه العمد مائة من الإبل منها أربعون خلفة.
وجاء في تبيين أسنانها أثر ثابت عن عمر وهي: ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة.
وثبت ذلك أيضًا عن المغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري.
وجاء في تعيينها أيضًا في أثر ثابت عن عثمان وزيد وهي: أربعون جذعة خَلِفَة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون.
وأثر عثمان وزيد في الدية المغلظة وهي تشمل العمد وشبه العمد.
[ ١٢ / ١٩٠ ]
وجاء تعيينها في أثر آخر ثابت عن ابن مسعود وهي: خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت مخاص وخمس وعشرون بنت لبون.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: في شبه العمد: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة.
وأقوى هذه الآثار من حيث المعنى أثر عثمان وزيد بن ثابت كما سيأتي بيان ذلك.
ودية الخطأ تقسم أرباعًا عشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة كما جاءت بذلك السنة جاء ذلك في مرسل عمرو بن شعيب، ومرسل الزهري.
وجاء في حديث السائب وكتاب عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ: خمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة وخمسة وعشرون بنات لبون وخمسة وعشرون بنات مخاض.
وقال ابن مسعود ﵁ في الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون.
أقول: الأحاديث لا تخلوا من ضعف واضطراب في تعيين دية الخطإ، ولعل الأرجح الأخذ بأثر ابن مسعود ﵁.
[ ١٢ / ١٩١ ]
وجاء في العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة لكن الحديث في ذلك مرسل.
والثابت ما في حديث عبادة، ومرسل الزهري: ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة، وهذا موافق لأثر عثمان وزيد بن ثابت.
وفي أثر عمر في شبه العمد: ثلاثون جذعة وثلاثون حقة، ولا يكون شبه العمد أغلظ من العمد.
وهذا مما يبين أنَّ أثر عثمان وزيد أصح هذه الآثار إذ فيهما أنَّ الدية المغلظة شيء واحد يستوي فيها العمد وشبه ولما فيهما من موافقة حديث عبادة ومرسل الزهري في العمد. والله أعلم.
(فرع) في ذكر مذاهب الأئمة الأربعة في الدية بالإبل.
أولًا: مذاهبهم في دية العمد وشبه العمد:
قال الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية في قتل العمد: أرباعًا خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
[ ١٢ / ١٩٢ ]
وذهب الشافعي وأحمد، أنَّها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
والحديث في ذلك مرسل كما سبق.
والذي يظهر لي أنَّها ثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة لحديث عبادة ومرسل الزهري، ولأثر عثمان وزيد بن ثابت.
ومذهبهم في شبه العمد كالعمد غير الإمام مالك فإنَّه أنكر شبه العمد، وجعله من قسم العمد.
ثانيًا: مذاهبهم في دية الخطإ.
جعلها الإمام أحمد وأبو حنيفة أخماسًا، عشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
وقال مالك، والشافعي: هي أخماس، إلَّا أنَّهما جعلوا مكان بني مخاض بني لبون.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الإمام أحمد وأبو حنيفة، وقد بيَّن الحافظ البيهقي أنَّ ذكر بني لبون في أثر ابن مسعود من قبيل الغلط كما سبق.
والأصل في الدية هي الإبل على الصحيح وما سواها كالبقر والغنم والذهب والفضة مقومة عليه.
[ ١٢ / ١٩٣ ]
وأكثر العلماء على أنَّ قدرها من الذهب ألف مثقال، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم، ومن البقر والحلل مائتان، ومن الشاء ألفان، وخالف الثوري وأبو حنيفة وصاحبيه وقالوا: قدرها عشرة آلاف من الورق.
٤ - ليس في حديث بيان من يتحمل دية الجنين، وقد تنازع في ذلك العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٣٤): «فصل: وتحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه. نص عليه أحمد، إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد؛ لما روى المغيرة بن شعبة، أنَّ رسول الله ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أم، على عصبة القاتلة.
وإن كان قتل الأم عمدًا، أو مات الجنين وحده، لم تحمله العاقلة.
وقال الشافعي: تحمله العاقلة على كل حال، بناء على قوله: إنَّ العاقلة تحمل القليل والكثير.
