٣١٣ - عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ: جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي».
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِدَّةِ) العدة بكسر العين من العدد.
وهي في الشرع: تربص محدود شرعًا بزمن أو حال.
والزمن كعدة الوفاة من غير الحامل، واليائسة والصغيرة في الطلاق، والحال كعدة المطلقة الحائل بالحيض أو المطلقة والمتوفاة بوضع الحمل.
[ ١١ / ١٠٥ ]
قَوْلُهُ: «فَلَمْ تَنْشَبْ». أي تمكث وتلبث.
وَقَوْلُهُ: «تَعَلَّتْ». أي طهرت من نفاسها، أو استقلت عن آلام نفاسها.
وجاء في البخاري (٤٩٠٩) أنَّ ذلك كان بعد أربعين ليلة.
فَقَالَ ﵀ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: «قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا».
وجاء أنَّ ذلك كان بعد شهرين:
فروى أحمد (٢٧٤٧٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ
[ ١١ / ١٠٦ ]
خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وجاء أنَّ ذلك كان بعد ثلاث وعشرين ليلة أو خمس وعشرين ليلة.
فروى النسائي (٣٥٠٨)، والترمذي (١١٩٣) مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ، قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا تَعَلَّتْ تَشَوَّفَتْ لِلْأَزْوَاجِ فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا يَمْنَعُهَا، قَدْ انْقَضَى أَجَلُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وجاء أنَّ ذلك كان بنصف شهر.
[ ١١ / ١٠٧ ]
فروى أحمد (٢٦٧١٥)، والنسائي (٣٥١٠) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «آخِرَ الْأَجَلَيْنِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِذَا وَلَدَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ»، فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ، فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا شَابٌّ وَالْآخَرُ كَهْلٌ، فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ، فَقَالَ الْكَهْلُ: لَمْ تَحِلَّ، وَكَانَ أَهْلُهَا غُيَّبًا، وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ».
وجاء عند أحمد (٢٦٦٥٨)، والنسائي (٣٥٠٩) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تُزَوَّجُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ؟ فَبَعَثُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ نِصْفِ شَهْرٍ، قَالَتْ: فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا إِلَى
[ ١١ / ١٠٨ ]
أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا خَشُوا أَنْ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا، قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٣):
«والْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَعَذر لِاتِّحَاد الْقِصَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ مَنْ أَبْهَمَ الْمُدَّةَ إِذْ مَحَلُّ الْخِلَافِ أَنَّ تضع لدوّنَ أَرْبَعَة أشهر» اهـ.
وهنالك اختلاف آخر في حديث سبيعة:
فروى النسائي (٣٥١٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: مَا يَصْلُحُ لَكِ أَنْ تَنْكِحِي حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نُفِسَتْ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «انْكِحِي».
[ ١١ / ١٠٩ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ، لكن فيها ما يشكل وهو أنَّ خطبة أبي السنابل كانت في أثناء حملها، وهذا خلاف ما سبق في البخاري وغيره، وقد استشكل الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ ﵀ هذه الرواية في كتابه [التَّنْبِيْهَاتُ الْمُجْمَلَةُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ] (ص ٧٨) وصحح ما في الصحيح.
وَقَوْلُهُ: «فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١١٠ - ١١١):
«السَّنَابِلُ بِفَتْحِ السِّينِ وَبَعْكَكٌ بِمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ كَافِينَ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَاسْمُ أَبِي السَّنَابِلِ عَمْرٌو وَقِيلَ حَبَّةٌ بِالْبَاءِ الموحدة وقيل بالنون حكاهما بن مَاكُولَا وَهُوَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدار كذا نسبة بن الكلبي وابن عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيْلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: بعكوكة الناس: مجتمعهم.
الحديث رواه مسلم موصولًا، ورواه البخاري (٣٩٩١) معلقًا، ووصله (٤٩٠٩، ٥٣١٨) مختصرًا.
وَقَوْلُهَا: «فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ: جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟».
[ ١١ / ١١٠ ]
ظاهر ذلك أنَّها ذهبت إثر كلام أبي السنابل معها ولم تتأخر لكن روى البخاري (٥٣١٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ، كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ»، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «انْكِحِي».
وعلى هذا فَقَوْلُهَا: «حِينَ أَمْسَيْتُ». أي من الليلة التي توجهت فيها إلى النبي ﷺ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٣):
«وَيُمْكِنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهَا حِينَ أَمْسَيْتُ عَلَى إِرَادَةِ وَقْتِ تَوَجُّهِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ مَا قَالَ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١١ / ١١١ ]
١ - أنَّ الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل ولو كان وضعها دون أربعة أشهر وعشر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٤): «وقد قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار أنَّ الحامل إذا مات عنها زوجها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة وخالف في ذلك علي فقال: تعتد آخر الأجلين. ومعناه أنَّها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع.
أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح، وبه قال ابن عباس كما في هذه القصة ويقال: إنَّه رجع عنه ويقويه أنَّ المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٩٤ - ٥٩٩):
«ذكر حكمه ﷺ في العدد.
هذا البابُ قد تولى الله سبحانه بيانَه في كتابه أتمَّ بيانٍ، وأوضحَه، وأجمَعه بحيث لا تَشِذُّ عنه معتدة، فذكر أربعة أنواعٍ من العِدَدِ، وهي جملة أنواعها.
[ ١١ / ١١٢ ]
النوع الأول: عِدَّةُ الحامل بوضع الحمل مطلقًا بائنةً كانت أو رجعية، مفارقة في الحياة، أو متوفَّى عنها، فقال: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وهذا فيه عمومٌ مِنْ ثلاث جهات.
أحدُها: عمومُ المخَبرِ عنه، وهو أولاتُ الأحمال، فإنَّه يتناولُ جميعَهُن.
الثاني: عمومُ الأجَلِ، فإنَّه أضافه إليهن، وإضافةُ اسمِ الجمع إلى المعرفة يَعُمُّ، فجعل وضعَ الحمل جميعَ أجلهن، فلو كان لِبعضهن أجل غيره لم يكن جميعَ أجلهن.
الثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ: فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففي تأويل مصدر مضاف، أي أجلهن وضع حملهن، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ﴾، وبهذا احتج جمهورُ الصحابة على أنَّ الحامِلَ المتوفى عنها زوجُها عِدتُها وضعُ حملها، ولو وضعته والزوجُ على المغتسل كما أفتى به النبي ﷺ لِسْبَيْعَةَ الأسلمية، وكان هذا الحكمُ والفتوى منه مشتقًا من كتاب الله، مطابقًا له».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٩٥ - ٥٩٦):
[ ١١ / ١١٣ ]
«النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها فبين عدتها سبحانه بقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِين يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فهذا يتناول المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل، لأنَّها خرجت بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فجعل وضع حملهن جميع أجلهن، وحصره فيه، بخلاف قوله في المتوفى عنهن: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾، فإِنَّهُ فِعْلٌ مطلقٌ لا عمومَ له.
وأيضًا: فإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهُنَّ﴾، متأخر في النزول عن قَوْلِهِ: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾.
وأيضًا: فإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، في غير الحامل بالاتفاق، فإنَّها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته، فعمومُها مخصوص اتفاقًا، وقَوْلُهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ غيرُ مخصوص بالاتفاق، هذا لو لم تأت السنةُ الصحيحةُ بذلك، ووقعت الحوالةُ على القرآن، فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك، مقررة له.
[ ١١ / ١١٤ ]
فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصلة مبينة، ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك، وقد دلت السنة بحمد الله على مراد الله منها ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشبهها بها، ودلالة السنة عليها.
فمن ذلك اختلاف السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملًا، فقال علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة: أبعد الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشرًا، وهذا أحد القولين في مذهب مالك ﵀ اختاره سحنون.
قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: أبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهلته، إنَّ سورة النساء القصرى نزلت بعد، وحديث سبيعة يقضى بينهم "إذا وضعت، فقد حلت". وابن مسعود يتأول القرآن: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهُنَّ﴾، هي في المتوفى عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلت، وانقضت عدتها، ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت به الأمة، وتنقضي به العدة، وإذا ولدت ولدًا وفى بطنها آخر، لم تنقض العدة حتى تلد الآخر، ولا تغيب عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرًا إذا لم تكن حاملًا، والعدة من يوم يموت أو يطلق، هذا كلام أحمد.
[ ١١ / ١١٥ ]
وقد تناظر في هذه المسألة: ابن عباس، وأبو هريرة ﵄، فقال أبو هريرة: عدتها وضع الحمل، وقال ابن عباس: تعتد أقصى الأجلين، فحكما أم سلمة ﵂، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سبيعة.
وقد قيل: إنَّ ابن عباس رجع.
وقال جمهور الصحابة ومن بعدهم، والأئمة الأربعة: إنَّ عدتها وضع الحمل، ولو كان الزوج على مغتسله فوضعت، حلت.
قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن في كليهما، فلا تخرجُ مِنْ عدتها بيقين حتى تأتى بأقصى الأجلين، قالوا: ولا يُمكِنُ تخصيصُ عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأنَّ كلَّ آية عامةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، قالوا: فإذا أمكن دخولُ بعض الصور في عموم الآيتين، يعنى إعمالًا للعموم في مقتضاه. فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما.
