٣٧٩ - عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ. فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - يَعْنِي مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ -: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا. وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ».
الصيد هو: اقتناص حيوان حلال الأكل متوحش طبعًا غير مقدور عليه.
ويطلق الصيد ويراد به الحيوان المصيد.
فَقَوْلُنَا: «اقتناص حيوان» خرج به ما لا يقتنص كبهيمة الأنعام إلَّا ما ندَّ من الإبل والبقر فإنَّه يعامل معاملة الصيد، والاقتناص هو الاصطياد سواء كان بآلة رمي أو بحيوان أو بطير أو بشباك وغير ذلك.
وَقَوْلُنَا: «حلال الأكل». خرج به ما حرم من الحيوان فلا يعتبر صيدًا.
[ ١٤ / ١٣٣ ]
وَقَوْلُنَا: «متوحش طبعًا» خرج به ما كان أهليًا ثم توحش فلا يدخل في مسمى الصيد.
وَقَوْلُنَا: «غير مقدور عليه» خرج به الحيوان الأهلي، وما تأهل من الوحش.
وحكمه: أنَّه يباح للحاجة، ويكره لهوًا لما فيه من تضييع الوقت، ويحرم إذا كان فيه ضرر على زروع الناس وأموالهم وغير ذلك من أنواع الضرر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - اجتناب آنية أهل الكتاب إذا وجد غيرها. وهذا من باب المبالغة في التنفير عنها وإلَّا فإنَّ النبي ﷺ قد أجاب بعض اليهود إلى طعامهم وهو إنَّما يأكل في آنيتهم. والله أعلم.
٢ - أنَّه إذا احتاج المسلم إلى آنية أهل الكتاب فله استعمالها بعد غسلها، والسبب في ذلك مبين فيما رواه أبو داود (٣٨٣٩) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ
[ ١٤ / ١٣٤ ]
اللَّهِ ﷺ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وبناءً على هذا فإذا كانت الآنية جديدة معروضة للبيع فلا تدخل في هذا النهي لانتفاء العلة. والله أعلم.
وقد توضأ النبي ﷺ من مزادة امرأة مشركة كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين، وكان يجيب دعوة اليهود، وروى أحمد (١٥٠٥٣)، وأبو داود (٣٨٣٨) من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وهذا يدل على أنَّ النهي وارد فيمن علم عنه أنَّه يكثر من أن يطبخ في أوانيه لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر ويتظاهر بذلك دون غيرهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ عُمْدَةِ الْفِقْهِ] (١/ ١٢٠):
[ ١٤ / ١٣٥ ]
«وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْ مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالنَّصَارَى الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا تُبَاحُ أَوَانِيهِمْ وَتُبَاحُ آنِيَةُ مَنْ سِوَاهُمْ، لَكِنْ فِي كَرَاهَتِهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَذْهَبَ قَوْلًا وَاحِدًا لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ وَحَمْلًا لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا. فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ كِتَابٍ وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ، قَالَ: "إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا"» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل، وذلك أنَّ الأصل في الآنية الطهارة من الخبث والنجس، لكن لما كان الغالب من أحوال أهل الكتاب استعمال الخبائث في آنيتهم قدم النبي ﷺ الظن الغالب على الأصل.
٤ - وفيه جواز الاصطياد بالقوس ويلحق فيه كل محدد.
[ ١٤ / ١٣٦ ]
قُلْتُ: وأمَّا غير المحدد مما يقتل بثقله فهو داخل في الموقوذة، أو النطيحة التي حرمها الله تعالى.
وأمَّا الصيد بالرصاص فالذي يظهر لي حله، وهو وإن لم يكن محددًا لكن لقوة انطلاقه فإنَّه يفوق المحدد في خرق الصيد، فهو أولى بالحل من السهم. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٤/ ٨٥): «وأمَّا البنادق المعروفة الآن فإنَّها ترمي بالرصاص فيخرج وقد صيرته نار البارود كالميل فيقتل بحده لا بصدمه فالظاهر حل ما قتلته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [الدَّرَارِي الْمَضِّيَّةِ] (٢/ ٣٢٢): «وإن كان القتل بمثقل فيحل ما صاد من يرمي بهذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص لأنَّ الرصاص تخزق خزقًا زائدًا على خزق السلاح فلها حكمه وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْقَدِيْرِ] (٢/ ٢٦٥): «وأمَّا البنادق المعروفة الآن: وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنَّها لم تصل إلى الديار اليمنية إلَّا في المائة العاشرة من
[ ١٤ / ١٣٧ ]
الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيًا؟ والذي يظهر لي أنَّه حلال؛ لأنَّها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح السابق: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله"، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث رواه مسلم (١٩٢٩) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ ولفظه: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ».