والجناية على الجنين ليست بعمد؛ لأنَّه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودًا بالضرب.
ولنا، أنَّ العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، على ما ذكرناه، وهذا دون الثلث.
[ ١٢ / ١٩٤ ]
وإذا مات وحده أو من جناية عمد، فدية أمه على قاتلها، فكذلك ديته؛ لأنَّ الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني وبعضها غيره، فيكون الجميع على القاتل، كما لو قطع عمدًا، فسرت الجناية إلى النفس» اهـ.
والذي يظهر لي أنَّ الدية على العاقلة كسائر ديات الخطاء وشبه العمد، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٨٢) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟».
قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ.
أَقُوْلُ: قول من قال إنَّ الجنين لو مات وحده فلا تتحمل العاقلة ديته لا يظهر لي صحته، والاحتجاج على ذلك بأنَّ العاقلة لا تتحمل ما دون الثلث فلا أعلم لهم في ذلك حجة إلَّا ما ذكره ابْنُ حَزْمٍ ﵀ كَمَا فِي [تَكْمِلَةِ الْمُحَلَى] (١١/ ٥١): حيث قال: «كما روي عن ابن وهب، قال: أخبرني ابن سمعان قال: سمعت رجالًا من علمائنا يقولون: قضى عمر بن الخطاب في الدية أن لا يحمل منها شيء
[ ١٢ / ١٩٥ ]
على العاقلة حتى تبلغ ثلث الدية فإنَّها على العاقلة - عقل المأمومة والجائفة - فإذا بلغت ذلك فصاعدًا حملت على العاقلة» اهـ.
قُلْتُ: في إسناده ابن سمعان، وهو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان كذبه غير واحد من حفاظ الحديث.
٥ - وفيه ذم السجع الذي يراد به إبطال الحق، وأنَّ ذلك من عمل الكهان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٤٣): «وقوله ﷺ: "إنَّما هذا من إخوان الكهَّان"؛ فسَّره الراوي: بقَوْلِهِ: من أجل سجعه؛ يعني بذلك: أنَّه تشبَّه بالكهَّان، فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيِّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقّ وسطيح وغيرهما. وهي عادةٌ مستمرَّة في الكهَّان. وقيل: إنَّما أنكر النبي ﷺ ذلك السَّجع لأنَّه جاء به في مقابلة حكم الله مستبعدًا له، ولا يذمُّه من حيث السَّجع؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قد تكلم بكلام يشبه السجع في غير ما موضع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٦): «وأمَّا قوله ﷺ: "إنَّما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه، وفي الرواية الأخرى: "سجع كسجع الأعراب". فقال العلماء: إنَّما ذم سجعه لوجهين:
[ ١٢ / ١٩٦ ]
أحدهما: أنَّه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله.
والثاني: أنَّه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان.
وأمَّا السجع الذي كان النبي ﷺ يقوله في بعض الأوقات وهو مشهور في الحديث فليس من هذا؛ لأنَّه لا يعارض به حكم الشرع، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا من التأويل قوله ﷺ: "كسجع الأعراب"، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢١٨): «وقد تمسك به من كره السجع في الكلام وليس على إطلاقه بل المكروه منه ما يقع مع التكلف في معرض مدافعة الحق، وأمَّا ما يقع عفوًا بلا تكلف في الأمور المباحة فجائز، وعلى ذلك يحمل ما ورد عنه ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك ما رواه البخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ، فَإِذَا المُهَاجِرُونَ
[ ١٢ / ١٩٧ ]
وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالجُوعِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ".
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ».
وروى البخاري (٦١٤٦)، مسلم (١٧٩٦) عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: «هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ».
[ ١٢ / ١٩٨ ]
وروى مسلم (٢٧٢٢) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كَانَ يَقُولُ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ، الْقَبْرِ اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».
٦ - واحتج به من قال بعدم وجوب الكفارة مع الغرة، وذلك لعدم أمر النبي ﷺ بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٥٢ - ١٥٣): «مسألة: قال: وعلى كل من ضرب ممن ذكرت، عتق رقبة مؤمنة، سواء كان الجنين حيًا أو ميتًا هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، والزهري، والحكم، ومالك، والشافعي، وإسحاق.
قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن المرأة تلقي جنينًا الرقبة مع الغرة.
وروي ذلك عن عمر ﵁.
[ ١٢ / ١٩٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وهذا الجنين، إن كان من مؤمنين، أو أحد أبويه، فهو محكوم بإيمانه تبعًا، يرثه ورثته المؤمنون، ولا يرث الكافر منه شيئًا، وإن كان من أهل الذمة، فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، ولأنَّه نفس مضمون بالدية، فوجبت فيه الرقبة كالكبير، وترك ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها، كقوله ﵇: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل".
وذكر الدية في مواضع، ولم يذكر الكفارة، ولأنَّ النبي ﷺ قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، ولم يذكر كفارة، وهي واجبة، كذا هاهنا، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الآية أغنت عن ذكر الكفارة في موضع آخر، فاكتفي بها.
وإن ألقت المضروبة أجنة، ففي كل جنين كفارة، كما أنَّ في كل جنين غرة أو دية.
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
وإن اشترك جماعة في ضرب امرأة، فألقت جنينًا، فديته أو الغرة عليهم بالحصص، وعلى كل واحد منهم كفارة، كما إذا قتل جماعة رجلًا واحدًا.
وإن ألقت أجنة، فدياتهم عليهم بالحصص، وعلى كل واحد في كل جنين كفارة، فلو ضرب ثلاثة بطن امرأة، فألقت ثلاثة أجنة، فعليهم تسع كفارات، على كل واحد ثلاثة» اهـ.
أَقُوْلُ: إن كان الجنين قد نفخ فيه الروح فلا إشكال في وجوب الكفارة على من اعتدى عليه، وإمَّا قبل نفخ الروح فيه فلم يظهر لي حجة قوية على وجوب الكفارة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧):
«فَصَحَّ أَنَّ مَنْ ضَرَبَ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، لَكِنْ أَسْقَطَهَا جَنِينًا فَقَطْ.
وَإِذْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا - لَا خَطَأً وَلَا عَمْدًا - فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَلَا يُقْتَلُ إلَّا ذُو رُوحٍ، وَهَذَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ.
[ ١٢ / ٢٠١ ]
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَتَيَقَّنَتْ حَرَكَتُهُ بِلَا شَكٍّ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعُ قَوَابِلَ عُدُولٍ، فَإِنَّ فِيهِ: غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ جَنِينٌ قُتِلَ، فَهَذِهِ هِيَ دِيَتُهُ، وَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ فِي [الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيْلِ] (١٠/ ٢١٢)
«مسألة قال عبد الملك: سئل أشهب وأنا أسمع عن امرأتين شهدتا على امرأة أنها ضربت بطن امرأة فألقت مضغة، قال: تحلف مع شهادتهما، وتستحق دية جنينها.
قلت: فهل عليها كفارة؟ قال: لا كفارة عليها» اهـ.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ -١] (٢١/ ٣٤٠):
«إذا كان الواقع كما ذكر من أن الحمل في الشهر الرابع، ولم يكمل أربعه أشهر، فإنه لا كفارة عليك في سقوط هذا الجنين؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح في هذه المدة، وعلى ذلك فلا يسمى ولا يغسل ولا يصلى عليه، لكنك تأثمين لتسببك في سقوط هذا الجنين، فعليك التوبة والاستغفار مما حصل منك وعدم العودة لمثل هذا العمل مستقبلًا» اهـ.
* * *
[ ١٢ / ٢٠٢ ]
٣٣٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَكَ».
الفحل: هو الذكر من الإبل.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من أدخل يده في فم إنسان فعض على أصبعه فنزع أصبعه من فِيِّ العاض فسقطت بعض أسنانه أنَّه لا دية عليه، وهذا مشروط بما إذا تألم المغضوض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥): «ولو عض رجل يد آخر، فله جذبها من فيه، فإن جذبها فوقعت ثنايا العاض، فلا ضمان فيها.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وروى سعيد، عن هشيم، عن محمد بن عبد الله أنَّ رجلا عض رجلًا، فانتزع يده من فيه، فسقط بعض أسنان العاض، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: انزع يدك من في السبع، وأبطل أسنانه.
