٢٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَتْ الْفَرِائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٣):
«قَوْلُهُ: "كتاب الفرائض" جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض وهو: القطع، يقال: فرضت لفلان كذا أي: قطعت له شيئًا من المال، قاله الخطابي.
وقيل: هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول.
وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده. وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، أي: مقدرًا، أو معلومًا، أو مقطوعًا عن غيرهم» اهـ.
[ ١٠ / ٧١ ]
قُلْتُ: والمراد بالفرائض في هذا الحديث وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، وهي على سبيل التفصيل: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
فهذه هي الفروض المجمع عليها وفي ثلث الباقي نزاع بين العلماء، والأكثر على اعتباره، ونازع في ذلك ابن عباس ﵄ وغيره. والصحيح اعتباره. والله أعلم.
وَقَوْلُهُ: «بِأَهْلِهَا». المراد بهم من يستحق الفرائض بنص القرآن، وهم عشرة: الزوج، والزوجة فأكثر، والأم، والأب، والجد، والجدة فأكثر، والبنات، وبنات الابن، والأخوات لغير أم، وأولاد الأم.
وَقَوْلُهُ: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». أولى من الولْي بسكون اللام وهو القرب والمراد به من كان أقرب في النسب إلى المورث، وهم أصحاب العصبات المتعصبون بأنفسهم، وهم: الأبناء، وأبناؤهم، والأب، والجد، والإخوة لغير أم، وأبناؤهم، والأعمام لغير أم، وأبناؤهم، وذو الولاء من ذكر وأنثى.
وجهاتهم خمس جهات مرتبة، وهي: بنوة، وأبوة، وأخوة، وعمومة، وولاء.
[ ١٠ / ٧٢ ]
وَقَوْلُهُ: «ذَكَرٍ». اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هذه اللفظة، فإنَّ الرجل لا يكون إلَّا ذكرًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٢ - ١٣):
«وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل، فقال الخطابي: إنَّما كرر للبيان في نعته بالذكورة ليعلم أنَّ العصبة إذا كان عمًا أو ابن عم مثلًا وكان معه أخت له أنَّ الأخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقب بأنَّ هذا ظاهر من التعبير بِقَوْلِهِ: "رجل" والاشكال باق إلَّا أنَّ كلامه ينحل إلى أنَّه للتأكيد، وبه جزم غيره كابن التين قال: ومثله: "ابن لبون ذكر"، وزيفه القرطبي فقال: قيل أنَّه للتأكيد اللفظي ورد بأنَّ العرب إنَّما تؤكد حيث يفيد فائدة، إمَّا تعين المعنى في النفس، وإمَّا رفع توهم المجاز وليس ذلك موجودًا هنا.
وقال غيره: هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة لأنَّ الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر فقد حكى سيبويه: مررت برجل رجل أبوه؛ فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بذكر حتى لا يظن أنَّ المراد به خصوص البالغ.
وقيل: خشية أن يظن بلفظ رجل الشخص وهو أعم من الذكر والأنثى، وقال ابن العربي: في قَوْلِهِ: "ذكر" الإحاطة بالميراث إنَّما تكون للذكر دون الأنثى، ولا يرد
[ ١٠ / ٧٣ ]
قول من قال: إنَّ البنت تأخذ جميع المال لأنَّها إنَّما تأخذه بسببين متغايرين، والإحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلَّا الذكر، فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية. قال: وهذا لا يتفطن له كل مدع.
وقيل أنَّه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يجوز الخنثى المال إذا انفرد، وقيل للاعتناء بالجنس، وقيل للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى، وقيل لنفي توهم اشتراك الأنثى معه لئلا يحمل على التغليب، وقيل ذكر تنبيهًا على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح في الإرث؛ ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته أنَّ الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك، هكذا قال النووي وسبقه القاضي عياض فقال: قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الاناث، وأصله للمازري فإنَّه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو: "رجل ذكر". وفي الزكاة "ابن لبون ذكر". قال: والذي يظهر لي أنَّ قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها ومن عدد إلى أكثر منه وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسنًا أعلى منها وهو ابن لبون فقد يتخيل أنَّه على خلاف القاعدة وأنَّ
[ ١٠ / ٧٤ ]
السنين كالسن الواحد لأنَّ ابن اللبون أعلى سنًا لكنه أدنى قدرًا فنبه بِقَوْلِهِ: "ذكر" على أنَّ الذكورية تبخسه حتى يصير مساويًا لبنت مخاض مع كونها أصغر سنًا منه، وأمَّا في الفرائض فلما علم أنَّ الرجال هم القائمون بالأمور وفيهم معنى التعصيب وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ "ذكر" إشارة إلى العلة التي لأجلها اختص بذلك فهما وإن اشتركا في أنَّ السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف فإنَّه في ابن اللبون إشارة إلى النقص، وفي الرجل إشارة إلى الفضل، وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه.
وقيل: إنَّه وصف لأولى لا لرجل قاله السهيلي وأطال في تقريره وتبجح به فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض وفيه إشكال وقد تلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا فقالوا: هو نعت لرجل، وهذا لا يصح لعدم الفائدة؛ لأنَّه لا يتصور أن يكون الرجل إلَّا ذكرًا وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم، ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث؛ لأنَّه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سن الرجولية وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له ولو كان ابن ساعة فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصغير، قال: والحديث إنَّما سيق لبيان من يستحق
[ ١٠ / ٧٥ ]
الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام، ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأم، قال: فإذا ثبت هذا فقَوْلُهُ: "أولى رجل ذكر" يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم، فالأولى هنا هو ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب فعبر عن الصلب بقَوْلِهِ: "أولى رجل"؛ لأنَّ الصلب لا يكون إلَّا رجلًا فأفاد بقَوْلِهِ: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل الأم كالخال، وأفاد بِقَوْلِهِ: "ذكر" نفي الميراث عن النساء وإن كن من المدلين إلى الميت من قبل صلب لأنَّهن إناث، قال: وسبب الاشكال من وجهين أحدهما: أنَّه لما كان مخفوضًا ظن نعتًا لرجل ولو كان مرفوعًا لم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر، والثاني: أنَّه جاء بلفظ أفعل وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم إنسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أنَّ المراد بِقَوْلِهِ: "أولى رجل" أولى الرجال، وليس كذلك، وإنَّما هو أولى الميت بإضافة النسب، وأولى صلب بإضافته، كما تقول: هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء، قال: فالأولى في الحديث كالولي، فإن قيل: كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه، فالجواب إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته وإن لم يكن جزءًا منه كقوله صَلَّى اللهُ
[ ١٠ / ٧٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البر: "بر أمك، ثم أباك، ثم أدناك"، قال: وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه ولا يخلو من استغلاق وقد لخصه الكرماني فقال: ذكر صفة لأولى لا لرجل والأولى بمعنى القريب الأقرب فكأنَّه قال: فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت، وأشير بذكر الرجل إلى الأولوية فأفاد بذلك نفي الميراث عن الأولى الذي من جهة الأم كالخال، وبِقَوْلِهِ: "ذكر" نفيه عن النساء بالعصوبة وإن كن من المدلين للميت من جهة الصلب انتهى وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلاَّ أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك والعلم عند الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ١٦١):
«وأكده بلفظ "الذكر" ليبين أنَّه حكم يختص بالذكور، ولا يشترك فيها الذكور والإناث كما قال في الزكاة: "فابن لبون ذكر"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨):
[ ١٠ / ٧٧ ]
«فأكده بالذكورة ليبين أنَّ العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنَّه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قَوْلِهِ: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس". ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين، وهو نظير قوله في حديث الصدقات: "فابن لبون ذكر" ليبين أنَّ المراد الذكر دون الأنثى» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو أحسن ما يقال في توجيه هذه الكلمة. والله أعلم.
قَوْلُهُ: «وَفِي رَوَايَةٍ». هذه الرواية عند مسلم (١٦١٥).
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - انقسام الوارثين إلى أهل فرض، وتعصيب.
والعصبة المتعصبون بأنفسهم هم: كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ الأَقْرِبَاءِ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِتَوَسُّطِ مَحْضِ الذُّكُورِ، وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ: الْمُعْتِقُ وَالْمُعْتِقَةُ.
٢ - أنَّ ميراث أصحاب الفروض مقدم على ميراث أصحاب العصبات.
٣ - أنَّ أصحاب العصبات ليس لهم فرض مقدر، وإنَّما يرثون ما بقي بعد أصحاب الفروض.
قُلْتُ: وإذا لم يوجد صاحب فرض ورث العاصب جميع المال.
٤ - ومفهوم قَوْلِهِ: «فَمَا بَقِي». أنَّه إذا لم يبق شيء، فلا شيء للعاصب.
[ ١٠ / ٧٨ ]
٥ - وفيه أنَّه يقدم في العصبة الأولى، فالأولى، فيقدم في التعصيب الأسبق جهة، فإن كانوا في جهة واحدة، قدم الأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة، قدم الأقوى، وهو من يدلي بالأبوين على الذي يدلي بالأب وحده.
٦ - واحتج به ابن عباس ﵁ على تقديم العصبة الذكور دون الإناث بعد ميراث البنات كمن خلف بنتًا وأخًا شقيقًا وأختًا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته؛ لأنَّه أولى رجل ذكر، وهكذا إذا مات الميت عن بنت وأخت وعم، أو ابن عم، أو ابن أخ، فأنَّ الباقي بعد نصف البنت تأخذه العصبة الذكور دون الإناث.
قُلْتُ: وقد خالف ابن عباس ﵁ في ذلك عامة العلماء، ومما يدل على صحة مذهب الجمهور:
أنَّ الأخ الشقيق لا يسقط الأخت الشقيقة، والأخ لأب لا يسقط الأخت لأب في الكلالة اتفاقًا، كأن يموت ميت عن ولد أم، وأخت شقيقة، وأخ شقيق، بل هي شريكة معه في التعصيب، مع أنَّ الأخ الشقيق هو أولى رجل ذكر بعد أصحاب الفروض، فدل ذلك أنَّ الأخ الشقيق أو لأب لا يسقط أخته، وإذا كان الأخ لا
[ ١٠ / ٧٩ ]
يسقط أخته فمن باب أولى أن لا يسقطها من هو أبعد منه كابن الأخ، أو العم، أو ابن العم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠):
«وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَائِضِ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ أَوْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ وَبَنُو ابْنٍ لَمْ يَنْفَرِدْ الذَّكَرُ بِالْبَاقِي دُونَ الْإِنَاثِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَتَعْصِيبُ الْأُخْتِ بِالْبِنْتِ كَتَعْصِيبِهَا بِأَخِيهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: "فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" مُوجِبًا لِاخْتِصَاصِ أَخِيهَا دُونَهَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِاخْتِصَاصِ ابْنِ عَمِّ الْجَدِّ بِالْبَاقِي دُونَهَا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهَا أَخُوهَا لَمْ تَسْقُطْ، وَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبَنَاتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخِيهَا. هَذَا، وَأَخُوهَا أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَإِذَا لَمْ يُسْقِطْهَا الْأَخُ فَلَأَنْ لَا يُسْقِطَهَا ابْنُ عَمِّ الْجَدِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَإِذَا لَمْ يُسْقِطْهَا وَرِثَتْ دُونَهُ، لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْأَخِ فَإِنَّهَا تُشَارِكُهُ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمَيِّتِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْمِيزَانِ الْمُوَافِقِ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَلِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَا تَخْصِيصَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَفْقَهُ وَأَلْطَفُ.