والجمهورُ أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنَّ صريحَ السنة يدل على اعتبار الحمل فقط، كما في "الصحيحين": أنَّ سُبيعة الأسلميةَ توفِّي عنها زوجُها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكِحَ، فقال
[ ١١ / ١١٦ ]
لها أبو السنابل: ما أنتِ بناكحة حتى تعتدى آخرَ الأجلين، فسألَت النبي ﷺ، فقال: "كَذَبَ أَبو السَّنابِلِ، قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ".
الثاني: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، نزلت بعدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وهذا جواب عبد الله بن مسعود، كما في صحيح البخاري عنه: أتجعلُون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة، أشهد لنزلت سورةُ النساء القُصرى بعد الطولى: ﴿وَأولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وهذا الجوابُ يحتاج إلى تقرير، فإنَّ ظاهِرَه أنَّ آيةَ الطلاق مقدَّمة على آيةِ البقرة لتأخرِها عنها، فكانت ناسخةً لها، ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعم منه عند المتأخرين، فإنَّهم يريدون به ثلاثة معان.
أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب.
الثاني: رفع دلالة الظاهر إمَّا بتخصيص، وإمَّا بتقييد، وهو أعم مما قبله.
الثالث: بيان المراد باللفظ الذى بيانه من خارج، وهذا أعم من المعنيين الأولين، فابن مسعود ﵁ أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصصة لها إن لم يكن
[ ١١ / ١١٧ ]
عمومها مرادًا مبينة للمراد منها، أو مقيدة لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث، فيتعين تقديمها على عموم تلك وإطلاقها، وهذا من كمال فقهه ﵁، ورسوخه في العلم، ومما يبين أنَّ أصول الفقه سجية للقوم، وطبيعة لا يتكلفونها، كما أنَّ العربية والمعاني والبيان وتوابعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنَّما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له؟
الثالث: أنَّه لو لم تأت السنة الصريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطلاق متأخرة، لكان تقديمها هو الواجب لما قررناه:
أولًا: من جهات العموم الثلاثة فيها، وإطلاق قَوْلِهِ: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾، وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنة، ولكن لغموضه ودقته على كثير من الناس، أحيل في ذلك الحكم على بيان السنة، وبالله التوفيق» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية تجمل المرأة للخطاب.
قُلْتُ: ويشرط في ذلك أن لا يكون فيه شيء من الزور كوصل الشعر، وتبييض الوجه ونحو ذلك.
وذلك أنَّ الرجل قد يرغب بها من أجل طول شعرها وهي في الواقع بخلاف ذلك، وقد يرغب فيها لبياضها وهي في الواقع بخلاف ذلك.
[ ١١ / ١١٨ ]
وقد جاء بيان الأمور التي تجملت بها فيما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٢٢)، ومن طريقه أحمد (٢٧٤٣٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ إِلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ يَسْأَلُهَا عَمَّا أَفْتَاهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ يَعْنِي ابْنَ بَعْكَكٍ حِينَ تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا وَقَدْ اكْتَحَلَتْ فَقَالَ لَهَا: ارْبَعِي عَلَى نَفْسِكِ - أَوْ نَحْوَ هَذَا - لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ إِنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِكِ قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتِ حَمْلَكِ».
وروى أحمد (٢٧٤٣٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ
[ ١١ / ١١٩ ]
اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٢٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَوَضَعَتْ قَبْلَ أَنَّ تَمْضِيَ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّ أَجَلُهَا؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْأَلُونَهَا، فَأَخْبَرَتْ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَوَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِلَيَالٍ، فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ حِينَ تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، وَقَدِ اكْتَحَلَتْ وَلَبِسَتْ، فَقَالَ: لَعَلَّكِ تَرَيْنَ أَنْ قَدْ حَلَلْتِ، إِنَّكِ لَا تَحَلِّينَ حَتَّى تَمْضِيَ لَكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِكِ، فَلَمَّا أَمْسَتْ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتْ لَهُ شَأْنَهَا، وَمَا قَالَ لَهَا أَبُو
[ ١١ / ١٢٠ ]
السَّنَابِلِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا وَضَعْتِ حَمْلَكِ فَقَدْ حَلَّ أَجَلُكِ».
ورواه الدولابي في [الْكُنَى] (٢٠٣)، وابن منده في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (ص: ٩٠٠) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى قَالَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ قَالَ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فَمَكَثَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ إِنَّهَا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَتَطَيَّبَتْ وَتَصَنَّعَتْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنَّهَا تُرِيدُ التَّزْوِيجَ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ خَلَا أَجَلُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ صَحِيْحٌ، والمراد بالطيب ما لا ريح له كالكحل والخضاب كما تدل عليه سائر الألفاظ. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٥):
«وفِيهِ جَوَازُ تَجَمُّلِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِمَنْ يَخْطُبُهَا لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي فِي الْمَغَازِي فَقَالَ مَالِي أَرَاك تجملت للخطاب وَفِي رِوَايَة بن إِسْحَاقَ فَتَهَيَّأَتْ لِلنِّكَاحِ وَاخْتَضَبَتْ وَفِي رِوَايَةِ مُعَمِّرٍ عَنِ الزُّهْرِي عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ وَقد اكتحلت وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَدَ فَتَطَيَّبَتْ وَتَصَنَّعَتْ» اهـ.
[ ١١ / ١٢١ ]
قُلْتُ: دخول أبي السنابل عليها والنظر إليها على هذه الهيئة مشكل، إلَّا أن يحمل على أنَّه كان خاطبًا من الخطاب كما روى البخاري (٤٩٠٩) حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: «قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا».
وروى أحمد (٢٧٤٧٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ:
[ ١١ / ١٢٢ ]
وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
فإن قيل: كيف يخطبها وقد أخبرها أنَّها لا تحل للأزواج حتى تعتد أربعة أشهر وعشرًا.
فالجواب: أنَّه قال لها ذلك حتى تمتنع من الأزواج.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٣١٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ، كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ»، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «انْكِحِي».
[ ١١ / ١٢٣ ]
ورواه الدارمي (٢٢٧٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٧٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٦٩) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرُوا الرَّجُلَ يُتَوَفَّى عَنِ الْمَرْأَةِ فَتَلِدُ بَعْدَهُ بِلَيَالٍ قَلَائِلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حِلُّهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِذَا وَضَعَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ، فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةَ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَنَفِسَتْ بَعْدَهُ بِلَيَالٍ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُكَنَّى أَبَا السَّنَابِلِ خَطَبَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، فَقَالَ لَهَا أَبُو السَّنَابِلِ: فَإِنَّكِ لَمْ تَحِلِّينَ، فَذَكَرَتْ سُبَيْعَةُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٣ - وفيه أنَّ عدة المتوفاة الحامل تكون بوضع الحمل ولا يشترط انقطاع دم النفاس، فيجوز لها أن تتزوج وهي في أثناء دم نفاسها وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وقال الشعبي والحسن والنخعي وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وهذا خلاف القران والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ولا حجة لهؤلاء في قوله في الحديث: «فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ». فإنَّ ذلك من فعلها، وأمَّا قضاء النبي ﷺ فهو أنَّها حلت للأزواج منذ وضعها لحملها، ويمكن أن يحمل قَوْلُهُ: «فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ». أي استقلت من آلام نفاسها ولا إشكال حينئذ. والله أعلم.
٤ - وعمومه يشمل كل ما تيقن أنَّه من الحمل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤): «مسألة قال: والحمل الذي تنقضي به العدة، ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، حرة كانت أو أمة.
وجملة ذلك، أنَّ المرأة إذا ألقت بعد فرقة زوجها شيئًا، لم يخل من خمسة أحوال: أحدها: أن تضع ما بان فيه خلق الآدمي، من الرأس واليد والرجل، فهذا تنقضي به العدة، بلا خلاف بينهم.
[ ١١ / ١٢٥ ]
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنَّه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إذا نكس في الخلق الرابع؟ يعني تنقضي به العدة.
فقال: إذا نكس في الخلق الرابع، فليس فيه اختلاف، ولكن إذا تبين خلقه هذا أدل وذلك لأنَّه إذا بان فيه شيء من خلق الآدمي، علم أنَّه حمل، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
الحال الثاني: ألقت نطفة أو دمًا، لا تدري هل هو ما يخلق منه الآدمي أو لا؟ فهذا لا يتعلق به شيء من الأحكام؛ لأنَّه لم يثبت أنَّه ولد، لا بالمشاهدة ولا بالبينة.
الحال الثالث: ألقت مضغة لم تبن فيها الخلقة، فشهد ثقات من القوابل، أنَّ فيه صورة خفية، بان بها أنَّها خلقة آدمي، فهذا في حكم الحال الأول، لأنَّه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أنَّه ولد.
الحال الرابع: إذا ألقت مضغة لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنَّه مبتدأ خلق آدمي، فاختلف عن أحمد فنقل أبو طالب أنَّ عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير به أم ولد؛ لأنَّه مشكوك في كونه ولدًا، فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر
[ ١١ / ١٢٦ ]
شكوك فيه، ولم يجز بيع الأمة الوالدة له مع الشك في رقها، فيثبت كونها أم ولد احتياطًا، ولا تنقضي العدة احتياطًا.
ونقل حنبل أنَّها تصير أم ولد، ولم يذكر العدة، فقال بعض أصحابنا: على هذا تنقضي به العدة.