وحكي عن مالك، وابن أبي ليلى، عليه الضمان؛ لقول النبي ﷺ: "في السن خمس من الإبل".
[ ١٢ / ٢٠٣ ]
ولنا، ما روى يعلى بن أمية قال: كان لي أجير، فقاتل إنسانًا، فعض أحدهما يد الآخر، قال: فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، فحسبت أنَّه قال: قال النبي ﷺ: "أفيدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل"، متفق عليه.
ولأنَّه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه، فلم يضمن، كما لو صال عليه، فلم يمكنه دفعه إلَّا بقطع عضوه.
وحديثهم يدل على دية السن إذا قلعت ظلمًا، وهذه لم تقلع ظلمًا، وسواء كان المعضوض ظالمًا أو مظلومًا؛ لأنَّ العض محرم، إلاَّ أن يكون العض مباحًا، مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه، أو يعض يده، ونحو ذلك مما لا يقدر على التخلص من ضرره إلاَّ بعضه، فيعضه، فما سقط من أسنانه ضمنه؛ لأنَّه عاض والعض مباح.
ولذلك لو عض أحدهما يد الآخر، ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلَّا بعضه، فله عضه، ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم، وما تلف من الظالم هدر.
وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده، أو عمل به عملًا غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل، لم يضمنه.
[ ١٢ / ٢٠٤ ]
وقد روى محمد بن عبد الله: أنَّ غلامًا أخذ قمعًا من أقماع الزياتين، فأدخله بين فخذي رجل، ونفخ فيه، فذعر الرجل من ذلك، وخبط برجله، فوقع على الغلام، فكسر بعض أسنانه، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: لا أعقل الكلب الهرار.
قال القاضي: يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكن، فإن أمكنه فك لحييه بيده الأخرى فعل، وإن لم يمكنه لكمه في فكه، فإن لم يمكنه جذب يده من فيه، فإن لم يخلص، فله أن يعصر خصيتيه، فإن لم يمكنه، فله أن يبعج بطنه، وإن أتى على نفسه.
والصحيح أنَّ هذا الترتيب غير معتبر، وله أن يجذب يده من فيه أولًا؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يستفصل، ولأنَّه لا يلزمه ترك يده في فم العاض حتى يتحيل بهذه الأشياء المذكورة، ولأنَّ جذب يده مجرد تخليص ليده، وما حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورة التخليص الجائز، ولكم فكه جناية غير التخليص، وربما تضمنت التخليص، وربما أتلفت الأسنان التي لم يحصل العض بها، وكانت البداءة بجذب يده أولى.
وينبغي أنَّه متى أمكنه جذب يده، فعدل إلى لكم فكه، فأتلف سنًا، ضمنه، لإمكان التخلص بما هو أولى منه» اهـ.
[ ١٢ / ٢٠٥ ]
٢ - ويلحق بالحديث ما إذا خلص شخص نفسه أو ماله من يد ظالم فأدى ذلك إلى تلفه أو تلف بعض أعضائه أنَّه لا ضمان عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٢): «وقد تضمنت هذه الحكومة أنَّ من خلص نفسه من يد ظالم له، فتلفت نفس الظالم، أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدر غير مضمون» اهـ.
قُلْتُ: وقد اتفق العلماء على أنَّ من أشهر على شخص السلاح وغلب على ظنه أنَّه قاتله فله أن يبادره بالقتل.
٣ - وفيه تحريم العض، وأنَّه من شيم الحيوان.
٤ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان.
* * *
[ ١٢ / ٢٠٦ ]
٣٣٩ - عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثًا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ ﷿: عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
قَوْلُهُ: «فَحَزَّ». أي: قطع.
وقَوْلُهُ: «فَمَا رَقَأَ الدَّمُ». أي: ما انقطع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة قتل النفس.
٢ - وفيه حرمة الجنة على من قتل نفسه.
