وهي: أن يشترك بدنان بماليهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢١):
«وهي شركة متفق عليها» اهـ.
وَقَالَ (١٠/ ١٢٤): «وهي جائزة بالإجماع» اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ خلاف العلماء في سبب تسمية هذه الشركة بذلك، فقال في [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٤): «واختلف في علة تسميتها شركة العنان، فقيل: سميت بذلك لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء.
وقال الفراء: هي مشتقة من عن الشيء إذا عرض، يقال: عنت لي حاجة. إذا عرضت، فسميت الشركة بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه.
وقيل: هي مشتقة من المعاننة، وهي المعارضة، يقال: عاننت فلانًا.
إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله.
فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله. وهذا يرجع إلى قول الفراء» اهـ.
[ ٩ / ٢٣٥ ]
قُلْتُ: المشهور أنَّها مأخوذة من عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأنَّ كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء، أو لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. على ما ذكره ابن قدامة ﵀.
قُلْتُ: وقسمة الربح بينهما على ما اتفقا عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٩):
«وأمَّا شركة العنان، وهو أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين؛ لأنَّ الربح في هذه الشركة تبع للمال، بدليل أنَّه يصح عقد الشركة، وإطلاق الربح، فلا يجوز تغييره بالشرط، كالوضيعة.
ولنا، أنَّ العمل مما يستحق به الربح، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما، كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأنَّ أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر، وأقوى على العمل، فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله، كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
يحققه أنَّ هذه الشركة معقودة على المال والعمل جميعًا، ولكل واحد منهما حصة من الربح إذا كان مفردًا، فكذلك إذا اجتمعا، وأمَّا حالة الإطلاق، فإنَّه لما لم يكن بينهما شرط يقسم الربح عليه، ويتقدر به، قدرناه بالمال، لعدم الشرط، فإذا وجد الشرط، فهو الأصل، فيصير إليه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح.
وتجوز بالعروض ويجعل رأس المال فيها قيمتها وقت العقد، وهذا هو الصحيح إذ لا محذور في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٥ - ١٢٦):
«فصل: ولا خلاف في أنَّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، فإنَّهما قيم الأموال وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زمننا من غير نكير.
فأمَّا العروض، فلا تجوز الشركة فيها، في ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب وحرب.
وحكاه عنه ابن المنذر.
وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشركة إمِّا أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها؛ لأنَّ الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة
[ ٩ / ٢٣٧ ]
برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها، فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها؛ لأنَّ القيمة غير متحققة القدر، فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولأنَّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجوز وقوعها على أثمانها؛ لأنَّها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنَّه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به، فقد خرج عن ملكه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به، فإنَّها تصير شركة معلقة على شرط، وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك.
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّ الشركة والمضاربة تجوز بالعروض، وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال.
قال أحمد: إذا اشتركا في العروض، يقسم الربح على ما اشترطا.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ فقال: جائز.
فظاهر هذا صحة الشركة بها.
اختار هذا أبو بكر، وأبو الخطاب. وهو قول مالك، وابن أبي ليلى.
وبه قال في المضاربة طاووس، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان؛ لأنَّ مقصود الشركة جواز تصرفها في المالين جميعًا، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها.
وقال الشافعي: إن كانت العروض من ذوات الأمثال؛ كالحبوب والأدهان، جازت الشركة بها، في أحد الوجهين؛ لأنَّها من ذوات الأمثال، أشبهت النقود، ويرجع عند المفاصلة بمثلها.
وإن لم تكن من ذوات الأمثال، لم يجز، وجهًا واحدًا؛ لأنَّه لا يمكن الرجوع بمثلها.
ولنا، أنَّه نوع شركة، فاستوى فيها ماله مثل من العروض وما لا مثل له، كالمضاربة، وقد سلم أنَّ المضاربة لا تجوز بشيء من العروض، ولأنَّها ليست بنقد، فلم تصح الشركة بها، كالذي لا مثل له» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ١٩):
«المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض وأرادا أن يشتركا فيها شركة عنان ففي ذلك روايتان:
إحداهما: تصح الشركة وتقوم العروض عند العقد ويكون قيمتها هو رأس المال فيقسم الربح على حسبه أو على ما شرطاه، وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى قيمة عروضه واقتسما الربح على ما شرطاه وهذا القول هو الصحيح» اهـ.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٤): «فإن قيل فالشركة عندكم لا تصح بالعروض.
قيل: بل أصح الروايتين صحتها» اهـ.