٢٩٨ - عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لِي». قَالَتْ: إنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي إنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ».
قَالَ عُرْوَةُ وَثُوَيْبَةُ: مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟
قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ.
الحِيبَةُ: بكسر الحاء: الحالةُ.
قُلْتُ: قولها: «انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ». هي حمنة كما روى ذلك الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤١٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، ثنا ابْنُ عَائِشَةَ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ لَكَ فِي حَمْنَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: «أَصْنَعُ مَاذَا؟»، قَالَتْ: تَنْكِحُهَا، قَالَ: «فَهَلْ تَحِلُّ لِي؟»، قَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «أَرَبِيبَتِي فِي حِجْرِي فَوَ اللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي، أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ وَلَا أُمَّهَاتِكُنَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ هو: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز ثقة، ابْنُ عَائِشَةَ هو: عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر.
قُلْتُ: وبنت أبي سلمة هي دُرَّة، فقد جاء في رواية للبخاري (٥١٠٧)، ومسلم (١٤٤٩):
«إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ».
وَقُوْلُهَا: «لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«"لست لك بمخلية" بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام اسم فاعل من أخلى يخلي أي: لست بمنفرده بك ولا خاليه من ضره، وقال بعضهم: هو بوزن
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
فاعل الأخلاء متعديًا ولازمًا من أخليت بمعنى خلوت من الضرة أي: لست بمتفرغه ولا خالية من ضره» اهـ.
قَوْلُهُ: «رَبِيبَتِي». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٤): «مشتقة من الرب وهو الإصلاح لأنَّه يقوم بأمرها، وقيل من التربية وهو غلط من جهة الاشتقاق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧٨):
«ووقع في بعض كتب الفقه أنَّها مشتقة من التربية وهذا غلط فاحش فإنَّ من شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية ولام الكلمة وهو الحرف الأخير مختلف فإنَّ آخر "رب" باء موحدة وفي آخر "ربي" ياء مثناة من تحت، والله أعلم» اهـ.
قَوْلُهُ: «غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي [مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ] (٢/ ٣٦٨):
«وَفِي حَدِيث أبي لَهب: "إِلَّا أَنِّي سقيت فِي مثل هَذِه" الْإِشَارَة بالضمير فِي هَذِه إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والسبابة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٥):
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
«قَوْلُهُ: "غير إنِّي سقيت في هذه" كذا في الأصول بالحذف أيضًا، ووقع في رواية عبد الرزاق المذكورة وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي المذكورة، وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٣٨):
«و"ثُوَيْبَةُ"- بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، وياء التصغير-: تصغير: ثوبة؛ وهي الْمَرَّةُ الواحدةُ، من: ثَابَ: إذا رَجَع. يقال: ثاب، يثوب، ثوبًا، وثوبة. وثويبةُ هذه هي: جاريةُ أبي لهب، كانت أرضعت النبيَّ ﷺ وأبا سلمة، ولأجل رضاعها للنبي ﷺ سقي أبو لهب نطفةً من ماء في جهنم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٨/ ٦٠):
«التي أرضعت النبي ﷺ، وهي مولاة أبي لهب.
ذكرها ابن منده، وقال: اختلف في إسلامها. وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدًا أثبت إسلامها انتهى.
وفي باب من أرضع النبي ﷺ من طبقات ابن سعد ما يدل على أنَّها لم تسلم، ولكن لا يدفع قول ابن منده بهذا» اهـ.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - محبة أم حبيبة الخير لأختها.
٢ - وفيه تحريم الجمع بين المرأة وأختها. وسيأتي الكلام على ذلك في آخر شرحنا للحديث.
٣ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«ولم أقف على اسم من أخبر بذلك ولعله كان من المنافقين فإنَّه قد ظهر أنَّ الخبر لا أصل له وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل» اهـ.
٤ - وفيه جواز نسبة الشخص إلى أمه لبيان حكم شرعي متعلق بتلك النسبة، وذلك أنَّ النبي ﷺ نسب بنت أبي سلمة إلى أمها وهي زوجه من أجل أنَّ يُبَيِّنْ أنَّها ربيبته، فلا يجوز له أن يتزوجها. والله أعلم.
٥ - وفيه استعمال قياس الأولى، وهو فحوى الخطاب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«وكأنَّ أم حبيبه استدلت على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأنَّ الربيبة حرمت على التأييد والأخت حرمت في صورة
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
الجمع فقط فأجابها ﷺ بأنَّ ذلك لا يحل، وأنَّ الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وإنَّها تحرم عليه من جهتين» اهـ.
٦ - وفيه تعليل الحكم بعلتين. فإنَّه علَّل تحريمها: بأنَّها ربيبة، وابنة أخ.
٧ - وفيه تحريم بنت الأخ من الرضاعة. وسيأتي الكلام على ذلك في آخر شرحنا للحديث.
٨ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٥ - ١٤٦):
«وفي الحديث دلالة على أنَّ الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة لكنه مخالف لظاهر القرآن قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وأجيب أولًا بأنَّ الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به، وثانيًا على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب كما تقدم أنَّه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح، وقال البيهقي ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنَّهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما
[ ١٠ / ٢٥١ ]
ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات، وأمَّا عياض فقال: انعقد الإجماع على أنَّ الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض.
قُلْتُ: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي فإنَّ جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر وأمَّا ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه.
وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه.
وقال ابن المنير في "الحاشية": هنا قضيتان: إحداهما محال: وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره لأنَّ شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح وهذا مفقود من الكافر، الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلًا من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب والمتبع في ذلك التوقيف نفيًا وإثباتًا.
قُلْتُ: وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكرامًا لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك والله أعلم» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٧٦٩):
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
«فَإِنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُطْعِمُهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُخَفِّفُ عَنْهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ كَمَا خَفَّفَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ لِإِحْسَانِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
٩ - تحريم نكاح الربيبة.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ الربيبة لا تحرم إلَّا إذا كانت في الحجر، وسيأتي الكلام في ذلك، في بيان المحرمات من النكاح.
١١ - وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٣٨):
«وقد احتج بعضهم على عدم اشتراط الِحْجر بقول النبي ﷺ: "لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن"، ولم يقل: اللاتي في حجري» اهـ.