تَثْبُتُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ لَا الْمَنْفَعَةِ، كَنِصْفِ دَارٍ مُوصًى بِهَا بِنَفْعِهَا فَبَاعَ الْوَرَثَةُ نِصْفَهَا فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا وَجْهًا فِيمَنْ اكْتَرَى نِصْفَ حَانُوتِ جَارِهِ: لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ الشُّفْعَةُ مِنْ الثَّانِي» اهـ.
وَقَالَ الْأَمِيْرُ الْصَّنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَّلَامِ] (٢/ ١٠٦):
«وَقَوْلُهُ: "فِي كُلِّ شَيْءٍ" يَشْمَلُ الشُّفْعَةَ فِي الْإِجَارَةِ وَقَدْ مَنَعَهَا الْهَادَوِيَّةُ وَقَالُوا إنَّمَا تَكُونُ فِي عَيْنٍ لَا مَنْفَعَةٍ، وَضَعُفَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُسَمَّى شَيْئًا وَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً فَشَمِلَهَا "فِي كُلِّ شِرْكٍ" أَيْضًا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا وَلَا مُشْتَرَكَةً لَمَا صَحَّ التَّأْجِيرُ فِيهَا
[ ٩ / ١٠٢ ]
وَلَا الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهِيَ بَيْعٌ مَخْصُوصٌ فَيَشْمَلُهَا "لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ" فَالْحَقُّ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِيهَا لِشُمُولِ الدَّلِيلِ لَهَا وَلِوُجُودِ عِلَّةِ الشُّفْعَةِ فِيهَا» اهـ.
قُلْتُ: لم تنفرد الهادوية بذلك بل هذا قول جماهير أئمة الإسلام من أهل المذاهب وغيرهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجَرَّارِ] (ص: ٥٦١) -رادًا على الأمير الصنعاني-:
«وأراد المصنف بقوله: "في كل عين" إخراج الشفعة في المنافع فإنَّها إنَّما تكون تبعًا لملك الأعيان وإذا وقع تصييرها إلي الغير بإجارة أو نحوها فهي باقية في ملك مالكها والشفعة إنَّما هي فيما خرج من مالك إلي مالك خروجًا تامًا فالعجب ممن أثبتها في الإجارة ونحوها وأدخلها تحت عموم أدلة الشفعة زاعمًا بأنَّ ذلك هو الحق وتبعه من تبعه وهو خارج عن معنى الشفعة ومضمونها وفائدتها، وأمَّا استدلاله بمثل عموم قضائه ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فهو عليه لا له فإنَّ القسمة من خواص الأعيان لا منافعها فلا معنى لقسمتها لأنَّها متعلقة بالعين تابعة لها ولهذا يقول ﷺ في تمام هذا الحديث: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، فأي حدود بمجرد الحقوق وأي تصريف لطرقها وفي حديث آخر وفي الصحيح بلفظ: أنَّ النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط وبهذا تعرف أنَّ أطلاق
[ ٩ / ١٠٣ ]
الشيء كما في حديث: "الشفعة في كل شيء"، مقيد بالشيء الذي ينتقل من ملك إلي ملك ويمكن قسمته وضرب الحدود له وتصريف الطرق إليه كما صرحت بذلك الأحاديث والحاصل أنا أولًا نمنع أنَّها شيء ونمنع ثانيًا ثبوت الشفعة في شيء باق على ملك مالكه بمجرد تسليطه للغير على الانتفاع به والقيام في مقام هذين المنعين لا ينقل عنه إلَّا ما ينتهض للحجية من الدليل لا مجرد المراوغة بالقال والقيل» اهـ.
* * *
[ ٩ / ١٠٤ ]
أَحْكَامُ الْوَقْفِ.
٢٧٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟.
فَقَالَ: "إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا. غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ. لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا: أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيه». وَفِي لَفْظٍ: «غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ».
أورد المؤلف هذا الحديث لبيان أحكام الوقف.
والوقف في اللغة: الحبس. والفعل منه وقفت، ولا يقال: أوقفت إلَّا في شاذ اللغة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ١٧٥): «يقال منه: وقفت وقفًا. ولا يقال: أوقفت إلَّا في شاذ اللغة، ويقال: حبست وأحبست» اهـ.
والمشهور في تعريف الوقف شرعًا بأنَّه حبس الأصل وإسبال الثمرة. وهذا التعريف إنَّما يجري على مذهب من لا يرى وقف ما لا أصل له يبقى.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٠٠):
[ ٩ / ١٠٥ ]
«قوله: "أنفس منه". أي أجود والنفيس الجيد المغتبط به يقال نفس بفتح النون وضم الفاء نفاسة.
وقال الداودي: سمي نفيسًا لأنَّه يأخذ بالنفس» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٠١):
«والتأثل: اتخاذ أصل المال حتى كأنَّه عنده قديم وأثلة كل شيء أصله قال الشاعر وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٢):
«فمعناه: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه مجد مؤثل أي قديم، وأثلة الشيء: أصله» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب الوقف، وهو من جملة الأعمال الصالحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٩٤):
«هذا الحديث أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل المدينة، والبصرة، ومكة، والشام، والشعبي من أهل العراق، وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر: الحبس باطل، ولا يخرج عن مالك الذى أوقفه ويرثه ورثته، ولا يلزم الوقف عنده إلَّا أن يحكم به الحاكم وينفذه أو يوصي به بعد موته، وإذا أوصى به اعتبر من الثلث، فإن جمله الثلث جاز وإلَّا رد» اهـ.
[ ٩ / ١٠٦ ]
٢ - وفيه جواز ذكر الولد لوالده باسمه في باب الإخبار، وأمَّا في النداء فمن الأدب أن يناديه بلفظ الأبوة.
٣ - وفيه استحباب طلب المشورة من أهل العلم والفضل.
٤ - استحباب أن يوقف الشخص أنفس ماله.
٥ - استحباب أن يصرف الشخص وقفه في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف كما فعل عمر، وجميع من سماهم عمر من مصارف الزكاة غير الضيف، والقربى وقد يكونون منهم، وقد يكونون من غيرهم. ووقف عمر يدخل فيه من كان منهما من أهل الزكاة ومن لم يكن منهم من أهلها.