[ ١٠ / ٨٠ ]
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْفَرَائِضِ أَنَّ جِنْسَ أَهْلِ الْفُرُوضِ فِيهَا مُقَدَّمُونَ عَلَى جِنْسِ الْعَصَبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَا فَرْضٍ مَحْضٍ أَوْ كَانَ لَهُ مَعَ فَرْضِهِ تَعْصِيبٌ فِي حَالٍ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُنَّ عَلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُنَّ مِمَّنْ لَا يَرِثُ إلَّا بِالتَّعْصِيبِ الْمَحْضِ كَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَبَنِي الْإِخْوَةِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حِرْمَانِهِنَّ مَعَ الْبَنَاتِ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى حِرْمَانِهِنَّ مَعَ إخْوَتِهِنَّ وَحِرْمَانِ بَنَاتِ الِابْنِ، بَلْ الْبَنَاتِ أَنْفُسِهِنَّ مَعَ إخْوَتِهِنَّ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا الْآخَرُ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّا رَأَيْنَا قَاعِدَةَ الْفَرَائِضِ أَنَّ الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَاتِ يُعَصِّبُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْضٌ، كَمَا إذَا كَانَ بَنَاتٌ وَبَنَاتُ ابْنٍ وَأَسْفَلُ مِنْهُنَّ ابْنُ ابْنِ ابْنٍ فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهُنَّ فَيَحْصُلُ لَهُنَّ الْمِيرَاثُ بَعْدَ أَنْ كُنَّ مَحْرُومَاتٍ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَاتِ يَمْنَعُ الْأَقْرَبَ مِنْ الْمِيرَاثِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَارِثًا فَهَذَا مُمْتَنِعٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَهُوَ عَكْسُ قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا" الْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ "اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ" وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْقُوَّةِ أَوْ
[ ١٠ / ٨١ ]
بِالْفِعْلِ، فَإِذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْفِعْلِ كَانَ الْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْقُوَّةِ وَإِنْ حُجِبَ عَنْ الْفَرْضِ بِغَيْرِهِ دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ مَعَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ إذَا كَانَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ مُطْلَقًا مَعْدُومِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٠٠ - ٤٠٢):
«وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت وأخت وعم أو ابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة، وهذا قول ابن عباس، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقر بأنَّ الناس كلهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا.
وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة، فالعصبة أولى، وإن لم يكن معهما أحد، فالأخت لها الباقي، وحكي عن ابن مسعود أنَّه قال: البنت عصبة من لا عصبة له، ورد بعضهم هذا، وقال: لا يصح عن ابن مسعود.
وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل، منهم عمر، وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء».
[ ١٠ / ٨٢ ]
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «واستدل ابن عباس لقوله بقول الله ﷿: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟! يعني: أنَّ الله لم يجعل لها النصف إلَّا مع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت.
والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأنَّ المراد بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَها نِصفُ ما تَركَ﴾، بالفرض، وهذا مشروط بعدم الولد بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، يعني: بالفرض، والأخت الواحدة إنَّما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنَّما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكرًا، فهو مقدم على الإخوة مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطًا لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أنَّ الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق ليس مفهومها أن الأخت
[ ١٠ / ٨٣ ]
تسقط بالبنت، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَد﴾، وقد أجمعت الأمة على أنَّ الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات، وإنَّما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله، فكما أنَّ الولد إن كان ذكرًا، منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرًا منع الأخت الميراث بالكلية، وإن كان أنثى، منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها، والله أعلم.
وأمَّا قَوْلُهُ: "فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر"، فقد قيل: إنَّ المراد به العصبة البعيد خاصة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب؛ بدليل أنَّ الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريبًا، كالأولاد والإخوة بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه.
وأيضًا فإنَّه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق، فتخص منه صورة الأخت مع البنت بالنص.
وقالت طائفة آخرون: المراد بِقَوْلِهِ: "ألحقوا الفرائض بأهلها" ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بِقَوْلِهِ: "فما
[ ١٠ / ٨٤ ]
بقي، فلأولى رجل ذكر" العصبة الذي ليس له فرض بحال، ويدل عليه أنَّه قد روي الحديث بلفظ آخر، وهو: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله"، فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأخت مع أخيها، أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنَّها من أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى: المراد بأهل الفرائض في قَوْلِهِ: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، قَوْلِهِ: "اقسموا المال بين أهل الفرائض" جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم، فإن كل ما يأخذه الورثة، فهو فرض فرضه الله لهم، سواء كان مقدرًا أو غير مقدر، كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَريضَةً مِنَ الله﴾، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض، فكذلك قَوْلُهُ: "اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، فإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء، فيختص
[ ١٠ / ٨٥ ]
بالفاضل أقرب الذكور من الورثة، وكذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة، فيكون حينئذ المال لأولى رجل ذكر منهم.
فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يصرح به في القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين أيضًا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن، انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات» اهـ.
قُلْتُ: قول الحافظ ابن رجب ﵀: «وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق»، ونحوه ما سبق عن ابن القيم. فيه نظر، فهذه المسألة مما نازع فيها ابن عباس، وليست هي من المسائل التي اتفق عليها العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٤):
«قال الطحاوي: استدل قوم يعني ابن عباس ومن تبعه بحديث ابن عباس على أنَّ من خلف بنتًا وأخًا شقيقًا وأختًا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته ولو كانت شقيقة، وطردوا ذلك فيما لو كان مع الأخت الشقيقة
[ ١٠ / ٨٦ ]
عصبة فقالوا: لا شيء لها مع البنت بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٨):
«فلما دل القرآن على أنَّ للأخت النصف مع عدم الولد. وأنَّه مع ذكور ولد يكون الابن عاصبًا يحجب الأخت؛ كما يحجب أخاها. بقي الأخت مع إناث الولد: ليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت في هذه الحال. بقي مع البنت: إمَّا أن تسقط؛ وإمَّا أن يكون لها النصف، وإمَّا أن تكون عصبة. ولا وجه لسقوطها؛ فإنَّها لا تزاحم البنت. وأخوها لا يسقط. فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب والبعيد لا يسقط القريب؛ ولأنَّها كانت تساوي البنت مع اجتماعهما والبنت أولى منها فلا تساوى بها؛ فإنَّه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف كزوج وبنت فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والإخوة لا يزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإنَّ الأولاد أولى منهم. والله إنَّما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة. فلما بطل سقوطها وفرضها لم يبق إلَّا أن تكون عصبة أولى من البعيد كالعم وابن العم وهذا قول الجمهور. وقد دل عليه حديث البخاري عن ابن مسعود لما ذكر له أنَّ أبا موسى وسلمان بن ربيعة قالا:
[ ١٠ / ٨٧ ]
في بنت، وبنت ابن، وأخت: للبنت النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فإنَّه سيتابعنا. فقال: " لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ: للبنت النصف، وبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت". فدل ذلك أنَّ الأخوات مع البنات عصبة، والأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت. وقوله ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ" فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقوله ﷺ: "تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه". وإذا كان عامًا مخصوصًا: خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن مسعود رواه البخاري (٦٧٣٦) عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ
[ ١٠ / ٨٨ ]
فَلِلْأُخْتِ». فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٥ - ٣٦٨):
«وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض وإنَّما صريحه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد فبقي ههنا ثلاثة أقسام إمَّا أن يفرض لها أقل من النصف، وإمَّا أن تحرم بالكلية وإمَّا أن تكون عصبة، والأول محال إذ ليس للأخت فرض مقدر غير النصف فلو فرضنا لها أقل منه لكان ذلك وضع شرع جديد فبقي إمَّا الحرمان، وإمَّا التعصيب، والحرمان لا سبيل إليه فإنَّها وأخاها في درجة واحدة وهي لا تزاحم البنت فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضًا فإنَّها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها كان أقوى منها وأقرب إلى الميت وليس كذلك، وأيضًا فلو أسقطتها البنت إذا
[ ١٠ / ٨٩ ]
انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها فإنَّ أخاها لا يزيدها قوة ولا يحصل لها نفعًا في موضع واحد بل لا يكون إلاَّ مضرًا لها ضرر نقصان أو ضرر حرمان كما إذا خلفت زوجًا وأمًا وأخوين لأم وأختا لأب وأم فإنَّها يفرض لها النصف عائلًا، وإن كان معها أخوها سقطا معًا ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد، فلو أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها، وأيضًا فإنَّ البنت إذا لم تسقط ابن الأخ وابن العم وابن عم الأب والجد وإن بعد فأن لا تسقط الأخت مع قربها بطريق الأولى، وأيضًا فإنَّ قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب وتقديم الأقرب على الأبعد وهذا عكس ذلك فإنَّه يتضمن تقديم الأبعد جدًا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلَّا واسطة الأب وحده، فكيف يرث ابن عم جد الميت مثلًا مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتحرم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه هذا من المحال الممتنع شرعًا، فهذا من جهة الميزان، وأمَّا من جهة فهم النص فإنَّ الله سبحانه قال في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، ولم يمنع ذلك في ميراثه منها إذ كان الولد أنثى فهكذا قَوْلُهُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد أو ترث الباقي إذا كان نصفًا؛ لأنَّ هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد فتأمله فإنَّه ظاهر جدًا.
وأيضًا فالأقسام ثلاثة: إمَّا أن يقال: يفرض لها النصف مع البنت، أو يقال: تسقط معها بالكلية، أو يقال: تأخذ ما فضل بعد فرض البنت أو البنات، والأول ممتنع
[ ١٠ / ٩٠ ]
بالنص والقياس فإنَّ الله سبحانه إنَّما فرض لها النصف مع عدم الولد فلا يجوز إلغاء هذا الشرط وفرض النصف لها مع وجوده والله سبحانَّه إنَّما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة لا ولد له ولا والد، فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالة فلا يفرض لها معه، وأمَّا القياس فإنَّها لو فرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرض ولا تعصيب فإنَّ الأولاد أولى منهم فبطل فرض النصف وبطل سقوطها بما ذكرناه فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله ﷺ فوافق قضاؤه كتاب ربه والميزان الذي أنزله مع كتابه وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما.
فإن قيل لكن خرجتم عن قوله ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر". فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت فإنَّه رجل ذكر فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى فكنا أسعد بالنص منكم وعملنا وبقضاء رسول الله صَلَّى اللهُ
[ ١٠ / ٩١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس والباقي للأخت إذ لم يكن هناك أولى رجل ذكر فكانت الأخت عصبة وهذا توسط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية وهذا مذهب إسحاق بن راهويه وهو اختيار أبي محمد بن حزم، وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة قيل لابن عباس: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال لابنته النصف ولأمه السدس وليس لأخته شيء مما ترك وهو لعصبته فقال له السائل: إنَّ عمر قضى بغير ذلك جعل للبنت النصف وللأخت النصف، قال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله. قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاووس فقال لي: أخبرني أبي أنَّه سمع ابن عباس يقول: قال الله ﷿: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد، وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله ﷺ وستجدونه في الناس كلهم ميراث الأخت مع البنت.
فالجواب: أنَّ نصوص رسول الله ﷺ كلها حق يصدق بعضها بعضًا ويجب الأخذ بجميعها ولا يترك له نص إلَّا بنص آخر ناسخ له لا يترك
[ ١٠ / ٩٢ ]
بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع، ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص له إلَّا أن يكون له نص آخر ينسخه فقوله ﷺ: "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" عام قد خص منه قوله ﷺ: "تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه". وأجمع الناس على أنَّها عصبة عتيقها، واختلفوا في كوناه عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان وسنة رسول الله ﷺ تفصل بين المتنازعين، فإذا خصت منه هذه الصور بالنص وبعضها مجمع عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة.
فإن قيل: قَوْلُهُ: "فلأولى رجل ذكر". إنَّما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه.
قيل: فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت وليس من الأقارب فخالفتم النصين معًا وهو ﷺ قال: "فلأولى رجل ذكر" فأكده بالذكورة ليبين أنَّ العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنَّه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قَوْلِهِ: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس" ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين، وهو نظير قوله في حديث
[ ١٠ / ٩٣ ]
الصدقات: "فابن لبون ذكر". ليبين أنَّ المراد الذكر دون الأنثى، ولم يتعرض في الحديث للعاصب بغيره، فدل قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت البنت ما بقي أنَّ الأخت عصبة بغيرها فلا تنافي بينه وبين قَوْلِهِ: "فلأولى رجل ذكر". بل هذا إذا لم يكن ثم عصبة بغيره بل كان العصبة عصبة بأنفسهم فيكون أولهما وأقربهم إلى الميت أحقهم بالمال، وأمَّا إذا اجتمع العصبتان فقد دل حديث ابن مسعود الصحيح أنَّ تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها؛ فإنَّه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع فإن العرب بنو عم بعضهم لبعض فقريب وبعيد ولا سيما إن كان ما حكاه ابن مسعود من قضاء رسول الله ﷺ قضاء عامًا كليًا فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر» اهـ.
٧ - واحتج به الإمام البخاري تقديم عصبة الجد على عصبة الإخوة، وهذا هو الصحيح، فإنَّ عصوبة الأصول مقدمة على عصوبة الحواشي، ولهذا كان الأب مقدم على الإخوة إجماعًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٨١ - ٣٨٢):
«يوضحه الوجه العشرون وهو قول النبي ﵌: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر". فإذا خلفت المرأة زوجها وأمها
[ ١٠ / ٩٤ ]
وأخاها وجدها فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحق بالباقي، وإن كانا سواء في بالأولوية وجب اشتراكهما فيه وإن كان الجد أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به، وإذا كان الجد أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص وهذا الوجه وحده كاف وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وقد نصر العلامة ابن القيم ﵀ هذا القول من عشرين وجهًا، وهذا الدليل ختم به تلك الوجوه، وقد نصر هذا القول أيضًا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا القول هو الصحيح وهو قول الصديق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم ﵃ أجمعين، وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد.
٨ - واحتج به من قال: إنَّ الميت إذا مات عن ابني عم أحدهما أخ للأم أنَّ الباقي لابن العم الذي هو أخ لأم، وينقل هذا عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﵄ والجمهور على أنَّهما سواء من حيث التعصيب، وهذا هو الصحيح؛ فإنَّه لا فرق بينهما من حيث العصوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٥٧):
[ ١٠ / ٩٥ ]
«فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم يعطي الأخ للأم بقرابة الأم السدس ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة.
قيل: نعم هذا قول الجمهور وهو الصواب وإن كان شريح ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم كما لو كان ابن عم الأبوين والفرق بينهما على قول الجمهور أنَّ كليهما في بنوة العم سواء» اهـ.
٩ - واحتج من قال في مسألة المشركة بسقوط أولاد الأبوين.
قُلْتُ: وهذا هو الراجح في هذه المسألة.
والمشركة أو المشتركة هي التي يقال لها أيضًا: الحمارية واليمية، والحجرية سقوط الإخوة الأشقاء.
وَالْمُشْتَرَكَةُ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا صَاحِبُ الرَّحَبِيَّةِ:
وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأَمَّا وِرْثَا … وَإِخْوَةً لِلْأُمِّ حَازُوا الثُّلُثَا
وَإِخْوَةً أَيْضًا لِأُمٍّ وَأَبٍ … وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
فَاجْعَلْهُمْ كُلَّهُمْ لِأُمِّ … وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ حَجَرًا فِي الْيَمِّ
وَاقْسِمْ عَلَى الْإِخْوَةِ ثُلُثَ التَّرِكَهْ … فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكَهْ.
[ ١٠ / ٩٦ ]
قُلْتُ: وإذا كان بدل الأم جدة فما زالت مشركة، ولا يشترط في الإخوة الأشقاء التعدد ولا أن يكون ذكورًا فقط.
وقد ذهب إلى تشريك الإخوة الاشقاء مع الإخوة لأب: عمر وزيد بن ثابت ﵄، وهو مذهب مالك والشافعي.
وذهب إلى عدم التشريك علي وابن مسعود ﵄، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة. وهذا هو الصحيح لدلالة هذا الحديث.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٣٩ - ٣٤٢):
«النَّصُّ وَالْقِيَاسُ - وَهُمَا الْكِتَاب وَالْمِيزَانُ - دَلَّا عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَدُ الْأُمِّ كَمَا هُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَرَوَى حَرْبٌ التَّشْرِيكَ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ إلَّا عَلِيًّا وَزَيْدًا؛ فَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ وَزَيْدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ يُشْرِكُ. قَالَ الْعَنْبَرِيُّ: الْقِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٍّ وَالِاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ زَيْدٍ.
قَالَ الْعَنْبَرِيُّ: هَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ.
[ ١٠ / ٩٧ ]
فَيُقَالُ: النَّصُّ وَالْقِيَاسُ دَلَّا عَلَى مَا قَالَ عَلِيٍّ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ: وَلَدُ الْأُمِّ وَإِذَا أَدْخَلَنَا فِيهِمْ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي الثُّلُثِ؛ بَلْ زَاحَمَهُمْ غَيْرُهُمْ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ فَهُوَ غَلَطٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الْآيَةَ. وَفِي قِرَاءَةِ سعد وَابْنِ مَسْعُودٍ (مِنْ الْأُمِّ) وَالْمُرَادُ بِهِ وَلَدُ الْأُمِّ بِالْإِجْمَاعِ. وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَبِ فِي آيَةٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فَجَعَلَ لَهَا النِّصْفَ وَلَهُ جَمِيعَ الْمَالِ وَهَكَذَا حُكْمُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَهَذَا حُكْمُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ؛ لَا الْأُمِّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَدَلَّ ذِكْرُهُ تَعَالَى لِهَذَا الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ غَيْرُ الْآخَرِ. وَإِذَا كَانَ النَّصُّ قَدْ أَعْطَى وَلَدَ الْأُمِّ الثُّلُثَ فَمَنْ نَقَصَهُمْ مِنْهُ فَقَدْ ظَلَمَهُمْ. وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ جِنْسٌ آخَرُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١٠ / ٩٨ ]
وَسَلَّمَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ". وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ تَبْقَ الْفَرَائِضُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْعَصَبَةِ شَيْءٌ وَهُنَا لَمْ تَبْقَ الْفَرَائِضُ شَيْئًا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ أَبَاهُمْ كَانَ حِمَارًا فَقَدْ اشْتَرَكُوا فِي الْأُمِّ. فَقَوْلٌ فَاسِدٌ حِسًّا وَشَرْعًا.
أَمَّا الْحِسُّ: فَلِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ حِمَارًا لَكَانَتْ الْأُمُّ أَتَانًا وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي آدَمَ. وَإِذَا قِيلَ: مُرَادُهُ أَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ فَيُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الْوُجُودَ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا.
وَأُمًّا الشَّرْعُ: فَلِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ فِي وَلَدِ الْأُمِّ وَإِذَا قِيلَ؛ فَالْأَبُ. إذَا لَمْ يَنْفَعْهُمْ لَمْ يَضُرَّهُمْ؟ قِيلَ: بَلَى. قَدْ يَضُرُّهُمْ كَمَا يَنْفَعُهُمْ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْأُمِّ وَاحِدًا وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ كَثِيرِينَ؛ فَإِنَّ وَلَدَ الْأُمِّ وَحْدَهُ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُمْ كُلَّهُ وَلَوْلَا الْأَبُ لَتَشَارَكُوا هُمْ وَذَاكَ الْوَاحِدُ فِي الثُّلُثِ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْأَبِ يَنْفَعُهُمْ جَازَ أَنْ يَحْرِمَهُمْ. فَعُلِمَ أَنَّهُ يَضُرُّهُمْ.
وَأَيْضًا: فَأُصُولُ الْفَرَائِضِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُتَّصِلَةَ: ذَكَرٌ وَأُنْثَى لَا تُفَرِّقُ أَحْكَامُهَا. فَالْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ لَا يَكُونُ كَأَخٍ مِنْ أَبٍ وَلَا كَأَخٍ مِنْ أُمٍّ وَلَا يُعْطَى بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَحْدَهَا كَمَا لَا يُعْطَى بِقَرَابَةِ الْأَبِ وَحْدَهُ؛ بَلْ الْقَرَابَةُ الْمُشْتَرِكَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ؛ وَإِنَّمَا يُفْرَدُ إذَا كَانَ قَرَابَةً لِأُمِّ مُنْفَرِدًا مِثْلَ ابْنَيْ عَمَّ: أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمِّ فَهُنَا
[ ١٠ / ٩٩ ]
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ لِلْأَخِ لِأُمِّ السُّدُسُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْبَاقِي وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ وَرُوِيَ عَنْ شريح: أَنَّهُ جَعَلَ الْجَمِيعَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: كِلَاهُمَا فِي بُنُوَّةِ الْعَمِّ سَوَاءٌ هُمَا ابْنَ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَبٍ وَالْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً حَتَّى يُجْعَلَ كَابْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْحُكْمَ فِي "مَسْأَلَةِ الْمُشْرِكَةِ" أَنْ لَوْ كَانَ فِيهِنَّ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبٍ لَفُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَعَالَتْ الْفَرِيضَةُ؛ فَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخُوهُنَّ سَقَطْنَ وَيُسَمَّى "الْأَخُ الْمَشْئُومُ" فَلَمَّا صِرْنَ بِوُجُودِهِ يَصِرْنَ عَصَبَةً: صَارَ تَارَةً يَنْفَعُهُنَّ. وَتَارَةً يَضُرُّهُنَّ؛ وَلَمْ يُجْعَلْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي حَالَةِ الضُّرِّ. كَذَلِكَ قَرَابَةُ الْأَبِ لَمَّا الْإِخْوَةُ بِهَا عَصَبَةٌ صَارَ يَنْفَعُهُمْ تَارَةً وَيَضُرُّهُمْ أُخْرَى. فَهَذَا مَجْرَى "العصوبة" فَإِنَّ الْعَصَبَةَ تَارَةً يَحُوزُ الْمَالَ كُلَّهُ وَتَارَةً يَحُوزُ أَكْثَرَهُ؛ وَتَارَةً أَقَلَّهُ وَتَارَةً لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ وَهُوَ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفَرَائِضُ الْمَالَ. فَمَنْ جَعَلَ الْعَصَبَةَ تَأْخُذُ مَعَ اسْتِغْرَاقِ الْفَرَائِضِ الْمَالَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْفَرَائِضِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: هُوَ اسْتِحْسَانٌ. يُقَالُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ؛ فَإِنَّهُ ظُلْمٌ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ؛ حَيْثُ يُؤْخَذُ حَقُّهُمْ فَيُعْطَاهُ غَيْرُهُمْ.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
وَالْمُنَازِعُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدٍ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَنْ عَمِلَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَة وَغَيْرِهَا كَمَا عَمِلُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ. وَعَمِلُوا بِقَوْلِ زَيْدٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَرَائِضِ تَقْلِيدًا لَهُ وَإِنْ كَانَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ» اهـ.
١٠ - واحتج به لمذهب ابن مسعود، وهو أنَّ بنت الابن لا ترث مع ابن الابن إذا استكمل من فوقهن الثلثين، وهكذا الأخت لأب إذا استكمل الشقيقات الثلثين، فلا ترث الباقي مع الأخ لأب، وإنَّما ينفرد بالميراث دونها.
قُلْتُ: والصحيح مذهب الجمهور، وهو أنَّ ابن الابن يعصب بنت الابن إذا استكمل من فوقها الثلثين، وهكذا الأخ لأب يعصب الأخت لأب إذا استكملت الشقيقات للثلثين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٣):
«فإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن والنبي ﷺ جعل الباقي لأولى رجل ذكر؟.
قيل: قد تقدم بيان ذلك مستوفى وأنَّ هذا حكم كل عصبة معه وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة.
[ ١٠ / ١٠١ ]
فإن قيل فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته؟
قيل إذا كان يعصب من هو في درجته مع أنَّه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى، فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط الأعلى. على أنَّ عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في درجته ولا من فوقه بل يخصه بالباقي ووجه قوله أنَّها لا ترث مفردة فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة برق أو كفر بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها فإنَّه يعصبها اتفاقًا؛ لأنَّها وارثة، وقول الجمهور أصح فإنَّها وارثة في الجملة وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها وهنا إنَّما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ، وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخ النافع فهذا محض القياس والميزان وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.
والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت والبنات سواء وبالله التوفيق» اهـ.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
١١ - واحتج به على أنَّ للأم ثلث جميع المال في مسألة العمريتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣):
«واحتج ابن عباس بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
وبقوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر".
والأب هاهنا عصبة؛ فيكون له ما فضل عن ذوي الفروض، كما لو كان مكانه جد، والحجة معه لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته؛ ولأنَّ الفريضة إذا جمعت أبوين وذا فرض، كان للأم ثلث الباقي، كما لو كان معهم بنت ويخالف الأب الجد؛ لأنَّ الأب في درجتها، والجد أعلى منها» اهـ.
قُلْتُ: وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي ذلك كلام نفيس، فقد قال كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٤ - ٣٤٦):
«وَأَمَّا دَلَالَةُ الْكِتَابِ فِي مِيرَاثِ الْأُمِّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَاَللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ لَهَا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. وَأَنْ يَرِثَهُ أَبُوهُ؛ فَكَانَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعْطَى الثُّلُثَ مُطْلَقًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ
[ ١٠ / ١٠٣ ]
وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تُعْطَى فِي " الْعُمَرِيَّتَيْنِ " - زَوْجٌ وَأَبَوَانِ؛ وَزَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ - ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقُوهُ: فَإِنَّهَا لَوْ أُعْطِيَتْ الثُّلُثَ هُنَا لَكَانَتْ تُعْطَاهُ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِزَيْدِ: أَفِي كِتَابِ اللَّهِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؟ أَيْ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا سُدُسٌ وَثُلُثٌ. فَيُقَالُ: وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إعْطَاؤُهَا الثُّلُثَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ يُعْطِيهَا مَعَ الزَّوْجَيْنِ الثُّلُثَ بَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَمْنَعُ إعْطَاءَهَا الثُّلُثَ مَعَ الْأَبِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. فَإِنَّهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مُطْلَقًا؛ فَلَمَّا خَصَّ الثُّلُثَ بِبَعْضِ الْحَالِ: عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ مُطْلَقًا. فَهَذَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ الَّذِي يُسَمَّى دَلِيلُ الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَعْطَاهَا الثُّلُثَ إلَّا الْعُمَرِيَّتَيْنِ وَلَا وَجْهَ لِإِعْطَائِهَا الثُّلُثَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ. إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا الثُّلُثَ وَالْبَاقِيَ لِلْأَبِ بِقَوْلِهِ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْمِيرَاثَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَ نَصِيبَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ نَصِيبُهُ. وَإِذَا أُعْطِيَ الْأَبُ الْبَاقِيَ مَعَهَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُعْطَى غَيْرُهُ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ. وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا سَائِرَ الْعَصَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾
[ ١٠ / ١٠٤ ]
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠):
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْعُمَرِيَّتَانِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ فِيهَا كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَهُنَا طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَيَانُ عَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى إعْطَائِهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ.
وَالثَّانِي: دَلَالَتُهُ عَلَى إعْطَائِهَا ثُلُثَ الْبَاقِي، وَهُوَ أَدَقُّ وَأَخْفَى مِنْ الْأَوَّلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا أَعْطَاهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ - سُبْحَانَهُ -: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شَرَطَ أَنَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ عَدَمَ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدَهُمَا بِمِيرَاثِهِ.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تَفَرَّدَا بِمِيرَاثِهِ.
قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَرُّدُهُمَا شَرْطًا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَائِدَةٌ، وَكَانَ تَطْوِيلًا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] عُلِمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأُمِّ الثُّلُثَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ أَحْوَالَ الْأُمِّ كُلَّهَا نَصًّا وَإِيمَاءً، فَذَكَرَ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَأَنَّ لَهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ، بَقِيَ لَهَا حَالَةٌ ثَالِثَةٌ - وَهِيَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ تَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ - وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَإِمَّا أَنْ تُعْطَى فِي هَذِهِ الْحَالِ الثُّلُثَ كَامِلًا وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الْقُرْآنِ، وَإِمَّا أَنْ تُعْطَى السُّدُسَ فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَجْعَلْهُ فَرْضَهَا إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ وَمَعَ الْإِخْوَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا وَهَذَا كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْأَبَوَانِ، وَلَا يُشَارِكُهُمَا فِيهِ مُشَارِكٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ كُلِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ، فَإِذَا تَقَاسَمَاهُ أَثْلَاثًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَتَقَاسَمَا الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ؟
فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَأْخُذُونَ حُكْمَهَا إذَا وَرِثَتْهُ الْأُمُّ وَمَنْ دُونَ الْأَبِ كَالْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْأَخِ وَابْنِهِ؟
[ ١٠ / ١٠٦ ]
قِيلَ: إذَا كَانَتْ تَأْخُذُ الثُّلُثَ مَعَ الْأَبِ فَأَخْذُهَا لَهُ مَعَ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ أَوْلَى، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتُمُوهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا كَانَ مَعَهَا وَمَعَ هَذِهِ الْعَصَبَةِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْأَبِ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ بِمِيرَاثِهِ عَلَى مَا قَرَرْتُمُوهُ فَإِذَا كَانَ جَدٌّ وَأُمٌّ أَوْ عَمٌّ وَأُمٌّ أَوْ أَخٌ وَأُمٌّ أَوْ ابْنُ عَمٍّ أَوْ ابْنُ أَخٍ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَمِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتُ الثُّلُثَ كَامِلًا، وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ؟ قِيلَ: بِالتَّنْبِيهِ وَدَلَالَةِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهَا إذَا أَخَذَتْ الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ الْأَبِ فَلَأَنْ تَأْخُذَهُ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ أَوْلَى، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَعَ هَذِهِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ، وَلَوْ اسْتَوْعَبَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ سَقَطَ، كَأُمٍّ وَزَوْجٍ وَأَخٍ لِأُمٍّ، بِخِلَافِ الْأَبِ» اهـ.
١٢ - والحديث حجة على ميراث ابن الأخ الشقيق، أو لأب وأبنائهم، والعم الشقيق، أو لأب وأبنائهم، فإنَّ هؤلاء هم من عصبة الميت فيدخلون في أولى رجل ذكر.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٤١٢): «وأمَّا ابن الأخ للأبوين أو للأب، والعم وابنه، وعم الأب وابنه، فثبت ميراثهم بقول النبي ﵇: "ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر".
ولم يدخل فيهم ولد الأم، ولا العم للأم، ولا ابنه، ولا الخال، ولا أبو الأم؛ لأنَّهم ليسوا من العصبات» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا عصبة الأبناء وأبنائهم فمأخوذة من هذا الحديث، ومن قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وتؤخذ عصبة الابن وابنه بقياس الأولى أيضًا، وبيان ذلك أنَّ الله ﷿ قال في ميراث الأخ الشقيق أو لأب: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، هذه الآية تدل على أنَّ الأخ الشقيف أو لأب من جملة العصبات؛ وذلك أنَّ الله ﷿ أخبر فيها أنَّ الأخت إن ماتت وليس لها ولد، ولا والد فإنَّ ميراثها لأخيها أي جميعه، وهذا شأن العصبة، فإذا ثبت العصبة لأخ فثبوتها للابن، وابنه من باب أولى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٧):
[ ١٠ / ١٠٨ ]
«ولما كان قد بين تعالى أنَّ الأخ يحوز المال - مال الأخت - فيكون لها عصبة؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب والأخ عصبة فالابن بطريق الأولى» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا عصبة الأب وآبائه فمأخوذة من قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. ووجه الدلالة من الآية أنَّ الله ﷿ جعل للأم الثلث إذا لم يكن للميت ولد، وإن كان له أخوة فلها السدس، ولم يذكر فرضًا مقدرًا للأب فدل ذلك أنَّ له الباقي، وهذا هو ميراث العاصب، وهكذا يستدل على عصبة الأب بقياس الأولى، وقد سبق تقريره في كلام شيخ الإسلام السابق.
وأمَّا الجد فهو من جملة الآباء فيدخل في الآية السابقة.
وأمَّا عصبة المعتق والمعتقة فستأتي في الأحاديث التي بعد هذا.
١٣ - واحتج به من جعل عصبة الأم هم العصبة لابن الملاعَنَةِ، ولم يجعل الأم عصبة، وإنَّما جعلها صاحبة فرض ترث فرضها، وما بقي فلعصبتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٤٩٧):
[ ١٠ / ١٠٩ ]
«ووجه قول الخرقي قول النبي ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". وأولى الرجال به أقارب أمه» اهـ.
قُلْتُ: وهذه المسألة تنازع فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّ عصبته عصبة أمه، وهذه هي إحدى الروايات عن أحمد، ويروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر. وبه قال الحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، والحسن بن صالح.
القول الثاني: أنَّ أمه عصبته، فإن لم تكن فعصبتها عصبته. وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول ابن مسعود. وروي نحوه عن علي، ومكحول، والشعبي.
واحتج هؤلاء بما رواه أبو داود (٢٩٠٧) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَمُوسَى بْنُ عَامِرٍ، قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ، قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ، وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ.
[ ١٠ / ١١٠ ]
وروى أبو داود (٢٩٠٨)، والدارمي (٣١١٥) مِنْ طَرِيْقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِمِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ كُلِّهِ لِمَا لَقِيَتْ فِيهِ مِنَ الْعَنَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لولا إرساله واختلاط العلاء.
وهذا القول هو الصحيح لدلالة السنة عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٦٩):
«وأصح هذه الأقوال: أنَّ أمه نفسها عصبة وعصبتها من بعدها عصبة له هذا مقتضى الآثار والقياس» اهـ.
وَقَالَ ﵀ بعد أن ذكر الآثار في ذلك (٢/ ٧٠ - ٧١) -:
«والقياس معه فإنَّها لو كانت مُعْتَقَة كان عصبتها من الولاء عصبة لولدها، ولا يكون عصبتها من النسب عصبة لهم. ومعلوم أنَّ تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع على ثبوت تعصيب النسب فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟.
وأيضًا: فإنَّ الولاء في الأصل لموالي الأب، فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب، وهكذا النسب:
[ ١٠ / ١١١ ]
هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها، فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه رجع النسب إليه كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء ملحق به. وهذا من أوضح القياس وأبينه، وَأَدَلَهُ على دقة أفهام الصحابة، وبعد غورهم في مأخذ الأحكام. وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: "هي بمنزلة أمه وأبيه". حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محض القياس الصحيح. وإذا ثبت أنَّ عصبة أمه عصبة له فهي أولى أن تكون عصبته، لأنَّهم فرعها، وهم إنَّما صاروا عصبة له بواسطتها ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فلأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحرى.
فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوته، ولم يرثوا معها شيئًا، وأيضًا: فإنَّهم إنَّما يرثون منه بالفرض، فكيف يكونون عصبة له؟.
فالجواب: إنَّها إنَّما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب، كما أنَّ تعصيب الولاء مفرع على انقطاع التعصيب من جهة النسب، فكما لا يحجب عصبة الولاء أحدًا من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها، وكونه إنَّما صار إليها ضرورة تعذره من جهة أصله، وهو بعرض الزوال، بأن يقر به الملاعن، فيزول.
[ ١٠ / ١١٢ ]
وأيضًا: فإنَّ الإخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه. فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب، وتعصيبها إنَّما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم، ولهذا ورثوا معها بالفرض لا بالتعصيب، وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: لكن يشكل على القول بتعصيبها ما جاء في البخاري (٤٧٤٦)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في حديث الملاعنة، وفي آخره: «ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ أمه صاحبة فرض لا عصبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠١):
«فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذى رواه مسلم في "صحيحه" في قصة اللعان: وفى آخره: "ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها"؟ قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجًا من كلام ابن شهاب وهو الظاهر، فإنَّ تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولابد فإن فضل شيء أخذته بالتعصيب، وإلَّا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه» اهـ.
[ ١٠ / ١١٣ ]
قُلْتُ: جاء في البخاري (٥٣٠٩): «قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ. وَكَانَتْ حَامِلًا، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ، قَالَ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ».
وهذا يدل على صحة ما ذكره العلامة ابن القيم من الإدراج.
القول الثالث: أنَّ ابن الملاعنة كغيره، فليست أمه عصبة له، ولا عصبتها عصبة له، فترث أمه فرضها منه فما بقي فلمولى أمه إن وجد، فإن لم يوجد من يرث بالولاء، عاد المال إلى بيت مال المسلمين، وهذا مذهب زيد بن ثابت، وعن ابن عباس نحوه، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأبو حنيفة، وصاحباه، وأهل البصرة، إلَّا أنَّ أبا حنيفة وأهل البصرة جعلوا الرد، وذوي الأرحام، أحق من بيت المال.
* * *
[ ١٠ / ١١٤ ]
٢٩٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟
فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟».
ثُمَّ قَالَ: «لا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ».
قَوْلُهُ: «مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٥٢):
«قَوْلُهُ: "من رباع، أو دور" الرباع جمع رَبع بفتح الراء وسكون الموحدة وهو: المنزل المشتمل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقَوْلُهُ: "أو دور" إمَّا للتأكيد أو من شك الراوي» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - توارث الكفار فيما بينهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١١):
«واتفق المسلمون على أنَّ أهل الدين الواحد يتوارثون: يرث اليهودي اليهودي، والنصراني النصراني وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وهل ترك لنا عقيل من
[ ١٠ / ١١٥ ]
رباع"؟ وكان عقيل ورث أبا طالب دون علي وجعفر؛ لأنَّه كان على دينه مقيمًا بمكة فورث رباعه بمكة وباعها فقيل للنبي ﷺ يوم الفتح: أين تنزل غدًا في دارك بمكة. فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ "» اهـ.
قُلْتُ: وهذا في غير دار النبي ﷺ، فإنَّه لم يأخذها عن طريق الميراث.
وإنَّما يتوارث الكفار بعضهم من بعض عند اتفاق الملل، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، لما رواه أحمد (٦٨٤٤)، وأبو داود (٢٩١١)، وابن ماجه (٢٧٣١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنَّ الكفر ملة واحدة يرث بعضهم من بعض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١٣):
«وهذا الذي اختاره الخلال هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأهل الظاهر. واختار أبو بكر عبد العزيز الرواية الأخرى وأنَّ الكفر ملل مختلفة لا يرث
[ ١٠ / ١١٦ ]
بعضهم بعضًا وهو الذي نصره القاضي واختاره في تعليقه وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى وهو قول كثير من أهل العلم وقول أهل المدينة مالك وأصحابه لقوله ﷺ: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ولأنَّهم لا يتناصرون ولا يتعاقلون ولا يوالي بعضهم بعضًا» اهـ.
قُلْتُ: ولا عبرة باختلاف الدار، ولا اتفاقها خلافًا للحنفية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١٢): «وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت ديارهم بحيث كان لكل طائفة ملك ويرى بعضهم قتل بعض لم يتوارثوا؛ لأنَّهم لا موالاة بينهم، فجعلوا اتفاق الدار واختلافها ضابط التوارث وعدمه وهذا أصل لهم في اختلاف الدار انفردوا به.
قال في "المغني": ولا نعلم لهذا حجة من كتاب ولا سنة مع مخالفته لعموم السنن المقتضي للتوريث ولم يعتبروا الدين في اتفاقه ولا اختلافه مع ورود الخبر فيه وصحة العبرة به فإنَّ المسلمين يرث بعضهم بعضًا وإن اختلفت الدار بهم وكذلك الكفار ولا يرث المسلم كافرًا ولا كافر مسلمًا لاختلاف الدين وإن اتحدت داراهما يعني اختلاف الدار ملغى في الشرع واختلاف الدين هو المعتبر» اهـ.
[ ١٠ / ١١٧ ]
٢ - وفيه أنَّ الكافر الحربي إذا استولى على بعض أموال المسلمين في حال كفره، ثم أسلم بعد ذلك فلا يلزمه أن يرد الحقوق إلى أهلها.
ووجه الشاهد من ذلك أنَّ عقيلًا استولى على دار النبي ﷺ حال كفره، ولم يكن ذلك عن طريق الميراث، ومع ذلك لما أسلم لم يأمره النبي ﷺ بإرجاع ما أخذه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦):
«ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل دون علي وجعفر مع أنَّ هذا كان في أول الإسلام وقد ثبت في الصحيح أنَّه قيل له ﷺ في حجة الوداع: "ألا تنزل في دارك؟ " فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! " وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لما هاجر النبي ﷺ ليس هو لأجل ميراثه فإنَّه أخذ دار النبي ﷺ التي كانت له التي ورثها من أبيه، وداره التي كانت لخديجة، وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن جحش، وكانت دارًا عظيمة فكان المشركون لما هاجر المسلمون من كان له
[ ١٠ / ١١٨ ]
قريب أو حليف استولى على ماله، ثم لما أسلموا قال: النبي ﷺ: "من أسلم على شيء فهو له" ولم يرد إلى المهاجرين دورهم التي أخذت منهم بل قال: "هذه أخذت في الله أجورهم فيها على الله" وقال لابن جحش: "ألا ترضى أن يكون لك مثلها في الجنة؟! ".
وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش فإن ردها عليه طلبوا هم أن يرد عليهم فأرسل إليه مع عثمان هذه الرسالة فسكت وسكت المسلمون، وهذا كان عام الفتح فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له ألا تنزل في دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟! "».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «فتبين بهذا أنَّ الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين ثم أسلموا كانت لهم ولم ترد إلى المسلمين لأنَّها أخذت في الله وأجورهم فيها على الله لما أتلفه الكفار من دمائهم وأموالهم فالشهداء لا يضمنون ولو أسلم قاتل الشهيد لم يجب عليه دية ولا كفارة بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين، وقد أسلم جماعة على عهد النبي ﷺ وقد عرف من قتلوه مثل وحشي بن حرب قاتل حمزة ومثل قاتل النعمان بن قوقل وغيرهما فلم يطلب النبي صَلَّى
[ ١٠ / ١١٩ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدًا بشيء عملًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ لَهُ». رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٨٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ.
ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٩٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا. وابن جريج مدلس قد عنعن.
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٥٨٤٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٧٢٢)
مِنْ طَرِيْقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ الزَّيَّاتِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ».
[ ١٠ / ١٢٠ ]
قُلْتُ: الزَّيَاتُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ.
وروى ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٦/ ٣٥١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» ..
قُلْتُ: عمرو بن هاشم، وسليمان بن أبي كريمة ضعيفان.
وروى أحمد (٢٣٠٧٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَهُمْ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَرَضِيهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمَاشِيَتِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ إِلَّا الصَّدَقَةُ».
قُلْتُ: فيه ليث وهو ابن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٤١١٧) حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: «قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لِقَوْمِي مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: منير، وأبوه فيهما جهالة.
[ ١٠ / ١٢١ ]
قُلْتُ: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا سوى حديث أبي هريرة، فالحديث يعد بذلك من قَبِيْلِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ.
قُلْتُ: وفي تضمين المرتدين والبغاة ما أتلفوه من أموال المسلمين نزاع بين العلماء والأظهر عدم الضمان.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٥):
«وهكذا قد يصيب الناس مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا مثل كافر يقتل مسلمًا ثم يسلم ويتوب الله عليه، أو يكون متأولًا لبدعة ثم يتوب من البدعة، أو يكون مجتهدًا، أو مقلدًا مخطئًا فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم فهو من جنس المصائب السماوية التي لا يطلب فيها قصاص من آدمي، ومن هذا الباب القتال في "الفتنة". قال الزهري: وقعت الفتنة - وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون - فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، وكذلك " قتال البغاة المتأولين" حيث أمر الله بقتالهم إذا قاتلهم أهل العدل فأصابوا من أهل العدل نفوسًا وأموالًا لم تكن مضمونة عند جماهير العلماء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه، وهذا ظاهر مذهب أحمد. وكذلك
[ ١٠ / ١٢٢ ]
"المرتدون" إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين وأصابوا من دمائهم وأموالهم، كما اتفق الصحابة في قتال أهل الردة أنَّهم لا يضمنون بعد إسلامهم ما أتلفوه من النفوس والأموال فإنَّهم كانوا متأولين وإن كان تأويلهم باطلًا، كما أنَّ سنة رسول الله ﷺ المتواترة عنه مضت بأنَّ الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا لم يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال، وأصحاب تلك النفوس والأموال كانوا يجاهدون قد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة فعوض ما أخذ منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم المؤمنون. وإذا كان هذا في الدماء والأموال فهو في الأعراض أولى، فمن كان مجاهدًا في سبيل الله باللسان: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبيان الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير؛ وبيان الأقوال المخالفة لذلك والرد على من خالف الكتاب والسنة أو باليد كقتال الكفار فإذا أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره في ذلك على الله لا يطلب من هذا الظالم عوض مظلمته بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة تجب ما قبلها ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وإن لم يتب بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة فهو مخالف لله ورسوله والحق في ذنوبه لله
[ ١٠ / ١٢٣ ]
ولرسوله وإن كان أيضًا للمؤمنين حق تبعًا لحق الله وهذا إذا عوقب لحق الله ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص فقط» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٣ - ١٤):
«ونظير هذه المسألة: ما أتلفه أهل البغي المتأولون على أهل العدل من النفوس والأموال، هل يضمنون؟ على روايتين. إحداهما: يضمنونه، جعلًا لهم كالمحاربين، وكقتال العصبية الذي لا تأويل فيه، وهذا نظير من يجعل العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة ما لا تأويل فيه.
والثانية: لا يضمنونه، وعلى هذا اتفق السلف كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أنَّ كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فلا ضمان فيه - وفي لفظ -: ألحقوهم في ذلك بأهل الجاهلية. ولهذا لم يضمن النبي ﷺ أسامة دم الذي قتله بعد ما قال: لا إله إلا الله؛ لأنَّه قتله متأولًا: أي أنَّهم وإن استحلوا المحرم؛ لكن لما كانوا جاهلين متأولين، كانوا بمنزلة أهل الجاهلية في عدم الضمان، وإن فارقوهم في عفو الله ورحمته؛ لأنَّ هذه الأمة عفي لها عن الخطأ والنسيان، بخلاف الكافر؛ فإنَّه لا يغفر له الكفر الذي أخطأ فيه» اهـ.
[ ١٠ / ١٢٤ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧):
«وكذلك المرتدون: قد أسلم طليحة الأسدي بعد ردته وقد قتل عكاشة بن محصن فلم يضمنه أبو بكر وعمر وسائر الصحابة لا دية ولا كفارة وكذلك سائر من قتله المرتدون والمحاربون لما عادوا إلى الإسلام لم يضمنهم المسلمون شيئًا من ذلك.
وهذا فيه نزاع في مذهب الشافعي وأحمد وطائفة من أصحابهما ينصرون الضمان وكثير من متأخري أصحاب أحمد يظن أنَّ هذا هو ظاهر مذهبه وأنَّ عدم الضمان هو قول أبي بكر عبد العزيز ولم يعلم أنَّ أحمد نص على قول أبي بكر وأنَّ أهل الردة والمحاربين لا يضمنون ما أتلفوه من النفوس والأموال كأهل الحرب الكفار الأصليين فإنَّ هؤلاء ليس فيهم خلاف.
وإنَّما النزاع في المرتدين والبغاة من أهل القبلة كالمقتتلين بالجمل وصفين لا يضمنون ما أتلفاه بعضهم على بعض في القتال وهذا هو المنصور عند أصحاب أحمد.
قال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أنَّ كل دم أو جرح أصيب بتأويل القرآن فإنَّه هدر أنزلوهم منزلة
[ ١٠ / ١٢٥ ]
الجاهلية". يعني: لما كانوا متأولين أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية وإن كانوا مخطئين في التأويل كالكفار والمرتدين، وإنَّما يضمن من كان يعلم أنَّه لا يحل له أن يقتل ويؤاخذ كالطائفتين المقتتلتين على عصبية. وكل منهما يعلم أنَّه يقاتل عصبية لا على حق فهؤلاء تضمن كل طائفة ما أتلفته على الأخرى وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
والمحاربون قطاع الطريق العالمون بأنَّ ما فعلوه محرم يضمنون وإذا تابوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم حدود الله كما تسقط عن الكفار الممتنعين إذا أسلموا قبل القدرة عليهم.
وهل يعاقبون بحدود الآدميين مثل أن يقتل أحدهم قصاصًا؟ فيه قولان للعلماء قيل يؤخذون بحقوق الآدميين كالقود، وقيل: لا يؤخذون وما كان معهم من أموال الناس يؤخذ بلا نزاع.
وما أتلفوه هل يضمنونه مع العقوبات البدنية؟ فيه نزاع كالسارق فإنَّه إذا وجد معه المال أخذ سواء قطعت يده أو لم تقطع.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
وإن كان قد أتلفه فهل يغرم مع القطع على ثلاثة أقوال قيل يغرم كقول الشافعي وأحمد وقيل لا يغرم كقول أبي حنيفة وقيل يغرم مع اليسار دون الإعسار كقول مالك» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الأموال التي استولى عليها الكافرون من أموال المسلمين، ثم استولى عليها المسلمون بعد ذلك فهل ترجع إلى أصحابها، في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٢٢٧):
«اختلف العلماء في ملك أهل الحرب، هل يملكون علينا؟ فإن غنمناه وجاء صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء، وإن جاء بعد القسمة أخذه بالقيمة، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والقاسم وعروة، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال الحسن البصري والزهري: لا يرد إلى صاحبه قبل القسمة ولا بعدها. وقال الشافعي: لا يملك أهل الحرب علينا بالغلبة ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها بغير شيء» اهـ.
قُلْتُ: والقول برجوعها قبل القسمة قول قوي. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٠):
[ ١٠ / ١٢٧ ]
«ولأنَّ لعدم القسمة تأثيرًا في الاستحقاق بدليل أنَّ الكفار إذا ظهروا على أموال المسلمين ثم ظهر عليها المسلمون قبل القسمة كان صاحبه أحق به وبعد القسمة لا حق له فيه» اهـ.
٣ - وفيه جواز بيع دور مكة، وهو مأخوذ من قول أسامة: «أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ». ووجه الشاهد أنَّ الدار أضيفت إلى النبي صلى الل عليه وسلم، وهذه الإضافة تقتضي الملك، ولإنسان أن يبيع ما يملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١١٧):
«واحتج بأنَّها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب دارا من صفوان بن أمية، وقيل للنبي ﷺ: أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب» اهـ.
واحتج به الشافعي على جواز بيع رباع مكة وإجارتها، وهو مذهب أحمد في رواية. وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى تحريم بيعها وإجارتها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ جواز بيع دور
[ ١٠ / ١٢٨ ]
مكة وتحريم إجارتها، وتحريم الإجارة مذهب إسحاق، ورواية عن أحمد، وهو مذهب لغيرهما من السلف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٤٠٩):
«وذهب إسحاق بن راهَويه إلى أنَّها تورث ولا تؤجر. وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٤١٠) «وتوسط الإمام أحمد فيما نقله صالح ابنه فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعًا بين الأدلة، والله أعلم» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ٤٩٠ - ٤٩٢): «وأحمد وغيره من السلف إنَّما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين. كما قال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾، وهذه هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار فإنَّ الله أوجب حجها على جميع الناس وشرع اعتمارها دائما فجعلها مشتركة بين جميع عباده. كما قال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾، ولهذا كانت منى وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد، ومكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به والإنسان أحق بمسكنه ما
[ ١٠ / ١٢٩ ]
دام محتاجًا إليه وما استغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من الحجيج وغيرهم. ولهذا كانت الأقوال في إجارة دورها وبيع رباعها ثلاثة. قيل: لا يجوز لا هذا ولا هذا. وقيل: يجوز الأمران.
والصحيح أنَّه يجوز بيع رباعها ولا يجوز إجارتها وعلى هذا تدل الآثار المنقولة في ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن الصحابة ﵃ فإنَّ الصحابة كانوا يتبايعون دورها والدور تورث وتوهب وإذا كانت تورث وتوهب جاز أن تباع بخلاف الوقف فإنَّه لا يباع ولا يورث ولا يوهب. وكذلك أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث وأمَّا إجارتها فقد كانت تدعى السوائب - على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن؛ لأنَّ المسلمين كلهم محتاجون إلى المنافع فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التي يحتاج إليها المسلمون فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به وما استغنى عنه أخذه غيره بلا عوض وكذلك المباحات التي يشترك فيها الناس ويكون المشتري لها استفاد بذلك أنَّه أحق من غيره ما دام محتاجًا وإذا باعها الإنسان قطع اختصاصه بها وتوريثه إياها وغير ذلك من تصرفاته، ولهذا له أن لا يبذله إلَّا بعوض والنبي ﷺ من على
[ ١٠ / ١٣٠ ]
أهل مكة فإنَّ الأسير يجوز المن عليه للمصلحة وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم كما من على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو المال فاختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم وقريش لم تحاربه كما حاربته هوازن وهو إنَّما من على من لم يقاتله منهم كما قال: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن". فلما كف جمهورهم عن قتاله وعرف أنَّهم مسلمون أطلقهم ولم يغنم أموالهم ولا حريمهم ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من قريش بخلاف ثقيف فإنَّهم سموا العتقاء فإنَّه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق والقسمة وكان في هذا ما دل على أنَّ الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح، فإنَّ النبي ﷺ فتح خيبر فقسمها بين المسلمين وسبى بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم يسترقهم ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢١٢ - ٢١٣):
[ ١٠ / ١٣١ ]
«بل الصواب أنَّ المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين».
إِلَى قَوْلِهِ: «أو لأنَّ المكي لما صار الناس يهدون إليهم الهدايا وتجب عليهم قسمتها فيهم صار يجب على المكيين إنزال الناس في منازلهم مقابلة للإحسان بالإحسان فصاحب الهدي له أن يأكل منه - مثلًا - حيث يجوز ويعطي من شاء ولا يعتاض عنه وكذلك صاحب المنزل يسكنه ويسكنه ولا يعتاض عنه. وهذا المعنى الذي ذكرناه قد يكون هو السبب الموجب لإبقائها بيد أربابها من غير خراج مضروب عليهم أصلًا؛ لأنَّ للمقيمين بمكة حقًا وعليهم حق؛ ليست كغيرها من الأمصار ومن هنا يصير التعليل بفتحها عنوة مناسبا لمنع إجارتها - كما ذكرناه - لا إلحاقًا لها بسائر أرض العنوة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨):
«فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأنَّ الدور تملك، وتوهب، وتورث، وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يسكنها ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد
[ ١٠ / ١٣٢ ]
الإجارة، فإنَّ هذه المنفعة إنَّما يستحق إن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأنَّ البيع ونقل الملك في رباعها إنَّما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبى حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة، والمعهود في الشريعة أنَّ الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأمَّا العكس، فلا عهد لنا به؟
قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر فى جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، وأحكامهما مختلفة، وإنَّما جاز البيع، لأنَّه وارد على المحل الذى كان البائع أخص به من غيره، وهو البناء، وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة، وهى مشتركة، وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة، فإن أبيتم إلاَّ النظير، قيل: هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه،
[ ١٠ / ١٣٣ ]
ويصير مكاتبًا عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا النزاع إنَّما هو في المساكن دون المزارع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢١١):
«الثالث: أنَّ مزارع مكة ما علمت أحدًا من أصحابنا ولا غيرهم منع بيعها أو إجارتها وإنَّما الكلام في الرباع وهي المساكن لا المزارع» اهـ.
قُلْتُ: ولم يظهر لي وجه الفرق بين المزارع والرباع، فإنَّ النهي عن إجارة الرباع إن كان من أجل أنَّها أرض وقف لعامة المسلمين باعتبار أنَّها أرض المشاعر فما أدري ما وجه إخراج المزارع من ذلك.
وهناك من أهل العلم من خص النهي على البيع والإجارة بأرض المشاعر دون غيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ١٣٨):
«واختار شيخ الإسلام جواز البيع دون الإجارة لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقيل: يجوز بيعها وإجارتها وهذا مذهب الشافعي، وحجتهم أنَّ النبي ﷺ قيل له
[ ١٠ / ١٣٤ ]
عام الفتح: أتنزل غدًا في دارك؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع؟! " وعقيل هو الذي ورث أبا طالب، وظاهر هذا الحديث أنَّ بيوت مكة تملك، وإذا ملكت جاز بيعها، وجازت إجارتها، وما ذهب إليه الشافعي وغيره هو الذي نصره الموفق في "المغني"، وأيده بأدلة كثيرة وقال: إنَّ الصحيح جواز البيع والإجارة في بيوت مكة، والعمل على هذا القول، وأمَّا القول بأنَّه لا يجوز بيعها ولا إجارتها فهو قول ضعيف، وأمَّا ما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو وإن كان فيه شيء من القوة، فإنَّه يمكن أن يجاب عنه بأنَّ الآية في أمكنة المشاعر، فهذه لا شك أنَّها لا تملك» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو عموم الآية، وذلك لأمرين:
الأول: أنَّ الله ﷿ ختمها بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وهذا الحكم وهو شدة تحريم الظلم يعم جميع الحرم. ولذلك اشترك جميع الحرم في تحريم الصيد، والقتل والقتال فيه، وتحريم قطع شجره، وأن يختلى خلاه.
الآخر: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٠٣)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٦٣)، والدارقطني (٣٠١٧)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٥١، ٢٠٥٢)
[ ١٠ / ١٣٥ ]
مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وقد سبق في كتاب الحج عند شرحنا لحديث أبي شريح في باب حرمة مكة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَاصُ ﵀ فَي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٥/ ٦١):
«ما ذكرنا وروى عن الصحابة والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأنَّ الناس كلهم فيها سواء وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ للحرم كله» اهـ.
قُلْتُ: وغاية ما جاء عن الصحابة هو جواز بيع دور مكة، ولم أقف إلى ساعتي هذه أنَّ أحدًا من الصحابة أجاز إجارة رباع مكة. والله أعلم.
قُلْتُ: مواضع المناسك لا نزاع في منع بيعها وإجارتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٨٩):
«قال ابن عقيل: والخلاف في غير مواضع المناسك، أمَّا بقاع المناسك كموضع السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ٢٠٩):
[ ١٠ / ١٣٦ ]
«لكن يستثنى من ذلك بقاع المناسك كالمسعى والمرمى ونحوهما بلا نزاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ٧٩):
«تنبيه: أجمع جميع المسلمين على أنَّ مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها.
والظاهر أنَّ ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلًا; لأنَّ المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج.
فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبقت الإشارة إلى مسألة إجارة وبيع بيوت مكة في شرح حديث أبي شريح في باب حرمة مكة من كتاب الحج.
٤ - وفيه جواز سكن المهاجر في داره التي هاجر منها من غير أن يقيم فيها، وهذا مأخوذ من مفهوم قَوْلِهِ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟». فإنَّه يدل على أنَّ عقيلًا لو ترك دار رسول الله ﷺ لنزل بها.
٥ - أنَّ المسلم لا يرث من الكافر.
[ ١٠ / ١٣٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤):
«وفيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر، وهذا مذهب العلماء كافة إلاَّ ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف: أنَّ المسلم يرث الكافر» اهـ.
٦ - وظاهره شمول المنافق، والمرتد، والذمي.
لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٢١٠): «فقول النبي ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار؛ بل كانوا يورثون ويرثون؛ وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٦):
«وأمَّا توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف فذهب كثير منهم إلى أنَّه لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت طائفة منهم بل يرث المسلم الكافر دون العكس وهذا قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وسعيد بن المسيب ومسروق بن الأجدع وعبد الله بن مغفل ويحيى بن يعمر وإسحاق بن
[ ١٠ / ١٣٨ ]
راهويه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا.
والذين منعوا الميراث عمدتهم الحديث المتفق عليه: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". وهو عمدة من منع ميراث المنافق الزنديق وميراث المرتد.
قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أنَّ النَّبي ﷺ كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون. وقد مات عبد الله بن أبي وغيره ممن شهد القرآن بنفاقهم ونهي الرسول ﷺ عن الصلاة عليه والاستغفار له وورثهم ورثتهم المؤمنون، كما ورث عبد الله بن أبي ابنه ولم يأخذ النبي ﷺ من تركة أحد من المنافقين شيئًا، ولا جعل شيئًا من ذلك فيئًا بل أعطاه لورثتهم وهذا أمر معلوم بيقين، فعلم أنَّ الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم وإن كانوا من وجه آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على إيمان القلوب.
[ ١٠ / ١٣٩ ]
وأمَّا المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل علي وابن مسعود أنَّ ماله لورثته من المسلمين أيضًا، ولم يدخلوه في قوله ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر" وهذا هو الصحيح.
وأمَّا أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر" المراد به الحربي لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي فإنَّ لفظ الكافر وإن كان قد يعم كل كافر فقد يأتي لفظه والمراد به بعض أنواع الكفار كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ فهنا لم يدخل المنافقون في لفظ الكافرين، وكذلك المرتد فالفقهاء لا يدخلونه في لفظ الكافر عند الإطلاق، ولهذا يقولون: إذا أسلم الكافر لم يقض ما فاته من الصلاة وإذا أسلم المرتد ففيه قولان. وقد حمل طائفة من العلماء قول النبي ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر" على الحربي دون الذمي ولا ريب أنَّ حمل قَوْلِهِ: "لا يرث المسلم الكافر" على الحربي أولى وأقرب محملًا فإنَّ في توريث المسلمين منهم ترغيبًا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة فإنَّ كثيرًا منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئًا. وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاهًا فإذا علم أنَّ
[ ١٠ / ١٤٠ ]
إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية وهذا وحده كاف في التخصيص وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير فإنَّ هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم وليس في هذا ما يخالف الأصول فإنَّ أهل الذمة إنَّما ينصرهم ويقاتل عنهم المسلمون ويفتدون أسراهم والميراث يستحق بالنصرة فيرثهم المسلمون وهم لا ينصرون المسلمين فلا يرثونهم فإنَّ أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب ولو كان هذا معتبرًا فيه كان المنافقون لا يرثون ولا يورثون وقد مضت السنة بأنَّهم يرثون ويورثون.
وأمَّا المرتد فيرثه المسلمون، وأمَّا هو فإن مات له ميت مسلم في زمن الردة ومات مرتدًا لم يرثه لأنَّه لم يكن ناصرًا له وإن عاد إلى الإسلام قبل قسمة الميراث فهذا فيه نزاع بين الناس. وظاهر مذهب أحمد أنَّ الكافر الأصلي والمرتد إذا أسلما قبل قسمة الميراث ورثا كما هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهذا يؤيد هذا الأصل فإنَّ هذا فيه ترغيب في الإسلام وقد نقل عن علي في الرقيق إذا كان ابنًا للميت: "أنَّه يشترى من التركة ويرث! ".
[ ١٠ / ١٤١ ]
قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأنَّ المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي أنَّ الاعتبار في الإرث بالمناصرة والمانع هو المحاربة؛ ولهذا قال أكثر الفقهاء: إنَّ الذمي لا يرث الحربي وقد قال تعالى في الدية: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالمقتول إن كان مسلمًا فديته لأهله وإن كان من أهل الميثاق فديته لأهله وإن كان من قوم عدو للمسلمين فلا دية له لأنَّ أهله عدو للمسلمين وليسوا بمعاهدين فلا يعطون ديته ولو كانوا معاهدين لأعطوا الدية ولهذا لا يرث هؤلاء المسلمين فإنَّهم ليس بينهم وبينهم إيمان ولا أمان.
ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل دون علي وجعفر مع أنَّ هذا كان في أول الإسلام وقد ثبت في الصحيح أنَّه قيل له ﷺ في حجة الوداع: "ألا تنزل في دارك؟ " فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! " وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لما هاجر النبي ﷺ ليس هو لأجل ميراثه فإنَّه أخذ دار النبي ﷺ التي كانت له التي ورثها من أبيه وداره التي كانت لخديجة وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن
[ ١٠ / ١٤٢ ]
جحش وكانت دارًا عظيمة فكان المشركون لما هاجر المسلمون من كان له قريب أو حليف استولى على ماله ثم لما أسلموا قال: النبي ﷺ: "من أسلم على شيء فهو له" ولم يرد إلى المهاجرين دورهم التي أخذت منهم بل قال: "هذه أخذت في الله أجورهم فيها على الله" وقال لابن جحش: "ألا ترضى أن يكون لك مثلها في الجنة؟! ".
وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش فإن ردها عليه طلبوا هم أن يرد عليهم فأرسل إليه مع عثمان هذه الرسالة فسكت وسكت المسلمون وهذا كان عام الفتح فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له ألا تنزل في دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟! "».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢/ ٣٢٨ - ٣٣٠): «فهؤلاء الكفار لا يرثون مثل هذا المسلم كما قال: ﷺ: "لا يرث الكافر المسلم" لأنَّه حربي والمناصرة بينهم منقطعة فإنَّهم عدو للمسلمين والميراث لا يكون مع العداوة الظاهرة بل مع المناصرة الظاهرة، وأهل الذمة ليسوا عدوًا محاربًا وقتيلهم مضمون فإذا ورث المسلم منهم كان هذا موافقًا للأصول.
[ ١٠ / ١٤٣ ]
وَقَوْلُهُ: "الكافر" أريد به الكافر المطلق وهو المعادي المحارب لم يدخل فيه المنافق ولا المرتد ولا الذمي فإذا كان المؤمن يرث المنافق لكونه مسالمًا له مناصرًا له في الظاهر فكذلك الذمي وبعض المنافقين شر من بعض أهل الذمة.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّه يرث المسلم الكافر بالموالاة وهو أحد القولين في مذهب أحمد نص عليه في رواية الجماعة حنبل وأبي طالب والمروذي والفضل بن زياد في المسلم يعتق العبد النصراني ثم يموت العتيق يرثه بالولاء. واحتجوا بقوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق".
قال المانعون من التوريث: له عليه الولاء ولكن لا يرث به.
قال المورثون: ثبوت الولاء يقتضي ثبوت حكمه والميراث من حكمه.
وقال عبد الله بن وهب حدثنا محمد بن عمرو عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني إلَّا أن يكون عبده أو أمته".
قالوا: وهو إجماع الصحابة أفتى به علي وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله فروى أبو بكر بإسناده عن الحارث عن علي ﵁: "لا يرث المسلم الكافر
[ ١٠ / ١٤٤ ]
ولا الكافر المسلم إلَّا أن يكون عبدًا له أو أمته". وكذلك عن ابن عمر ﵄.
قال المانعون: المراد بهذا: العبد القن إذا كان له مال ومات فإنَّ سيده يأخذ ماله.
قال المورثون: لا يصح هذا لأنَّ العبد القن لا مال له فيورث عنه فعلم أنَّه أراد من كان عبده فأعتقه كما حملتم عليه قوله ﷺ: "من قتل عبده قتلناه" وقلتم: معناه "الذي كان عبده". وكذلك قوله في بلال: "ألا إنَّ العبد قد نام".
قالوا: ولأنَّ الميراث بالولاء من حقوق الملك فلم يمنع منه اختلاف الدين لولاية الكافر على أمته، ولأنَّ الشارع لم يجعله أحق بميراثه لنسب بينه وبينه وإنَّما ذلك جزاء على نعمة المعتق وهذا من محاسن الشريعة وكمالها فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. يؤكده أنَّ الميراث بالولاء يجري مجرى المعاوضة ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضًا عن إحسانه إليه بالعتق.
قال المانعون: الكفر يمنع التوارث فلم يرث به المعتق كالقتل.
قال المورثون: القاتل يحرم الميراث لأجل التهمة ومعاقبة له بنقيض قصده وههنا علة الميراث الإنعام واختلاف الدين لا يكون من علله.
[ ١٠ / ١٤٥ ]
وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة وهي: الأولى: توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، الثانية: وتوريث المعتق عبده الكافر بالولاء، الثالثة: وتوريث المسلم قريبه الذمي وهي مسألة نزاع بين الصحابة والتابعين. وأمَّا المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع بل المنقول عنهم التوريث.
قال شيخنا: "والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع فإنَّ المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة بحقن دمائهم والقتال عنهم وحفظ دمائهم وأموالهم وفداء أسراهم فالمسلمون يمنعونهم وينصرونهم ويدفعون عنهم فهم أولى بميراثهم من الكفار. والذين منعوا الميراث قالوا: مبناه على الموالاة وهي منقطعة بين المسلم والكافر فأجابهم الآخرون بأنَّه ليس مبناه على الموالاة الباطنة التي توجب الثواب في الآخرة فإنه ثابت بين المسلمين وبين أعظم أعدائهم وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾. فولاية القلوب ليست هي المشروطة في الميراث وإنَّما هو بالتناصر والمسلمون ينصرون أهل الذمة فيرثونهم ولا ينصرهم أهل الذمة فلا يرثونهم والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: توريث المسلم من قريبه المنافق أو المرتد الذي يظهر لي هو صحة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
أمَّا المنافق فسنة النبي ﷺ فيه ظاهرة، وأمَّا المرتد فقد جاء في توريث اقربائه منه آثار عن أصحاب النبي ﷺ، وفي بعضها ضعف، فمن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٣، ٣٣٤٣٦) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «إِذَا ارْتَدَّ الْمُرْتَدُّ وَرِثَهُ وَلَدُهُ».
قُلْتُ: حديث القاسم عن جده ابن مسعود مرسل.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٣٠١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا بين الحكم وابن مسعود.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٤، ٣٣٤٣٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٢)، ورواه أيضًا (٤١) من غير طريقه، وهكذا رواه أيضًا سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٣١١)، والدارمي (٣٠٧٥)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٢٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ
[ ١٠ / ١٤٧ ]
عَلِيٍّ، «أَنَّهُ أُتِيَ بِمُسْتَوْرِدٍ الْعِجْلِيِّ وَقَدِ ارْتَدَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَبَى فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ٢٥٤):
«قال الشافعي ﵀: قد يزعم بعض أهل الحديث منكم أنَّه غلط.
قال الشافعي في موضع آخر: فقلت له - يعني للذي يناظره -: هل سمعت من أهل الحديث منكم من يزعم أنَّ الحافظ لم يحفظوا عن علي ﵁ فقسم ماله بين ورثته المسلمين ونخاف أن يكون الذي زاد هذا غلط. قال الإمام أحمد ﵀. وقرأت في رواية أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ عن أحمد بن حنبل ﵀ أنَّه ضعف الحديث الذي روي عن علي ﵁ أنَّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين. قال الشيخ: قد رويت قصة المستورد من وجه آخر عن علي وليس فيها هذه اللفظة وإنَّما فيها أنّه لم يعرض لماله» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي أشار إليه البيهقي هو ما رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٢٩٩) مِنْ طَرِيْقِ شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ جَالِسًا، حَتَّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَجِلٍ يُقَالُ لَهُ
[ ١٠ / ١٤٨ ]
الْمُسْتَوْرِدُ كَانَ مُسْلِمًا فَلَحِقَ بِالْأَكْيَرَاخِ فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ مَا لَكَ؟ قَالَ: وَجَدْتُ دِينَهُمْ خَيْرًا مِنْ دِينِكُمْ قَالَ: وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: دِينُ عِيسَى، قَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا عَلَى دِينِ عِيسَى، وَلَكِنْ مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ كَلِمَةً خَفِيَتْ عَلَيَّ لَمْ أَفْهَمْهَا فَزَعَمَ الْقَوْمُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ رَبُّهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اقْتُلُوهُ فَتَوَطَّأَهُ الْقَوْمُ حَتَّى مَاتَ، فَجَاءَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَأُعْطُوا بِجُبَّةٍ لَهُ صُوفٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فَأَبَى عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ وَلَمْ يَعْرِضْ لِمَالِهِ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٦١٥، ٣٣٤٠٩) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَنَصَّرَ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَنْ كَلِمَةٍ، فَقَالَ لَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَرَفَسَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧١١) مِنْ طَرِيْقِ الثوري عن سماك.
قُلْتُ: ابن عبيد اسمه دثار من جملة المجهولين.
وروى الطبري أيضًا في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٣٨٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ رَجُلًا، مِنْ بَنِي عِجْلٍ كَانَ طَوِيلَ الْجِهَادِ، فَتَنَصَّرَ، فَكَتَبَ فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ:
[ ١٠ / ١٤٩ ]
«فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُسَرِّحَ بِهِ إِلَيْهِ» قَالَ: فَجِيءَ بِهِ رَجُلًا مُكَبَّلًا فِي الْحَدِيدِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُكَلِّمُهُ وَيُدِيرُهُ، حَتَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كَانَتْ فِيهَا هَلَكَتُهُ، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنَّهُ شَهِدَ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، قَالَ: «فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَوَطِئَهُ، وَوَطِئَهُ النَّاسُ» فَقَالَ: أَمْسِكُوا، فَأَمْسَكُوا، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُرِّقَ، فَجَعَلَتِ النَّصَارَى تَقُولُ: «شَهِيدًا، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا مِنْ عِظَامِهِ، وَمِنْ دَمِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وليس فيه ذكر الميراث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٠) مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ، «فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأه ضعيف ومدلس، والحكم هو ابن عتيبة، وحديثه عن علي منقطع.
ومن ذلك أيضًا ما رواه أحمد (٢٢٠٥٨، ٢٢١١٠) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ فَارْتَفَعُوا إِلَيْهِ فِي يَهُودِيٍّ مَاتَ وَتَرْكَ أَخَاهُ مُسْلِمًا، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» فَوَرَّثَهُ.