وهو قول الحسن وظاهر مذهب الشافعي لأنَّهم شهدوا بأنَّه خلقة آدمي، أشبه ما لو تصور.
والصحيح أنَّ هذا ليس برواية في العدة، لأنَّه لم يذكرها، ولم يتعرض لها.
الحال الخامس: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنَّها مبتدأ خلق آدمي، فهذا لا تنقضي به عدة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنَّه لم يثبت كونه ولدًا ببينة ولا مشاهدة، فأشبه العلقة، فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة أو علقة، وسواء قيل: إنَّه مبتدأ خلق آدمي أو لم يقل.
نص عليه أحمد فقال: أمَّا إذا كان علقة، فليس بشيء، إنَّما هي دم، لا تنقضي به عدة، ولا تعتق به أمة.
ولا نعلم مخالفًا في هذا، إلَّا الحسن، فإنَّه قال: إذا علم أنَّها حمل، انقضت به العدة، وفيه الغرة.
[ ١١ / ١٢٧ ]
والأول أصح، وعليه الجمهور.
وأقل ما تنقضي به العدة من الحمل، أن تضعه بعد ثمانين يومًا منذ أمكنه وطؤها؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ خلق أحدكم ليجمع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك".
ولا تنقضي العدة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأمَّا ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنَّه منكس في الخلق الرابع» اهـ.
٥ - والحمل الذي تنقضي به العدة هو جميعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٥١):
«فصل: وإذا كان الحمل واحدًا، انقضت العدة بوضعه، وانفصال جميعه، وإن ظهر بعضه، فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه؛ لأنَّها لا تكون واضعة لحملها ما لم يخرج كله.
وإن كان الحمل اثنين أو أكثر، لم تنقض عدتها إلَّا بوضع الآخر؛ لأنَّ الحمل هو الجميع.
هذا قول جماعة أهل العلم، إلَّا أبا قلابة وعكرمة، فإنَّهما قالا: تنقضي عدتها بوضع الأول، ولا تتزوج حتى تضع الآخر.
[ ١١ / ١٢٨ ]
وذكر ابن أبي شيبة عن قتادة، عن عكرمة أنَّه قال: إذا وضعت أحدهما، فقد انقضت عدتها.
قيل له: فتتزوج؟ قال لا.
قال قتادة خصم العبد.
وهذا قول شاذ، يخالف ظاهر الكتاب وقول أهل العلم، والمعنى فإنَّ العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل، فإذا علم وجود الحمل، فقد تيقن وجود الموجب للعدة، وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها، ولأنَّها لو انقضت عدتها بوضع الأول، لأبيح لها النكاح، كما لو وضعت الآخر.
فإن وضعت ولدًا، وشكت في وجود ثان، لم تنقض عدتها حتى تزول الريبة، وتتيقن أنَّها لم يبق معها حمل؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، فلا يزول بالشك» اهـ.
٦ - فيه حصول الفتوى من بعض الصحابة في زمن رسول الله ﷺ.
٧ - وفيه الرجوع في الفتيا إلى الأعلم.
٨ - وفيه جواز سؤال المرأة للعالم بنفسها.
٩ - وفيه أنَّه لا عيب على المرأة إذا ما بادرت للزواج مع قرب موت زوجها.
[ ١١ / ١٢٩ ]
١٠ - خروج المرأة للفتيا ليلًا.
١١ - وفي قَوْلِهَا: «وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ، إِنْ بَدَا لِي» ما يدل أنَّ الثيب أمر الزواج إلى نفسها.
١٢ - وفيه أنَّ الأصل عدم وجوب الزواج.
* * *
[ ١١ / ١٣٠ ]
٣١٤ - عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِذِرَاعَيْهَا، فَقَالَتْ: إنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا; لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"».
قَوْلُهَا: «تُوُفِّيَ حَمِيمٌ». أي: قريب. وهو أبو سفيان، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٥٣٣٤)، ومسلم (١٤٨٦) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قُلْتُ: وأصل الحميم الماء الحار، وسمي القريب بذلك باعتبار أنَّ القرابة تورث حرارة الشفقة والحمية.
و«الصُفْرَةُ» طيب مخلوط.
[ ١١ / ١٣١ ]
قَوْلُهُ: «أَنْ تُحِدَّ». أصل الإحداد في اللغة المنع، ومنه سمي الحديد حديدًا لحصول المنع به، فإنَّه يصنع منه الأبواب المانعة من الدخول إلى الدور، وبه تصنع الأسلحة المانعة للأعداء، ومن هذا الباب سمي الحد حدًا لأنَّه يمنع من معاودة الذنب، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات.
والإحداد في الشرع هو: امتناع المرأة من الزينة والطيب والخروج من بيت زوجها لغير ضرورة ليلًا، ولغير حاجة نهارًا حتى تنقضي عدتها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - وجوب الإحداد على المرأة إذا مات عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا إذا كانت حائلًا، وأمَّا الحامل فبوضع الحمل.
وفي الإحداد مراعاة لحق الزوج وفيه حفظ لنسبه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٥٤): «وأمَّا قوله ﷺ: "أربعة أشهر وعشرًا"، فالمراد به وعشرة أيام بلياليها. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلَّا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنَّها أربعة أشهر وعشر ليال وأنَّها تحل في اليوم العاشرة، وعندنا وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر.
[ ١١ / ١٣٢ ]
واعلم أنَّ التقييد عندنا بأربعة أشهر وعشر خرج على غالب المعتدات أنَّها تعتد بالأشهر، أمَّا إذا كانت حاملًا فعدتها بالحمل. ويلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت فإذا وضعت فلا إحداد بعده.
وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن لم تضع الحمل والله أعلم.
قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق، لأنَّ الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجرًا عن النكاح، لكون الزوج ميتًا لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي فإنَّه يستغني بوجوده عن زاجر آخر ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها بخلاف الطلاق فاستظهر للميت بوجوب العدة وجعلت أربعة أشهر وعشرًا، لأنَّ الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن كان والعشر احتياطًا، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن قالوا: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء ويجعل بالأقراء كالطلاق، لما ذكرناه من الاحتياط للميت» اهـ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سَيّده ﵀ فِي
[ ١١ / ١٣٣ ]
[الْعَدَدِ] (ص: ٤٩):
«قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَنْ الْأَيَّام والليالي إِذا اجْتمعت غلب التَّأْنِيث على التَّذْكِير وَهُوَ على خلاف الْمَعْرُوف من غَلَبَة التَّذْكِير على التَّأْنِيث فِي عَامَّة الْأَشْيَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنْ ابْتِدَاء الْأَيَّام اللَّيَالِي لِأَن دُخُول الشَّهْر الْجَدِيد من شهور الْعَرَب بِرُؤْيَة الْهلَال. والهلال يرى فِي أول اللَّيْل، فَتَصِير اللَّيْلَة مَعَ الْيَوْم الَّذِي بعْدهَا يَوْمًا فِي حِسَاب أَيَّام الشَّهْر، وَاللَّيْلَة هِيَ السَّابِقَة فَجرى الحكم لَهَا فِي اللَّفْظ، فَإِذا أبهمت وَلم تذكر الْأَيَّام، وَلَا اللَّيَالِي جرى اللَّفْظ على التَّأْنِيث فَقلت: أَقَامَ زيد عندنَا ثَلَاثًا، تُرِيدُ ثَلَاثَة أَيَّام وَثَلَاث لَيَال. قَالَ الله ﷿: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. يُرِيد عشرَة أَيَّام مَعَ اللَّيَالِي فأجري اللَّفْظ على اللَّيَالِي وأنث وَلذَلِك جرت الْعَادة فِي التوريخ بالليالي، فَيُقَال: لخمس خلون، ولخمس بَقينَ، يُرِيد لخمس لَيَال» اهـ.
قُلْتُ: وحساب العدة يكون بالأهلة، حتى ولو كانت العدة من أثناء الشهر على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٤٣ - ١٤٥): «فَصْلٌ:
[ ١١ / ١٣٤ ]
لَمَّا ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَوْدُ الْمَوَاقِيتِ إلَى الْأَهِلَّةِ. وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةً بِهَا. فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَبْدَأُ الْحُكْمِ فِي الْهِلَالِ حُسِبَتْ الشُّهُورُ كُلُّهَا هِلَالِيَّةً: مِثْلُ أَنْ يَصُومَ لِلْكَفَّارَةِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يَتَوَفَّى زَوْجُ الْمَرْأَةِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يُولِيَ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يَبِيعَهُ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ إلَى شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. فَإِنَّ جَمِيعَ الشُّهُورِ تُحْسَبُ بِالْأَهِلَّةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا نَاقِصًا. فَأَمَّا إنْ وَقَعَ مَبْدَأُ الْحُكْمِ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ. فَقَدْ قِيلَ: تُحْسَبُ الشُّهُورُ كُلُّهَا بِالْعَدَدِ بِحَيْثُ لَوْ بَاعَهُ إلَى سَنَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْمُحَرَّمِ عَدَّ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَدَّ مِائَةً وَثَمَانِينَ يَوْمًا فَإِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ كَانَ الْمُنْتَهَى الْعِشْرِينَ مِنْ الْمُحَرَّمِ.
وَقِيلَ: بَلْ يُكْمِلُ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ وَالْبَاقِيَ بِالْأَهِلَّةِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ لِهَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَبَاقِيَ الشُّهُورِ هِلَالِيَّةً. فَإِذَا كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ حَسَبَ بَاقِيَهُ. فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا أَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَمَّلَهُ بستة عَشَرَ يَوْمًا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى. وَهَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ.
[ ١١ / ١٣٥ ]
وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ كَامِلًا كَمُلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا جُعِلَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. فَمَتَى كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ كَمُلَتْ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى. وَهَكَذَا سَائِرُ الْحِسَابِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْجَمِيعُ بِالْهِلَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدَدِ بَلْ نَنْظُرُ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ. فَتَكُونُ النِّهَايَةُ مِثْلَهُ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الشُّهُورِ وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ انْسِلَاخِ الشُّهُورِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ الشُّهُورِ الْمَحْسُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَقَعُ فِي أَوَائِلهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتًا إلَّا لِمَا يَقَعُ فِي أَوَّلِهَا لَمَا كَانَتْ مِيقَاتًا إلَّا لِأَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ عُشْرِ أُمُورِ النَّاسِ. وَلِأَنَّ الشَّهْرَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ: فَمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ مِثْلُ مَا بَيْنَ نِصْفِ هَذَا وَنِصْفِ هَذَا سَوَاءٌ وَالتَّسْوِيَةُ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ. وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.
[ ١١ / ١٣٦ ]
وَأَيْضًا فَمَنْ الَّذِي جَعَلَ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثِينَ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ﴿الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ﴾ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نِصْفَ شُهُورِ السَّنَةِ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَنِصْفَهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَأَيْضًا فَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ إذَا أَجَّلَ الْحَقَّ إلَى سَنَةٍ. فَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا. لَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَلَا يَبْنُونَ إلَّا عَلَيْهِ وَمَنْ أَخَذَ لِيَزِيدَ يَوْمًا لِنُقْصَانِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَ قَدْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَأَتَاهُمْ بِمُنْكَرِ لَا يَعْرِفُونَهُ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ لِيُحْذَرَ الْوُقُوعُ فِيهِ وَلِيُعْلَمَ بِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وَأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَحْفُوظٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ» اهـ.
٢ - مشروعية إحداد المرأة على غير الزوج ثلاث ليال بأيامها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [التَّفْسِيْرِ] (١٣/ ١١٠): «ويستفاد منه: أنَّ المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تسقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة» اهـ.
[ ١١ / ١٣٧ ]
قُلْتُ: وهذا مصير منه إلى عدم التلفيق في العدة، والذي يظهر هو التلفيق فيها فإذا مات في وقت الزوال من اليوم الأول فإنَّ اليوم والليلة تنتهي في وقت الزوال من اليوم الرابع.
وقد جاء في الحديث تقييد الثلاث بالليال فروى البخاري (٥٣٣٤) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
وجاء تقييد ذلك بالأيام فروى البخاري (٥٣٣٩) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قُلْتُ: والجمع بين ذلك هو حمل الليالي بأيامها، والأيام بلياليها.
[ ١١ / ١٣٨ ]
٣ - وفيه أنَّ الإحداد من شأن النساء، وأمَّا الرجال فيحرم عليهم ذلك.
٤ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ». على خصوص الاحداد بالمرأة دون الصغيرة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٦): «تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنَّه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلفة بأنَّ الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدة» اهـ.
٥ - وعموم الحديث يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، ويشمل الحرة والأمة.
٦ - قَوْلُهُ: «إِلَّا عَلَى زَوْجٍ». خرج به السيد خلافًا للحنفية.
٧ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ». على عدم وجوب الإحداد على الذمية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٨): «والتحقيق أنَّ نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضى نفي حكمه عن الكفار، ولا إثبات لهم أيضًا، وإنَّما يقتضى أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحل له، ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلَّا بعد دخلوه فيه،
[ ١١ / ١٣٩ ]
وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة، فهذا لا يدل على أنَّ ذلك حل للكافر. وهذا كما قال في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين"، فلا يدل أنَّه ينبغي لغيرهم. وكذا قَوْلُهُ: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانًا".
وسر المسألة: أنَّ شرائع الحلال والحرام والإيجاب، إنَّما شرعت لمن التزم الإيمان، ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه، فإنَّه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذى التزمه، كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية، أنَّه يتعلق به حق الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي، ولا يتعرض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنَّهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضًا، ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حق لله تعالى، ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها، فهذا سر المسألة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٠٩):
[ ١١ / ١٤٠ ]
«قال بعض المتأخرين في السبب في ذلك: إنَّ المسلمة هي التي تستثمر خطاب الشارع وتنتفع به وتنقاد له فلهذا قيد به وغير هذا أقوى منه وهو أن يكون ذكر هذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه ومفهومه من أنَّ خلافه مناف للإيمان بالله واليوم الآخر كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان وكما يقال: إن كنت ولدي فافعل كذا» اهـ.
٨ - وفيه أنَّ مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر، لكن إن كانت حاملًا وبقي من مدة الحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر فإنَّ الإحداد يمتد بامتداد العدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٧): «فإن قيل: فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر، فهل يسقط وجوب الإحداد، أم يستمر إلى الوضع؟ قيل: بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع، فإنَّه من توابع العدة، ولهذا قيد بمدتها، وهو حكم من أحكام العدة، وواجب من واجباتها، فكان معها وجودًا وعدمًا» اهـ.
٩ - وفيه حجة على من أثبت الإحداد للمطلقة طلاقًا بائنًا.
[ ١١ / ١٤١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١١٠ - ١١١): «و"إلَّا على زوج"؛ إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلَّقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر.
وقال قوم: إنَّ المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدلُّ على إبطاله نَصُّ الحديث الْمُتقدِّم.
وأمَّا من رأى أنَّ الإحداد على المطلَّقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ للحصر الذي في الحديث، ولوجود الفرق بينهما.
وذلك: أنَّ الإحداد إنَّما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس له من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلِّق؛ فإنَّه حيٌّ، متمكِّن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إنَّ الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنَّه تعبد؛ انقطع الإلحاق
[ ١١ / ١٤٢ ]
القياسي. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينَّا: أنَّه يدلُّ على الحصر، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩):
«واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقالت طائفة: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها سواء، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والحكم، وهو قول الكوفيين، وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة. قال الشافعي: ولا يتبين لي أن أوجبه. واحتج من أوجبه عليها؛ لأنَّها في عدة يحفظ بها النسب، كالمتوفى عنها زوجها. وقالت طائفة: لا إحداد على مطلقة، ورخصوا لها في الزينة، روى ذلك عن عطاء، وربيعة، وهو قول مالك والليث. وقال ابن المنذر: قول النبي ﷺ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث"، دليل على أنَّ المطلقة ثلاثًا والمطلق حي لا إحداد عليها؛ لأنَّه ﵇ أخبر أنَّ الإحداد إنَّما هو على نساء الموتى، مع أنَّ الأشياء على الإباحة حتى يدل كتاب أو سنة أو إجماع على حظر شيء فيمتنع منه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه السنة.
[ ١١ / ١٤٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٩ - ٧٠١): «فإن قيل: فهل يجب على المعتدة من طلاق أو وطء شبهة، أو زنى، أو استبراء إحداد؟
قلنا: هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة، أنَّه لا إحداد على واحدة من هؤلاء، لأنَّ السنة أثبتت ونفت، فخصت بالإحداد الواجب الزوجات، وبالجائز غيرهن على الأموات خاصة، وما عداهما، فهو داخل في حكم التحريم على الأموات، فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن؟ وقد قال سعيد بن المسيب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخرقي: إنَّ البائن يجب عليها الإحداد، وهو محض القياس، لأنَّها معتدة بائن من نكاح، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها، لأنَّهما اشتركا في العدة، واختلفا في سببها، ولأنَّ العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه. قالوا: ولا ريب أنَّ الإحداد معقول المعنى، وهو أنَّ إظهار الزينة والطيب والحلي، مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعو الرجال إليها: فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالًا لذلك، فمنعت من دواعي ذلك، وسدت إليه الذريعة، هذا مع أنَّ الكذب في عدة الوفاة يتعذر بظهور موت الزوج، وكون العدة أيام معدودة،
[ ١١ / ١٤٤ ]
بخلاف عدة الطلاق، فإنَّها بالأقراء وهي لا تعلم إلَّا من جهتها، فكان الاحتياط لها أولى.
قيل: قد أنكر الله ﷾ على من حرم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. وهذا يدل على أنَّه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلَّا ما حرمه الله ورسوله، والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله ﷺ زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة، وأباح رسوله الإحداد بتركها على غير الزوج، فلا يجوز تحريم غير ما حرمه، بل هو على أصل الإباحة، وليس الإحداد من لوازم العدة، ولا توابعها، ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة، ولا المزني بها، ولا المستبرأة، ولا الرجعية اتفاقًا، وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين العدتين من القروء قدرًا أو سببًا وحكمًا، فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة، وليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال، فإنَّ العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا تجب قبل الدخول، وإنَّما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه، وأنَّه عند الله بمكان، فجعلت العدة حريمًا له، وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكده، ومزيد الاعتناء به، حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على
[ ١١ / ١٤٥ ]
زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها، وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه، وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع أحكامه، ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه، والإشهاد عليه، والضرب بالدف لتحقق المضادة بينه وبين السفاح، وشرع في آخره، وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ إحداد المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشرًا.
* * *
[ ١١ / ١٤٦ ]
٣١٥ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ. وَلا تَكْتَحِلُ. وَلا تَمَسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ».
العَصبُ: ثيابٌ منَ اليَمَنِ فيها بياضٌ وسوادٌ.
والنُبْذَةُ: الشيءُ اليسيرُ. والقُسْطُ: العُودُ أَوْ نوعٌ منَ الطيبِ تُبَخَّرُ بِهِ النُّفَساءُ.
والأَظْفارُ: جِنْسٌ منَ الطِيبِ لا واحِدَ لَهُ منْ لَفظِهِ. وقيلَ: هوَ عِطْرٌ أَسودُ، القِطْعَةُ منه تُشْبِهُ الظُفُرَ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٩١): «قَوْلُهُ: "ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوب عصب" بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة وهي برود اليمن يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنَّما يعصب السدي دون اللحمة. وقال صاحب "المنتهى": العصب هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المدني في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنَّه من دابة بحرية تسمى
[ ١١ / ١٤٧ ]
فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي: أنَّه نبات لا ينبت إلَّا باليمن وعزاه لأبي حنيفة الدينوري، وأغرب منه قول الداودي المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة وليس له سلف في أنَّ العصب الأخضر» اهـ.
قُلْتُ: السَّدى ما نسج طولًا، واللُحمة ما نسج عرضًا على السدى.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٨):
«قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضِ الْأَنِفِ: الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبَتَانِ بِالْيَمَنِ، لَا يَنْبُتَانِ إلَّا بِهِ. فَأَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَادَّةِ فِي لُبْسِ مَا صُبِغَ بِالْعَصْبِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا صُبِغَ لِغَيْرِ التَّحْسِينِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٥٩): «وأمَّا القُسط فبضم القاف ويقال فيه: "كست" بكاف مضمومة بدل القاف وبتاء بدل الطاء وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب والله تعالى أعلم» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١١ / ١٤٨ ]
١ - النهي عن إحداد المرأة أكثر من ثلاث لغير زوج.
٢ - أنَّ إحداد المرأة أربعة أشهر وعشر، وقد مضى القول في ذلك.
قُلْتُ: ويبدأ الإحداد من موت الزوج لا من بلوغ الخبر كالعدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٦٨): «قال أبو بكر: لا خلاف عن أبي عبد الله أعلمه، أنَّ العدة تجب من حين الموت والطلاق، إلَّا ما رواه إسحاق بن إبراهيم وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، ومسروق، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاووس، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وأبي العالية، والنخعي، ونافع، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وعن أحمد: إن قامت بذلك بينة، فكما ذكرنا. وإلَّا فعدتها من يوم يأتيها الخبر.
وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز.
ويروى عن علي، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، وخلاس بن عمرو، أنَّ عدتها من يوم يأتيها الخبر؛ لأنَّ العدة اجتناب أشياء، وما اجتنبتها.
[ ١١ / ١٤٩ ]
ولنا، أنَّها لو كانت حاملًا، فوضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها، لانقضت عدتها، فكذلك سائر أنواع العدد؛ ولأنَّه زمان عقيب الموت أو الطلاق، فوجب أن تعتد به، كما لو كان حاضرًا، ولأنَّ القصد غير معتبر في العدة، بدليل أنَّ الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد، ولم يعدم هاهنا إلَّا القصد، وسواء في هذا اجتنبت ما تجتنبه المعتدات، أو لم تجتنبه، فإنَّ الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة، فلو تركته قصدًا، أو عن غير قصد، لانقضت عدتها» اهـ.
٣ - أنَّه لا يجوز للمحتدة أن تلبس ثوبًا مصبوغًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠٥ - ٧٠٨): «النوع الثاني: زينة الثياب، فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي ﷺ، وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثله. وقد صح عنه أنَّه قال: "ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا". وهذا يعم المعصفر والمزعفر، وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر، والأخضر، والأزرق الصافي، وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين. وفي اللفظ الآخر: "ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق".
[ ١١ / ١٥٠ ]
وههنا نوعان آخران. أحدهما: مأذون فيه، وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من خز، أو قز، أو قطن، أو كتان، أو صوف، أو وبر، أو شعر، أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود.
والثاني: ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد، وما صبغ لتقبيح، أو ليستر الوسخ، فهذا لا يمنع منه.
قال الشافعي ﵀: في الثياب زينتان. إحداهما: جمال الثياب على اللابسين، والسترة للعورة. فالثياب زينة لمن يلبسها، وإنَّما نهيت الحادة عن زينة بدنها، ولم تنه عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض، لأنَّ البياض ليس بمزين، وكذلك الصوف والوبر، وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره، وكذلك كل صبغ لم يرد تزيين الثوب مثل السواد، وما صبغ لتقبيحه، أو لنفي الوسخ عنه، فأمَّا كان من زينة، أو وشي في ثوبه أو غيره فلا تلبسه الحادة، وذلك لكل حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو ذمية انتهى كلامه.
قال أبو عمر: وقول الشافعي ﵀ في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغًا إذا أرادت به الزينة،
[ ١١ / ١٥١ ]
وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة، فلا بأس أن تلبسه. وإذا اشتكت عينها، اكتحلت بالأسود وغيره، وإن لم تشتك عينها، لم تكتحل.
فصل: وأمَّا الإمام أحمد ﵀، فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزين المعتدة، ولا تتطيب بشيء من الطيب، ولا تكتحل بكحل زينة، وتدهن بدهن ليس فيه طيب، ولا تقرب مسكًا، ولا زعفرانًا للطيب، والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين، وتتشوف لعله أن يراجعها.
وقال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد قال: المتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثًا، والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة.
وقال حرب في "مسائله": سألت أحمد ﵀، قُلْتُ: المتوفى عنها زوجها والمطلقة، هل تلبسان البرد ليس بحرير؟ فقال: لا تتطيب المتوفى عنها، ولا تتزين بزينة، وشدد في الطيب، إلَّا أن يكون قليلًا عند طهرها. ثم قال: وشبهت المطلقة ثلاثًا بالمتوفى عنها، لأنَّه ليس لزوجها عليها رجعة.
ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال: المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيب، ولا تمتشط بطيب.
[ ١١ / ١٥٢ ]
وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في "مسائله": سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين.
وقال أبو عبد الله: كل دهن فيه طيب، فلا تدهن به، فقد دار كلام الإمام أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة ﵏ على أنَّ الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان، وهذا هو الصواب قطعًا، فإنَّ المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم، والنبي ﷺ خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله، وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما، كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك، لا كما قال أبو محمد ابن حزم: إنَّها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه، وغير ذلك. ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلى كله من الذهب والفضة، والجوهر والياقوت، والزمرد وغير ذلك، فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط، وهي: الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة، ولو ذهبت عيناها لا ليلًا ولا نهارًا،
[ ١١ / ١٥٣ ]
وتجتنب فرضًا كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد، أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد والخضرة، والحمرة والصفرة، وغير ذلك، إلَّا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في اليمن، فهو مباح لها. وتجتنب أيضًا: فرضًا الخضاب كله جملة، وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو حلال لها، وتجتنب أيضًا: فرضًا الطيب كله، ولا تقرب شيئًا حاشا شيئًا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه.
وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها ليس من الزينة في شيء، وإباحة ثوب يتقد ذهبًا ولؤلؤا وجوهرًا، ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ، وإباحة الحرير الذى يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه، وإنَّما العجب منه أن يقول: هذا دين الله في نفس الأمر، وأنَّه لا يحل لأحد خلافه» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير نفيس لا مزيد عليه.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤١ - ٤٢): «القسم الثاني: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الأحمر، وسائر الملون للتحسين، كالأزرق الصافي، والأخضر الصافي، والأصفر،
[ ١١ / ١٥٤ ]
فلا يجوز لبسه؛ لقول النبي ﷺ: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا". وقَوْلِهِ: "لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق".
فأمَّا ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحلي، والأسود، والأخضر الْمُشْبَعِ، فلا تمنع منه؛ لأنَّه ليس بزينة» اهـ.
٤ - جواز لبس ثوب العصب للمحتدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧١١): «فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج، هل لها لبسه؟ قيل: فيه وجهان، وهما احتمالات في المغني أحدهما: يحرم لبسه، لأنَّه أحسن وأرفع ولأنَّه مصبوغ للحسن، فأشبه ما صبغ بعد نسجه.
والثاني: لا يحرم لقول رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: "إلَّا ثوب عصب"، وهو ما صبغ غزله قبل نسجه، ذكره القاضي، قال الشيخ: والأول أصح، وأمَّا العصب: فالصحيح: أنَّه نبت تصبغ به الثياب، قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلَّا به، فرخص النبي ﷺ للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب، لأنَّه في معنى ما يصبغ لغير
[ ١١ / ١٥٥ ]
تحسين، كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه، كحصولها بما صبغ بعد نسجه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ومثل ذلك أو أشد التحلي بالذهب وأنواع الجواهر.
٥ - حرمة الاكتحال على المحتدة.