وقد أشكل هذا على كثير من أهل العلم باعتبار أنَّ ذلك من الكبائر والكبيرة لا تمنع من دخول الجنة مطلقًا، وقد أجاب عن ذلك أهل العلم بعدة أجوبة:
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٠٠): «والجواب عن الثاني من أوجه:
[ ١٢ / ٢٠٧ ]
أحدها: أنَّه كان استحل ذلك الفعل فصار كافرًا.
ثانيها: كان كافرًا في الأصل وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره.
ثالثها: أنَّ المراد أنَّ الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون.
رابعها: أنَّ المراد جنة معينة كالفردوس مثلًا.
خامسها: أنَّ ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف وظاهره غير مراد.
سادسها: أنَّ التقدير حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك.
سابعها: قال النووي: يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى أنَّ أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها» اهـ.
قُلْتُ: وفي الباب ما رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
[ ١٢ / ٢٠٨ ]
قُلْتُ: ومما يدل على عدم كفر من قتل نفسه من غير استحلال ما رواه مسلم (١١٦) عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٨٧): «وهذا الحديث: يقتضي أنَّ قاتل نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يخلد في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾» اهـ.
[ ١٢ / ٢٠٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٣٠): «أمَّا أحكام الحديث ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أنَّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة. وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإنَّ هذا عوقب في يديه ففيه رد على المرجئة القائلين بأنَّ المعاصي لا تضر. والله أعلم» اهـ.
٣ - واحتجت المعتزلة بقوله تعالى: «بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ». على أنَّ المقتول مات قبل أجله، وهذا احتجاج باطل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٨/ ٥١٦ - ٥١٨): «المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله. بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر. فإنَّ أجل الشيء هو نهاية عمره وعمره مدة بقائه فالعمر مدة البقاء والأجل نهاية العمر بالانقضاء. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ﷺ أنَّه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان
[ ١٢ / ٢١٠ ]
عرشه على الماء"، وثبت في صحيح البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" - وفي لفظ - "ثم خلق السموات والأرض". وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. والله يعلم ما كان قبل أن يكون؛ وقد كتب ذلك فهو يعلم أنَّ هذا يموت بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب وهذا يموت مقتولًا: إمَّا بالسم وإمَّا بالسيف وإمَّا بالحجر وإمَّا بغير ذلك من أسباب القتل. وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل: إن قتل قتيلًا أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك وإن قتل قتيلًا حرمه الله ورسوله كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك وإن قتل قتيلًا مباحًا - كقتيل المقتص - لم يثب ولم يعاقب إلاَّ أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما. والأجل أجلان "أجل مطلق" يعلمه الله "وأجل مقيد" وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ: "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه". فإنَّ الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: "إن وصل رحمه زدته كذا وكذا" والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه
[ ١٢ / ٢١١ ]
الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية: إنَّه كان يعيش، وقال بعض نفاة الأسباب: إنَّه يموت وكلاهما خطأ؛ فإنَّ الله علم أنَّه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه فلو فرضنا أنَّ الله علم أنَّه لا يقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كان يموت أو يرزق شيئًا آخر، وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل هذه المرأة هل تكون عقيمًا أو يحبلها رجل آخر، ولو لم تزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتًا لا يزرع فيها وهذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه: هل كان يتعلم من غيره؟ أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة ومثل هذا كثير» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٠٠): «والجواب عن الأول: أنَّ المبادرة من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها، وإنَّما استحق المعاقبة لأنَّ الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحق المعاقبة لعصيانه. وقال القاضي أبو بكر: قضاء الله
[ ١٢ / ٢١٢ ]
مطلق ومقيد بصفة فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف والمقيد على الوجهين مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه، وثلاثين سنة إن لم يقتل، وهذا بالنسبة إلى ما يعلم به المخلوق كملك الموت مثلًا، وأمَّا بالنسبة إلى علم الله فإنَّه لا يقع إلَّا ما علمه، ونظير ذلك الواجب المخير فالواقع منه معلوم عند الله والعبد مخير في أي الخصال يفعل» اهـ.
٤ - وفيه عدالة الصحابة، وأنَّ الكذب من جانبهم مأمون.
* * *
[ ١٢ / ٢١٣ ]