وهل المراد بالقربى أقرباء النبي ﷺ، أو أقرباء عمر، في ذلك احتمالان، أظهرهما أنَّه أراد بذلك أقربائه ﵁.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٧٧):
«والقربى يراد بها ههنا: قربي عمر ظاهرًا» اهـ.
٦ - وفيه مشروعية أن يأكل ناظر الوقف من الوقف بالمعروف.
٧ - وفيه صحة شروط الواقف إذا لم يكن فيها مخالفة شرعية.
وقد بين الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بكلام نفيس الشروط المعتبرة في الوقف، والشروط الباطلة فقال في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٢٧ - ١٢٨):
[ ٩ / ١٠٧ ]
«وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] فرفع الإثم عمن أبطل الجنف والإثم من وصية الموصي ولم يجعلها بمنزلة نص الشارع الذي تحرم مخالفته، وكذلك الإثم مرفوع عمَّن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن اصلاحًا، وما كان فيه جنف، أو إثم، ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام الانبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". فإنَّما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعة وللمكلف مصلحة، وأمَّا ما كان بضد ذلك فلا حرمة له كشرط التعزب والترهب المضاد لشرع الله ودينه، فإنَّه تعالى فتح للامة باب النكاح بكل طريق وسد عنهم باب السفاح بكل طريق، وهذا الشرط باطل مضاد لذلك؛ فإنَّه يسد على من التزمه باب النكاح ويفتح له باب الفجور، فإنَّ لوازم البشرية تتقاضاها الطباع أتم تقاض، فإذا سد عنها مشروعها فتحت له ممنوعها ولا بد.
والمقصود أنَّ الله تعالى رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجانفة الآثمة، وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شرط الواقف القراءة على القبر، كانت القراءة في المسجد أولى، وأحب إلى الله ورسوله، وأنفع للميت فلا يجوز تعطيل الأحب إلى الله الأنفع لعبده، واعتبار ضده.
[ ٩ / ١٠٨ ]
وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا بأنَّه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في قبره. وهذا غلط فإنَّ ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنَّه عمل اختياري وقد انقطع بموته، ومن ذلك اشتراطه أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد الذي بناه على قبره، فإنَّه شرط باطل لا يجب بل لا يحل الوفاء به، وصلاته في المسجد الذي لم يوضع على قبره أحب الى الله ورسوله فكيف يفتى، أو يقضى بتعطيل الأحب إلى الله والقيام بالأكره إليه اتباعًا لشرط الواقف الجانف الآثم.
ومن ذلك أن يشرط عليه إيقاد قنديل على قبره أو بناء مسجد عليه فإنَّه لا يحل تنفيذ هذا الشرط ولا العمل به، فكيف ينقله شرط لعَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعله.
وبالجملة فشروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة لله تعالى ورسوله ﷺ، وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله، وشروط تتضمن فعل ما هو أحب الى الله ورسوله. فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمة لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٧٨):
[ ٩ / ١٠٩ ]
«وكذلك إذا ظهر للحاكم، أو الوصي الجنف أو الإثم في الوقف ومصرفه، أو بعض شروطه فأبطل ذلك كان مصلحًا لا مفسدًا، وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به، فإنَّ الشارع قد رده وأبطله، فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه، فإنَّ ذلك مضادة له ومنقاضة» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٤٧):
«الأصل في هذا أنَّ كل ما شرط من العمل من الوقوف التي توقف على الأعمال فلا بد أن تكون قربة؛ إمَّا واجبًا؛ وإمَّا مستحبًا، وأمَّا اشتراط عمل محرم فلا يصح باتفاق علماء المسلمين؛ بل وكذلك المكروه؛ وكذلك المباح على الصحيح» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٤٩ - ٥٠):
«وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وباطل بالاتفاق؛ فإن شرط فعلًا محرمًا ظهر أنَّه باطل، فإنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإن شرط مباحًا لا قربة فيه كان أيضًا باطلًا؛ لأنَّه شرط شرطًا لا منفعة فيه لا له ولا للموقوف عليه؛ فإنَّه في نفسه لا ينتفع إلَّا بالإعانة على البر والتقوى. وأمَّا بذل المال في مباح: فهذا إذا بذله في حياته مثل الابتياع؛ والاستئجار جاز؛ لأنَّه ينتفع بتناول المباحات في حياته.
[ ٩ / ١١٠ ]
وأمَّا الواقف والموصي فإنَّهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه من المباحات في الدنيا ولا يثابان على بذل المال في ذلك في الآخرة فلو بذل المال في ذلك عبثًا وسفهًا لم يكن فيه حجة على تناول المال فكيف إذا ألزم بمباح لا غرض له فيه فلا هو ينتفع به في الدنيا ولا في الآخرة؛ بل يبقى هذا منفقًا للمال في الباطل مسخر معذب آكل للمال بالباطل.
وإذا كان الشارع قد قال: "لا سبق إلَّا في خف؛ أو حافر أو نصل". فلم يجوز بالجعل شيئًا لا يستعان به على الجهاد. وإن كان مباحًا وقد يكون فيه منفعة كما في المصارعة والمسابقة على الأقدام فكيف يبذل العوض المؤبد في عمل لا منفعة فيه لا سيما والوقف محبس مؤبد فكيف يحبس المال دائمًا مؤبدًا على عمل لا ينتفع به هو ولا ينتفع به العامل فيكون في ذلك ضرر على حبس الورثة وسائر الآدميين بحبس المال عليهم بلا منفعة حصلت لأحد وفي ذلك ضرر على المتناولين باستعمالهم في عمل هم فيه مسخرون يعوقهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية فلا فائدة تحصل له ولا لهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ١٣ - ١٤):
«أصل هذه المسائل أنَّ شرط الواقف إن كان قربة وطاعة لله ورسوله كان صحيحًا؛ وإن لم يكن شرطًا لازمًا. وإن كان مباحًا كما لم يسوغ النبي ﷺ السبق إلَّا في خف أو حافر أو نصل؛ وإن كانت المسابقة بلا عوض
[ ٩ / ١١١ ]
قد جوزها بالأقدام وغيرها؛ ولأنَّ الله تعالى قال في مال الفيء: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، فعلم أنَّ الله يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء. وإن كان الغنى وصفًا مباحًا، فلا يجوز الوقف على الأغنياء؛ وعلى قياسه سائر الصفات المباحة؛ ولأنَّ العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابًا على بذل المال فيه فيكون قد صرف المال فيما لا ينفعه؛ لا في حياته ولا في مماته، ثم إذا لم يكن للعامل فيه منفعة في الدنيا؛ كان تعذيبًا له بلا فائدة تصل إليه؛ ولا إلى الواقف؛ ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها في سورة الأنعام؛ والمائدة. وإذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في الدين؛ أو في الدنيا كان باطلًا بالاتفاق في أصول كثيرة؛ لأنَّه شرط ليس في كتاب الله تعالى؛ فيكون باطلًا؛ ولو كان مائة شرط. مثال ذلك أن يشرط عليه التزام نوع من المطعم؛ أو الملبس؛ أو المسكن الذي لم تستحبه الشريعة؛ أو ترك بعض الأعمال التي تستحب الشريعة عملها ونحو ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح، وإن كان ذلك الشرط المغير من القرب، فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٠٩):
«ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى
[ ٩ / ١١٢ ]
الجند، وإذا وقف على مصالح الحرم وعمارته فالقائمون بالوظائف التي يحتاج إليها المسجد من التنظيف والحفظ والفرش وفتح الأبواب وإغلاقها ونحو ذلك يجوز الصرف إليهم. وقول الفقهاء: نصوص الواقف كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٣٣٠٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «شَأْنُكَ إِذَنْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٨ - واحتج به من قال: إنَّ الوقف لا يكون إلَّا فيما له أصل يدوم الانتفاع به فلا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام والشراب والأثمان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٥٠):
«مسألة قال: "وما لا ينتفع به إلَّا بالإتلاف، مثل الذهب والورق والمأكول والمشروب، فوقفه غير جائز". وجملته أنَّ ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدنانير والدراهم، والمطعوم والمشروب، والشمع، وأشباهه، لا يصح وقفه، في
[ ٩ / ١١٣ ]
قول عامة الفقهاء وأهل العلم، إلَّا شيئًا يحكى عن مالك، والأوزاعي، في وقف الطعام، أنَّه يجوز.
ولم يحكه أصحاب مالك وليس بصحيح؛ لأنَّ الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلَّا بالإتلاف لا يصح فيه ذلك.
وقيل في الدراهم والدنانير: يصح وقفها، على قول من أجاز إجارتهما.
ولا يصح؛ لأنَّ تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الأثمان، ولهذا لا تضمن في الغصب، فلم يجز الوقف له، كوقف الشجر على نشر الثياب والغنم على دوس الطين، والشمع ليتجمل به» اهـ.
قُلْتُ: ليس في الحديث حصر الوقف على ما بقي أصله، بل غاية الأمر أنَّ هذه حادثة عين في قضية حصلت لعمر، وكان وقف عمر في شيء له أصل يبقى فندبه النبي ﷺ إلى تحبيس الأصل وإسبال الثمرة ومثل هذا لا يدل على أنَّ الوقف لا يكون إلَّا كذلك فهذا الحصر لا يدل عليه منطوق الحديث ولا مفهومه فالذي يظهر لي جواز وقف ما لا تبقى عينه إذ لا محذور في ذلك شرعًا، ولا تمنعه اللغة، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٠٥):
«ولو قال للإنسان: تصدقت بهذا الدهن على هذا المسجد ليوقد فيه جاز وهو من باب الوقف وتسميته وقفًا بمعنى أنَّه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها لا تأباه اللغة وهو جائز في الشرع» اهـ.
[ ٩ / ١١٤ ]
قُلْتُ: فإذا قيل: حقيقة ذلك الصدقة تحت مسمى الوقف.
فالجواب: هب أنَّ الأمر كذلك فالنزاع إذًا لفظي فلما منعتموها.
٩ - وفيه أنَّ الوقف ينعقد بلفظ التحبيس، ولا يشترط أن يصرح بلفظ الوقف.
قُلْتُ: ينعقد الوقف بكل ما يدل عليه من الألفاظ، ولا يشترط في ذلك لفظًا معينًا، وينعقد أيضًا بالفعل الدال عليه على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ١٨٥ - ١٨٦):
«فصل: وظاهر مذهب أحمد أنَّ الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه، مثل أن يبني مسجدًا، ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة، ويأذن في الدفن فيها، أو سقاية، ويأذن في دخولها، فإنَّه قال: في رواية أبي داود، وأبي طالب، في من أدخل بيتًا في المسجد وأذن فيه، لم يرجع فيه.
وكذلك إذا اتخذ المقابر وأذن للناس، والسقاية، فليس له الرجوع، وهذا قول أبي حنيفة.
وذكر القاضي فيه رواية أخرى، أنَّه لا يصير وقفًا إلَّا بالقول وهذا مذهب الشافعي.
وأخذه القاضي من قول أحمد، إذ سأله الأثرم عن رجل أحاط حائطًا على أرض، ليجعلها مقبرة، ونوى بقلبه، ثم بدا له العود؟ فقال: إن كان جعلها لله، فلا يرجع.
[ ٩ / ١١٥ ]
وهذا لا ينافي الرواية الأولى، فإنَّه أراد بقوله: إن كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله.
فهذا تأكيد للرواية الأولى، وزيادة عليها، إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية.
وإن أراد بقوله: جعلها لله أي: اقترنت بفعله قرائن دالة على إرادة ذلك، من إذنه للناس في الدفن فيها، فهي الرواية الأولى بعينها، وإن أراد وقفًا بلسانه، فيدل بمفهومه على أنَّ الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية، وهذا لا ينافي الرواية الأولى؛ لأنَّه في الأولى انضم إلى فعله إذنه للناس في الدفن، ولم يوجد هاهنا، فلا تنافي بينهما، ثم لم يعلم مراده من هذه الاحتمالات، فانتفت هذه الرواية، وصار المذهب رواية واحدة. والله أعلم.
واحتجوا بأنَّ هذا تحبيس أصل على وجه القربة، فوجب أن لا يصح بدون اللفظ، كالوقف على الفقراء ولنا أن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به، كالقول، وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعامًا، كان إذنًا في أكله، ومن ملأ خابية ماء على الطريق، كان تسبيلًا له، ومن نثر على الناس نثارًا، كان إذنًا في التقاطه، وأبيح أخذه.
وكذلك دخول الحمام، واستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة الحال.
وقد قدمنا في البيع أنَّه يصح بالمعاطاة من غير لفظ، وكذلك الهبة والهدية، لدلالة الحال، فكذلك هاهنا.
[ ٩ / ١١٦ ]
وأمَّا الوقف على المساكين، فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو كان شيء جرت به العادة، أو دلت الحال عليه، كان كمسألتنا. والله أعلم» اهـ.
١٠ - وفيه جواز الوقف على الأغنياء، فإنَّ الأقرباء والأضياف قد يكونون من الأغنياء ومع ذلك فلم يقيد عمر ذلك بالفقراء منهم.
قُلْتُ: وإنَّما يجوز الوقف على الأغنياء تبعًا، أمَّا حصر الوقف فيهم فلا يصح، وقد سبق الكلام على شروط الواقف ما يصح منها، وما لا يصح فارجع إليه.
١١ - وفيه جواز أن يشترط الواقف للناظر أن يطعم صديقًا من الوقف.
١٢ - واحتج بقوله: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». على أنَّ الوقف لا يجوز تعليقه بشيء ينتهي به، فإنَّ ذلك مناقض لمعنى التحبيس.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٠٤):
«استدل به على أنَّ تعليق الوقف لا يصح؛ لأنَّ قوله: "حبس الأصل" يناقض تأقيته. وعن مالك وابن سريج يصح» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة الوقف المؤقت كأن يوقف بعض ماله لمدة سنة؛ لأنَّه يناقض معنى الوقف، وهو شبيه بالعتق المؤقت، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.
وليس من هذا القبيل من أوقف شيئًا من ماله على جهة منقطعة، ولم يجعل آخره للمساكين، كأن يوقف على مسجد معين، أو على فلان وذريته، والصحيح في هذه
[ ٩ / ١١٧ ]
المسألة أن يصرف الوقف بعد انقطاعه إلى ورثة الواقف، ويصير وقفًا عليهم؛ فإنَّهم أولى الناس بصدقة الواقف.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء، فمنهم من أبطل هذا الوقف كالشافعي في أحد قوليه، ومحمد بن الحسن.
والأكثر على تصحيحه، ومن صححه اختلفوا في مصرفه، فمنهم من قال إنَّ مصرفه ورثة الواقف، ولم يفصل، فيدخل في عموم كلامهم فقراؤهم، وأغنياؤهم، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات، والرواية الثانية للإمام أحمد أنَّ مصرفه للمساكين مطلقًا سواء كانوا من ورثة الواقف أو لا.
والرواية الثالثة أنَّه يجعل في بيت مال المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٢١):
«إذا ثبت هذا، فإنَّه في ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد، يكون للفقراء منهم والأغنياء؛ لأنَّ الوقف لا يختص الفقراء، ولو وقف على أولاده، تناول الفقراء والأغنياء، كذا هاهنا.
وفيه وجه آخر، أنَّه يختص الفقراء منهم، لأنَّهم أهل الصدقات دون الأغنياء، ولأنَّا خصصناهم بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة، وأولى الناس بالصدقة الفقراء دون الأغنياء» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٢٧):
[ ٩ / ١١٨ ]
«وَضَابِطُ الْأَقْوَالِ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إمَّا عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَإِمَّا عَلَى الْعَصَبَةِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصَالِحِ وَإِمَّا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فَإِمَّا وَقْفٌ وَإِمَّا مِلْكٌ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ فِي الْأَقَارِبِ وَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤُهُمْ فَيَصِيرُ فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ؛ وَالثَّالِثَ عَشَرَ تَفْصِيلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ يَكُونُ مِلْكًا بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ بِخِلَافِ رُجُوعِهِ إلَى الْعُصَاةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر رجوعه إلى جميع الورثة كما سبق فقيرهم وغنيهم كالميراث، ويكون وقفًا عليهم، وذلك أنَّ مال الميت إذا لم يتعلق به حق لأحد فإنَّه يرجع إلى أقربائه الوارثين.
١٣ - وفيه أنَّ الوقف لا يباع، ولا يورث.
قُلْتُ: وأمَّا بيعه لمصلحة الواقف فيجوز على الصحيح، كأن يكون المسجد في قرية قد خربت وانتقل منها أهلها، فيجوز بيعه وأن يبنى بماله مسجدًا في مكان ينتفع به الناس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٧):
«مسألة قال: "وإذا خرب الوقف، ولم يرد شيئًا، بيع، واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف، وجعل وقفًا كالأول، وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو، بيع، واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد". وجملة ذلك أنَّ الوقف إذا خرب،
[ ٩ / ١١٩ ]
وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه. أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلَّا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته.
وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه.
قال أحمد، في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبتان، لهما قيمة، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه.
وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفًا من اللصوص، وإذا كان موضعه قذرًا.
قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه.
ونص على جواز بيع عرصته، في رواية عبد الله، وتكون الشهادة في ذلك على الإمام.
قال أبو بكر: وقد روى علي بن سعيد، أنَّ المساجد لا تباع، وإنَّما تنقل آلتها.
قال: وبالقول الأول أقول؛ لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت، فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق، فإنَّه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو.
نص عليه أحمد.
[ ٩ / ١٢٠ ]
وقال محمد بن الحسن: إذا خرب المسجد أو الوقف، عاد إلى ملك واقفه؛ لأنَّ الوقف إنَّما هو تسبيل المنفعة، فإذا زالت منفعته، زال حق الموقوف عليه منه، فزال ملكه عنه.
وقال مالك، والشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك؛ لقول رسول الله ﷺ: "لا يباع أصلها، ولا تبتاع، ولا توهب، ولا تورث".
ولأنَّ ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه، لا يجوز بيعه مع تعطلها، كالمعتق، والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق. ولنا ما روي أنَّ عمر ﵁ كتب إلى سعد، لما بلغه أنَّه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة، أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنَّه لن يزال في المسجد مصل.
وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعًا.
ولأنَّ فيما ذكرناه استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه، بصورته، فوجب ذلك، كما لو استولد الجارية الموقوفة، أو قبلها غيره.
قال ابن عقيل: الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه، يخصصه استبقاء الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض.
ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر، فإنَّه يذبح في الحال، وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية، استوفي منه ما أمكن، وترك مراعاة
[ ٩ / ١٢١ ]
المحل الخاص عند تعذره؛ لأنَّ مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية، وهكذا الوقف المعطل المنافع.
ولنا على محمد بن الحسن، أنَّه إزالة ملك على وجه القربة، فلا يعود إلى مالكه باختلاله، وذهاب منافعه كالعتق» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٨٩٤٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللهِ وَقَدْ بَنَى سَعْدٌ الْقَصْرَ، وَاتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي أَصْحَابِ التَّمْرِ، فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ اللهِ بَيْتَ الْمَالِ نَقَبَ بَيْتَ الْمَالِ، فَأَخَذَ الرَّجُلَ، فَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: «أَنْ لَا تَقْطَعْهُ، وَانْقُلِ الْمَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي»، فَنَقَلَهُ عَبْدُ اللهِ وَخَطَّ هَذِهِ الْخُطَّةَ، وَكَانَ الْقَصْرُ الَّذِي بَنَى سَعْدٌ شَاذَرَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَقُومُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ فَنُقِضَ حَتَّى اسْتَوَى مَقَامُ الْإِمَامِ مَعَ النَّاسِ.
قُلْتُ: المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله مختلط لكن سماع أبي نعيم منه قبل الاختلاط.
والقاسم هو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وروايته عن جده مرسلة، فلا يصح هذا الأثر.
[ ٩ / ١٢٢ ]
قُلْتُ: وهل يجوز تغيير الوقف بما فيه مصلحة للوقف كهدم المسجد وجعل حوانيت تحته يكون ريعها لمصلحة الوقف؟ في ذلك نزاع بين العلماء، والصحيح جواز ذلك للمصلحة الراجحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٣٩):
«فصل: قال أحمد، في رواية أبي داود، في مسجد أراد أهله رفعه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، فامتنع بعضهم من ذلك: فينظر إلى قول أكثرهم.
واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد، فذهب ابن حامد إلى أنَّ هذا في مسجد أراد أهله إنشاءه ابتداء، واختلفوا كيف يعمل؟ وسماه مسجدًا قبل بنائه تجوزًا؛ لأنَّ مآله إليه، أمَّا بعد كونه مسجدًا لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت. وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ، وهو أنَّه كان مسجدًا، فأراد أهله رفعه، وجعل ما تحته سقاية لحاجتهم إلى ذلك.
والأول أصح وأولى، وإن خالف الظاهر؛ فإنَّ المسجد لا يجوز نقله، وإبداله، وبيع ساحته، وجعلها سقاية وحوانيت، إلَّا عند تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد، فلا يجوز صرفه في ذلك، ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة، لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجدًا في موضع آخر قال أحمد، في رواية بكر بن محمد،
[ ٩ / ١٢٣ ]
عن أبيه، في مسجد ليس بحصين من الكلاب، وله منارة، فرخص في نقضها، وبناء حائط المسجد بها للمصلحة» اهـ.
وقد تعقب ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢١٩ - ٢٢٨):
«وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصه؛ فإنَّ نصه صريح في أنَّ المسجد إذا أرادوا رفعه من الأرض وأن يجعل تحته سقاية وحوانيت وأنَّ بعضهم امتنع من ذلك، وقد أجاب بأنَّه ينظر إلى قول أكثرهم. ولو كان هذا عند ابتدائه لم يكن لأحد أن ينازع في بنيه إذا كان جائزًا ولم ينظر في ذلك إلى قول أكثرهم؛ فإنَّهم إن كانوا مشتركين في البناء لم يجبر أحد الشركاء على ما يريده الآخرون إذا لم يكن واجبًا ولم يبن إلَّا باتفاقهم.
ولأنَّ قوله: أرادوا رفعه من الأرض وأن يجعل تحته سقاية: بين في أنَّه ملصق بالأرض فأرادوا رفعه وجعل سقاية تحته. وأحمد اعتبر اختيار الأكثر من المصلين في المسجد؛ لأنَّ الواجب ترجيح أصلح الأمرين وما اختاره أكثرهم كان أنفع للأكثرين؟ فيكون أرجح.
وأيضًا فلفظ المسألة على ما ذكره أبو بكر عبد العزيز قال: قال في رواية سليمان بن الأشعث: إذا بنى رجل مسجدًا فأراد غيره أن يهدمه ويبنيه بناء أجود من الأول فأبى عليه الباني الأول فإنَّه يصير إلى قول الجيران ورضاهم: إذا أحبوا هدمه وبناءه وإذا أرادوا أن يرفعوا المسجد من الأرض ويعمل في أسفله سقاية فمنعهم
[ ٩ / ١٢٤ ]
من ذلك مشايخ ضعفاء وقالوا: لا نقدر أن نصعد: فإنَّه يرفع ويجعل سقاية ولا أعلم بذلك بأسًا وينظر إلى قول أكثرهم. فقد نص على هذا وتبديل بنائه بأجود وإن كره الواقف الأول، وعلى جواز رفعه وعمل سقاية تحته وإن منعهم مشايخ ضعفاء إذا اختار ذلك الجيران واعتبر أكثرهم. قال: وقال في رواية ابن الحكم: إذا كان للمسجد منارة والمسجد ليس بحصين: فلا بأس أن تنقض المنارة فتجعل في حائط المسجد لتحصينه.
قال أبو العباس: وما ذكروه من الأدلة لو صح لكان يقتضي ترجيح غير هذا القول فيكون في المسألة قولان. وقد رجحوا أحدهما. فكيف وهي حجج ضعيفة.
أمَّا قول القائل: لا يجوز النقل والإبدال إلَّا عند تعذر الانتفاع: فممنوع ولم يذكروا على ذلك حجة لا شرعية ولا مذهبية. فليس عن الشارع ولا عن صاحب المذهب هذا النفي الذي احتجوا به؛ بل قد دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك وقد قال أحمد: إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه. وضيقه بأهله لم يعطل نفعه؛ بل نفعه باق كما كان؛ ولكن الناس زادوا وقد أمكن أن يبنى لهم مسجد آخر وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس. ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر؛ لأنَّ اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من تفريقهم في مسجدين؛ لأنَّ الجمع كلما كثر كان أفضل؛
[ ٩ / ١٢٥ ]
لقول النبي ﷺ: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى". رواه أبو داود وغيره. وهذا مع أنَّه يجوز بناء مسجد آخر إذا كثر الناس وإن كان قريبًا مع منعه لبناء مسجد ضرارًا.
قال أحمد في رواية صالح: لا يبنى مسجد يراد به الضرار لمسجد إلى جانبه فإن كثر الناس فلا بأس أن يبنى وإن قرب. فمع تجويزه بناء مسجد آخر عند كثرة الناس وإن قرب أجاز تحويل المسجد إذا ضاق بأهله إلى أوسع منه؛ لأنَّ ذلك أصلح وأنفع؛ لا لأجل الضرورة؛ ولأنَّ الخلفاء الراشدين: عمر، وعثمان ﵄ -غيرا مسجد النبي ﷺ وأمر عمر بن الخطاب بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر وصار الأول سوق التمارين للمصلحة الراجحة؛ لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد؛ فإنَّه لم يتعطل نفعها؛ بل ما زال باقيًا. وكذلك خلفاء المسلمين بعدهم: كالوليد والمنصور والمهدي: فعلوا مثل ذلك بمسجدي الحرمين وفعل ذلك الوليد بمسجد دمشق وغيرها مع مشورة العلماء في ذلك وإقرارهم حتى أفتى مالك وغيره بأن يشترى الوقف المجاور للمسجد ويعوض أهله عنه. فجوزوا بيع الوقف والتعويض عنه لمصلحة المسجد؛ لا لمصلحة أهله. فإذا بيع وعوض عنه لمصلحة أهله كان أولى بالجوار.
وقول القائل: لو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجد في موضع آخر.
[ ٩ / ١٢٦ ]
قيل: نقول بموجب ذلك وهذا هو الذي ذكره أحمد ورواه عن عمر بن الخطاب ﵁ وعليه بنى مذهبه. فإنَّ عمر بن الخطاب خرب المسجد الأول - مسجد الجامع الذي كان لأهل الكوفة - وجعل بدله مسجدًا في موضع آخر من المدينة وصار موضع المسجد الأول سوق التمارين. فهذه الصورة التي جعلوها نقضًا في المعارضة وأصلًا في قياسهم هي الصورة التي نقلها أحمد وغيره عن الصحابة وبها احتج هو وأصحابه على من خالفهم.
وقال أصحاب أحمد: هذا يقتضي إجماع الصحابة ﵃ عليها. فقالوا - وهذا لفظ ابن عقيل في المفردات في مسألة إبدال المسجد - وأيضًا روى يزيد بن هارون قال: ثنا المسعودي عن القاسم قال: لما قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر فنقب بيت المال وأخذ الرجل الذي نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ فكتب عمر: لا تقطع الرجل وانقل المسجد واجعل بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنَّه لن يزال في المسجد مصل. فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة. قال أحمد: يقال إنَّ بيت المال نقب في مسجد الكوفة فحول عبد الله المسجد وموضع التمارين اليوم في موضع المسجد العتيق. قال ابن عقيل: وهذا كان مع توفر الصحابة: فهو كالإجماع إذا لم ينكر أحد ذلك مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدونه خطأ؛ لأنَّهم أنكروا على عمر النهي عن المغالات في الصدقات حتى ردت عليه امرأة
[ ٩ / ١٢٧ ]
وردوه عن أن يحد الحامل فقالوا: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلًا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلًا. وأنكروا على عثمان في إتمام الصلاة في الحج حتى قال: إني دخلت بلدًا فيه أهلي. وعارضوا عليًا حين رأى بيع أمهات الأولاد فلو كان نقل المسجد منكرًا لكان أحق بالإنكار؛ لأنَّه أمر ظاهر فيه شناعة.
واحتج أيضًا بما روى أبو حفص في المناسك عن عائشة ﵂ أنَّه قيل لها: يا أم المؤمنين إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع ويجعل ثمنها في سبيل الخير. فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنَّها وقف وصرف ثمنها في سبيل الخير. لأنَّ ذلك أصلح للمسلمين: وهكذا قال من رجح قول ابن حامد في وقف الاستغلال كأبي محمد: قال: وإن لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية؛ لكن قلت أو كان غيره أنفع منه وأكثر ردًا على أهل الوقف لم يجز بيعه لأنَّ الأصل تحريم البيع؛ وإنَّما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ومع الانتفاع به. وإن قلنا يضيع المقصود. اللهم إلَّا أن يبلغ من قلة النفع إلى حد لا يعد نفعًا فيكون وجود ذلك كالعدم. فيقال: ما ذكروه ممنوع. ولم يذكروا عليه دليلًا شرعيًا ولا مذهبيًا.
وإن ذكروا شيئًا من مفهوم كلام أحمد أو منطوقه: فغايته أن يكون رواية عنه قد عارضها رواية أخرى عنه هي أشبه بنصوصه وأصوله، وإذا ثبت في نصوصه وأصوله -جواز إبدال المسجد للمصلحة الراجحة فغيره أولى. وقد نص على جواز بيع غيره أيضًا للمصلحة؛ لا للضرورة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
[ ٩ / ١٢٨ ]
وأيضًا فيقال لهم: لا ضرورة إلى بيع الوقف؛ وإنَّما يباع للمصلحة الراجحة ولحاجة الموقوف عليهم إلى كمال المنفعة؛ لا لضرورة تبيح المحظورات؛ فإنَّه يجوز بيعه لكمال المنفعة وإن لم يكونوا مضطرين ولو كان بيعه لا يجوز -لأنَّه حرام -لم يجز بيعه لضرورة ولا غيرها كما لم يجز بيع الحر المعتق ولو اضطر سيده المعتق إلى ثمنه؛ وغايته أن يتعطل نفعه فيكون كما لو كان حيوانًا فمات.