وروى البخاري (٥٣٣٨)، ومسلم (١٤٨٨) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فَقَالَ: «لَا تَكَحَّلْ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ».
قُلْتُ: ويلحق بالكحل سائر الزينة في البدن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠٢ - ٧٠٥): «الحكم السابع: وهى ثلاثة أنواع. أحدها: الزينة في بدنها، فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة، والاسفيداج، فإنَّ النبي ﷺ نص على الخضاب منبهًا به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه، وأعظم فتنة، وأشد
[ ١١ / ١٥٦ ]
مضادة لمقصود الإحداد، ومنها: الكحل، والنهى عنه ثابت بالنص الصريح الصحيح.
ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف: منهم أبو محمد ابن حزم: لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلًا ولا نهارًا، ويساعد قولهم، حديث أم سلمة المتفق عليه: أنَّ امرأة توفى عنها زوجها، فخافوا على عينها، فأتوا النبي ﷺ، فاستأذنوه في الكحل، فما أذن فيه، بل قال: "لا" مرتين أو ثلاثًا، ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة، ويصبرن على ذلك، أفلا يصبرن أربعة أشهر وعشرًا. ولا ريب أنَّ الكحل من أبلغ الزينة، فهو كالطيب أو أشد منه. وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل، وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى، وأحكام رسول الله ﷺ لا تفرق بين السود والبيض، كما لا تفرق بين الطوال والقصار، ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذى اشتد نكير السلف له وذمهم إياه. وأمَّا جمهور العلماء، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا، وحجتهم: حديث أم سلمة المتقدم ﵂، فإنَّها قالت في كحل الجلاء: لا تكتحل إلَّا لما لا
[ ١١ / ١٥٧ ]
بد منه، يشتد عليك فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. ومن حجتهم: حديث أم سلمة ﵂ الآخر أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها، وقد جعلت عليها صبرًا فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقُلْتُ: صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب فقال: إنَّه يشب الوجه، فقال: "لا تجعليه إلَّا بالليل وتنزعيه بالنهار"، وهما حديث واحد، فرقه الرواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في "موطئه" بلاغًا، وذكر أبو عمر في "التمهيد" له طرقًا يشد بعضها بعضًا، ويكفى احتجاج مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتج به الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسنًا، ولكن حديثها لهذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه، فإنَّه يدل على أنَّ المتوفى عنها لا تكتحل بحال، فإنَّ النبي ﷺ لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلًا ولا نهارًا، ولا من ضرورة ولا غيرها، وقال: "لا"، مرتين أو ثلاثًا، ولم يقل: إلَّا أن تضطر. وقد ذكر مالك عن نافع، عن صفية ابنة عبيد، أنَّها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان.
قال أبو عمر: وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفًا لحديثها الآخر، لما فيه من إباحته بالليل. وقوله في الحديث الآخر: "لا"، مرتين أو ثلاثًا على الإطلاق، أن ترتيب
[ ١١ / ١٥٨ ]
الحديثين والله أعلم أنَّ الشكاة التي قال فيها رسول الله ﷺ: "لا"، لم تبلغ والله أعلم منها مبلغًا لا بد لها فيه من الكحل، فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها، لأباح لها ذلك، كما فعل بالتي قال لها: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، والنظر يشهد لهذا التأويل، لأنَّ الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول، ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة ﵂ تفسيرًا للحديث المسند في الكحل، لأنَّ أم سلمة ﵂ روته، وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهى أعلم بتأويله ومخرجه، والنظر يشهد لذلك، لأنَّ المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المرفه المتزين بالزينة، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنَّما نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة ﵂ أعلم بما روت مع صحته في النظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشافعي، وأكثر الفقهاء.
وقد ذكر مالك ﵀ في "موطئه": أنَّه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، أنَّهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنَّها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينيها، أو شكوى أصابتها، أنَّها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب. قال أبو عمر: لأنَّ القصد إلى التداوي لا إلى التطيب، والأعمال بالنيات.
[ ١١ / ١٥٩ ]
وقال الشافعي ﵀: الصبر يصفر، فيكون زينة، وليس بطيب، وهو كحل الجلاء، فأذنت أم سلمة ﵂ للمرأة بالليل حيث لا ترى، وتمسحه بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه.
وقال أبو محمد بن قدامة في "المغنى": وإنَّما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد، لأنَّه تحصل به الزينة، فأمَّا الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما، فلا بأس به، لأنَّه لا زينة فيه، بل يقبح العين ويزيدها مرها. قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها، لأنَّه إنَّما منع منه في الوجه، لأنَّه يصفره، فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبي ﷺ: "إنَّه يشب الوجه".
قال: ولا تمنع من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به، لحديث أم سلمة ﵂، ولأنَّه يراد للتنظيف لا للتطيب، وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في "مسائله" قيل لأبي عبد الله: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن أرادت، اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة» اهـ.
قُلْتُ: حديث أم سلمة رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٣٥٣٧) من طريق ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي
[ ١١ / ١٦٠ ]
أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أَسِيدٍ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ زَوْجَهَا، تُوُفِّيَ وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَيْهَا فَتَكْتَحِلُ بِالْجِلَاءِ، - قَالَ أَحْمَدُ: الصَّوَابُ بِكُحْلِ الْجِلَاءِ - فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجِلَاءِ؟، فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلِي بِهِ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْكِ، فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ، وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ قَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَتَنْزَعِينَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ المغيرة ومن فوقه لا يعرفون.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٤٩) أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا، اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا: «اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجِلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ».
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٥٢) أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبِرًا،
[ ١١ / ١٦١ ]
فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟». فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اجْعَلِيهِ فِي اللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ».
قُلْتُ: وهذا من بلاغات الإمام مالك التي لم يسندها.
وخلاصة القول أنَّ المرفوع والموقوف من حديث أم سلمة لا يثبت. والله أعلم.
والذي يظهر لي في الكحل أنَّ ما لا زينة فيه وإنَّما الغرض منه التداوي فلا بأس به، وأمَّا ما فيه زينة فالأصل اجتنابه والاعتياض عنه بغيره من الأدوية الكثيرة التي تستعمل للعين، وقد روى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (١١٤٢) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ ابْنَةَ النَّحَّامِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَأَتَتْ أُمُّهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَأُكَحِّلُهَا فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا؟ قَالَ: «وَإِنِ انْفَقَأَتْ - أَيْ:، فَلَا تَفْعَلِي - قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا حَوْلًا ثُمَّ تَرْمِي مِنْ خَلْفِهَا بِبَعْرَةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وسبق في أول المسألة حديث أم مسلمة في الصحيحين بمعناه.
[ ١١ / ١٦٢ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٨ - ٤٨٩) - بعد ذكره لحديث زينب -:
«وسنده صحيح وبمثل ذلك افتت أسماء بنت عميس أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعية مقيدًا بالليل، وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه، وقد أخرج بن أبي شيبة عن صفية بنت أبي عبيد أنَّها احدت على ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان فكانت تقطر فيهما الصبر، ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به لأنَّ محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة، وقالت طائفة من العلماء يجوز ذلك ولو كان فيه طيب وحملوا النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة» اهـ.
قُلْتُ: والأظهر عندي حمل الحديث على ما فيه زينة. والله أعلم.
٦ - حرمة تطيب المحتدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠١): «ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد» اهـ.
[ ١١ / ١٦٣ ]
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٧٠١ - ٧٠٢): «ويدخل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والند، والغالية، والزباد، والذريرة، والبخور، والأدهان، كدهن البان، والورد والبنفسج، والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة، كماء الورد، وماء القرنفل، وماء زهر النارنج، فهذا كله طيب، ولا يدخل فيه الزيت، ولا الشيرج، ولا السمن، ولا تمتع من الادهان بشيء من ذلك» اهـ.
٧ - جواز استعمال يسير الطيب عند التطهر من الحيض أو النفاس.
٨ - وليس في الحديث نهي المعتدة من النقاب ونحوه كالبرقع، والأصل الجواز.
وقد منع من ذلك بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٣): «فصل: والثالث مما تجتنبه الحادة النقاب، وما في معناه، مثل البرقع ونحوه؛ لأنَّ المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك، وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧١٠ - ٧١١): «ولم أجد بهذا نصًا عن أحمد. وقد قال إسحاق ابن هانئ في "مسائله": سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كره للمتوفى
[ ١١ / ١٦٤ ]
عنها زوجها أن تتزين. ولكن قد قال أبو داود في "مسائله" عن المتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثًا، والمحرمة: تجتنبن الطيب والزينة. فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنَّها تجتنب النقاب، فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا والله أعلم» اهـ.
٩ - ومن جملة ما تحد به المرأة المبيت في بيت زوجها.
وقد جاء في ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٢٩)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٠٤٤) عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ، أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي، فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟»، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ
[ ١١ / ١٦٥ ]
زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ.
