قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٧):
«وأمَّا شركة المفاوضة فنوعان؛ أحدهما، أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان، فيصح ذلك، لأنَّ كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره.
والثاني، أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة الضمان، أو كفالة، فهذا فاسد.
وبهذا قال الشافعي، وأجازه الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وحكي ذلك عن مالك» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز الصورة الأولى دون الثانية؛ لما فيها من الغرر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٧):
«ولأنَّ فيه غررًا، فلم يصح، كبيع الغرر، وبيان غرره أنَّه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا فيه الأكساب النادرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧):
«وَقَالَ أَحْمد: كلهَا صَحِيحَة إِلَّا شركَة الْمُفَاوضَة فَإِنَّهَا بَاطِلَة.
[ ٩ / ٢٥٢ ]
وَقَالَ مَالك: تصح شركَة الْمُفَاوضَة فِي الْجُمْلَة وَشركَة الْأَبدَان إِلَّا مَعَ اخْتِلَاف الصناعين كقصار وحداد فَلَا تصح، وَكَذَلِكَ شَرط أَيْضا اتِّفَاق الْمَكَان فِيهَا وابطل شركَة الْوُجُوه وَحدهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: كلهَا بَاطِلَة سوى شركَة الْعَنَان وَحدهَا.
وَأما شركَة الْمُفَاوضَة الَّتِي أجازها أَبُو حنيفَة وَمَالك وأبطلها الشَّافِعِي وَأحمد إِلَّا أَبَا حنيفَة أجازها بِشُرُوط الجائزي التَّصَرُّف، وَلَا يجوز بَين حر وَعبد، وَلَا بَين صبي وَبَالغ، وَلَا بَين مُسلم وَكَافِر، وَيكون المالان مِنْهُمَا متساويين وتصرفهما جَمِيعًا متساو، وَإِنْ يتساويا فِي الرِّبْح، وَأَنْ لَا يبقيا من جنس مَال الشّركَة شَيْئا، إِلَّا ويدخلاه فِي الشّركَة وَأَنْ يضمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا ضمنه صَاحبه بِعقد ضَمَان أَوْ غصب أَوْ شِرَاء فَاسد وَمَا اشْتَرَاهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا يكون على الشّركَة إِلَّا طَعَام أَهله وكسوتهم وتنعقد على الْكفَالَة وَالْوكَالَة فَمَتَى اخْتَلَّ شَيْء من هَذِه الْأَوْصَاف بطلت الْمُفَاوضَة وَصَارَت شركَة عنان إِلَّا أَنه لَا يُطَالب الْوَاحِد مِنْهُمَا بِمن كفله الآخر بِبدنِهِ، وَلَا يُشَارِكهُ فِيمَا ملكه بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد وَالْوَصِيَّة وَالْإِرْث وَالْهِبَة والمعدن والركاز وَالْمهْر لَكِن مَتى ملك أَحدهمَا بِهَذِهِ الْأَقْسَام شَيْئا من جنس مَال الشّركَة بطلت الْمُفَاوضَة وَصَارَت شركَة عنان.
قَالَ مَالك: تصح شركَة الْمُفَاوضَة وصفتها عِنْده أَنْ يُفَوض كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر التَّصَرُّف مَعَ حُضُوره وغيبته وَتَكون يَده كَبِيرَة، وَلَا تكون شركَة إِلَّا بِمَا يعقدان
[ ٩ / ٢٥٣ ]
الشّركَة عَلَيْهِ، وَلَا يشْتَرط أَنْ يتساوى المالان، وَلَا أَنْ لَا يبقي أَحدهمَا مَالا إِلَّا ويدخله فِي الشّركَة» اهـ.
قُلْتُ: والوضيعة في جميع الشركات على قدر مال كل شريك، إلَّا في المضاربة فإنَّها من رأس المال.
هذا إذا لم يمكن جبرها من الربح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦٠):
«مسألة؛ قال: "والوضيعة على قدر المال". يعني الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساويًا في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثًا، فالوضيعة أثلاثًا.
لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي وغيرهما.
وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى، سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن، وسواء كانت الوضيعة لتلف، أو نقصان في الثمن عمَّا اشتريا به، أو غير ذلك.
والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء؛ لأنَّ الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره؛ وإنَّما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإنَّ رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والتمر.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
وإن تلف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره، لم يكن على العامل شيء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٩٤): «مسألة؛ قال: "وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال". يعني أنَّه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران، وربح، جبرت الوضيعة من الربح، سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى؛ لأنَّ معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح. ولا نعلم في هذا خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يعلم خطأ كثير من أصحاب التجارات حين يجعلون للمضارب نسبة معلومة من جميع المبيعات دون نظر إلى الربح والخسارة، والطريقة الشرعية في ذلك أن تكون النسبة من الأرباح دون رأس المال فإذا لم يوجد ربح فلا شيء للمضارب، وإذا وقعت خسارة في رأس المال فالوضيعة من الربح.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٤/ ٣١٩):
«س ٩: هل يجوز عقد شركة كالتالي: أحد الطرفين يدخل برأس المال، والثاني يدخل بجهده وخبرته، ويعطي الطرف الأول نسبة ثابتة من المبيعات، بغض النظر عن الربح أو الخسارة.
[ ٩ / ٢٥٥ ]
ج ٩: لا يجوز، وإنَّما المشروع أن يكون، نصيب العامل جزءًا مشاعًا من الربح؛ كالنصف والثلث ونحوهما. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
نائب الرئيس … الرئيس
عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وإذا قبض رب المال ماله، أو حاسب العامل حسابًا كالقبض، ثم شرعا بعد ذلك في مضاربة أخرى، فإذا طرأت الخسارة في المضاربة الأخرى فلا يستوفى رأس المال من أرباح المضاربة الأولى؛ لأنَّها صارت مضاربة مستقلة لا تعلق لها بما قبلها، وأمَّا إذا لم يقبض رب المال رأس ماله، أو لم يحاسب العمل محاسبة شبيهة بالقبض، فإنَّ الوضيعة لا تزال من الربح، حتى لو قبض العامل شيئًا من ربحه لزمه رده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«فصل: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضارب بربح، ويضع مرارًا.
فقال: يرد الوضيعة على الربح، إلَّا أن يقبض المال صاحبه، ثم يرده إليه، فيقول: اعمل به ثانية.
[ ٩ / ٢٥٦ ]
فما ربح بعد ذلك لا تجبر به وضيعة الأول، فهذا ليس في نفسي منه شيء، وأمَّا ما لم يدفع إليه، فحتى يحتسبا حسابًا كالقبض، كما قال ابن سيرين. قيل: وكيف يكون حسابًا كالقبض؟ قال: يظهر المال.
يعني ينض ويجيء، فيحتسبان عليه، فإن شاء صاحب المال قبضه.
قيل له: فيحتسبان على المتاع؟ فقال: لا يحتسبان إلَّا على الناض؛ لأنَّ المتاع قد ينحط سعره ويرتفع.
قال أبو طالب: قيل لأحمد رجل دفع إلى رجل عشرة آلاف درهم مضاربة، فوضع، بقيت ألف، فحاسبه صاحبها، ثم قال له: اذهب فاعمل بها. فربح؟ قال: يقاسمه ما فوق الألف.
يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة، إن شاء صاحبها قبضها.
فهذا الحساب الذي كالقبض، فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية، كما لو قبضها منه ثم ردها إليه.
فأمَّا قبل ذلك، فلا شيء للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف، ولو أنَّ رب المال والمضارب اقتسما الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم سافر المضارب به، فخسر، كان على المضارب رد ما أخذه من الربح؛ لأننا تبينا أنَّه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة» اهـ.
قُلْتُ: النَّاض من المال: النَّقْدُ. ونض المال، أي صار عينًا بعدما كان متاعًا.
[ ٩ / ٢٥٧ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٨):
«فصل: وإن طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال، وأبى الآخر، قدم قول الممتنع؛ لأنَّه إن كان رب المال، فلأنَّه لا يأمن الخسران في رأس المال، فيجبره بالربح، وإن كان العامل فإنَّه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا يقدر عليه.
وإن تراضيا على ذلك، جاز؛ لأنَّ الحق لهما، وسواء اتفقا على قسمة جميعه أو بعضه، أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئًا معلومًا ينفقه.
ثم متى ظهر في المال خسران، أو تلف كله، لزم العامل رد أقل الأمرين مما أخذه، أو نصف خسران المال، إذا اقتسما الربح نصفين، وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة حتى يستوفي رب المال ماله.
قال ابن المنذر إذا اقتسما الربح، ولم يقبض رب المال رأس ماله، فأكثر أهل العلم يقولون: يرد العامل الربح حتى يستوفي رب المال ماله.
ولنا، على جواز القسمة، أن المال لهما، فجاز لهما أن يقتسما بعضه، كالشريكين.
أو نقول: إنَّهما شريكان، فجاز لهما قسمة الربح قبل المفاضلة، كشريكي العنان» اهـ.
