قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٠٧):
«معنى شركة الأبدان، أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم.
وإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فهذا جائز.
نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثل الصيادين والنقالين والحمالين.
قد أشرك النبي ﷺ بين عمار وسعد وابن مسعود، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء.
[ ٩ / ٢٤٣ ]
وفسر أحمد صفة الشركة في الغنيمة، فقال: يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول؛ لأنَّ القاتل يختص به دون الغانمين. وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح، كالاحتشاش والاغتنام؛ لأنَّ الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأنَّ من أخذها ملكها.
وقال الشافعي شركة الأبدان كلها فاسدة؛ لأنَّها شركة على غير مال. فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات.
ولنا، ما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين.
ومثل هذا لا يخفى على رسول الله ﷺ وقد أقرهم عليه، وقال أحمد: أشرك بينهم النبي ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز ذلك، ولا أعلم لمن منع من ذلك حجة مقبولة.
وأمَّا الحديث الذي أورده المؤلف، فرواه أبو داود (٣٣٨٨)، والنسائي (٤٦٩٧)، وابن ماجة (٢٢٨٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنْ مَسْعُودٍ، قَالَ: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعنعنة أبي إسحاق الصحيح أنَّها مقبولة، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل عند كثير من العلماء.
[ ٩ / ٢٤٤ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [شَرْحِ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ] ص (١٨٢):
«قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".
قال يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنَّه لم يأت فيها بحديث منكر"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧):
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٦/ ٤٠٤)
«ويقال إنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد الله ﵁ فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنَّه لم يسمع من أبيه» اهـ.
[ ٩ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): «ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنَّه روى حديثًا من رواية أبي عبيدة عن أبيه ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أنَّ هذا الحديث جيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ فِي [الْمُقَدِمَاتِ] (٣/ ٣٨):
«والدليل على صحة قول مالك في إجازة شركة الأبدان بين الصناع وغيرهم ممن لا ضمان عليهم قول الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعل الغانمين شركاء فيما غنموا بقتالهم وأفاءت عليهم سيوفهم، وليس هناك مال ولا تجارة، وإنَّما هي شركة أبدان بغير ضمان. فالآية حجة على الشافعي في المنع من شركة الأبدان بكل حال، وعلى أبي حنيفة في المنع من شركة الأبدان فيما لا ضمان فيه كالاحتطاب، والاصطياد» اهـ.
قُلْتُ: ومنعت المالكية شركة الأبدان عند اختلاف عمل الشريكين أو مكانهما.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٧٨٥):
«ولو اصطاد أحد الصيادين الطير والآخر الحيتان لم يجز وكذلك إن كانت الصنعة واحدة في مكانين مفترقين لم يجز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ جُزَيٍّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْقَوَانِيْنِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ١٨٧):
[ ٩ / ٢٤٦ ]
«وَأما شركَة الْأَبدَان فَهِيَ فِي الصَّنَائِع والأعمال وَهِي جَائِزَة خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِنَّمَا تجوز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا اتِّفَاق الصِّنَاعَة كخياطين وحدادين وَلَا تجوز مَعَ اخْتِلَاف الصِّنَاعَة كخياط ونجار وَالشّرط الثَّانِي اتِّفَاق الْمَكَان الَّذِي يعملان فِيهِ فَإِنْ كَانَا فِي موضِعين لم يجز خلافًا لأبي حنيفَة فِي الشَّرْطَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٥ - ٦):
«فَصْلٌ: وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنَائِعِ.
فَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ، وَيُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا، لَمْ يُمْكِنْ الْآخَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ، أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَحْذَقُ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَتَانِ.
وَقَوْلهمْ: يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَتَقَبَّلُهُ صَاحِبُهُ. قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِيلَيْنِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ، وَلَا ضَمَانَ فِيهَا.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
وَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ. أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ. صَحَّتْ الشَّرِكَةُ، وَعَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ عَمَلِ صَاحِبِهِ.
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ، وَأَنْت تَعْمَلُ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنِي وَبَيْنَك. صَحَّتْ الشَّرِكَةُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، بِدَلِيلِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، وَتَقَبُّلُ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ، فَصَارَ كَتَقَبُّلِهِ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْعَمَلُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَامِلُ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ، فَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ١١٢):
«وَيَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ، فِي الْأَصَحِّ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر جواز ذلك مع اختلاف الصنعة والمكان ولا أعلم حجة في المنع من ذلك. والله أعلم.
قُلْتُ: واختلف العلماء في بعض أنواع شركة الأبدان ومنها: