٣٠٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا».
قُلْتُ: الصداق مأخوذ من الصدق، وذلك لأنَّه يدل على صدق رغبة الرجل في الزواج. ويقال الصَّداق، والصِّداق بفتح الصاد وكسرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٠):
«فصل: وللصداق تسعة أسماء؛ الصَّدَاقُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْمَهْرُ، وَالنِّحْلَةُ، وَالْفَرِيضَةُ، وَالْأَجْرُ، وَالْعَلَائِقُ، وَالْعُقْرُ، وَالْحِبَاءُ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز أن يعتق الرجل الأمة ويجعل عتقها صداقها، ولا يشترط في ذلك الولي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٣٢):
«وإذا قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها أو قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها صح بذلك العتق والنكاح وهو مذهب الإمام أحمد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢٥٧):
[ ١٠ / ٥٤٨ ]
«تزوج رسول الله صفية بنت حيي من ولد هارون بن عمران أخي موسى سنة سبع فإنَّها سبيت من خيبر وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله توفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين.
ومن خصائصها أنَّ رسول الله اعتقها وجعل عتقها صداقها، قال أنس أمهرها نفسها وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أنَّه يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد ﵀» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ١١٢):
«وتزوج ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي، وكانت من أجمل نساء العالمين.
وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة، أن يعتق الرجل أمته، ويجعل عتقها صداقها، فتصير زوجته بذلك، فإذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عتقها صداقها، أو قال: جعلت عتق أمتي صداقها، صح العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي، وهو ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث.
[ ١٠ / ٥٤٩ ]
وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي ﷺ وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة، وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح القول الأول، لأنَّ الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل، والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له، قال فيها: ﴿خَالِصَةً لّكَ مِنْ دُونِ﴾ ولم يقل هذا في المعتقة، ولا قاله رسول الله ﷺ ليقطع تأسي الأمة به في ذلك، فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة من تبناه، لئلا يكون على الأمة حرج في نكاح أزواج من تبنوه، فدل على أنَّه إذا نكح نكاحًا، فلأمته التأسي به فيه، ما لم يأت عن الله ورسوله نص بالاختصاص وقطع التأسي، وهذا ظاهر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٥٦):
«فصل: في حكمه ﷺ في الرجل يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها.
ثبت عنه في "الصحيح": أنَّه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قيل لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، وذهب إلى جواز ذلك علي بن أبي طالب، وفعله أنس بن مالك، وهو مذهب أعلم التابعين، وسيدهم سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والحسن البصري، والزهري، وأحمد، وإسحاق.
[ ١٠ / ٥٥٠ ]
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها، فإن أبت ذلك، فعليها قيمتها.
وعنه رواية ثالثة: أنَّه يوكل رجلًا يزوجه إياها.
والصحيح: هو القول الأول الموافق للسنة، وأقوال الصحابة والقياس، فإنَّه كان يملك رقبتها، فأزال ملكه عن رقبتها، وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح، فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها، واستثنى خدمتها، وقدم تقدم تقرير ذلك في غزاة خيبر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٣ - ١٥):
«الفصل الأول: أنَّ ظاهر المذهب أنَّ الرجل إذا أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها، فهو نكاح صحيح نص عليه أحمد في رواية الجماعة.
وروي ذلك عن علي ﵁، وفعله أنس بن مالك، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن، والزهري وإسحاق.
وقال الأوزاعي: يلزمها أن تتزوجه.
وروى المروذي عن أحمد: إذا أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها، يوكل رجلًا يزوجه. وظاهر هذا أنَّه لم يحكم بصحة النكاح. قال أبو الخطاب هي الصحيحة. واختارها القاضي، وابن عقيل.
[ ١٠ / ٥٥١ ]
وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأنَّه لم يوجد إيجاب وقبول، فلم يصح لعدم أركانه، كما لو قال: أعتقتك وسكت؛ ولأنَّها بالعتق تملك نفسها، فيجب أن يعتبر رضاها، كما لو فصل بينهما؛ ولأنَّ العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك، فلا يجوز أن يستبيح الوطء بالمسمى، فإنَّه لو قال: بعتك هذه الأمة، على أن تزوجنيها بالثمن. لم يصح.
ولنا ما روى أنس، أنَّ رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. متفق عليه.
وفي لفظ: أعتقها وتزوجها.
فقُلْتُ: يا حمزة، ما أصدقها؟ قال: نفسها.
وروى الأثرم، بإسناده عن صفية قالت: أعتقني رسول الله ﷺ وجعل عتقي صداقي.
وبإسناده عن علي ﵁ أنَّه كان يقول: إذا أعتق الرجل أم ولده، فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك.
ومتى ثبت العتق صداقًا، ثبت النكاح؛ لأنَّ الصداق لا يتقدم النكاح، ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز، فدل على أنَّه انعقد بهذا اللفظ.
[ ١٠ / ٥٥٢ ]
ولأنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه استأنف عقدًا، ولو استأنفه لظهر، ونقل كما نقل غيره؛ ولأنَّ من جاز له تزويج امرأة لغيره من غير قرابة، جاز له أن يتزوجها، كالإمام.
وقولهم: لم يوجد إيجاب ولا قبول. عديم الأثر؛ فإنَّه لو وجد لم يحكموا بصحته، وعلى أنَّه إن لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه، وهو جعل العتق صداقًا، فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها، وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم. وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم. عند أصحابنا، وكما لو أتى بالكنايات عند أبي حنيفة ومن وافقه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «الفصل الثالث: أنَّ لا يكون بينهما فصل. ولو قال: أعتقتك.
وسكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ثم قال: جعلت عتقك صداقك لم يصح النكاح؛ لأنَّها صارت بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد» اهـ.
٢ - واحتج به على جواز النكاح بغير لفظ النكاح أو التزويج.
ووجه الشاهد أنَّه لم يذكر في الحديث لفظ التزويج، وليس الحديث نصًا في هذا، لكن ظاهره ذلك.
[ ١٠ / ٥٥٣ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٣٣ - ٥٣٦):
«وطرد هذا النكاح فإنَّ أصح قولي العلماء أنَّه ينعقد بكل لفظ يدل عليه لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد بل نصوصه لم تدل إلَّا على هذا الوجه، وأمَّا الوجه الآخر من أنَّه إنَّما ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج فهو قول أبي عبد الله بن حامد وأتباعه كالقاضي أبي يعلى ومتبعيه. وأمَّا قدماء أصحاب أحمد وجمهورهم فلم يقولوا بهذا الوجه، وقد نص أحمد في غير موضع على أنَّه إذا قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها انعقد النكاح وليس هنا لفظ إنكاح وتزويج، ولهذا ذكر ابن عقيل وغيره: أنَّ هذا يدل على أنَّه لا يختص النكاح بلفظ. وأمَّا ابن حامد فطرد قوله وقال: لا بد أن يقول مع ذلك: وتزوجتها، والقاضي أبو يعلى جعل هذا خارجًا عن القياس فجوز النكاح هنا بدون لفظ الإنكاح والتزويج. وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإنَّ من أصله أنَّ العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصله أنَّ الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار النية ولهذا قال بذلك في الطلاق والقذف وغير ذلك.
[ ١٠ / ٥٥٤ ]
والذين قالوا: إنَّ النكاح لا ينعقد إلَّا بلفظ الإنكاح والتزويج من أصحاب الشافعي قالوا: لأنَّ ما سوى اللفظين كناية؛ والكناية لا يثبت حكمها إلَّا بالنية والنية باطن والنكاح مفتقر إلى شهادة والشهادة إنَّما تقع على السمع فهذا أصل أصحاب الشافعي الذين خصوا عقد النكاح باللفظين.
وابن حامد وأتباعه وافقوهم لكن أصول أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإنَّ هذه المقدمات باطلة على أصله.
أمَّا قول القائل: ما سوى هذين كناية فإنَّما يستقيم أن لو كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع كما يقوله الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما: أنَّ الصريح في الطلاق هو الطلاق والفراق والسراح لمجيء القرآن بذلك. فأمَّا جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وغيرهما؛ وجمهور أصحاب أحمد كأبي بكر وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهم؛ فلا يوافقون على هذا الأصل بل منهم من يقول: الصريح هو لفظ الطلاق فقط كأبي حنيفة وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعي ومنهم من يقول: بل الصريح أعم من هذه الألفاظ كما يذكر عن مالك وهو قول
[ ١٠ / ٥٥٥ ]
أبي بكر وغيره من أصحاب أحمد والجمهور يقولون: كلا المقدمتين المذكورتين أنَّ صريح الطلاق تليه مقدمة باطلة.
أمَّا قولهم: إنَّ هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس كذلك بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فأمر بتسريحهن بعد الطلاق قبل الدخول وهو طلاق بائن لا رجعة فيه وليس التسريح هنا تطليقًا باتفاق المسلمين وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فلفظ الفراق والسراح ليس المراد به هنا الطلاق فأمَّا المطلقة الرجعية فهو مخير بين ارتجاعها وبين تخلية سبيلها لا يحتاج إلى طلاق ثان.
وأمَّا المقدمة الثانية: فلا يلزم من كون اللفظ صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا في خطاب كل من يتكلم. وبسط هذا له موضع آخر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩ - ١٨):
[ ١٠ / ٥٥٦ ]
«وأمَّا النكاح: فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وعامة المتأخرين: إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنَّه لا ينعقد بالكناية لأنَّ الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة. ومنعوا من انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك. وقال أكثر هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان، وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان؛ بناء على أنَّه مختص بهذين اللفظين وأنَّ فيه شوب التعبد. وهذا - مع أنَّه ليس منصوصًا عن أحمد - فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصًا في ذلك وإنَّما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث: إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا إنَّما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي ﷺ وهو النكاح بغير مهر؛ بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أنَّ النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك. وبِقَوْلِهِ: جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته. فاختلف أصحابه فأمَّا أبو عبد الله بن حامد: فطرد قياسه وقال: لا بد
[ ١٠ / ٥٥٧ ]
مع ذلك من أن يقول: تزوجتها أو نكحتها لأنَّ النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلَّا بهاتين الصيغتين. وأمَّا القاضي أبو يعلى وغيره: فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأنَّ ذلك من صور الاستحسان. وذكر ابن عقيل قولًا في المذهب: أنَّه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؛ لنص أحمد بهذا. وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله. ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه. فإنَّ أصحاب مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؟ على قولين. والمنصوص عنه إنَّما هو منع ما اختص به النبي ﷺ من هبة البضع بغير مهر. قال ابن القاسم: وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك. فهو عندي جائز. وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنَّه لا ينعقد إلَّا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما؛ فإنَّ الحكم مبني على مقدمتين: إحداهما: أنَّ ما سوى ذلك كناية وأنَّ الكناية تفتقر إلى النية، ومذهبهما المشهور: أنَّ دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية؛ ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح. ومعلوم أنَّ دلالات الأحوال في النكاح معروفة: من اجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك: ملكتكها لك بألف درهم. علم الحاضرون
[ ١٠ / ٥٥٨ ]
بالاضطرار أنَّ المراد به الإنكاح. وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده: إملاكًا وملاكًا، ولهذا روى الناس قول النبي ﷺ لخاطب الواهبة - الذي التمس فلم يجد خاتمًا من حديد - رووه تارة: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وتارة: "ملكتكها" وإن كان النبي ﷺ لم يثبت عنه أنَّه اقتصر على "ملكتكها"؛ بل إمَّا أنَّه قالهما جميعًا أو قال أحدهما؛ لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا.
ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية؛ إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنَّما هو كالعتق والصدقة. ومعلوم أنَّ العتق لا يتعين له لفظ؛ لا عربي ولا عجمي. وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع، ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة: لكان متوجهًا كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة. وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع. وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي
[ ١٠ / ٥٥٩ ]
وأصحاب أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل والمتأخرين: أنَّه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم. فما اعتقدوه نكاحًا بينهم جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملًا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنَّه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه، حتى قالوا: لو قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحًا أقرا عليه وإلَّا فلا. ومعلوم أنَّ كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر وإنَّما اختص المسلم بأنَّ الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح، كما قال تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته، ولهذا جاء في الأثر: "المرأة لا تزوج نفسها فإنَّ البغي هي التي تزوج نفسها" وأمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعًا: ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد. ومن اقتصر على الإشهاد علله بأنَّ به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنَّه يحفظ النسب عند التجاحد فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة. فأمَّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. وهذه القاعدة
[ ١٠ / ٥٦٠ ]
الجامعة التي ذكرناها من أنَّ العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها القلوب. وذلك أنَّ الله ﷾ قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وقال: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وقال: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقال:
[ ١٠ / ٥٦١ ]
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه العقود: إمَّا أمرًا وإمَّا إباحة والمنهي فيها عن بعضها كالربا؛ فإنَّ الدلالة فيها من وجوه:
أحدها: أنَّه اكتفى بالتراضي في البيع في قَوْلِهِ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وبطيب النفس في التبرع في قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فتلك الآية في جنس المعاوضات، وهذه الآية في جنس التبرعات ولم يشترط لفظًا معينًا ولا فعلًا معينًا يدل على التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنَّهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة. والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن. وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا؛ فإنَّ جحد الضروريات قد يقع كثيرًا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها؛ ولهذا قلنا: إنَّ الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا
[ ١٠ / ٥٦٢ ]
تواطؤ على الكذب؛ لأنَّ الفطر السليمة لا تتفق على الكذب. فأمَّا مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب.
الوجه الثاني: أنَّ هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقًا بها أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق وكالصلاة والزكاة والصيام والحج. وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". ومعلوم أنَّ البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا؛ لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنَّه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك: من أنَّها لا تنعقد إلَّا بالصيغ الخاصة؛ بل قد قيل: إنَّ هذا القول مما يخالف الإجماع القديم وإنَّه من البدع. وليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال: إنَّ أهل اللغة يسمون هذا بيعًا ولا يسمون هذا بيعًا حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ولا يدخل الآخر؛ بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعًا: دليل على أنَّها في لغتهم تسمى بيعًا، والأصل بقاء اللغة وتقريرها؛ لا نقلها
[ ١٠ / ٥٦٣ ]
وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم. فما سموه بيعًا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة.
الوجه الثالث: أنَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلَّا بالشرع. وأمَّا العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلَّا ما حظره الله ﷾. وذلك لأنَّ الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنَّه عبادة وما لم يثبت من العبادات أنَّه منهي عنه كيف يحكم على أنَّه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إنَّ الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلَّا ما شرعه الله تعالى. وإلَّا دخلنا في معنى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلَّا ما حرمه وإلَّا دخلنا في معنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا
[ ١٠ / ٥٦٤ ]
ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٣٨]، فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "قال الله تعالى: إنِّي خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا". وهذه "قاعدة عظيمة نافعة". وإذا كان كذلك. فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإنَّ الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون
[ ١٠ / ٥٦٥ ]
كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهًا وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي». إلى آخر كلامه ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٢٤): «أمَّا الأولى فإنَّ الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال: "ملكتكها بما معك من القرآن" وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحًا بأي لفظ كان، ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا فما هو الضابط لذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٤):
«الفصل الثاني: أنَّ النكاح ينعقد بِقَوْلِهِ: أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك وتزوجتك وبذلك خاليًا عن قَوْلِهِ: وتزوجتك. وهذا لفظ الخرقي، وهو الذي جاء في حديث أنس.
وبِقَوْلِهِ: جعلت عتقك صداقك. أو جعلت صداقك عتقك.
وهذا معنى قول الخرقي: "سواء تقدم العتق أو تأخر".
[ ١٠ / ٥٦٦ ]
ونص أحمد على هذا، في رواية صالح: إذا قال: جعلت عتقك صداقك، أو صداقك عتقك.
كل ذلك جائز» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥):
«فصل: وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج.
والجواب عنهما إجماعًا، وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾.
وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا، مثل أن يقول: زوجتك بنتي هذه. فيقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج.
ولا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي.
وقال الثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك. وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة روايتان.
[ ١٠ / ٥٦٧ ]
وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٤٠):
«وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ قَدْ زَوَّجْتُك فُلَانَةَ فَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ تَزْوِيجَهَا لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا حَتَّى يَقُولَ قَدْ قَبِلْت تَزْوِيجَهَا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٤):
«وجملة ذلك: أنَّ الولي إذا قال: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، أو قال: أنكحتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت النكاح أو التزويج صح ذلك، لأنَّه قد وجد الإيجاب والقبول في النكاح أو التزويج.
فإن قال الولي: زوجتك ابنتي، أو أنكحتك، فقال الزوج: قبلت ولم يقل النكاح ولا التزويج فقد قال الشافعي ﵀ في موضع: يصح، وقال في موضع: لا يصح.
واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق:
فالطريق الأول: منهم من قال: لا يصح قولًا واحدًا، وحيث قال: يصح. أراد: إذا قبل الزوج قبولًا تامًا.
[ ١٠ / ٥٦٨ ]
والثاني: منهم من قال: يصح قولًا واحدًا، وحيث اشترط الشافعي ﵀ لفظ النكاح أو التزويج في القبول أراد على سبيل التأكيد.
وهذا لا يصح، لأنَّه قال: لا ينعقد النكاح.
والثالث: قال أكثر أصحابنا: هي على قولين- وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ -:
أحدهما: يصح- وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما- لأنَّ قوله: قبلت إذا ورد على وجه الجواب عن إيجاب متقدم كان المراد به قبول ما تقدم فصح، كما لو قال: بعتك داري، أو وهبتكها، فقال: قبلت. فإنه يصح.
والثاني: لا يصح. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لأنَّ الاعتبار في النكاح أن يحصل الإيجاب والقبول فيه بلفظ النكاح أو التزويج، فإن عري القبول منه لم يصح، كما لو قال رجل لآخر: زوجت ابنتك من فلان، فقال الولي: نعم، وقال الزوج: قبلت النكاح. فإن هذا لا يصح بلا خلاف.
وإن قال الولي: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: نعم. قال الصيمري: هو كما لو قال الزوج: قبلت، على الطرق الثلاث.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا يصح قولًا واحدًا.
[ ١٠ / ٥٦٩ ]
وإن قال الزوج: زوجني ابنتك، فقال الولي: زوجتك .. صح ذلك، ولا يفتقر الزوج إلى أن يقول: قبلت نكاحها- وقد وافقنا أبو حنيفة هاهنا، وخالفنا في البيع- لما روي: أن الذي تزوج الواهبة قال النبي ﷺ: زوجنيها يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: "زوجتكها"، ولم يأمره بالقبول بعد هذا» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح انعقاد النكاح بكل لفظ يدل عليه كسائر العقود، وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥): «وهذا لأنَّ الشهادة شرط في النكاح، والكناية إنَّما تعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة على النية، لعدم اطلاعهم عليها، فيجب أن لا ينعقد، وبهذا فارق بقية العقود والطلاق» اهـ.
فالجواب على ذلك: أنَّ كلامنا على الألفاظ التي تعارف عليها الناس أنَّه يراد بها النكاح وهذه يمكن الإشهاد عليها، وهكذا الكناية مع القرينة توضح المقصود. والله أعلم.
٣ - وفيه استحباب عتق الأمة والزواج بها.
وقد جاء في ذلك ما رواه البخاري (٩٧)، ومسلم (١٥٤) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ
[ ١٠ / ٥٧٠ ]
أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ».
٤ - وفيه جواز أن يتولى الولي طرفي العقد إذا كان ممن يحل له الزواج بموليته كابن العم الشقيق، أو لأب.
وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء والصحيح جواز ذلك، وأنَّه يكتفى فيه بالإيجاب، ولا يلزمه أن يجمع بين الإيجاب والقبول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٨):
«مسألة؛ قال: "ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها، جعل أمرها إلى رجل يزوجها منه بإذنها".
وجملته أنَّ ولي المرأة التي يحل له نكاحها، وهو ابن العم، أو المولى أو الحاكم، أو السلطان، إذا أذنت له أن يتزوجها، فله ذلك، وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه؟ فيه روايتان:
إحداهما: له ذلك.
[ ١٠ / ٥٧١ ]
وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لما روى البخاري، قال: قال عبد الرحمن بن عوف، لأم حكيم ابنة قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك.
ولأنَّه يملك الإيجاب والقبول، فجاز أن يتولاهما، كما لو زوج أمته عبده الصغير، ولأنَّه عقد وجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول، فصح، كما لو وجدا من رجلين.
وقد روي أنَّ النبي ﷺ: أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.
فإن قيل: فقد روي أنَّ النبي ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: زوج، وولي، وشاهدان".
قلنا: هذا لا نعرف صحته، وإن صح فهو مخصوص بمن زوج أمته عبده الصغير، فيخص منه محل النزاع أيضًا.
وهل يفتقر إلى ذكر الإيجاب والقبول، أم يكتفى بمجرد الإيجاب؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يحتاج أن يقول: زوجت نفسي فلانة، وقبلت هذا النكاح.
لأنَّ ما افتقر إلى الإيجاب افتقر إلى القبول، كسائر العقود.
[ ١٠ / ٥٧٢ ]
والثاني: يكفيه أن يقول: زوجت نفسي فلانة، أو تزوجت فلانة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف، ولأنَّ إيجابه يتضمن القبول، فأشبه إذا تقدم الاستدعاء، ولهذا قلنا: إذا قال لأمته: قد أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك. انعقد النكاح بمجرد هذا القول.
والرواية الثانية: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولكن يوكل رجلًا يزوجه إياها بإذنها.
قال أحمد ﵀ في رواية ابن منصور: لا يزوج نفسه حتى يولي رجلًا، على حديث المغيرة بن شعبة، وهو ما روى أبو داود، بإسناده عن عبد الملك بن عمير، أنَّ المغيرة بن شعبة أمر رجلًا زوجه امرأة، المغيرة أولى به منه.
ولأنَّه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن يتولى طرفيه، كالبيع.
وبهذا فارق ما إذا زوج أمته عبده الصغير وعلى هذه الرواية، إن وكل من يقبل له النكاح، وتولى هو الإيجاب، جاز.
وقال الشافعي في ابن العم والمولى: لا يزوجها إلَّا الحاكم، ولا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولا أن يوكل من يزوجه؛ لأنَّ وكيله بمنزلته، وهذا عقد ملكه بالإذن، فلا يتولى طرفيه، كالبيع.
[ ١٠ / ٥٧٣ ]
ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من الأولياء؛ لأنَّه لا ولاية لهم مع وجوده.
ولنا، ما ذكرناه من فعل الصحابة، ولم يظهر خلافه، ولأنَّ وكيله يجوز أن يلي العقد عليها لغيره، فصح أن يليه عليها له إذا كانت تحل له، كالإمام إذا أراد أن يزوج موليته ولأنَّ هذه امرأة، ولها ولي حاضر غير عاضل، فلم يلها الحاكم، كما لو أراد أن يزوجها غيره.
ومفهوم قوله ﵇: "السلطان ولي من لا ولي له". أنَّه لا ولاية له على هذه» اهـ.
قُلْتُ: أثر عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة رواهما البخاري في "باب إذا كان الولي هو الخاطب" برقم (٣٨) فقال:
«وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلًا فزوجه.
وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي قالت: نعم فقال: قد تزوجتك» اهـ.
قُلْتُ: هكذا رواهما معلقًا بصيغة الجزم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَغْلِيْقِ التَّعْلِيْقِ] (٤/ ٤١٦):
[ ١٠ / ٥٧٤ ]
«وأمَّا حديث المغيرة فقال البيهقي في "الخلافيات" أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو الوليد ثنا محمد بن أحمد بن زهير ثنا عبد الله بن هاشم ثنا وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن عمير أنَّ المغيرة أراد أن يتزوج امرأة وهو وليها فجعل أمرها إلى رجل المغيرة أولى منه فزوجه.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن الثوري عن عبد الملك بن عمير قال: أراد المغيرة بن شعبة أن يتزوج امرأة هو أقرب إليها من الذي أراد أن يزوجها إياه فأمر غيره أبعد منه فزوجها إياه.
وأمَّا حديث عبد الرحمن فقال ابن سعد في "الطبقات الكبير" أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد وقارظ بن شيبة أنَّ أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: أنَّه قد خطبني غير واحد فزوجني أيهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إليَّ. فقالت: نعم فقال: قد تزوجتك.
قال ابن أبي ذئب فجاز نكاحه» اهـ.
قُلْتُ: أثر المغيرة عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٠٢، ١٣١٢٧)، وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ١٠ / ٥٧٥ ]
وأثر عبد الرحمن بن عوف عند ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (١٠٩٣٦)، وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ إن كان سعيد بن خالد، وقارظ أدركا ذلك.
قُلْتُ: سعيد بن خالد هو ابن عبد الله بن قارظ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٤):
«وتضمنت جواز تولى الرجل طرفي العقد، كوكيل من الطرفين، أو ولي فيهما، أول ولي وكله الزوج، أو زوج وكله الولي، ويكفى أن يقول: زوجت فلانًا فلانة مقتصرًا على ذلك، أو تزوجت فلانة إذا كان هو الزوج، وهذا ظاهر مذهب أحمد، وعنه رواية ثانية: لا يجوز ذلك إلَّا للولي المجبر، كمن زوج أمته أو ابنته المجبرة بعبده المجبر، ووجه هذه الرواية أنَّه لا يعتبر رضى واحد من الطرفين.
وفي مذهبه قول ثالث: أنَّه يجوز ذلك إلَّا للزوج خاصة، فإنَّه لا يصح منه تولى الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه» اهـ.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ من ملك أمة ووطئها فله أنَّ يتزوجها قبل استبرائها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ١٧):
[ ١٠ / ٥٧٦ ]
«فصل: وإن أعتق أم ولده، أو أمته التي كان يصيبها، أو غيرها ممن تحل له إصابتها، فله أن يتزوجها في الحال، من غير استبراء؛ لأنَّ النبي ﷺ أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.
وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "ثلاثة يوفون أجرهم مرتين؛ رجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها".
ولم يذكر استبراء، ولأنَّ الاستبراء لصيانة مائه وحفظه عن الاختلاط بماء غيره، ولا يصان ماؤه عن مائه، ولهذا كان له أن يتزوج مختلعته في عدتها.
وقد روي عن أحمد، في الأمة التي لا يطؤها إذا أعتقها: لا يتزوجها بغير استبراء؛ لأنَّه لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء.
والصحيح أنَّه يحل له ذلك؛ لأنَّه يحل له وطؤها بملك اليمين، فكذلك بالنكاح، كالتي كان يصيبها، ولأنَّ النبي ﷺ أعتق صفية وتزوجها، ولم ينقل أنَّه كان أصابها، والحديث الآخر يدل على حلها له بظاهره، لدخولها في العموم، ولأنَّها تحل لمن تزوجها سواه، فله أولى، ولأنَّه لو استبرأها، ثم أعتقها وتزوجها في الحال، كان جائزًا حسنًا، فكذلك هذه، فإنَّه تارك لوطئها، ولأنَّ
[ ١٠ / ٥٧٧ ]
وجوب الاستبراء في حق غيره، إنَّما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره، ولا يوجد ذلك هاهنا.
وكلام أحمد، محمول على من اشتراها، ثم تزوجها قبل أن يستبرئها» اهـ.
٦ - وفيه تعجيل جميع المهر.
قُلْتُ: ويجوز في المهر التعجيل، والتأجيل، وتعجيل البعض وتأجيل البعض، والمؤجل لا يطالب به إلَّا بموت أو فراق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٦٢):
«فصل: ويجوز أن يكون الصداق معجلًا، ومؤجلًا، وبعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا؛ لأنَّه عوض في معاوضة، فجاز ذلك فيه كالثمن.
ثم إن أطلق ذكره اقتضى الحلول، كما لو أطلق ذكر الثمن.
وإن شرطه مؤجلًا إلى وقت، فهو إلى أجله.
وإن أجله ولم يذكر أجله، فقال القاضي: المهر صحيح.
ومحله الفرقة؛ فإنَّ أحمد قال: إذا تزوج على العاجل والآجل، لا يحل الآجل إلَّا بموت أو فرقة.
[ ١٠ / ٥٧٨ ]
وهذا قول النخعي والشعبي، وقال الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو عبيد: يبطل الأجل، ويكون حالًا، وقال إياس بن معاوية وقتادة: لا يحل حتى يطلق، أو يخرج من مصرها، أو يتزوج عليها.
وعن مكحول، والأوزاعي، والعنبري: يحل إلى سنة بعد دخوله بها واختار أبو الخطاب أنَّ المهر فاسد، ولها مهر المثل. وهو قول الشافعي؛ لأنَّه عوض مجهول المحل، ففسد كالثمن في البيع.
ووجه القول الأول، أنَّ المطلق يحمل على العرف، والعادة في الصداق الآجل ترك المطالبة به إلى حين الفرقة، فحمل عليه، فيصير حينئذ معلومًا بذلك.
فأمَّا إن جعل للآجل مدة مجهولة، كقدوم زيد ومجيء المطر، ونحوه، لم يصح؛ لأنَّه مجهول، وإنَّما صح المطلق لأنَّ أجله الفرقة بحكم العادة وها هنا صرفه عن العادة بذكر الأجل، ولم يبينه فبقي مجهولًا، فيحتمل أن تبطل التسمية، ويحتمل أن يبطل التأجيل ويحل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٦٨ - ٧٢): «المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسميا أجلًا، بل قال الزوج: مائة مقدمة ومائة مؤخرة، فإنَّ المؤخر لا يستحق المطالبة به
[ ١٠ / ٥٧٩ ]
إلَّا بموت أو فرقة، هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنَّه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلَّا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها، وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيدة: يبطل الآجل لجهالة محله، ويكون حالًا، وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحل الصداق إلَّا أن يفارقها أو يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها؛ فلها حينئذ المطالبة به، وقال مكحول والأوزاعي: يحل بعد سنة من وقت الدخول، وقال الشافعي وأبو الخطاب: تفسد التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل، وأمَّا مذهب مالك فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرًا وكان مالك يقول: إنَّما الصداق فيما مضى ناجز كله، فإن وقع منه شيء مؤخرًا فلا أحب أن يطول الأجل في ذلك، وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فسخ، وعن ابن القاسم إذا جاوز الأربعين
[ ١٠ / ٥٨٠ ]
فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين، حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن المواز، ثم قال: لأنَّ الأجل الطويل مثل ما لو تزوجها إلى موت أو فراق.
قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنَّه شهد ابن وهب وابن القاسم تذاكرا الأجل في ذلك، فقال ابن وهب: أرى فيه العشرين فدون فما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى أربعين وأفسخه فيما فوق ذلك، فقال أصبغ: وبه أخذ ولا أحب ذلك ندبًا إلى العشر ونحوها، وقد شهدت أشهب زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى اثنتي عشرة سنة.
قال عبد الملك: وما قصر من الأجل فهو أفضل، وإن بعد لم أفسخه إلَّا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرة جدًا.
قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخرًا إلى غير أجل فإنَّ مالكًا كان يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده، ويرد المرأة إلى صداق مثلها معجلًا كله، إلَّا أن يكون صداق مثلها أقل من المعجل فلا ينقص منه، أو أكثر من المعجل والمؤجل فيوفي تمام ذلك، إلَّا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلًا كله مع النقد
[ ١٠ / ٥٨١ ]
فيمضي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا ترد المرأة إلى صداق مثلها، ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك.
والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلَّا بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعًا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإنَّ المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلَّا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدم ذكر الأمثلة بذلك، وأيضًا فإنَّ عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثرة في صحته، والصداق عوضه ومقابله؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته، فهذا محض القياس، ونظير هذا لو أجره كل شهر بدرهم فإنَّه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة؛ فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنَّه أجر نفسه كل دلو بتمرة، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر، وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "المسلمون على شروطهم، إلاَّ شرطا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" وهذا لا يتضمن
[ ١٠ / ٥٨٢ ]
واحدًا من الأمرين، فإنَّ ما أحل الحرام وحرم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما جاز، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ أحق الشرط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" وأمَّا تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدم دليل واحد يدل عليها، ثم ليس تقدير منها بأولى من تقدير أزيد عليه أو أنقص منه، وما كان هذا سبيله فهو غير معتبر.
وقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في كتاب "التاريخ والمعرفة" له، وهو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس: سلام عليك، فإنِّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أمَّا بعد - عافانا الله وإياك».
ثم ساق ﵀ رسالة الليث بن سعد، ومحل الشاهد منها قَوْلُهُ: «ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلَّا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ٥٨٣ ]
٣٠٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ: فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟» فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلا إزَارِي هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إزَارَكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا» قَالَ: مَا أَجِدْ. قَالَ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز نكاح الهبة لرسول الله ﷺ، وهو من الأحكام المختصة بالنبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
[ ١٠ / ٥٨٤ ]
٢ - احتج به البخاري على ولاية السلطان.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أحمد (٢٤٢٥١، ٢٥٣٦٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٠): «وفيه أنَّ الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص لمن يراه كفؤًا لها ولكن لا بد من رضاها بذلك، وقال الداودي: ليس في الخبر أنَّه استأذنها ولا أنَّها وكلته وإنَّما هو من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني فيكون خاصًا به ﷺ أنَّه يزوج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال ابن أبي زيد، وأجاب ابن بطال بأنَّها لما قالت له: "وهبت نفسي لك" كان كالأذن منها في تزويجها لمن أراد؛ لأنَّها لا تملك حقيقة فيصير المعني: جعلت لك أن تتصرف في تزويجي اهـ. ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلف فإنَّ فيه كما
[ ١٠ / ٥٨٥ ]
قدمته أنَّ النبي ﷺ قال للمرأة: "إنِّي أريد أن أزوجك هذا أن رضيت" فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي هريرة رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٤٨٠) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ عَسَلِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ لَهَا: «اجْلِسِي» فَجَلَسَتْ سَاعَةً فَقَالَ: «اجْلِسِي - بَارَكَ اللهُ فِيكَ - أَمَّا نَحْنُ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكِ، وَلَكِنْ تُمَلِّكِينِي أَمْرَكِ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكَ هَذِهِ إِنْ رَضِيتَ» فَقَالَ: مَا رَضِيتَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: «هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟»، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، قَالَ: «فَقُمْ إِلَى النِّسَاءِ» فَقَامَ إِلَيْهِنَّ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ: «مَا تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «فَقُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عسل بن سفيان.
٣ - أنَّه لا بد من المهر في النكاح، ولو كان شيئًا يسيرًا.
[ ١٠ / ٥٨٦ ]
والصحيح أنَّ اشتراط نفي المهر مبطل للنكاح كما هو مذهب الإمام مالك ورواية عن أحمد، وذلك أنَّ النكاح المشروط فيه نفي المهر هو شبيه بنكاح الهبة الذي اختص النبي ﷺ به، وشبيه بنكاح الشغار. والله أعلم.
٤ - وفيه أنَّ طلب النكاح يقوم مقام القبول، فإنَّه لم ينقل في الحديث القبول من جهة الخاطب.
وقد احتج به البخاري على ذلك، فقد بوَّب على الحديث بِقَوْلِهِ: «باب إذا قال الخاطب زوجني فلانة فقال قد زوجتك بكذا وكذا جاز النكاح».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٣):
«واستدل به على أنَّ من قال: زوجني فلانة. فقال: زوجتكها بكذا كفى ذلك، ولا يحتاج إلى قول الزوج قبلت قاله أبو بكر الرازي من الحنفية، وذكره الرافعي من الشافعية، وقد استشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب وفراق الرجل المجلس لالتماس ما يصدقها إياه، وأجاب المهلب بأنَّ بساط القصة أغنى عن ذلك، وكذا كل راغب في التزويج إذا استوجب فأجيب بشيء معين وسكت كفى إذا ظهر قرينة القبول وإلَّا فيشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور» اهـ.
[ ١٠ / ٥٨٧ ]
قُلْتُ: تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الطلب يصح به النكاح في مذهب الجمهور لهذا الحديث خلافًا لأحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٨٠):
«فَصْلٌ: إذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ. لَمْ يَصِحَّ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْت ابْنَتَك. فَيَقُولَ: زَوَّجْتُك. أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَك. فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى، كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فَقَالَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ. فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي. لَمْ يَصِحَّ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ إذَا أَتَى بِغَيْرِهَا أَوْلَى. وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى، وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ» اهـ.
٥ - وفيه جواز النكاح بما مع الرجل من القرآن.
[ ١٠ / ٥٨٨ ]
وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٧٨ - ١٧٩):
«وتضمن أنَّ المرأة إذا رضيت بعلم الزوج، وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها، جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقها صداقها وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، وهذا هو الذى اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة، وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا أحب إليها من المال الذى يبذله الزوج، فإنَّ الصداق شرع في الأصل حقًا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدين، وإسلام الزوج، وقراءته للقرآن، كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها، فما خلا العقد عن مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم، أو عشرة من النص؟. والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصًا وقياسًا، وليس هذا مستويًا بين هذه المرأة وبين الموهبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وهي خالصة له من دون المؤمنين، فإنَّ تلك وهبت نفسها هبة مجردة عن ولي وصداق، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّه نكاح بولي وصداق، وإن كان غير مالي، فإنَّ المرأة جعلته عوضًا عن المال لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها
[ ١٠ / ٥٨٩ ]
بخلاف الموهوبة التي خص الله بها رسوله ﷺ، هذا مقتضى هذه الأحاديث.
وقد خالف في بعضه من قال: لا يكون الصداق إلَّا مالًا، ولا تكون منافع أخرى، ولا علمه، ولا تعليمه صداقًا، كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. ومن قال: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك، وعشرة دراهم كأبي حنيفة، وفيه أقوال أخر شاذة لا دليل عليها من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب.
ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي ﷺ، أو أنَّها منسوخة، أو أنَّ عمل أهل المدينة على خلافها، فدعوى لا يقوم عليها دليل. والأصل يردها، وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين، ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك في مناقبه وفضائله، وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم، وأقره النبي ﷺ، ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلَّا من جهة صاحب الشرع» اهـ.
قُلْتُ: حديث أم سليم رواه النسائي (٣٣٤١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ
[ ١٠ / ٥٩٠ ]
مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَه».
قَالَ ثَابِتٌ: «فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ».
رواه النسائي (٣٣٤٠) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ، أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ.
وشبيه بهذا قول المرأة لمن يخطبها مهري أن تطلب العلم أو تتمسك بالسنة ونحو ذلك، والمنفعة في مثل ذلك راجعة إلى دينها وذلك أنَّ من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، والمنفعة الأخروية أعظم من المنفعة الدنيوية.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ مهر الواهبة كان تعليمها للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٢٥) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفيه: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ».
[ ١٠ / ٥٩١ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٢ - ٢١٣):
«واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقًا ولو كان تعليم القرآن، قال المازري: هذا ينبني على أنَّ الباء للتعويض كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر وإلَّا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حاملًا للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
وانفصل الأبهري وقبله الطحاوي ومن تبعهما كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأنَّ هذا خاص بذلك الرجل لكون النبي ﷺ كان يجوز له نكاح الواهبة فكذلك يجوز له أن ينكحها لمن شاء بغير صداق ونحوه للداودي وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنَّه أولي بالمؤمنين من أنفسهم وقواه بعضهم بأنَّه لما قال له: "ملكتكها" لم يشاورها ولا استأذنها، وهذا ضعيف لأنَّها هي أولًا فوضت أمرها إلى النبي ﷺ كما تقدم في رواية الباب: "فَرَّ فِيَّ رَأْيَكَ" وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرناها، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر وصارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره. واحتج لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: "لا تكون
[ ١٠ / ٥٩٢ ]
لأحد بعدك مهرًا" وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف، وأخرج أبو داود مِنْ طَرِيْقِ مكحول قال: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ، وأخرج أبو عوانة مِنْ طَرِيْقِ الليث بن سعد نحوه، وقال عياض: يحتمل قَوْلُهُ: "بما معك من القرآن" وجهين أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدارًا معينًا منه ويكون ذلك صداقها وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلمها من القرآن" كما تقدم، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها وهو: عشرون آية، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام أي لأجل ما معك من القرآن فأكرمه بأن زوجه المرأة بلا مهر لأجل كونه حافظًا للقرآن أو لبعضه، ونظيره قصة أبي طلحة مع أم سليم وذلك فيما أخرجه النسائي وصححه مِنْ طَرِيْقِ جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنَّك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها.
وأخرج النسائي مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام فذكر القصة. وقال في آخره: فكان ذلك صداق ما بينهما. ترجم عليه النسائي التزويج على الإسلام، ثم
[ ١٠ / ٥٩٣ ]
ترجم على حديث سهل التزويج على سورة من القرآن فكأنَّه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيد أنَّ الباء للتعويض لا للسببية ما أخرجه بن أبي شيبة والترمذي من حديث أنس أنَّ النبي ﷺ سأل رجلًا من أصحابه: "يا فلان هل تزوجت" قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: "أليس معك قل هو الله أحد" الحديث.
واستدل الطحاوي للقول الثاني مِنْ طَرِيْقِ النظر بأنَّ النكاح إذا وقع على مجهول كان كما لم يسم فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل المجمع عليه لو أنَّ رجلًا استأجر رجلًا على أن يعلمه سورة من القرآن بدرهم لم يصح لأنَّ الإجارة لا تصح إلَّا على عمل معين كغسل الثوب أو وقت معين والتعليم قد لا يعلم مقدار وقته فقد يتعلم في زمان يسير وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يصح قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان لا تملك به المنافع، والجواب عما ذكره أنَّ المشروط تعليمه معين كما تقدم في بعض طرقه، وأمَّا الاحتجاج بالجهل بمدة التعليم فيحتمل أن يقال اغتفر ذلك في باب الزوجين لأنَّ الأصل استمرار عشرتهما ولأنَّ مقدار تعليم عشرين آية لا تختلف فيه افهام النساء غالبًا خصوصًا مع كونها عربية من أهل لسان الذي يتزوجها كما
[ ١٠ / ٥٩٤ ]
تقدم، وانفصل بعضهم بأنَّه زوجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه وسكت عن المهر فيكون ثابتًا لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدم حيث قال فيه: "فإذا رزقك الله فعوضها" كان فيه تقوية لهذا القول لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن وأصدق عنه، كما كفر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه وتنويها بفضل أهله، قالوا: ومما يدل على أنَّه لم يجعل التعليم صداقًا أنَّه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة وهل فيها قابلية التعليم بسرعة أو ببطء ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الاغراض. والجواب عن ذلك قد تقدم في بحث الطحاوي، ويؤيد قول الجمهور قوله ﷺ أولًا: "هل معك شيء تصدقها" ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه وطريقته ونحو ذلك، فإن قيل: كيف يصح جعل تعليمها القرآن مهرًا وقد لا تتعلم أجيب كما يصح جعل تعليمها للكتابة مهرًا وقد لا تتعلم وإنَّما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهرًا هل يشترط أن يعلم حذق المتعلم أو لا كما تقدم» اهـ.
[ ١٠ / ٥٩٥ ]
٦ - وفيه الرد على من حد أقل المهر بربع دينار، أو عشرة دراهم، وذلك مأخوذ من قَوْلِهِ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». ومن قَوْلِهُ: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٣): «الفصل الأول: أنَّ الصداق غير مقدر، لا أقله ولا أكثره، بل كل ما كان مالًا جاز أن يكون صداقًا.
وبهذا قال الحسن وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين، وقال: لو أصدقها سوطًا لحلت.
وعن سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شبرمة، ومالك وأبي حنيفة: هو مقدر الأقل. ثم اختلفوا، فقال مالك وأبو حنيفة: أقله ما يقطع به السارق. وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم. وعن النخعي: أربعون درهمًا. وعنه عشرون. وعنه رطل من الذهب. وعن سعيد بن جبير: خمسون درهمًا.
واحتج أبو حنيفة بما روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قال: "لا مهر أقل من عشرة دراهم".
ولأنَّه يستباح به عضو، فكان مقدرًا كالذي يقطع به السارق.
[ ١٠ / ٥٩٦ ]
ولنا، قول النبي ﷺ للذي زوجه: "هل عندك من شيء تصدقها؟ " قال: لا أجد.
قال: "التمس، ولو خاتمًا من حديد". متفق عليه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٥/ ٣٣٤): «ولأنَّ قول الله ﷿: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنَّه بدل منفعتها، فجاز ما تراضيا عليه من المال، كالعشرة وكالأجرة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٥/ ٣٣٤): «وقياسهم لا يصح؛ فإنَّ النكاح استباحة الانتفاع بالجملة، والقطع إتلاف عضو دون استباحته، وهو عقوبة وحد، وهذا عوض، فقياسه على الأعواض أولى.
وأمَّا أكثر الصداق، فلا توقيت فيه، بإجماع أهل العلم» اهـ.
٧ - وفيه التيسير في المهور.
وفي الباب حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ». رواه أبو داود (٢١١٧)، وابن حبان (٤٠٧٢)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٢٤)، والدولابي في [الكُنَى] (٤٦٥)، والقضاعي في [مُسْنِدِ الشِّهَابِ] (١١٣٣)، مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
[ ١٠ / ٥٩٧ ]
أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. فذكره وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد روى أحمد (٢٤٥٢٢، ٢٤٦٥١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا».
قُلْتُ: أسامة بن زيد يحتمل أن يكون الليثي، ويحتمل أن يكون ابن أسلم القرشي العدوي، وقد ذهب الهيثمي ﵀ إلى الثاني فقال في [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٤/ ٢٩٥): «رواه أحمد وفيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات» اهـ.
قُلْتُ: وقد جعله ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (١/ ٣٩٥) الليثي، وذكر هذا الحديث في ترجمته، فإذا كان كذلك فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ.
قَوْلُهُ: «وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا». بأن تكون سريعة الحمل كثيرة النسل.
كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٢٠٥٠) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».
[ ١٠ / ٥٩٨ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن حبان (٤٠٣٤)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١١٠٠، ١١١٠١) مِنْ طَرِيْقِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، ثنا رَجَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا».
قُلْتُ: رجاء بن الحارث ضعيف، وَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بما سبق.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٥١٦٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ سَخْبَرَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً».
قُلْتُ: فيه ابن سخبرة، سماه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٧٣٢) عمر بن طفيل بن سخبرة، ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤١٣٤) مِنْ طَرِيْقِ الحاكم وسماه عمرو بن الطفيل بن سخبرة المدني، وعمرو هذا لم أعرفه.
وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ ﵀ فِي [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٤/ ٢٩٥): «رواه أحمد والبزار وفيه ابن سخبرة يقال: اسمه عيسى بن ميمون وهو متروك» اهـ.
قُلْتُ: هكذا رواه أحمد بن منيع في مسنده كما في [اتْحِافِ الْخِيَرَةِ] (٤/ ٧) للبوصيري.
[ ١٠ / ٥٩٩ ]
قَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِيُّ ﵀ فِي [الْمُوضِّحِ] (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧): «وقد ذكر يحيى بن معين أنَّ شيخ حماد بن سلمة ابن سخبرة هو عيسى بن ميمون الذي روى عنه يزيد بن هارون، وهو أيضًا ابن تليدان الذي روى عنه وكيع بن الجراح وعثمان بن عمر بن فارس، أخبرنا محمد بن عبد الواحد الأكبر أخبرنا محمد بن العباس أخبرنا أحمد بن سعيد السوسي حدثنا عباس بن محمد قال: قال يحيى بن معين: عيسى بن ميمون الذي يروي أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة يقال له: ابن تليدان وهو من ولد أبي قحافة ويروي عنه حماد بن سلمة يقول: ابن سخبرة وهو هذا ما يبعد عندي هذا القول لأنّ ابن سخبرة وعيسى بن ميمون وابن تليدان رووا جميعًا عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق حديثًا واحدًا» اهـ.
قُلْتُ: فالحديث بهذا الإسناد شَدِيْدُ الضَّعْفِ.
ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (١٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
[ ١٠ / ٦٠٠ ]
ﷺ: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ».
قُلْتُ: وهذا محمول على من لم يجد ذلك لفقره، وأمَّا من تيسر له الصداق فلا بأس بذلك، وقد كان مهر النبي ﷺ أكثر من ذلك، فقد روى مسلم (١٤٢٦) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: «كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا»، قَالَتْ: «أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: «نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ».
وروى الترمذي (١١١٤)، والدولابي في [الكُنَى] (١٠٣٥٥) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي العَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: «أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً».
[ ١٠ / ٦٠١ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٥):
«والأوقية أربعون درهمًا، فلا تستحب الزيادة على هذا؛ لأنَّه إذا كثر ربما تعذر عليه، فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٥٤٨):
«وكلام الإمام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنَّه يستحب أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار. فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه. وكلام القاضي وغيره يقتضي أنَّه لا يستحب؛ بل يكون بلوغًا مباحًا» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٩٤ - ١٩٥): «والمستحب في "الصداق" مع القدرة واليسار: أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ﷺ ولا بناته وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة. بالدراهم الخالصة نحوًا من تسعة عشر دينارًا. فهذه سنة رسول الله ﷺ من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق قال أبو هريرة ﵁ كان: صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق وطبق بيديه. وذلك أربعمائة درهم
[ ١٠ / ٦٠٢ ]
رواه الإمام أحمد في مسنده، وهذا لفظ أبي داود في سننه. وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم كان صداق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. قالت أتدري ما النش؟ قُلْتُ: لا. قالت: نصف أوقية: فذلك خمسمائة درهم. رواه مسلم في صحيحه، وقد تقدم عن عمر أنَّ صداق بنات رسول الله ﷺ كان نحوًا من ذلك فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صداق أمهات المؤمنين. وهذا مع القدرة واليسار فأمَّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلاَّ ما يقدر على وفائه من غير مشقة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق. فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين وهي من أفضل أيم من قريش بعد أن خطبها الخليفة لابنه فأبى أن يزوجها به. والذي نقل عن بعض السلف من تكثير صداق النساء فإنَّما كان ذلك لأنَّ المال اتسع عليهم وكانوا يعجلون الصداق كله قبل الدخول؛ لم يكونوا
[ ١٠ / ٦٠٣ ]
يؤخرون منه شيئًا. ومن كان له يسار ووجد فأحب أن يعطي امرأته صداقًا كثيرًا فلا بأس بذلك كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. أمَّا من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه أو يعجز عن وفائه: فهذا مكروه. كما تقدم وكذلك من جعل في ذمته صداقًا كثيرًا من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٤٨):
«والصداق المقدم إذا كثُر وهو قادر على ذلك لم يكره إلَّا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك فأمَّا إذا كان عاجزًا عن ذلك كره بل يحرم إذا لم يتوصل إليه إلَّا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة، فأمَّا إن كثر وهو مؤخر في ذمته فينبغي أن يكره هذا كله لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة» اهـ.
قُلْتُ: قوله ﵀: «وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة نحوًا من تسعة عشر دينارًا». لعل ذلك باعتبار الدراهم في زمنه، والمقرر عند جمهور العلماء أنَّ الدينار يصرف باثني عشر درهمًا، ولهذا كانت الدية مائة من الإبل أو
[ ١٠ / ٦٠٤ ]
قدرها من الذهب وهو ألف دينار، ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم، ومن البقر مائتان، ومن الشاء ألفان.
وإذا صرفنا كل اثني عشر درهما بدينار فالخمسمائة الدرهم تصرف بواحد وأربعين دينار ونصف دينار وشيء يسير من أجزاء الدينار.
وإذا صرفنا الأربعمائة الدرهم بالدنانير فإنَّها تكون ثلاثة وثلاثين دينار وثلث دينار وشيء يسير من أجزاء الدينار.
وعلى هذين الاحتمالين فقول شيخ الإسلام يخالفهما جميعًا، لكن لعل الدراهم في زمنه كثر فيها الغش فنقص قيمتها.
٨ - واحتج به على أنَّ الهبة لا تتم إلَّا بالقبول، وذلك لأنَّ الواهبة لم تصر زوجة للنبي ﷺ بمجرد الهبة.
٩ - وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٩٥):
«والأولى تعجيل الصداق كله للمرأة قبل الدخول إذا أمكن فإن قدم البعض وأخر البعض: فهو جائز» اهـ.
[ ١٠ / ٦٠٥ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٤٨):
«ولو قيل: إنَّه يكره جعل الصداق دينًا سواء كان مؤخر الوفاء وهو حال، أو كان مؤجلًا لكان متوجهًا لحديث الواهبة» اهـ.
١٠ - واحتج بعموم قَوْلِهِ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». من ذهب إلى جواز المهر بالشيء التافه كحبة الشعير.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١١):
«وفي قَوْلِهِ: "أعندك شيء" فقال: لا. دليل على تخصيص العموم بالقرينة لأنَّ لفظ شيء يشمل الخطير والتافه وهو كان لا يعدم شيئًا تافها كالنواة ونحوها لكنه فهم أنَّ المراد ما له قيمة في الجملة فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل عياض الإجماع على أنَّ مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقًا ولا يحل به النكاح فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئًا ولو كان حبة من شعير. ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قوله ﷺ: "التمس ولو خاتمًا من حديد" لأنَّه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه ولا شك أنَّ الخاتم من الحديد له قيمة وهو أعلى خطرًا من النواة وحبة الشعير،
[ ١٠ / ٦٠٦ ]
ومساق الخبر يدل على أنَّه لا شيء دونه يستحل به البضع، وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء» اهـ.
١١ - وفيه جواز جعل الإجارة صداقًا.
ويدل على ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧، ٢٨].
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٣):
«وفيه جواز كون الإجارة صداقًا ولو كانت المصدوقة المستأجرة فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول الشافعي وإسحاق والحسن بن صالح، وعند المالكية فيه خلاف، ومنعه الحنفية في الحر وأجازوه في العبد إلَّا في الإجارة في تعليم القرآن فمنعوه مطلقًا بناء على أصلهم في أنَّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز، وقد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلَّا الحنفية، وقال ابن العربي: من العلماء من قال زوجه على أن يعلمها من القرآن فكأنَّها كانت إجارة وهذا كرهه مالك ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يفسخ
[ ١٠ / ٦٠٧ ]
قبل الدخول ويثبت بعده. قال: والصحيح جوازه بالتعليم. وقد روى يحيى بن مضر عن مالك في هذه القصة أنَّ ذلك أجرة على تعليمها وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعي وإسحاق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضًا، وقد إجازة مالك من إحدى الجهتين فيلزم أن يجيزه من الجهة الأخرى، وقال القرطبي: قوله "علمها" نص في الأمر بالتعليم والسياق يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح فلا يلتفت لقول من قال: إنَّ ذلك كان إكرامًا للرجل فإنَّ الحديث يصرح بخلافه، وقولهم: إنَّ الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغة ولا مساقًا» اهـ.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ الحاكم يجوز له أن يزوج المرأة من غير أن يستفصل عن وجود وليها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٥ - ١٢٦):
«وفيه جواز نكاح المرأة دون أن تسأل هل لها ولي خاص أو لا، ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل أو في عدته. قال الخطابي: ذهب إلى ذلك جماعة حملًا على ظاهر الحال، ولكن الحكام يحتاطون في ذلك ويسألونها. قُلْتُ: وفي أخذ هذا الحكم من هذه القصة نظر لاحتمال أن يكون النبي ﷺ اطلع على
[ ١٠ / ٦٠٨ ]
جلية أمرها أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن يعرفها ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به، وقد نص الشافعي على أنَّه ليس للحاكم أن يزوج امرأة حتى يشهد عدلان أنَّها ليس لها ولي خاص ولا أنَّها في عصمة رجل ولا في عدته لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط والثاني المصحح عندهم» اهـ.
١٣ - وفيه جواز تزويج الفقراء، إذا علمت المرأة بذلك ورضيت به.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨١): «فيه: جواز إنكاح المعسر» اهـ.
١٤ - واحتج به من قال بجواز النكاح من غير ولي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٦):
«واستدل به على صحة النكاح بغير ولي وتعقب باحتمال أنَّه لم يكن لها ولي خاص والإمام ولي من لا ولي له» اهـ.
[ ١٠ / ٦٠٩ ]
قُلْتُ: وهذا الاحتمال وارد، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
ويمكن أن يقال: هذا خاص بالنبي ﷺ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. واختاره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَّقِنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٨/ ٣٠٤).
١٥ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٦): «وفي الحديث أيضًا المراوضة في الصداق وخطبة المرء لنفسه» اهـ.
١٦ - وفيه جواز عرض المرأة نفسها للرجل الصالح ليتزوج بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٢٧):
«قال المهلب: فيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح وتعريفه برغبتها فيه لصلاحه وفضله، ولعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنَّه لا عار عليها في ذلك ولا غضاضة، بل ذلك زائد في فضلها» اهـ.
١٧ - واحتج به من قال بمشروعية لبس خاتم الحديد.
وقد جاء في كراهة لبس خاتم الحديد ما رواه أحمد (٦٥١٨، ٦٦٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
[ ١٠ / ٦١٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «هَذَا شَرٌّ، هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ»، فَأَلْقَاهُ، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٥١٩٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ السُّلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ، فَقَالَ لَهُ: «مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ» فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: «اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا».
قُلْتُ: فيه أبو طيبة ضعيف الحديث.
وروى أحمد (١٣٢) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي يَدِ رَجُلٍ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَلْقِ ذَا»، فَأَلْقَاهُ، فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «ذَا شَرٌّ مِنْهُ» فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
[ ١٠ / ٦١١ ]
قُلْتُ: في إسناده انقطاع بين عمار وعمر بن الخطاب ﵁.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٤):
«وفي هذا الحديث من الفقه: جواز اتخاذ خاتم الحديد. وقد أجازه بعض السلف، ومنعه آخرون لقوله ﷺ فيه: "حلية أهل النار". ورأوا أنَّ المنع هو المتأخر عن الإباحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٣):
«وأمَّا الحديد فقد قيل إنَّما كره ذلك من سهوكته وريحه ويقال: معنى حلية أهل النار أنَّه زي بعض الكفار وهم أهل النار والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ رَسَائِلِ ابنِ رَجَبِ] (٢/ ٦٦٧):
«والصحيح عدم التحريم، فإن الأحاديث فيه لا تخلوا عن مقال، وقد عارضها ما هو أثبت منها كالحديث الَّذِي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لخاطب المرأة التي عرضت نفسها عليه: "التمس ولو خاتمًا من حديد"» اهـ.
١٨ - وفيه جواز أخذ العوض في تعليم القرآن، ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري (٥٧٣٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا
[ ١٠ / ٦١٢ ]
بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ».
قُلْتُ: لكن يُشكل على هذا ما رواه الطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينِ] (٢٧٩)، وفي [فَضَائِلِ الرَّمْيِّ] (٦١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٤٦٥)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٨/ ٤٣٧، ٤٣٨/ ٣٦/ ٣٨/ ٦٣/ ٣١٧) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الْمَخْزُومِيُّ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: أَدِّبْ وَلَدِي فَإِنِّي مُعْطِيكَ، قُلْتُ كَيْفَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ».
[ ١٠ / ٦١٣ ]
ورواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٧/ ٢٧١) مِنْ طَرِيْقِ إبراهيم بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر نا الوليد بن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله قال، قال لي عبد الملك بن مروان. فذكره.
قُلْتُ: الوليد بن مسلم مدلس تدليس تسوية، وقد عنعن بين سعيد، وإسماعيل، فيخشى أن يكون أسقط رجلًا، وسعيد اختلط في آخر عمره.
وروى ابن ماجه (٢١٥٨) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْكَلَاعِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ»، فَرَدَدْتُهَا.
قُلْتُ: عبد الرحمن بن سلم مجهول، وعطية عن كعب مرسل.
وروى الضياء في [الأَحَادِيْثِ الْمُخْتَارَةِ] (٩٠) وَأَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ الأَسَدِيُّ بِدِمَشْقَ أَنَّ جَدَّهُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ أَخْبَرَهُمْ أبنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ قَالا ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السِّمْسَارِ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّنُوخِيُّ الْفَضْلُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
[ ١٠ / ٦١٤ ]
فِيلٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفًّى ثَنَا عِصَامُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ سَمِعْتُ أَبِي الْمُثَنَّى بْنَ وَائِلٍ يَقُولُ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ فَمَسَحَ رَأْسِي وَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى ذِرَاعِهِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ فَقَالَ دَخَلَ على رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مُتَنَكِّبُ قَوْسًا فَأَعْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَجْوَدَ قَوْسَكَ اشْتَرَيْتَهَا». قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَهْدَاهَا لِي رَجُلٌ أَقْرَأْتُ ابْنَهُ الْقُرْآنَ. قَالَ: «فَتُحِبُّ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ» قَالَ: لَا قَالَ: «فَرُدَّهَا».
لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِيلٍ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ أَوِ الْمُؤَدِّبِ فَقَالَ:
دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَقَلِّدًا قَوْسًا فَعَجِبَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ: «اشْتَرَيْتَهَا». قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعِنْدَهُ قَالَ: «أَفَتُحِبُّ أَنْ تُقَلَّدَ قَوْسًا مِنْ نَار».
قُلْتُ: عصام بن المثنى بن وائل، لم أقف له ولا لأبيه على جرح ولا تعديل.
وروى أحمد (٢٢٧٤١)، وأبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجه (٢١٥٧) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّوَاسِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ
[ ١٠ / ٦١٥ ]
الْكِتَابَ، وَالْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا».
قُلْتُ: الأسود مجهول.
وروى ابن السماك في [جُزْءِ حْنْبَلٍ] (٤٥)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٣٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٥/ ٧) مِنْ طَرِيْقِ دَاوُدَ بْنِ عَمْرِو، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرِو الدَّوْسِي، قَالَ: أَقْرَأَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَيْتُ لَهُ قَوْسًا، فَغَدَا إِلَى النَّبِي ﷺ، مُتَقَلِّدَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أُبَيُّ مَنْ سَلَّحَكَ هَذِهِ الْقَوْسَ؟». قَالَ: الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرِو الدَّوْسِيُّ، أَقْرَأْتُهُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقَلَّدْتَهَا شِلْوَةً مِنْ جَهَنَّمَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ قَالَ: «أَمَّا طَعَامٌ صُنِعَ لِغَيْرِكَ فَحَضَرْتَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلُهُ، وَأَمَّا مَا صُنِعَ لَكَ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ فَإِنَّمَا تَأْكُلُ بِخَلَاقِكَ».
[ ١٠ / ٦١٦ ]
قال أبو القاسم: والذي روى عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث عبد ربه واسمه ابن زيتون أحسبه من أهل حمص ولم يسمع من الطفيل بن عمرو وهو حديث غريب وللطفيل بن عمرو رواية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غير هذا، ويقال: إنَّ الطفيل قتل يوم اليمامة اهـ.
قُلْتُ: عبد ربه بن سليمان لا يعرف حاله.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الإِصَابَةِ] (٣/ ٥٢٢): «وعبد ربه يقال له بن زيتون ولم يسمع من الطفيل بن عمرو» اهـ.
قُلْتُ: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا فتبلغ إلى مرتبة الحسن لغيره. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤) - عند كلامه على حديث اللديغ-:
«واستدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقي كالدواء، قالوا لأنَّ تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقي إلَّا أنَّهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة التي في الحديث يأبى
[ ١٠ / ٦١٧ ]
هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنَّه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود، وبأنَّ الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنَّ الأحاديث المذكورة أيضًا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٨/ ٧٠):
«وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته: فالقول بموجبه؛ لأنَّ تعليم عبادة لم تكن بإجارةٍ، ولا جُعل، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا، لا لغيره. ومن كان كذلك حرم عليه أخذ العوض على ما فعله لله تعالى؛ لأنَّه ربما يفسد عمله، ويأكل مالًا بالباطل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٣٣):
«ولا ينافي هذا قَوْلَهُ: "إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" في قصة الرقية لأنَّ تلك جعالة على الطب فطبه بالقرآن فأخذ الأجرة على الطب لا على تعليم القرآن وههنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن فإنَّ الله تعالى قال لنبيه: ﴿قُلْ لَا
[ ١٠ / ٦١٨ ]
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، فلا يجوز أخذ الاجرة على تبليغ الاسلام والقرآن» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الجمهور من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لعموم حديث ابن عباس، ولحديث الباب، وتلك الأحاديث التي فيها الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن محمولة على من علم القرآن لوجه الله ثم أخذ عليه أجرًا، أو من تعيَّن عليه ذلك. والله أعلم.
١٩ - وفيه أنَّ الخطبة لا تجب لمن أراد النكاح.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وخالفهم داود الظاهري فأوجبها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٥):
«والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي، أو الزوج، أو غيرهما، وقال الشافعي: المسنون خطبتان، هذه التي ذكرناها في أوله، وخطبة من الزوج قبل قبوله.
والمنقول عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن السلف، خطبة واحدة، وهو أولى ما اتبع» اهـ.
[ ١٠ / ٦١٩ ]
قُلْتُ: وخطبة الزوج عندهم هي قوله قبل الإيجاب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أوصيكم بتقوى الله قبلت نكاحها.
قُلْتُ: والمستحب خطبة الحاجة المذكورة في حديث ابن مسعود وقد أخرجها أحمد (٣٧٢٠، ٣٧٢١، ٤١١٥، ٤١١٦) أبو داود (٢١١٨)، والنسائي رقم (٣٢٧٧)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجه رقم (١٨٩٢) مِنْ طُرِقٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
[ ١٠ / ٦٢٠ ]
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
* * *
[ ١٠ / ٦٢١ ]
٣١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَهْيَمْ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ: «مَا أَصْدَقْتَهَا؟» قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
قَوْلُهُ: «رَدْعُ زَعْفَرَانٍ». أي صبغ زعفران.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٦): «"رَدْع" بالعين المهملة. يعني: الأثر واللطخ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «مَهْيَمْ». على وَزْن مَرْيَم، ويقال ليس في العربية على هذا الوزن إلَّا مريم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٨٦):
«قَوْلُهُ: "مَهْيَمْ" هي كلمة يمانية معناه: ما هذا. ووقع في قصة هاجر موضع مهيم مهيا، والأول المعروف. وأفاد بعض حذاق المتأخرين أنَّ أصلها ما هذا الأمر فاقتصر في كل كلمة على حرف لأمن اللبس» اهـ.
قُلْتُ: وقيل أصلها: مه يا امرؤ؟.
[ ١٠ / ٦٢٢ ]
وإعرابها: اسمُ فعل أمر مبنيٌّ على السكون؛ بمعنى أخْبرني.
وَقَوْلُهُ: «وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«واختلف في المراد بِقَوْلِهِ: "نواة" فقيل: المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب وأنَّ القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورد بأنَّ نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارًا لما يوزن به.
وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمَّا قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء ويؤيده أنَّ في رواية للبيهقي مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن بشر عن قتادة: "وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم". وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه بن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاوي الظاهر، واستبعد؛ لأنَّه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي: "قومت ثلاثة دراهم وثلثًا" وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيد هذا ما وقع عند الطبراني في "الأوسط" في آخر حديث قال أنس: جاء وزنها ربع دينار،
[ ١٠ / ٦٢٣ ]
وقد قال الشافعي: النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهمًا فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد أنَّ عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم وهي تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية وبه جزم أبو عوانة وآخرون» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧): «قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم وهو الجمع لأنَّ الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري وغيره. وقال الأنباري: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها أولم» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به على جواز التزعفر للرجل.
قُلْتُ: وهو محمول على أنَّه لصق فيه من امرأته، أو أنَّه تزعفر في ثوبه جمعًا بين هذا الحديث وبين ما رواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
[ ١٠ / ٦٢٤ ]
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه النسائي (٥٢٥٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ».
قُلْتُ: زيادة الجلد في الحديث شاذة أو منكرة، خالف فيها وزكريا كل من روى الحديث عبد العزيز بن صهيب من الثقات الأثبات.
والذي يظهر لي أنَّ التزعفر إنَّما نهي عنه في البدن لما فيه من التشبه بطيب النساء، وأمَّا التزعفر في الثوب فيشرع، لما رواه أحمد (٥٧١٧، ٦٠٩٦)، والنسائي (٥١١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ».
ولفظ أحمد: «وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى البخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ،
[ ١٠ / ٦٢٥ ]
وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ «أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ»، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا»، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا»، وَأَمَّا الإِهْلَالُ: فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
قُلْتُ: والمراد بالصفرة الزعفران المذكور بالحديث السابق. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٧٤):
«وقد قال ابن عباس: أحسن الألوان كلها الصفرة؛ لقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، فقرن السرور بالصفرة، وكان ﵇ يحب الصفرة، ألا ترى قول ابن عمر حين سئل عن صبغه بها، فقال: إنِّي رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، فأنَّا أصبغ بها وأحبها» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٨٣):
[ ١٠ / ٦٢٦ ]
«وأمّا نهيه أن يتزعفر الرجل فالمراد به أن يخلق بدنه بالزعفران فإنَّ طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٦):
«والصحيح في معنى هذا الحديث أنَّه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس، ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنَّه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون. وقيل: إنَّه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنَّهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. قال: وقيل: لعله كان يسيرًا فلم ينكر. قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا علامة لسروره وزواجه. قال: وهذا غير معروف. وقيل: يحتمل أنَّه كان في ثيابه دون بدنه. ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل» اهـ.
قُلْتُ: القول الأخير هو الأظهر لما سبق بيانه.
[ ١٠ / ٦٢٧ ]
٢ - وفيه التيسير في المهر.
٣ - وفيه استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة.
وفي الباب ما رواه أحمد (٨٩٤٣، ٨٩٤٤)، وأبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢١٦):
«قَوْلُهُ: "رفأ" يريد هناه ودعا له وكان من عادتهم أن يقولوا: بالرفاء والبنين، وأصله من الرفئ وهو على معنيين أحدهما: التسكين؛ يقال رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خويلد لم تُرع … فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
والآخر أن يكون بمعنى الموافقة والملائمة ومنه رفوت الثوب، وفيه لغتان يقال رفوت الثوب ورفأته وأنشد أبو زيد:
عمامة غير جد واسعة … أخيطها تارة وأرفأها» اهـ.
[ ١٠ / ٦٢٨ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ١٥٨):
«قَوْلُهُ: "كان إذا رفأ الإنسان"
بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له. قاله الحافظ في الفتح. وفي القاموس: رفأه ترفئة وترفيئًا قال له: بالرفاء والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى. وذلك لأنَّ الترفئة في الأصل الالتئام يقال: رفأ الثوب لأم خرقه، وضم بعضه إلى بعض. وكانت هذه ترفئة الجاهلية ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد إلى ما في حديث الباب» اهـ.
٤ - وفيه استحباب الوليمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧):
«واختلف العلماء في وليمة العرس هل هي واجبة أم مستحبة؟ والأصح عند أصحابنا أنَّها سنة مستحبة، ويحملون هذا الأمر في هذا الحديث على الندب، وبه قال مالك وغيره، وأوجبها داود وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨): «فصل: وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
[ ١٠ / ٦٢٩ ]
وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأنَّ الإجابة إليها واجبة؛ فكانت واجبة.
ولنا، أنَّها طعام لسرور حادث؛ فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرناه، وكونه أمر بشاة ولا خلاف في أنَّها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل له، ثم هو باطل بالسلام، ليس بواجب وإجابة المسلم واجبة» اهـ.
٥ - وظاهره أنَّ أقلها شاة.
وتجزئ الوليمة بغير شاة لما رواه البخاري (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ».
وروى البخاري (٥١٦٩) عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٣٧):
«قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَيْسُ يُؤْخَذُ التَّمْرُ فَيُنْزَعُ نَوَاهُ وَيُخْلَطُ بِالْأَقِطِ أَوِ الدَّقِيقِ أَوِ السَّوِيقِ اهـ وَلَوْ جُعِلَ فِيهِ السَّمْنُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ حَيْسًا» اهـ.
[ ١٠ / ٦٣٠ ]
قُلْتُ: أصل الحيس الخلط.
وروى البخاري (٥١٧٢) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٣٢٣):
«هِيَ أم سَلمَة» اهـ.
قُلْتُ: لكن الوليمة بالشاة هو الأفضل لمن تيسر له ذلك كما يدل عليه الحديث.
٦ - ولم يوقت النبي ﷺ أيامًا معينة للوليمة، فتشرع في يوم وأكثر.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ٣١ - مَعَ الْفَتْحِ): «ولم يوقت النبي ﷺ يومًا، ولا يومين» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٤٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي سِيرِينَ دَعَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَنْصَارِ دَعَاهُمْ، وَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ»، قَالَ هِشَامٌ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: مُعَاذٌ، قَالَتْ: «فَكَانَ أُبَيٌّ صَائِمًا فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْبٍ وَأَمَّنَ الْقَوْمُ».
[ ١٠ / ٦٣١ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٦٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٢٩٣) عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: تَزَوَّجَ أَبِي فَدَعَا النَّاسَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، «فَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فِيمَنْ دَعَا، فَجَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ صَائِمٌ فَصَلَّى، يَقُولُ: دَعَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ خَرَجَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٢٩٢) مِنْ طَرِيْقِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ:
«أَنَّ سِيرِينَ، عَرَّسَ بِالْمَدِينَةِ " فَأَوْلَمَ فَدَعَا النَّاسَ سَبْعًا " وَكَانَ فِيمَنْ دَعَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، " فَجَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَدَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ وَانْصَرَفَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: «وَكَذَا قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ سَبْعًا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَفْصَةَ فِي إِسْنَادِهِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ثَمَانِيَ أَيَّامٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» اهـ.
وأمَّا ما رواه أبو يعلى (٣٨٣٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ١٠ / ٦٣٢ ]
وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَجَعَلَ الْوَلِيمَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَسَطَ نِطَعًا جَاءَتْ بِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ أَقِطًا وَتَمْرًا، وَأَطْعَمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
فَلَا يَصِّحُ فإنَّ فيه أبو جعفر الرازي وهو سيء الحفظ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧):
«قال القاضي: واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين فكرهته طائفة، ولم تكرهه طائفة. قال: واستحب أصحاب مالك للموسر كونها أسبوعًا» اهـ.
قُلْتُ: وعمدة من كره ذلك ما رواه أحمد (٢٠٣٤٠)، وأبو داود (٣٧٤٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٥٩٦، ٦٥٦١) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ - رَجُلٍ أَعْوَرَ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفًا أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا إِنْ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ - زُهَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ فَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، عبد الله بن عثمان الثقفي مجهول، وزهير مختلف في صحبته.
[ ١٠ / ٦٣٣ ]
وروى ابن ماجه (١٩١٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، فإنَّ عبد الملك بن حسين متروك الحديث.
وله شواهد لا يثبت بها الحديث، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ [الْإِرْوَاءِ] تحت حديث برقم (١٩٥٠):
«وجملة القول في هذا الحديث أنَّ أكثر طرقه وشواهده شديدة الضعف لا يخلو طريق منها من متهم أو متروك فلذلك يبقى على الضعف الذي استفيد من الطريق الأولى. والله أعلم» اهـ.
٧ - واحتج به من قال: إنَّ الوليمة تكون بعد البناء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧): «واختلف العلماء في وقت فعلها، فحكى القاضي أنَّ الأصح عند مالك وغيره أنَّه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول» اهـ.
[ ١٠ / ٦٣٤ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ٢٢٨):
«رأيت بعض من حاول تفسير هذا الحديث من أهل بلدنا قال: إنَّ هذا اللفظ يدل على أنَّ الوليمة بعد البناء جائزة. قال القاضي أبو الوليد ﵁: وليس في الحديث ما يدل على ذلك لأنَّه يحتمل أن يكون سؤال النبي ﷺ لعبد الرحمن بعد العقد وقبل البناء، ولو بلغنا أنَّه كان بعد البناء لم يدل على ذلك أيضًا لجواز أن يكون قد فات ذلك قبل البناء فأمره به بعد البناء فيتعقبه البناء ويتصل به، وقد روى ابن المواز عن مالك: أرى أن يولم بعد البناء. وفي "العتبية" من رواية أشهب عن مالك: لا بأس أن يولم بعد البناء. قال: فليجب وليس مثل الوليمة. قال ابن حبيب: وكان النبي ﷺ يستحب الإطعام على النكاح عند عقده وعند البناء. ولفظ: "عند البناء" يقتضي قرب البناء، ويحتمل أن يريد به قبله وبعده، وكيفما كان فليس فيه منع لأنَّ منه شهرة النكاح وهذا لا يعدم لتقديمه ولا لتأخيره إلَّا أن تقديم إشهاره قبل البناء ويتصل البناء به عندي أفضل كالإشهاد فأمَّا تأخيره فإنَّه عار من فائدة الإشهاد الذي شرع تقديمه على البناء ومنع تقديم البناء قبل وجود شيء منه كالإشهاد وهي عادة الناس اليوم في الوليمة فيحتمل أن يكون مالك قال ذلك لمن فاته قبل البناء، ويحتمل أن يكون
[ ١٠ / ٦٣٥ ]
اختار ذلك لأنَّه لا يقتصر عليه في إشهار النكاح وإنَّما يشهر أولًا بالإشهاد وهذه زيادة في الإشهار تختص بإشهار البناء ويكون فيه معنى الرضا بما اطلع عليه من حال الزوجة فعلى هذا يختص بما بعد البناء والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الأفضل في الوليمة أن تكون بعد البناء لما رواه البخاري (٥١٧٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ، فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ».
وبوَّب الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ على هذا الحديث في [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٧/ ٢٦٠) بِقَوْلِهِ: «باب وقت الوليمة» اهـ.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى
[ ١٠ / ٦٣٦ ]
بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ».
وفي رواية لمسلم (١٤٢٨) عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «ضَعْهُ»، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ، فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ»، وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ، هَاتِ التَّوْرَ»، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ»، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: «يَا أَنَسُ، ارْفَعْ»، قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ، أَمْ حِينَ رَفَعْتُ … الحديث.
[ ١٠ / ٦٣٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٢٣٤): «وقال الشيخ تقي الدين ﵀: تستحب بالدخول» اهـ.
قُلْتُ: هذا الوقت هو المستحب، وتشرع الوليمة من حين العقد.
٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٦): «فيه أنَّه يستحب للإمام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من أحوالهم» اهـ.
فوائد متنوعة:
الفائدة الأولى: إذا تزوج أكثر من امرأة كفاه وليمة واحدة للجميع.
قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٣/ ٩١): «تنبيه: لو نكح أربعًا هل يستحب لكل واحدة وليمة واحدة عن الجميع أو يكفيه، أو يفصل بين العقد الواحد والعقود.
قال الزركشي: فيه نظر اهـ. والأوجه الأول كما قاله غيره» اهـ.
الفائدة الثانية: في وقت الوليمة.
قُلْتُ: تشرع الوليمة في الليل أو النهار، والذي جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الوليمة أول النهار.
[ ١٠ / ٦٣٨ ]
فروى البخاري (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ».
الفائدة الثالثة: الوليمة عدة أنواع منها:
١ - وليمة العرس، وقد مضى القول فيها.
٢ - وليمة الخُرس بضم الخاء المعجمة والسين المهملة، ويقال أيضًا بالصاد المهملة، ويقال الخرسة: وهي الطعام الذي يصنع لسلامة المرأة من الطلق في النفاس.
٣ - العَقِيْقَة، وهي: أسم للشاة المذبوحة عن المولود يوم السابع من ولادته.
[ ١٠ / ٦٣٩ ]
٤ - وليمة الوَكِيرة، بفتح الواو وكسر الكاف وبعدها ياء مثناة من تحت، وهي الطعام الذي يصنع لإحداث بناء الدار، مأخوذة من الوكر وهو المأوى والمستقر.
٥ - وليمة الوَضِيمة، بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة، وهي: الطعام الذي يصنعه الأقارب والجيران لمن حدثت عندهم مصيبة.
٦ - وليمة النقيعة، بفتح النون، وهي الدعوة لقدوم المسافر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩٤): «وهذا الطعام يقال له: النقيعة بالنون والقاف قيل اشتق من النقع وهو الغبار لأنَّ المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وقيل النقيعة من اللبن إذا برد، وقيل غير ذلك» اهـ.
٧ - وليمة العَذِير، بالعين المهملة والذال المعجمة. ويقال: العذيرة كذا في الاستقصاء، والإعذار بكسرة الهمزة مصدر أعذره، وهي الدعوة للختان، والإعذار الختان.
وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٩٨٢) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مَا صَنَعَتْ لِي أُمِّي يَوْمَ خُتِنْتُ إِلَّا عَصِيدَةً بِتَمْرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٨ - وليمة المأدُبَة، بضم الدال وفتحها، وهي الضيافة التي تعمل بلا سبب.
[ ١٠ / ٦٤٠ ]
٩ - وليمة الحِذَاقة، بكسر الحاء المهملة، وهي الإطعام عند ختم القرآن، وكذا إذا ختم الثمُنَ أو الرُبُعَ أو النصف.
١٠ - وليمة التحفة، وهي الإطعام الذي يعطى للزائر.
١١ - وليمة القِرى، وهي الإطعام للضيف.
الفائدة الرابعة: في حكم إجابة الوليمة.
أَقُوْلُ: أمَّا وليمة العرس فيجب إجابتها، وذلك لما رواه مسلم (١٤٢٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ، فَلْيُجِبْ».
وروى البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ».
وجاء مرفوعًا عند مسلم (١٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ».
[ ١٠ / ٦٤١ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٠/ ١٧٩): «ولا أعلم خلافًا في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها منكر ولهو» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٨٩): «وهذا الحديث حجة في وجوب إجابة دعوة الوليمة، ولا خلاف في ذلك بين الصحابة والتابعين إلَّا ما روى عن ابن مسعود أنَّه قال: نهينا أن نجيب من يدعو الأغنياء ويترك الفقراء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٩): «قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو. وبه يقول مالك، والشافعي والعنبري، وأبو حنيفة وأصحابه.
ومن أصحاب الشافعي من قال: هي من فروض الكفايات؛ لأنَّ الإجابة إكرام وموالاة، فهي كرد السلام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤٩): «ونقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. قال: واختلفوا فيما سواها. فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
[ ١٠ / ٦٤٢ ]
وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٩ - ٤٩٠):
«فصل: وإنَّما تجب الإجابة على من عين بالدعوة، بأن يدعو رجلًا بعينه، أو جماعة معينين.
فإن دعا الجفلى؛ بأن يقول: يا أيها الناس، أجيبوا إلى الوليمة.
أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت، أو من شئت. لم تجب الإجابة، ولم تستحب؛ لأنَّه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولأنَّه غير منصوص عليه، ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته، وتجوز الإجابة بهذا؛ لدخوله في عموم الدعاء» اهـ.
قُلْتُ: الْجَفَلَى بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَاللَّامِ، وَالْقَصْرِ، وهي الدعوة العامة وَتُسَمَّى الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ النَّقَرَى بِالتَّحْرِيكِ.
وهذه الكلمة تدل على معنى الاجتماع يقال: جاءُوا أَجْفَلَةً: أَي جَماعةً.
وَأَمَّا "النَّقَرَى" فقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبْو الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسِ ﵀ فِي [مَقَايِيسِ اللُّغَةِ] (٥/ ٤٦٩):
[ ١٠ / ٦٤٣ ]
«وَقَوْلُهُمْ: دَعَاهُمُ النَّقَرَى: أَنْ يَدْعُوَ جَمَاعَةً وَيَدَعَ آخَرِينَ مِنْ لُؤْمِهِ. وَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ لَا يُنَادِيهِمْ أَجْمَعَ، لَكِنْ يَأْتِي الْمَحْفِلَ فَيُوحِي إِلَى وَاحِدٍ كَأَنَّهُ يَنْقُرُهُ، أَوْ يَنْقُرُهُ بِيَدِهِ لِيَقُومَ مَعَهُ» اهـ.
قُلْتُ: ولا تكون الوليمة شر الطعام إلَّا إذا دعي لها الأغنياء، وترك الفقراء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٥): «فلو دعا الداعي عامًا لم يكن طعامه شر الطعام» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت أدلة عامة ظاهرها يشمل وجوب الإجابة لسائر الولائم، ومن أصرحها ما رواه مسلم (١٤٢٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».
وفي لفظ له من حديث ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَلْيُجِبْ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٧): «وهذا يؤيد ما فهمه ابن عمر وأنَّ الأمر بالإجابة لا يختص بطعام العرس وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عرسًا كان أو غيره بشرطه ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة،
[ ١٠ / ٦٤٤ ]
وزعم ابن حزم أنَّه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنَّه قال في وليمة الختان: لم يكن يدعى لها. لكن يمكن الانفصال عنه بأنَّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا، وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنَّه دعا بالطعام فقال رجل من القوم: أعفني فقال ابن عمر أنَّه لا عافية لك من هذا فقم. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنَّ بن صفوان دعاه فقال إنِّي مشغول وأن لم تعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنَّه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم وجوب إجابة الوليمة في غير العرس، ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٠٣٧) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: «وَهَذِهِ؟» لِعَائِشَةَ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا»، فَعَادَ
[ ١٠ / ٦٤٥ ]
يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَهَذِهِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا»، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَهَذِهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ.
قُلْتُ: فلو كانت إجابة الدعوة واجبة لما رده ﵊ في الأولى والثانية.
الفائدة الخامسة: في بيان حكم الأكل من طعام الوليمة.
أَقُوْلُ: لا يجب الأكل من طعام الوليمة لمن كان صائمًا، لما رواه مسلم (١٤٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ».
ومثل الصائم في ذلك من كان يتضرر بما قدم له من الطعام، أو كان الطعام مما لم يعتاد أن يأكله.
وأمَّا من لا عذر له في عدم الأكل فهل يجب عليه أن يأكل؟ في ذلك نزاع بين العلماء.
فروى مسلم (١٤٣٠) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
[ ١٠ / ٦٤٦ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٧): «فيؤخذ منه أنَّ المفطر ولو حضر لا يجب عليه الأكل وهو أصح الوجهين، عند الشافعية.
وقال ابن الحاجب في "مختصره" ووجوب أكل المفطر محتمل وصرح الحنابلة بعدم الوجوب، واختار النووي الوجوب وبه قال أهل الظاهر، والحجة لهم قوله في إحدى روايات ابن عمر عند مسلم: "فإن كان مفطرًا فليطعم". قال النووي: وتحمل رواية جابر على من كان صائمًا، ويؤيده رواية ابن ماجه فيه بلفظ: "من دعي إلى طعام وهو صائم فليجب فإن شاء طعم وأن شاء ترك" ويتعين حمله على من كان صائمًا نفلًا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم وجوب الأكل لحديث جابر الذي في مسلم فإنَّ ظاهره العموم، وأمَّا حديث ابن ماجه فرواه (١٧٥١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
[ ١٠ / ٦٤٧ ]
وفيه عنعنة ابن جريج، وعنعنة أبي الزبير وهما مدلسان، لكن ابن جرج تابعه سفيان عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٢) مِنْ طَرِيْقِ إسحاق بن يوسف عن سفيان الثوري به.
وهو عند مسلم مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن نمير عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر به.
ورواه أبو داود (٣٧٤٠) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن كثير عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أحمد (١٥٢٥٦) مِنْ طَرِيْقِ عبد الرزاق عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٦٦١٠) مِنْ طَرِيْقِ أبي الأحوص عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٣١٦) مِنْ طَرِيْقِ أبي نعيم عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (١٠٦٦) حدثنا عمر بن سعد، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكر في حديثه الصوم.
[ ١٠ / ٦٤٨ ]
ورواه أبو نعيم في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٢) مِنْ طَرِيْقِ الفريابي، وعبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكرا في حديثهما الصوم.
ورواه البغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٢٣١٦) مِنْ طَرِيْقِ علي بن قادم، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكر في حديثه الصوم.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث سفيان.
وقد روى الحديث ابن حبان (٥٣٠٣) مِنْ طَرِيْقِ عمرو بن علي بن بحر، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أبو نعيم في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٤٧) مِنْ طَرِيْقِ أحمد بن علي بن نمير ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٣) حدثنا حمدان بن الجنيد، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، وابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٣٠٣٠) يزيد وهو ابن سنان قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
[ ١٠ / ٦٤٩ ]
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٤) حجاج وهو ابن محمد المصيصي، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أيضًا عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث ابن جريج. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٨):
«وَقَوْلُهُ: "فإن شاء طعم، وإن شاء ترك"؛ هذا صريح في أنَّ الأكل في الوليمة ليس بواجب، وهو مذهب الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، أخذًا بالحديث.
ويظهر من هذا: أنَّ الأكل أولى من التَّرْك عندهم. وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السُّرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك.
وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قَارَنَه منكر. فلا يجوز الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه» اهـ.
الفائدة السادسة: في آداب المضيف.
[ ١٠ / ٦٥٠ ]
قُلْتُ: جل آداب الضيافة مأخوذة من قصة إبراهيم ﵊ مع أضيافه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩، ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
ومجموع هذه الآداب:
١ - الذهاب خفية لإحضار قرى الضيف.
٢ - المبادرة في إحضار قرى الضيف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرِّسَالَةِ التَّبُوكِيَّةِ] (ص: ٦٧):
«والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة الى إكرام الضيف والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألَّا يعرض للحياء وهذا بخلاف من يتثاقل
[ ١٠ / ٦٥١ ]
ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة راغ تنفي هذين الأمرين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ١٨٦):
«يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة: منها تعجيل القرى; لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى الآية: أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل. والتعجيل أيضًا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، على ما سبق بيانه في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
قُلْتُ: وإن استدعى الأمر تأخير القرى فمن المستحسن أن يلهي الضيف ببعض ما عنده من الفاكهة، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٢٠٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ،، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا،
[ ١٠ / ٦٥٢ ]
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيْنَ فُلَانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ»، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٩٠):
«وفيه: دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف» اهـ.
٣ - خدمة الضيف بنفسه.
٤ - القرى بالحيوان التام السمين.
[ ١٠ / ٦٥٣ ]
٥ - القرى بأنفس ما لدى الشخص من الطعام.
٦ - اختيار أحسن أنواع الطبخ، فإنَّ الحنيذ هو المشوي أفضل من المطبوخ بالماء.
٧ - تقريب الطعام إلى الضيوف بحيث لا يحوجهم الانتقال إليه.
٨ - التلطف معهم بالخطاب حيث استعمل العرض دون الأمر فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرِّسَالَةِ التَّبُوكِيَّةِ] (ص: ٦٧ - ٦٨):
«وَقَوْلُهُ: فجاء بعجل سمين يتضمن ثلاثة أنواع من المدح:
أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنَّه لم يرسل به وإنَّما جاء به بنفسه.
الثاني: أنَّه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا.
الثالث: أنَّه سمين ليس بمهزول وهذا من نفائس الأموال ولد البقر السمين فإنَّهم يعجبون به فمن كرمه هان عليه ذبحه واحضاره.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متضمن المدح وآدابًا أخرى وهو إحضار الطعام الى بين يدي الضيف بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه.
[ ١٠ / ٦٥٤ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ فيه مدح وآداب أخر فإنَّه عرض عليهم الأكل بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام كلوا تقدموا ونحو هذا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ١٨٦):
«ومنها: كون القرى من أحسن ما عنده؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ الذي عنده البقر وأطيبه لحمًا الفتي السمين المنصح.
ومنها: تقريب الطعام إلى الضيف.
ومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾» اهـ.
قُلْتُ: وقد أوصل العلامة ابن القيم ﵀ أدب إبراهيم الخليل ﵊ في الضيافة إلى خمسة عشر أدبًا، فقَالَ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢٧١ - ٢٧٤):
«ففي هذا الثناء على إبراهيم من وجوه متعددة:
أحدها: أنَّه وصف ضيفه بأنَّهم مكرمون وهذا على أحد القولين أنَّه إكرام إبراهيم لهم أنَّهم المكرمون عند الله ولا تنافي بين القولين فالآية تدل على المعنيين.
[ ١٠ / ٦٥٥ ]
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم ففي هذا دليل على أنَّه كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فبقي منزله مضيفة مطروقًا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم.
الثالث: قوله لهم: ﴿سَلَامٌ﴾ بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل فإنَّه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم فإنَّ قولهم: ﴿سَلَامًا﴾ يدل على سلمنا سلامًا وَقَوْلُهُ: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: سلام عليكم.
الرابع: أنَّه حذف من قَوْلِهِ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ فإنَّه لما انكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم قوم منكرون فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.
الخامس: أنَّه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله فقال: ﴿مُنْكَرُونَ﴾، ولم يقل أنِّي أنكركم وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.
السادس: أنَّه راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم، والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف وهذا من كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي فلا يشعر به إلاَّ وقد جاءه
[ ١٠ / ٦٥٦ ]
بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.
السابع: أنَّه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة فدل على أنَّ ذلك كان معدًا عندهم مهيئًا للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.
الثامن: قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف.
التاسع: أنَّه جاء بعجل كامل ولم يأت ببضعة منه وهذا من تمام كرمه.
العاشر: أنَّه سمين لا هزيل ومعلوم أنَّ ذلك من أفخر أموالهم ومثله يتخذ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه.
الحادي عشر: أنَّه قربه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك.
الثاني عشر: أنَّه قربه ولم يقربهم إليه وهذا أبلغ في الكرامة أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام اليه ويحمله إلى حضرته ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب اليه.
[ ١٠ / ٦٥٧ ]
الثالث عشر: أنَّه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قَوْلِهِ: كلوا، أو مدوا أيديكم، وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدق أو ألا تجبر ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنَّه إنَّما عرض عليهم الأكل لأنَّه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولهذا أوجس منهم خيفة أي: أحسها واضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم.
وهو الوجه الخامس عشر: فإنَّهم لما امتنعوا من آكل طعامه خاف منهم ولم يظهر لهم ذلك فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: لا تخف وبشروه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنَّما هي من أوضاع الناس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين» اهـ.
[ ١٠ / ٦٥٨ ]
قُلْتُ: ومن أهل العلم من استحسن في تقدير المبتدأ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُون﴾ هَؤلاءِ قومٌ، أو هُمْ قَوْمٌ، وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته، لا للأضياف لأنَّ ذلك يوحشهم.
٩ - ومن جملة الآداب المتعلقة بالمضيف عدم التكلف للضيف، وليس في قصة إبراهيم ﵊، ولا الأنصاري ما يدل على التكلف للضيف فإنَّ ذلك محمول على تيسر ذلك في حقهما. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٩٠):
«وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأنَّ ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئًا يعرف الضيف من حاله أنَّه يشق عليه، وأنَّه يتكلفه له فيتأذى لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" لأنَّ أكمل إكرامه، إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأمَّا فعل الأنصاري، وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا بل جمالًا وأنفق
[ ١٠ / ٦٥٩ ]
أموالًا في ضيافة رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ كان مسرورًا بذلك، مغبوطًا فيه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن التكلف للضيف ما رواه البزار في [سُنَنِهِ] (٢٥١٤)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٤٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦٢)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٩١٥٣)، و[الْآدَابِ] (٧٣)، وابن أبي الدنيا في [الْجُوعِ] (٢٦٩)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٣/ ٢٥٦) مِنْ طَرِيْقِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ ﵁، قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا».
قُلْتُ: سليمان بن قرم سيء الحفظ.
ورواه أحمد (٢٣٧٨٤)، والبزار (٢٥١٥)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦٠)، و[الْأَوْسَطِ] (٥٩٣٥)، والمحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٢٨٩)، وابن أبي خيثمة في [تَارِيْخِهِ] (٤٤٣٦) مِنْ طَرِيْقِ قيس بن الربيع عن عثمان بن شابور عن شقيق بن سلمة به.
قُلْتُ: قيس بن الربيع ضعيف، عثمان بن شابور لم أقف له على جرح ولا تعديل.
[ ١٠ / ٦٦٠ ]
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٦٤)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٤٧)، وأبو نعيم في [أَخَبَارِ أَصْبَهَانَ] (١٣٦) مِنْ طَرِيْقِ الْحُسَيْنِ بْنِ الرَّمَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا».
قُلْتُ: الحسين بن رماس لا بأس به فقد روى الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (٨/ ٤٥) مِنْ طَرِيْقِ مهنأ قال: سألت أحمد عن الحسين بن الرماح فقال: «إنَّما هو الحسين بن الرماس. قُلْتُ: من أين هو. قال: من أهل المدائن. قُلْتُ: كيف هو قال: ما أرى به بأسًا» اهـ.
وعبد الرحمن بن مسعود هو العبدي لا يعرف حاله.
قُلْتُ: والحديث بمجموع هذه الطرق يتقوى ويرتقي إلى الحسن.
الفائدة السابعة: في آداب الضيف.
منها: أن لا يأتي قبل موعد نضج الطعام.
ومنها: أن ينصرف إثر الانتهاء من الطعام.
ويدل عليهما قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
[ ١٠ / ٦٦١ ]
وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] ص (٦٧٠):
«يأمر تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع رسول اللّه ﷺ، في دخول بيوته فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها، لأجل الطعام. وأيضًا لا تكونوا ﴿نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين:
الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: قبل الطعام وبعده.
ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يقول لكم: "اخرجوا" كما هو جاري
[ ١٠ / ٦٦٢ ]
العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، ﴿وَ﴾ لكن ﴿اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أنَّ في تركه أدبا وحياء، فإنَّ الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء. واللّه تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان» اهـ.
ومنها: أن من كان مفطرًا أن يطعم، ومن كان صائمًا فليدعو لأهل البيت.
روى مسلم (١٤٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».
ومنها: أن لا يعيب الطعام فإن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه.
روى البخاري (٣٥٦٣)، ومسلم (٥٣٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ».
ومنها: أنَّه إذا قرَّب إليه الطعام أن يأكل ولا ينتظر طلب رب البيت منه ذلك حتى لا يظن به شرًا وقد قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﵊ مع أضيافه الكرام: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
[ ١٠ / ٦٦٣ ]
وقال الله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٧، ٢٨].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٧٣):
«الرابع عشر: أنَّه إنَّما عرض عليهم الأكل لأنَّه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الآذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال:
﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولهذا أوجس منهم خيفة أي أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم» اهـ.
ومنها: ما قاله بكر بن عبد الله المزني: «أحوجٌ الناس إلى لطمةٍ من دعي إلى وليمةٍ فذهب معه بآخر، وأحوج الناس إلى لطمتين رجلٌ دخل دار قوم فقيل له اجلس ههنا فقال لا بل ههنا وأحوج النّاس إلى ثلاث لطماتٍ رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» اهـ.
ذكره الخطيب في كتاب [التَّطْفِيْلِ] (ص ٨١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٥/ ٢١٥).
[ ١٠ / ٦٦٤ ]
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [تَرْتِيْبِ الْمَدَارِكِ وَتَقْرِيْبِ الْمَسَالِكِ] (١/ ٧٧): «قال أبو عوف عبد الرحمان ابن مرزوق، وذكر لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس عن بكر المزني، أنَّه قال: أحق الناس بلطمة من أكل طعامًا لم يدع إليه.
وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد ها هنا.
وأحق الناس ثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
فقال لي: عندي أعجب من هذا، وأطرف من هذا.
كان مالك يومًا جالسًا فأستأذن عليه صديق له، فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها.
فدخل الرجل، فقال له مالك: ها هنا.
فأبى أن يقعد إلَّا على المنديل، فتفتحت تحته البطيخة.
فقال له مالك: يرحمك الله كنا أبصر بعوار منزلنا منك» اهـ.
قُلْتُ: وقول بكر المزني ﵀: «رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» يدل عليه ما رواه البخاري (٦٠٢)، ومسلم (٢٠٧٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ
[ ١٠ / ٦٦٥ ]
سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا - قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا - وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
[ ١٠ / ٦٦٦ ]
قُلْتُ: وإذا دعى شخص لوليمة فتبعه من لم يدع فيفعل معه كما فعل النبي ﷺ فيما رواه البخاري (٢٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣٦) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ.
وفي لفظ للبخاري (٥٤٣٤): «إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ» قَالَ: بَلْ أَذِنْتُ لَهُ.
ولفظ مسلم: «إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ»، قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ.
* * *
[ ١٠ / ٦٦٧ ]