ورواه أحمد (٢٧١٣٢، ٢٧٤٠٣)، والنسائي (٣٥٢٩)، وابن ماجة (٢٠٣١) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن زينب بنت كعب بن عجرة، وكانت تحت أبي سعيد الخدري، أنَّ أخته الفريعة بنت مالك، قالت: فذكره.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُحْتَمِلٌ للتَّحْسِيْنِ فإنَّ زينب بنت كعب بن عجرة لم يوثقها معتبر لكن عدها بعضهم في الصحابة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٢٤٩): «قُلْتُ: وأمَّا زينب فقد أسلفنا ثقتها في كلام ابن القطان، وممن وثقها ابن حبان فإنَّه ذكرها في "ثقاته" بل ذكرها ابن فتحون وأبو إسحاق بن الأمين في جملة الصحابة فصح الحديث ولله الحمد» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [الْمُحَرِّرِ] (ص: ٥٨٧): «رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والنسائي، والترمذي، وهذا لفظه وصححه. وكذلك
[ ١١ / ١٦٦ ]
صححه الذهلي، والحاكم، وابن القطان وغيرهم. وتكلم فيه ابن حزم بلا حجة» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ٨٠): «صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ونقل عن الذهلي تصحيحه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٤): «وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها، عمر، وعثمان ﵄ وروي ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار، بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر.
وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء تعتد حيث شاءت.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة ﵃».
وَقَالَ ﵀ (١٨/ ٤٥ - ٤٦): «فصل: فإن خافت هدمًا أو غرقًا أو عدوًا أو نحو ذلك، أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعديًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إلَّا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنَّها حال
[ ١١ / ١٦٧ ]
عذر، ولا يلزمها بذلك أجر المسكن، وإنَّما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى، سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب، أنَّها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه.
وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه أقرب إلى موضع الوجود، فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان، فإنَّه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه.
ولنا، أنَّ الواجب سقط لعذر، ولم يرد الشرع له ببدل، فلا يجب، كما لو سقط الحج للعجز عنه وفوات شرط، والمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد؛ ولأنَّ ما ذكروه إثبات حكم بلا نص، ولا معنى نص، فإنَّ معنى الاعتداد في بيتها لا يوجد في السكنى فيما قرب منه، ويفارق أهل السهمان؛ فإن القصد نفع الأقرب، وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب، فوجب لذلك» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير حسن.
قُلْتُ: وليس للورثة إخراجها من بيت زوجها قبل انقضاء عدتها، وإذا كان المسكن مستأجرًا فأجرته من تركة الميت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٧ - ٤٨): «فإذا قلنا لها السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء، من
[ ١١ / ١٦٨ ]
رأس مال المتوفى، ولا يباع في دينه بيعًا يمنعها السكنى، فيه حتى تقضي العدة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وإن تعذر المسكن، فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنًا من مال الميت، فإن لم يفعل، أجبره الحاكم، وليس لها أن تنتقل من مسكنها إلَّا لعذر، كما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١٨/ ٤٩ - ٥٠): «وإن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه، لزمها الاعتداد به، وإن أبى أن يسكنها إلَّا بأجرة، وجب بذلها من مال الميت، إلَّا أن يتبرع إنسان ببذلها، فيلزمها الاعتداد به، فإن حولها صاحب المكان، أو طلب أكثر من أجرة المثل، فعلى الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن؛ لأنَّه حق لها يقدم على الميراث، فإن اختارت النقلة عن هذا المسكن الذي ينقلونها إليه، فلها ذلك؛ لأنَّ سكناها به حق لها، وليس بواجب عليها، فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به، هو الذي كانت تسكنه حين موت زوجها، وقد سقطت عنها السكنى به، وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها، أو لأحدهما، أو لغيرهم.
وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها، والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة، جاز، ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها وإن طلبت أن
[ ١١ / ١٦٩ ]
تسكنها غيرها، وتنتقل عنها، فلها ذلك؛ لأنَّه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها، وعليهم إسكانها» اهـ.
قُلْتُ: ولها أن تخرج لحوائجها في النهار، وأمَّا الليل فلا تخرج فيه لغير ضرورة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٥٤): «ليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلًا، إلَّا لضرورة؛ لأنَّ الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنَّه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما يحتاج إليه» اهـ.
وهل لها أن تخرج في النهار وبعض الليل إلى بعض جاراتها من أجل الأنس وإزالة الوحشة.
جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٧٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ نِسَائِهِمْ، وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارِهِ، فَجِئْنَ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِاللَّيْلِ، فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا، حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا إِلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَ مَا بَدَا لَكِنَّ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُنَ النَّوْمَ فَلْتَأْتِ كُلُّ امْرَأَةٍ إِلَى بَيْتِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ.
[ ١١ / ١٧٠ ]
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩١٦) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدَسْتَانِيُّ، أنا أَبُو نَصْرٍ الْعِرَاقِيُّ، نا سُفْيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجَانِ بِالنَّهَارِ وَلَا تَبِيتَانِ لَيْلَةً تَامَّةً غَيْرَ بُيُوتِهِمَا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ.
أبو بكر الأردستاني هو محمد بن إبراهيم بن أحمد ثقة، أبو نصر العراقي لم أعرفه، وسفيان بن محمد الجوهري لم أقف له على ترجمة، وعلى بن الحسن هو ابن موسى الهلالي ثقة، وعبد الله بن الوليد هو ابن ميمون العدني حسن الحديث.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ خروج المحتدة ليلًا من أجل الأنس لم يثبت في السنة ولا الآثار.
وأمَّا خروجها من أجل ذلك نهارًا فقد جاءت بذلك الآثار.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٨)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٥٤٢)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٨٩) كلهم مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِسَاءٌ مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ
[ ١١ / ١٧١ ]
أَزْوَاجَهُنَّ، فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: تُوُفِّيَ عَنْ نِسْوَةٍ مِنْ هَمْدَانَ أَزْوَاجُهُنَّ، فَأَرَدْنَ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يَعْتَدِدْنَ، فَأَرْسَلْنَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلْنَهُ، قَالَ: «تَعْتَدُّ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا».
قُلْتُ: إبراهيم إنَّما سمعه من علقمة كما في الرواية السابقة، ورواية أبي الأحوص هذه خلاف رواية الثوري وابن عيينة عن منصور، وروايتهما أصح من حيث اللفظ والإسناد.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فكَانَتْ تَأتِيهِمْ بِالنَّارِ فَتُحَدِّثُ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا».
[ ١١ / ١٧٢ ]
قُلْتُ: الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ ضَعِيْفٌ من أجل عبد الله بن عمر العمري، والآخر صَحِيْحٌ.
وهل لها أن تبيت في غير بيت زوجها من أجل زيارة أبيها في مرض الموت.
جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً وَهُوَ فِي الْمَوْتِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أيوب وعمر.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «أَرْخَصَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا وَهُوَ وَجِعٌ، لَيْلَةً وَاحِدَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين يحيى بن سعيد وعمر، ويتقوى الأثر من هذين الوجهين.
وهل لها أن تفعل ذلك في النهار.
[ ١١ / ١٧٣ ]
جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٧٠) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: إَنَّ أَبِي وَجِعٌ قَالَتْ: «كُونِي أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ».
قُلْتُ: فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٤) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَعْتَدُّ مِنْ زَوْجِهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَاشْتَكَى أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ تَسْأَلُهَا: تَأْتِي أَبَاهَا تُمَرِّضُهُ؟ فَقَالَتْ: «إِذَا كُنْتُ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وقد أسقط جرير الرجل المبهم والصحيح إثباته كما في رواية الثوري.
وهل للمعتدة أن تسافر للحج في أثناء عدتها؟
فالجواب: لا يشرع ذلك لأنَّ عدة تفوت والحج لا يفوت.
وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٨) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ».
[ ١١ / ١٧٤ ]
وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٣) قَالَ: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «تُوُفِّيَ أَزْوَاجُ نِسْوَةٍ وَهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَعْتَدُّونَ فِي بُيُوتِهِنَّ».
قُلْتُ: مُرْسَلاتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ جِيَادٌ.
ويقويه ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٤) قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ رَدَّ نِسْوَةً خَرَجْنَ حُجَّاجًا فِي عِدَّتِهِنَّ، فَرَدَّهُنَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ».
قُلْتُ: هَذَا مِنْ مُرْسَلاتُ عَطَاء، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزمي.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٣) قَالَ: نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِسْوَةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَاجَّاتٍ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمِيَاهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، لضعف أشعث بن سوار، وفيه عنعنة ابن الزبير، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٠) قَالَ: نا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَدَّ نِسْوَةً حَاجَّاتٍ وَمُعْتَمِرَاتٍ خَرَجْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ».
[ ١١ / ١٧٥ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، سفيان هو الثوري، وحماد هو ابن أبي سليمان، وإبراهيم هو النخعي، ومرسله عن ابن مسعود حسن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٦٧ - ١٦٨):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا".
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلَا إلَى غَيْرِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵄. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَإِنْ خَرَجَتْ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا، وَعَلَيْهَا مَشَقَّةٌ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَفَرٍ وَإِنْ رَجَعَتْ.
قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُحَدَّ الْقَرِيبُ بِمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالْبَعِيدُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَضَرِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ
[ ١١ / ١٧٦ ]
لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَالَ: مَتَى كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْكَنِهَا دُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْمُضِيُّ إلَى مَقْصِدِهَا، وَالِاعْتِدَادُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهِ، لَزِمَهَا الْإِقَامَةُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ، مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، وَهُوَ السَّفَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ قَدْ بَعُدَتْ. وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلهَا قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ سَفَرُهَا، فَلَزِمَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ الْبُنْيَانَ. وَعَلَى أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا يَلْزَمُهَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَشَقَّةً وَتَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ فِي رُجُوعِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا.
وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَعِيدَةُ الرُّجُوعَ، فَلَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ تَصِلُ إلَى مَنْزِلهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ خَوْفٌ أَوْ ضَرَرٌ، فَلَهَا الْمُضِيُّ فِي سَفَرِهَا، كَمَا لَوْ بَعُدَتْ، وَمَتَى رَجَعَتْ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، مِنْ عِدَّتِهَا، لَزِمَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي مَنْزِلِ
[ ١١ / ١٧٧ ]
زَوْجِهَا، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِيهِ، فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَافِرْ مِنْهُ.
فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَمَاتَ زَوْجُهَا، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ، وَلَا بَدَلَ لَهَا، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَامِ.
وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ إحْرَامِهَا بِحَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ بِحَجِّ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ مُتَّسِعًا، لَا تَخَافُ فَوْتَهُ، وَلَا فَوْتَ الرُّفْقَةِ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، لَزِمَهَا الْمُضِيُّ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، فَلَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ سَفَرًا، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا. وَلَنَا، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُوبِ، وَضِيقِ الْوَقْتِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَسْبَقَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَشَقَّةُ بِتَفْوِيتِهِ تَعْظُمُ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ بَعُدَ سَفَرُهَا إلَيْهِ.
[ ١١ / ١٧٨ ]
وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا، وَخَشِيَتْ فَوَاتَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الْمُضِيُّ إلَيْهِ؛ لِمَا فِي بَقَائِهَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ؛ وَلِأَنَّهَا فَرَّطَتْ وَغَلِطَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ، وَأَمْكَنَهَا السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ، لَزِمَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ، وَإِلَّا تَحَلَّلَتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَحُكْمُهَا فِي الْقَضَاءِ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا السَّفَرُ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ، كَاَلَّتِي يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ السَّفَرِ. وَحُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَذَلِكَ، إذَا خِيفَ فَوَاتُ الرُّفْقَةِ أَوْ لَمْ يُخَفْ» اهـ.
قُلْتُ: وقد رخص بعض السلف في الحج للمعتدة.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٥) قَالَ: نا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ عَائِشَةَ أَحَجَّتْ أُمَّ كُلْثُومٍ فِي عِدَّتِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٧) قَالَ: نا الثَّقَفِيُّ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، عَنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا: تَحُجَّانِ عَنْهُمَا فِي عِدَّتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَقَالَ حَبِيبٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد.
* * *
[ ١١ / ١٧٩ ]
٣١٦ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا"- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًَا - ثُمَّ قَالَ: "إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"».
فَقَالَتْ زَيْنَبُ: «كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا: دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ - فَتَفْتَضَّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ».
الْحَوْلُ: العام.
الحِفْشُ: البيتُ الصغيرُ.
تَفْتَضَّ: تُدْلِكُ بِهِ جَسَدَها.
[ ١١ / ١٨٠ ]
قَوْلُهَا: «فَتَفْتَضُّ بِهِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٩): «وأصل الفض الكسر أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة» اهـ.
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٩/ ٤٨٩ - ٤٩٠): «قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أنَّ المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به.
قُلْتُ: وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنَّه أخص منه لأنَّه أطلق الجلد وتبين أنَّ المراد به جلد القبل.
وقال ابن وهب: معناه أنَّها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهره، وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتض أي تغتسل، والافتضاض الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، ومن ثم قال الأخفش: معناه تنتظف فتنتقي من الوسخ فتشبه الفضة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية» اهـ.
وَقَوْلُهُ فَي الْحَدِيِثِ: «تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ».
[ ١١ / ١٨١ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٩٠):
«واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنَّها رمت العدة رمى البعرة، وقيل: إشارة إلى أنَّ الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم استعمال الكحل لمن توفى عنها زوجها، ويدخل في ذلك ما إذا اشتكت عينها.
وقد سبق القول في ذلك في شرح الحديث الماضي.
٢ - وفيه أنَّ إحداد المرأة على زوجها المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.
ويشكل على هذا ما رواه أحمد (٢٧١٢٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: «لَا تَحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ أنَّهُ حَسَنٌ.
[ ١١ / ١٨٢ ]
لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٥/ ٣٠٣):
«يَرْوِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فرواه محمد بن طلحة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، وأرسله معاذ بن معاذ، وغندر، عن شعبة.
ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، والحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء.
وَرَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء ابنة عميس.
قال ذلك عبد الصمد، عن حماد.
وأرسله أسد بن عمرو البجلي، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، لم يتجاوز به، والمرسل أصح» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٧): «قال شيخنا في "شرح الترمذي": ظاهره أنَّه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأنَّ أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق وهي والدة
[ ١١ / ١٨٣ ]
أولاده عبد الله ومحمد وعون وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أنَّ الإحداد لا يجوز، وأجاب بأنَّ هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد اجمعوا على خلافة، قال: ويحتمل أن يقال أنَّ جعفرًا قتل شهيدًا والشهداء أحياء عند ربهم، قال: وهذا ضعيف لأنَّه لم يرد في حق غير جعفر من الشهداء ممن قطع بأنَّهم شهداء كما قطع لجعفر كحمزة بن عبد المطلب عمه، وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر اهـ كلام شيخنا ملخصًا.
وأجاب الطحاوي بأنَّه منسوخ وأنَّ الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ما ادعاه من النسخ لكنه يكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال فجرى على عادته، ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى:
أحدها: أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر فنهاها عن ذلك بعد الثلاث.
ثانيها: أنَّها كانت حاملًا فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى ثلاثًا لأنَّه يحمل على أنَّه ﷺ اطلع على أنَّ عدتها تنقضي عند الثلاث.
[ ١١ / ١٨٤ ]
ثالثها: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد.
رابعها: أنَّ البيهقي أعلَّ الحديث بالانقطاع فقال لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء. وهذا تعليل مدفوع فقد صححه أحمد لكنه قال: إنَّه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد.
قُلْتُ: وهو مصير منه إلى أنَّه يعله بالشذوذ. وذكر الأثرم أنَّ أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه: "لا إحداد فوق ثلاث". فقال: هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه اهـ. وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الحديث أحمد (٢٧٥٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَفَّانُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ - قَالَ: يَزِيدُ، فِي حَدِيثِهِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، وَقَالَ: عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ مِثْلَهُ.
[ ١١ / ١٨٥ ]
وهكذا رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٧١٤)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ] (٦٥٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٣١).
قُلْتُ: وهذا اللفظ أصح من اللفظ السابق.
ورواه ابن حبان (٣١٤٨) بلفظ: «تَسَلَّمِي ثَلَاثًا». وهو تصحيف للفظة.
وقد روى أحمد (١٧٥٠)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ»، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [الْبِدَايَةِ والنِّهَايَةِ] (٤/ ٢٨٨): «وهذا يقتضي أنَّه ﵊ أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها.
ولعله معنى الحديث الذي رواه الامام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أنَّ رسول الله ﷺ قال لها لما أصيب جعفر "تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت" تفرد به أحمد فيحتمل أنَّه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا
[ ١١ / ١٨٦ ]
لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها، وقد يحتمل أن يكون أمرًا لها بالتسلب وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الإحداد المعتاد والله أعلم.
ويروى تسلي ثلاثًا - أي تصبري ثلاثًا - وهذا بخلاف الرواية الأخرى والله أعلم.
فأمَّا الحديث الذي قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا.
فإنَّه من أفراد أحمد أيضًا. وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لأنَّه قد ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" فإن كان ما رواه الامام أحمد محفوظًا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: سبق أنَّ الحديث لا يثبت.
[ ١١ / ١٨٧ ]
٣ - واحتج به من قال بنسخ الإحداد حولًا كاملًا، ووجه الشاهد أنَّ النبي ﷺ حصر العدة في أربعة أشهر وعشر، وذكر أنَّ إحداد المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا من الأحكام التي كان عليها أهل الجاهلية، فظاهره أنَّ الإسلام جاء بخلافه، لكن يشكل على هذا أنَّ الاعتداد إلى الحول مذكور في القران، وقد تنازع العلماء في نسخه، وقد أجاب على ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٩): «وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أنَّ الحكم في الإسلام صار بخلافة وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، ثم نسخت بالآية التي قبل وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾» اهـ.
وقد تنازع العلماء هل للمتوفى عنها زوجها أن تحد حولًا كاملًا أو لا؟ فأجاز ذلك بعض العلماء واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٠، ٢٤١].
[ ١١ / ١٨٨ ]
ومن منع من ذلك قال: إنَّ هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٦٥٩): «وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها زعم ذلك عن مجاهد: ﵀. وقال عطاء: وقال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن
[ ١١ / ١٨٩ ]
شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه.
فهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أنَّ هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشرًا، وإنَّما دلت على أنَّ ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية كقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية وقال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنَّما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع "وَصِيَّةٌ" على معنى: كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنَّهن لا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد
[ ١١ / ١٩٠ ]
اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون منهم: الشيخ أبو عمر بن عبد البر» اهـ.
* * *
[ ١١ / ١٩١ ]