وقد صرَّح بإسكارها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٩٨):
[ ١٢ / ٣٨٥ ]
«أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٤/ ٣٦): «قال ابن دقيق العيد في الجوزة إنَّها مسكرة، ونقله عنه متأخرو علماء الفريقين واعتمدوه» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ ﵀ فِي [الزَّوَاجِرِ عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ] (٢/ ٥٨ - ٦١): «ثم ما ذكرته في الجوزة هو ما أفتيت به فيها قديمًا لما وقع فيها نزاع بين أهل الحرمين ومصر وظفرت فيها من النقل بعد الفحص والتنقير بما لم يظفروا به.
ولذا سئل عنها جمع متأخرون فأبدوا فيها آراء متخالفة بحثًا من غير نقل، فلما عرض عليَّ السؤال أجبت فيها بالنقل الصريح والدليل الصحيح رادًا على من خالف ما ذكرته وإن جلت مرتبته.
ومحصل السؤال: هل قال أحد من الأئمة أو مقلديهم بتحريم أكل جوزة الطيب، وهل لبعض طلبة العلم الآن الإفتاء بتحريم أكلها وإن لم يطلع على نقل به، فإن قلتم نعم فهل يجب الانقياد لفتواه؟ ومحصل الجواب الذي أجبت به عن ذلك السؤال: الذي صرح به الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن دقيق العيد أنَّها أعني الجوزة مسكرة، ونقله عنه المتأخرون من الشافعية والمالكية واعتمدوه، وناهيك بذلك، بل بالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة المذكورة.
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
وذلك أنَّه لما حكى عن القرافي نقلًا عن بعض فقهاء عصره أنَّه فرق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقًا أخضر فلا إسكار فيها بخلافها بعد التحميص فإنَّها تسكر، قال: والصواب أنَّه لا فرق لأنَّها ملحقة بجوزة الطيب والزعفران والعنبر والأفيون والبنج وهو من المسكرات المخدرات ذكر ذلك ابن القسطلاني في تكريم المعيشة انتهى.
فتأمل تعبيره بالصواب، وجعله الحشيشة التي أجمع العلماء على تحريمها مقيسة على الجوزة تعلم أنَّه لا مرية في تحريم الجوزة لإسكارها أو تخديرها.
وقد وافق المالكية والشافعية على إسكارها الحنابلة، فنص إمام متأخريهم ابن تيمية وتبعوه على أنَّها مسكرة وهو قضية كلام بعض أئمة الحنفية.
ففي فتاوى المرغيناني منهم: المسكر من البنج ولبن الرماك - أي أناثي الخيل - حرام ولا يحد شاربه قاله الفقيه أبو حفص، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي انتهى.
وقد علمت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أنَّ الجوزة كالبنج، فإذا قال الحنفية بإسكاره لزمهم القول بإسكار الجوزة، فثبت بما تقرر أنَّها حرام عند الأئمة الأربعة
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
الشافعية والمالكية والحنابلة بالنص، والحنفية بالاقتضاء لأنَّها إمَّا مسكرة أو مخدرة، وأصل ذلك في الحشيشة المقيسة على الجوزة على ما مر.
والذي ذكره الشيخ أبو إسحاق في كتابه "التذكرة"، والنووي في "شرح المهذب"، وابن دقيق العيد أنَّها مسكرة.
قال الزركشي: ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل في حدهم السكران بأنَّه الذي اختل كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم أو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض، ثم نقل عن القرافي أنَّه خالف في ذلك فنفى عنها الإسكار وأثبت لها الإفساد، ثم رد عليه وأطال في تخطئته وتغليطه.
وممن نص على إسكارها أيضًا العلماء بالنبات من الأطباء وإليهم المرجع في ذلك، وكذلك ابن تيمية وتبعه من جاء بعده من متأخري مذهبه.
والحق في ذلك خلاف الإطلاقين إطلاق الإسكار وإطلاق الإفساد، وذلك أنَّ الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم ويطلق ويراد به تغطية العقل مع نشوة وطرب، وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار حيث أطلق.
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق إذ كل مخدر مسكر وليس كل مسكر مخدرًا؛ فإطلاق الإسكار على الحشيشة والجوزة ونحوهما المراد منه التحذير، ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخص.
وتحقيقه أنَّ من شأن السكر بنحو الخمر أنَّه يتولد عنه النشوة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، ومن شأن السكر بنحو الحشيشة والجوزة أنَّه يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره ومن طول السكوت والنوم وعدم الحمية وبقولي من شأنه فيهما يعلم رد ما أورده الزركشي على القرافي من أنَّ بعض شربة الخمر يوجد فيه ما ذكر في نحو الحشيشة وبعض أكله نحو الحشيشة يوجد فيه ما ذكر في الخمر.
ووجه الرد أنَّ ما نيط بالمظنة لا يؤثر فيه خروج بعض الأفراد، كما أنَّ القصر في السفر لما نيط بمظنة المشقة جاز، وإن لم توجد المشقة في كثير من جزئياته، فاتضح بذلك أنَّه لا خلاف بين من عبر في نحو الحشيشة بالإسكار ومن عبر بالتخدير والإفساد، والمراد به إفساد خاص هو ما سبق.
فاندفع به قول الزركشي إنَّ التعبير به يشمل الجنون والإغماء لأنَّهما مفسدان للعقل أيضًا، فظهر بما تقرر صحة قول الفقيه المذكور في السؤال إنها مخدرة وبطلان قول من نازعه في ذلك لكن إن كان لجهله عذر.
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
وبعد أن يطلع على ما ذكرناه عن العلماء متى زعم حلها أو عدم تخديرها وإسكارها يعزر التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله، بل قال ابن تيمية وأقره أهل مذهبه من زعم حل الحشيشة كفر.
فليحذر الإنسان من الوقوع في هذه الورطة عند أئمة هذا المذهب المعظم.
وعجيب ممن خاطر باستعمال الجوزة مع ما ذكرناه فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة على أنَّ تلك الأغراض تحصل جميعها بغيرها.
فقد صرح رئيس الأطباء ابن سينا في قانونه بأنَّه يقوم مقامها وزنها ونصف وزنها من السنبل، فمن كان يستعمل منها قدرًا ما ثم استعمل وزنه ونصف وزنه من السنبل حصلت له جميع أغراضه مع السلامة من الإثم والتعرض لعقاب الله ﷾، على أنَّ فيها بعض مضار بالرئة ذكرها بعض الأطباء وقد خلا السنبل عن تلك المضار فقد حصل به مقصودها وزاد عليه بالسلامة من مضارها الدنيوية والأخروية، والله ﷾ أعلم بالصواب، انتهى جوابي في الجوزة وهو مشتمل على النفائس» اهـ.
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
قُلْتُ: ويذكر في الطب الحديث أنَّ جوزة الطيب تحتوي على مادة تسمى"ميرستيسين" وهو مركب يمكن يسبب هلوسة إذا تناول الشخص منها كمية كبيرة كالملعقة أو أكثر.