فرع: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٢):
«فصل: وإذا دفع إليه ألفا مضاربة، ثم دفع إليه ألفا آخر مضاربة، وأذن له في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الأول، جاز، وصارا مضاربة واحدة، كما لو دفعهما إليه مرة واحدة.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
وإن كان بعد التصرف في الأول في شراء المتاع، لم يجز؛ لأنَّ حكم الأول استقر، فكان ربحه وخسرانه مختصًا به، فضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، فإذا شرط ذلك في الثاني فسد.
فإن نض، الأول، جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى.
وإن لم يأذن له في ضم الثاني إلى الأول، لم يجز له ذلك.
نص عليه أحمد.
وقال إسحاق له ذلك قبل أن يتصرف في الأول.
ولنا، أنَّه أفرد كل واحد بعقد، فكانا عقدين لكل عقد حكم نفسه، ولا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، كما لو نهاه عن ذلك» اهـ.
* * *
[ ٩ / ٢٥٩ ]
٢٨٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ الأنْصَارِ حَقْلًا. وَكُنَّا نُكْرِي الأرْضَ، عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا بِالْوَرِقِ: فَلَمْ يَنْهَنَا».
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: «لا بَأْسَ بِهِ. إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا. وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلا بَأْسَ بِهِ».
الْمَاذِيَانَات: الأَنْهَارُ الْكِبَارُ وَالْجَدْوَلُ النَّهَرُ الصَّغِيرُ.
.
قوله: «وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ» فبفتح الهمزة أي أوائلها.
والحقل هو: الأرض البيضاء التي تزرع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم المزارعة إذا اشترط فيها ما ينبت في بقعة معينة من الأرض، ومثل ذلك إذا اشترط مقدار معينًا مما يخرج منها، كالصاع ونحوه.
٢ - وأخذ من ذلك أهل العلم عدم جواز اشتراط فضل دراهم في المضاربة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦١):
[ ٩ / ٢٦٠ ]
«مسألة؛ قال: "ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم". وجملته أنَّه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن يشترط لنفسه جزءًا وعشرة دراهم، بطلت الشركة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة.
وممن حفظنا ذلك عنه مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
والجواب فيما لو قال: لك نصف الربح إلَّا عشرة دراهم، أو نصف الربح وعشرة دراهم، كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة.
وإنَّما لم يصح ذلك لمعنيين: أحدهما، أنَّه إذا شرط دراهم معلومة، احتمل أن لا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءًا.
وقد يربح كثيرًا، فيستضر من شرطت له الدراهم.
والثاني، أنَّ حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء، لما تعذر كونها معلومة بالقدر، فإذا جهلت الأجزاء، فسدت، كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلومًا به.
[ ٩ / ٢٦١ ]
ولأنَّ العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة، ربما توانى في طلب الربح؛ لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره، بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح».
وَقَالَ ﵀ عند ذكره للشروط الفاسدة في المضاربة (١٠/ ٢١٩): «أو يشترط لأحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٨٣ - ٨٤):
«والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرًا بأنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء، وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإنَّ هذا لا يجوز بالاتفاق؛ لأنَّ المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة إنَّما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلًا؛ بل كان ظلمًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٥٠٨): «ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأنَّ هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة. وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنَّهم كانوا يشرطون لرب المال زرع بقعة بعينها وهو ما ينبت على الماذيانات وإقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي ﷺ عن ذلك. ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إنَّ الذي نهى عنه صلى الله عليه
[ ٩ / ٢٦٢ ]
وسلم هو أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز؛ أو كان قال. فبين أنَّ النهي عن ذلك موجب القياس، فإنَّ مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأنَّ مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنَّهما يشتركان في المغنم وفي المغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا؛ ولهذا كانت الوضيعة على المال لأنَّ ذلك في مقابلة ذهاب نفع العامل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٣٤):
«وأمَّا النوع الثالث: فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود فيه المال وهو المضاربة، فإنَّ رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل والمستأجر له قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء، وإن سمى هذه جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعًا لفظيًا، بل هذه مشاركة هذا بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر؛ لأنَّ هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ من المزارعة فإنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها وهو ما ثبت على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي ﷺ عنه،
[ ٩ / ٢٦٣ ]
ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز، فتبين أنَّ النهي عن ذلك موجب القياس، فإنَّ هذا لو شرط في المضاربة لم يجز، فإنَّ مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلًا بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنَّهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا، ولهذا كانت الوضيعة على المال؛ لأنَّ ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٤/ ٣٣٢):
«ج: أولًا: الاتفاق على أجر نقدي معلوم مع زيادة نسبة معلومة من الأرباح لا يجوز» اهـ.
قُلْتُ: وأجاز أحمد في رواية جعل دراهم معينة مع النسبة في غير المضاربة لكنها خلاف المشهور عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٩):
«قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا كَانَ عَلَى النِّصْفِ وَالرُّبْعِ، فَهُوَ جَائِزٌ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَكْسِبَ عَلَيْهِ، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ أَوْ رُبْعه، فَجَائِزٌ، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ لِيُفَصِّلَهُ قُمْصَانًا يَبِيعُهَا، وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا
[ ٩ / ٢٦٤ ]
بِحَقِّ عَمَلِهِ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَإِنْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ يَنْسِجُهُ ثَوْبًا بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ رُبُعِهِ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ وَعَمَلٌ مَجْهُولٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ جَوَازِهِ. وَإِنْ جَعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، لَمْ يَجُزْ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ الْجَوَازُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَمَا رُوِيَ غَيْرُ هَذَا فَعَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ» اهـ.
٣ - جواز كرى الأرض بالذهب والفضة وغيرها من الأثمان، ومثل ذلك كراءها بالعروض المعلومة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٦٤):
«قال أحمد: فلما اختلفوا في الذهب والورق.
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أنَّ اكتراء الأرض وقتًا معلومًا جائز بالذهب والفضة.
روينا هذا القول عن سعد، ورافع بن خديج، وابن عمر، وابن عباس.
وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وسالم، وعبد الله بن الحارث، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وروي عن طاووس، والحسن كراهة ذلك» اهـ.
[ ٩ / ٢٦٥ ]
٤ - الحديث حجة في جواز كراء الأرض بالطعام المعلوم، لقوله: «فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ». فإنَّ عموم العلة تقتضي جواز ذلك بكل معلوم، فيدخل في ذلك الطعام وغيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٤٨٥):
«فإنَّ العلماء اختلفوا في كراء الأرض بالطعام، فقال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبو ثور: يجوز أن تكرى الأرض بالطعام كله إذا كان معلومًا في ذمة المكتري، قالوا: وكل ما جاز أن يكون ثمنًا لشيء جاز أن تكرى به الأرض ما لم يكن مجهولًا أو غررًا. وروى ذلك عن النخعي. وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحجة لهم حديث الأوزاعي عن ربيعة، عن حنظلة ابن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنَّما كان الناس على عهد رسول الله يؤاجرون الأرض بما على الماذيانات وإقبال الجداول، فيهلك هذا، ويسلم هذا، فزجر عنه رسول الله، فأمَّا شيء معلوم مضمون فلا.
قالوا: فقد أخبر رافع بالعلة التي لها نهى رسول الله عن ذلك، وهو جهل البدل، وأخبر أنَّ كراها جائز بكل شيء معلوم. قال ابن المنذر: إنَّ أكراها بطعام معلوم يكون في ذمة المكتري، أو بطعام حاضر يقبضه: فذلك جائز» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٨):
[ ٩ / ٢٦٦ ]
«واختلف العلماء في كراء الأرض فقال طاووس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب، والفضة، وبالطعام، والثياب، وسائر الأشياء سواء كان من جنس ما يزرع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث، والربع، وهي المخابرة.
ولا يجوز أيضًا أن يشترط له زرع قطعة معينة.
وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلَّا الطعام، وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شريح وابن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي أصحابنا وهو الراجح المختار» اهـ.
قُلْتُ: وحجة الإمام مالك ما رواه أحمد (١٧٥٧٤)، وأبو داود (٣٣٩٥)، وابن ماجة (٢٤٦٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بِنْ أَبِي عَرُبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، وَأَنْفَعُ، قَالَ: قُلْنَا وَمَا ذَاكَ؟
[ ٩ / ٢٦٧ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وفيه النهي عن الكراء بالثلث والربع وهذا مما لا يجوز؛ لأنَّ الإجارة لا بد أن تكون بمال معلوم، وأمَّا المزارعة بذلك فلا تحرم؛ لأنَّها ليست من قبيل الإجارات بل من قبيل المشاركات، وقد سبق تحرير القول في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«الثاني: أنَّ خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلًا» اهـ.
وأمَّا قوله: «وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى». فمحمول على الرواية الأخرى، وهو الطعام النابت على الماذيانات، وأقبال الجداول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ١١٣٢):
«فأمَّا الجواب عما استدل به الحسن من حديثي رافع في النهي عن كراء الأرض فمحمول على ما فسره في هذا الحديث من كرائها بما على الماذيانات: لأنَّ الروايات عن رافع مختلفة» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الإجارة لا تجوز بأجرة غير معلومة.
* * *
[ ٩ / ٢٦٨ ]