ثم يقال لهم: بيعه في عامة المواضع لم يكن إلَّا مع قلة نفعه؛ لا مع تعطل نفعه بالكلية؛ فإنَّه لو تعطل نفعه بالكلية لم ينتفع به أحد؛ لا المشتري ولا غيره. وبيع ما لا منفعة فيه لا يجوز أيضًا. فغايته أن يخرب ويصير عرصة وهذه يمكن الانتفاع بها بالإجارة بأن تكرى لمن يعمرها. وهو الذي يسميه الناس "الحكر". ويمكن أيضًا أن يستسلف ما يعمر به ويوفي من كري الوقف. وهذا على وجهين:
أحدهما: أن يتبرع متبرع بالقرض؛ ولكن هذا لا يعتمد عليه.
والثاني: أن يؤجر إجارة غير موصوفة في الذمة وتؤخذ الأجرة فيعمر بها؛ ليستوفي المستأجر المقابلة للأجرة. وهذان طريقان يكونان للناس إذا خرب الوقف: تارة يؤجرون الأرض وتبقى حكرًا. وتارة يستسلفون من الأجرة ما يعمرون به وتكون تلك الأجرة أقل منها لو لم تكن سلفًا. وعامة ما يخرب من الوقف يمكن فيه هذا. ومع هذا فقد جوزوا بيعه والتعويض بثمنه؛ لأنَّ ذلك أصلح لأهل الوقف؛ لا للضرورة ولا لتعطل الانتفاع بالكلية؛ فإن هذا لا يكاد ينفع وما لا
[ ٩ / ١٢٩ ]
ينتفع به لا يشتريه أحد؛ لكن قد يتعذر ألا يحصل مستأجر ويحصل مشتر؛ ولكن جواز بيع الوقف إذا خرب ليس مشروطًا بألَّا يوجد مستأجر، بل يباع ويعوض عنه إذا كان ذلك أصلح من الإيجار؛ فإنَّه إذا أكريت الأرض مجردة كان كراؤها قليلًا. وكذلك إذا استسلفت الأجرة للعمارة قلت المنفعة، فإنَّهم لا ينتفعون بها مدة استيفاء المنفعة المقابلة لما عمر به؛ وإنَّما ينتفعون بها بعد ذلك؛ ولكن الأجرة المسلفة تكون قليلة ففي هذا قلت منفعة الوقف. فتبين أنَّ المسوغ للبيع والتعويض نقص المنفعة؛ لكون العوض أصلح وأنفع؛ ليس المسوغ تعطيل النفع بالكلية. ولو قدر التعطيل ليكن ذلك من الضرورات التي تبيح المحرمات وكلما جوز للحاجة لا للضرورة كتحلي النساء بالذهب والحرير والتداوي بالذهب والحرير فإنَّما أبيح لكمال الانتفاع؛ لا لأجل الضرورة التي تبيح الميتة ونحوها؛ وإنَّما الحاجة في هذا تكميل الانتفاع؛ فإنَّ المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها. فهذه هي الحاجة في مثل هذا. وأمَّا الضرورة التي يحصل بعدمها حصول موت أو مرض أو العجز عن الواجبات كالضرورة المعتبرة في أكل الميتة فتلك الضرورة المعتبرة في أكل الميتة لا تعتبر في مثل هذا. والله أعلم. ولهذا جوز طائفة من الأصحاب هذا الموضع؛ بينوا أنَّه عند التعطيل بالكلية ينتهي الوقف؛ وإنَّما الكلام إذا بقي منه ما ينتفع به. ومن هؤلاء أبو عبد الله بن تيمية قال في "ترغيب القاصد": الحكم الخامس: إذا تعطل الوقف فله أحوال: أحدها: أن ينعدم بالكلية؛ كالفرس إذا مات فقد انتهت الوقفية.
[ ٩ / ١٣٠ ]
الثانية: أن يبقى منه بقية متمولة: كالشجرة إذا عطبت والفرس إذا أعجف والمسجد إذا خرب فإنَّ ذلك يباع ويصرف في تحصيل مثله أو في شقيص من مثله.
الثالثة: حصر المسجد إذا بليت وجذوعه إذا تكسرت وتحطمت فإنَّه يباع ويصرف في مصالح المسجد وكذلك إذا أشرفت جذوعه على التكسير أو داره على الانهدام وعلم أنَّه لو أخر لخرج عن أن ينتفع به فإنَّه يباع.
قال أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبات لها قيمة وقد تشعثت جاز بيعها وصرف ثمنها عليه.
الرابعة: إذا خرب المسجد وآلته تصلح لمسجد آخر يحتاج إلى مثلها فإنَّها تحول إليه، وأمَّا الأرض فتباع هذا إذا لم يمكن عمارته بثمن بعض آلته وإلَّا بيع ذلك وعمر به. نص عليه.
الخامسة: إذا ضاق المسجد بأهله أو تفرق الناس عنه لخراب المحلة فإنَّه يباع ويصرف ثمنه في إنشاء مسجد آخر؛ أو في شقص في مسجد.
فقد بين من قال هذا: أنَّه لا يمكن بيعه مع تعطل المنفعة بالكلية؛ بل إذا أبقى منه ما ينتفع به وحينئذ فالمقصود التعويض عنه بما هو أنفع لأهل الوقف منه؛ ولم يشترط أحد من الأصحاب. تعذر إجارة العرصة مع العلم بأنَّه في غالب الأحوال يمكن إجارة العرصة؛ لكن يحصل لأهل الوقف منها أقل مما كان يحصل لو كان معمورًا، وإذا بيعت فقد يشترى بثمنها ما تكون أجرته أنفع لهم؛ لأنَّ العرصة
[ ٩ / ١٣١ ]
يشتريها من يعمرها لنفسه فينتفع بها ملكًا ويرغب فيها لذلك ويشتري بثمنها ما تكون غلته أنفع من غلة العرصة. فهذا محل الجواز الذي اتفق الأصحاب عليه. وحقيقته تعود إلى أنَّهم عوضوا أهل الوقف عنه بما هو أنفع لهم منه.
فإن قيل: فلفظ الخرقي: وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئًا واشترى بثمنه ما يرد على أهل الوقف.
قيل: هذا اللفظ إمَّا أن يراد به أنَّه لم يرد شيئًا مما كان يرده لما كان معمورًا: مثل دور وحوانيت خربت فإنَّها لو تشعثت ردت بعض ما كانت ترده مع كمال العمارة؛ بخلاف ما إذا خربت بالكلية فإنَّها لا ترد شيئًا من ذلك.
وأمَّا أن يراد به: لا ترد شيئًا. لتعطيل نفعه من جميع الوجوه. فإن كان مراده هو الأول وهو الظاهر الذي يليق أن يحمل عليه كلامه - فهو مطابق لما قلناه؛ ولهذا قال بيع. ولو تعطل نفعه من كل الجهات لم يجز بيعه. وإن كان مراده أنَّه تعطل على أهل الوقف انتفاعهم به من كل وجه؛ لتعذر إجارة العرصة مع إمكان انتفاع غيرهم بها؛ كما قال أحمد في العبد؛ فإن أراد هذه الصورة كان منطوق كلامه موافقا لما تقدم؛ ولكن مفهومه يقتضي أنَّه إذا أمكن أهل الوقف أن يؤجروه بأقل أجرة لم يجز بيعه. وهذا غايته أن يكون قولًا في المذهب؛ لكن نصوص أحمد تخالف ذلك في بيع المسجد والفرس الحبيس وغيرهما؛ كما قد ذكر المسجد. وأمَّا الفرس الحبيس إذا عطب فإن الذي يشتريه قد يشتريه ليركبه أو يديره في الرحى ويمكن أهل الجهاد أن ينتفعوا به في مثل ذلك: مثل الحمل عليه واستعماله في الرحى
[ ٩ / ١٣٢ ]
وإجارته وانتفاعهم بأجرته؛ ولكن المنفعة المقصودة لحبسه وهي الجهاد عليه تعطلت ولم يتعطل انتفاعهم به بكل وجه» اهـ.
١٤ - واحتج بقوله: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». من قال: أنَّ الوقف لا يخرج من ملك الواقف، وهذا مبني على أنَّ المراد بقوله: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا». أي في ملكك.
والصحيح أنَّ المراد بالحديث حبس الأصل من البيع والهبة والميراث لا حبس الأصل لتملكه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ١٧٨):
«في هذه المسألة فصول ثلاثة: أحدها: أنَّ الوقف إذا صح، زال به ملك الواقف عنه، في الصحيح من المذهب.
وهو المشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة.
وعن أحمد: لا يزول ملكه وهو قول مالك، وحكي قولًا للشافعي ﵁؛ لقول النبي ﷺ: "احبس الأصل، وسبل الثمرة".
ولنا أنَّه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، فأزال الملك، كالعتق، ولأنَّه لو كان ملكه لرجعت إليه قيمته، كالملك المطلق، وأمَّا الخبر، فالمراد به أن يكون محبوسًا، لا يباع ولا يوهب ولا يورث» اهـ.
[ ٩ / ١٣٣ ]
١٥ - واحتج بقوله: «لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ». من قال: يجوز للواقف أن يشترط شيئًا من الوقف ينفقه على نفسه، وهذا هو أصح القولين في المسألة.
ووجه الشاهد أنَّ عمر اشترط شيئًا من الوقف ينتفع به من ولي الوقف، وقد وليه عمر ﵁ مدة حيالته، فدخل في عموم شرطه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ١٨٨ - ١٨٩):
«مسألة قال: "إلَّا أن يشترط أن يأكل منه، فيكون له مقدار ما يشترط". وجملته أنَّ الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، صح الوقف والشرط. نص عليه أحمد.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: يشترط في الوقف أني أنفق على نفسي وأهلي منه؟ قال: نعم.
واحتج، قال: سمعت ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن حجر المدري، أنَّ في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر. وقال القاضي: يصح الوقف، رواية واحدة؛ لأنَّ أحمد نص عليها في رواية جماعة.
وبذلك قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، والزبير، وابن سريج.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: لا يصح الوقف؛ لأنَّه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبدًا بشرط أن يخدمه،
[ ٩ / ١٣٤ ]
ولأنَّ ما ينفقه على نفسه مجهول، فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئًا واشترط أن ينتفع به ولنا الخبر الذي ذكره الإمام أحمد، ولأنَّ عمر ﵁ لما وقف قال: ولا بأس على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا، غير متمول فيه. وكان الوقف في يده إلى أن مات.
ولأنَّه إذا وقف وقفًا عامًا، كالمساجد، والسقايات، والرباطات، والمقابر، كان له الانتفاع به، فكذلك هاهنا.
ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته، أو مدة معلومة معينة، وسواء قدر ما يأكل منه، أو أطلقه؛ فإنَّ عمر ﵁ لم يقدر ما يأكل الوالي ويطعم إلَّا بقوله: بالمعروف.
وفي حديث صدقة رسول الله ﷺ أنَّه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر إلَّا أنَّه إذا شرط أن ينتفع به مدة معينة.
فمات فيها، فينبغي أن يكون ذلك لورثته، كما لو باع دارًا واشترط أن يسكنها سنة، فمات في أثنائها. والله أعلم» اهـ.
تنبيه: لا يجوز للموقوف عليهم أن يستلموا أجرة الوقف مقدمًا، وذلك أنَّ تلك المنافع لم تدخل في ملكهم، وليس لهم أن يأخذوا إلَّا أجرة المنافع التي دخلت في ملكهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥١١):
[ ٩ / ١٣٥ ]
«والذي يتوجه أنَّه لا يجوز للموقوف عليهم أن يتسلفوا الأجرة لأنَّهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها» اهـ.
* * *
[ ٩ / ١٣٦ ]