وَقَالَ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجَرَّارِ] (ص: ٧٠٩): «ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البندقة الحديد التي نرمي بها بالبارود والرصاص فإنَّ الرصاصة يحصل بها خرق زائد على خرق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ صِدِّيْق خَانٍ ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ] (٢/ ٣٩٨): «أقول: ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص، فإنَّ الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها من ذلك عمل يفوق كل آلة.
[ ١٤ / ١٣٨ ]
ويظهر لك ذلك بأنَّك لو وضعت ريشًا، أو نحوه فوق رماد دقيق، أو تراب دقيق، وغرزت فيه شيئًا يسيرًا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد ونحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة. ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها، فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ ﵀ كَمَا فِي [حَاشِيَةِ الرَّوْضِ] (٧/ ٤٥٧): «وأمَّا بندق الرصاص فقال بعض المالكية: هو أقوى من كل محدد فيحل به الصيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧): «قوله: وما ليس بمحدد كالبندق … لا يحل.
البندق شيء كان يستعمل من طين يكون مكورًا يستعمل في شيء من آلالات تدفعه دفعًا قويًا فيصيب الحيوان، تارة يثبته فقط، وتارة يقتله على حسب احتمال الحيوان لذلك وبحسب قوة الآلة وتسمي (الجلاهق) ولا توجد الآن، اللهم إلَّا إن كانت في المتاحف ودور الآثار وليس بندقنا المعروفة. أمَّا بندق الرصاص هذه فهي أنفذ من السهم، فالرصاص يمرق ولا يحس به ليس بثقله بل من سرعه
[ ١٤ / ١٣٩ ]
مرورها فهي أنفذ من المحدد؛ فأول مدخلها بأدق من المخيط يخرق العظم خرقًا، أين الثقل؟
السهم جاء في بعض الأحاديث أنَّه نفذ ثلاثًا من بقر الوحش وهذا نادر، أمَّا الرصاص فليس نادرًا.
وقد اختلف هل يحل ما قتل؟ لأنَّه غير محدد، أو لا يحل؛ ثم استقرت الفتوى على الحاقه بالمحدد بجامع أنَّ كلًا منهما يمضي ويشق مثل المحددات بل هي أبلغ، قال العمروي المالكي: أمَّا صيد الرصاص فهذا أقوى من كل محدد، يحل به الصيد.
وقال الفاسي:
وما ببندق الرصاص صيدا … جواز أكله قد استفيدا
أفتي به والدنا الأواه … وانعقد الإجماع من فتواه
وهذا الكلام والبيان مذكوران في حاشية الشيخ العنقري» اهـ.
قُلْتُ: الأبيات لعبد القادر الفاسي المالكي ﵀.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٢/ ٥١٠ - ٥١١): «إذا رمي الصيد بالبندقية وذكر اسم الله فأصابت الرمية الصيد، فإن أدركه حيًا، فإنَّه يذكيه، وإن مات من الرمية فهو حلال يباح أكله.
[ ١٤ / ١٤٠ ]
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ فِي [الْمُلَخَصِ الْفِقْهِي] (٢/ ٥٩٤): «فإذا كانت الآلة التي قتل بها الصيد غير محددة؛ كالحصاة والعصا والفخ والشبكة وقطع الحديد، فإنَّه لا يحل ما قتل به من الصيد؛ إلَّا الرصاص الذي يطلق من البنادق اليوم، فيحل ما قتل به من الصيد؛ لأنَّ فيه قوة الدفع التي تخرق وتنهر الدم كالمحدد وأشد» اهـ.
قُلْتُ: وما جاء عن بعض العلماء من عدم مشروعة الصيد بالبندقة فليس المراد بها بنادق الرصاص النارية وإنَّما شيء يتخذ من الطين.
قَالَ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٣٠/ ٤٨٣):
«والبندقة بضم الباء الموحدة وسكون النون طينة مدورة مجففة يرمى بها عن الجلاهق وهو بضم الجيم وتخفيف اللام وكسر الهاء وبالقاف اسم لقوس البندقة» اهـ.
[ ١٤ / ١٤١ ]
وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ١١١):