[ ١٠ / ١٥٠ ]
لكن رواه أبو داود (٢٩١٢) مِنْ طَرِيْقِ أبي الأسود، أنَّ رجلًا، حدثه أنَّ معاذًا. فهذه الرواية تدل على أنَّ أبا الأسود لم يسمع الحديث من معاذ، وإنَّما رواه بواسطة رجل مبهم.
قُلْتُ: والحديث مما اختلف في إسناده.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٦/ ٨٧ - ٨٨):
«يرويه عمر، وابن أبي حكيم، وهو عمرو بن كردي الواسطي، واختلف عنه؛ فرواه شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي، عن معاذ بن جبل.
وكذلك رواه عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن أبي حكيم.
ورواه خالد الحذاء، عن عمرو بن كردي، عن يحيى بن يعمر، عن معاذ، أسقط من الإسناد رجلين، أحدهما عبد الله بن بريدة، والآخر أبو الأسود الدؤلي، قال ذلك حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، واختلف عن حماد، فقال: زيد بن الحباب، عن حماد، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن كردي، عن يحيى بن يعمر، أو غيره، شك حماد، عن معاذ بن جبل.
[ ١٠ / ١٥١ ]
والصحيح عن حماد، عن خالد الحذاء، ولم يضبط الإسناد غير شعبة، وعبد الوارث» اهـ.
قُلْتُ: ورواية شعبة وعبد الوارث ليس فيها الرجل المبهم، فالذي يظهر لي صحة الحديث إن كان أبو الأسود سمعه من معاذ، ولا يبعد ذلك فإنَّه من المخضرمين. والله أعلم.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٤/ ٤٢٣): «واختلف بعض أهل العلم في ميراث المرتد فجعل أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم المال لورثته من المسلمين» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ميراث المسلم من عتيقه الكافر بالولاء، ففيه نزاع كما سبق في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٥٨ - ١٥٩):
«وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني؛ لأنَّه يصلح له تملكه، ولا يرث النصراني مولاه المسلم؛ لأنَّه لا يصلح له تملكه.
وجمهور العلماء على أنَّه لا يرثه مع اختلاف دينهما؛ لقول النبي ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
[ ١٠ / ١٥٢ ]
ولأنَّه ميراث، فيمنعه اختلاف الدين، كميراث النسب؛ ولأنَّ اختلاف الدين مانع من الميراث، فمنع الميراث بالولاء، كالقتل والرق، يحققه أنَّ الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى فالأضعف أولى، ولأنَّ النبي ﷺ ألحق الولاء بالنسب، بِقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
وكما يمنع اختلاف الدين التوارث مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه مع صحة الولاء، وثبوته، فإذا اجتمعا على الإسلام، توارثا كالمتناسبين، وهذا أصح في الأثر والنظر، إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد قال العلامة ابن القيم في كلامه السابق عند تقريره لميراث المسلم من عتيقه الكافر بالولاء:
«قالوا: ولأنَّ الميراث بالولاء من حقوق الملك فلم يمنع منه اختلاف الدين لولاية الكافر على أمته، ولأنَّ الشارع لم يجعله أحق بميراثه لنسب بينه وبينه وإنَّما ذلك جزاء على نعمة المعتق وهذا من محاسن الشريعة وكمالها فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. يؤكده أنَّ الميراث بالولاء يجري مجرى المعاوضة ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضًا عن إحسانه إليه بالعتق» اهـ.
[ ١٠ / ١٥٣ ]
قُلْتُ: اجتمع في هذه المسألة عمومان، أحدهما يقتضي التوريث، وهو قول النبي ﷺ: «الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». وعموم يقتضي عدم التوريث، وهو قول النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ». ويتقوى تقديم العموم الأول باعتبار أنَّ الولاء كما ذكر العلامة ابن القيم يجري مجرى المعاوضة؛ ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضًا عن إحسانه إليه بالعتق، وهذا المعنى غير موجود في النسب فإنَّ الميراث بالنسب يكون من الجانبين، أضف إلى ذلك أنَّ سيد العبد الكافر مالك لماله قبل عتقه بسبب الرق فلا يبعد أن يكون مالكًا لبعض ماله بعد عتقه له بسبب عتقه، فهذا الذي يظهر لي رجحانه، والله أعلم.
فإن قيل: فلم لا تورثون من أجل ذلك الكافر من عتيقه المسلم؟!.
فالجواب: أنَّ عموم الحديث الآخر هاهنا أقوى من الأول، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فلو جعلنا للكافر ولاءً على المسلم فقد جعلنا له عليه سبيلًا، ولجعلنا له علوًا على المؤمنين، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بمشيئة الله تعالى في شرحنا لحديث عائشة الآتي.
[ ١٠ / ١٥٤ ]
٧ - وفيه أنَّ الكافر لا يرث المسلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤): «وأجمعوا أنَّ الكافر لا يرث المسلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْجَوَابِ الصَّحِيْحِ] (٢/ ٢٧٨):
«واتفق المسلمون على أنَّ اليهودي والنصراني لا يرث مسلمًا ولو كان ابنه وأباه لأنَّ الله قطع الموالاة بينهما» اهـ.
قُلْتُ: لكن إن أسلم قبل قسمة التركة فهل يرث منه أولا؟ في ذلك نزاع بين العلماء، فذهب الإمام أحمد في رواية إلى توريثه، وفي رواية توقف عن الافتاء فيها، وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم توريثه.
قُلْتُ: وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٩٤)، والقاضي أبو إسحاق الجهضمي في [أَحَادِيْثِ أَيُوبَ السِّخْتِيَانِي] (٥١)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥١)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٠٩٢)
مِنْ طَرِيْقِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنِ اسْأَلْ يَزِيدَ بْنَ قَتَادَةَ عَمَّا أَمَرْتَنِي، وَإِنِّي سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: تُوُفِّيَتْ أُمِّي نَصْرَانِيَّةً، وَأَنَا مُسْلِمٌ، وَإِنَّهَا تَرَكَتْ ثَلَاثِينَ عَبْدًا وَوَلِيدَةً، وَمِئَتَيْ نَخْلَةٍ، فَرَكِبْنَا فِي
[ ١٠ / ١٥٥ ]
ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَضَى عُمَرُ: «أَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وَلِابْنِ أَخِيهَا، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَلَمْ يُوَرِّثْنِي شَيْئًا»، قَالَ يَزِيدُ بْنُ قَتَادَةَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ جَدِّي، وَهُوَ مُسْلِمٌ، كَانَ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ، فَرَكِبْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَا وَابْنُ أَخِيهِ، وَابْنَتُهُ نَصْرَانِيَّةٌ، فَوَرَّثَنِي عُثْمَانُ مَالَهُ كُلَّهُ، وَلَمْ يُوَرِّثِ ابْنَتَهُ شَيْئًا، فَحُزْتُهُ عَامًا أَوِ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ ابْنَتُهُ، فَرَكِبْنَا إِلَى عُثْمَانَ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ، فَقَالَ لَهُ: كَانَ عُمَرُ يَقْضِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَإِنَّ لَهُ مِيرَاثَهُ وَاجِبًا بِإِسْلَامِهِ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ كُلَّ ذَلِكَ، وَأَنَا شَاهِدٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ كَلُّهُمْ ثِقَاتٌ غير يزيد بن قتادة فقد اختلف في صحبته، والأظهر عدم إثبات الصحبة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٢٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَتَادَةَ، «أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَيَزِيدُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ إِخْوَةٌ نَصَارَى، فَلَمْ يُوَرِّثْهُ عُمَرُ مِنْهُ»، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يَزِيدَ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، فَأَسْلمَ إِخْوَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَطَلَبُوا الْمِيرَاثَ، فَارْتَفَعُوا إِلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، «فَوَرَّثَهُمْ».
قُلْتُ: عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد، وخالد هو الحذاء. وحديث أيوب أصح. والله أعلم.
[ ١٠ / ١٥٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٠ - ٣٢٤):
«وهذا من فقه الصحابة ﵃ الذي عجز عنه كثير ممن بعدهم فإنَّهم أجروا حالة الموت قبل القسمة مجرى ما قبل الموت فإنَّ التركة لم يقع عليها استيلاء الورثة وحوزهم وتصرفهم فكأنَّها في يد الميت حكمًا فهي ما بين الموت والقسمة لها حالة وسط فألحقت بما قبل الموت وكان أولى استصحابًا لحال بقائها. وأيضًا فإنَّ التركة قبل القسمة على ملك الميت فلو زادت ونمت وفيت ديونه من الزيادة ولو نصب مناجل وشبكة قبل الموت فوقع فيها صيد بعده وقبل القسمة كان على ملكه فتوفي منه ديونه وتنفذ منه وصاياه.
وأيضًا فإنَّ توريث المسلم قبل القسمة مما يرغب في الإسلام ويزيد فيه ويدعو إليه فلو لم يكن فيه إلاَّ مجرد الاستحسان لكان ذلك من محاسن الشريعة وكمالها ألا يحرم ولد رجل ميراثه بمانع قد زال فعل المقتضي عمله، فإنَّ النسب هو مقتض للميراث ولكن عاقبه الشارع بالحرمان على كفره فإذا أسلم لم يبق محلًا للعقوبة بل صار بالثواب أولى منه بالعقاب.
يوضحه أن زوال المانع قبل القسمة يجعله في حكم ما لم يكن أصلًا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والنازع عن الكفر كمن لم يكفر فلا معنى لحرمانه وقد
[ ١٠ / ١٥٧ ]
أكرمه الله بالإسلام ومال موروثه لم يتعين بعد لغيره بل هو في حكم الباقي على ملكه من وجه وفي حكم الزائل من وجه، يوضحه أنَّه إذا أسلم قبل القسمة وقبل حيازة بيت المال التركة ساوى المسلمين في الإسلام وامتاز عنهم بقرابة الميت فكان أحق بماله. وهذه المسألة مما برز به الإمام أحمد ومن قال: بقوله وهي من محاسن الشريعة وعند أحمد فيها من الآثار عن الصحابة ما لم يبلغ غيره» اهـ.
قُلْتُ: هذا قول قوي كما ترى.
ويستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت كتابية تحت مسلم ثم مات المسلم، فأسلمت هذه الزوجة قبل قسمة الميراث فالصحيح أنَّها لا ترث؛ وذلك أنَّ عقد النكاح السابق لم يكن مقتضيًا للميراث، وبعد الموت قد زال العقد فلا أثر لإسلامها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣):
«فإن قيل: فما تقولون في الزوجة تسلم قبل قسمة الميراث قيل قد ذكر أبو بكر في "كتاب الطلاق" هذه المسألة فقال: إذا أسلم على ميراث قبل أن يقسم كان داخلًا في الميراث في أحد القولين والقول الآخر لا يرث وأمَّا الزوجة فخارجة عن الميراث في القولين جميعًا.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
قال القاضي: "وظاهر كلام أحمد والخرقي أنَّها ترث وهو الصحيح عندي لأنَّ المانع من الميراث إذا كان لاختلاف الدين فإذا زال قبل القسمة لم يمنع الإرث كالنسب. ووجه قول أبي بكر أنَّ إرث الزوجة بعقد النكاح على صفة وهي الاتفاق في الدين وبالموت قد زال العقد فإذا وجد الاتفاق بعد ذلك لم يؤثر كعدم العقد وليس كذلك النسب لأنَّه يورث به على صفة وبالموت لم يزل النسب فإذا وجد الاتفاق في الدين صادف سببًا ثابتًا فلهذا ورث".
يبين صحة هذا ما قلناه في المولى المناسب إذا فسق سقطت ولايته فإذا صار عدلًا عادت ولايته لأنَّ النسب باق لم يزل ولو استفاد الولاية بالحكم وفسق الحاكم سقطت ولايته فإن صار عدلًا في الثاني لم تعد ولايته لأنَّها إنَّما استفادها بالعقد والعقد قد بطل فلم يؤثر وجود العدالة في الثاني.
وأجاب آخرون بالجواب المركب وهو إن لم يكن بين الصورتين فرق في مسألة العبد والزوجة والكافر فالصواب التسوية وإن كان بينهما فرق بطل الإلزام والله أعلم» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ١٥٩ ]
٢٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَهِبَتِهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع الولاء، والنهي يقتضي الفساد.
٢ - النهي عن هبة الولاء، وهو يقتضي الفساد أيضًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٥٠):
«الفقهاء بالعراق والحجاز مجمعون على أنَّه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته.
قال ابن المنذر: وفيه قول ثان: روي أنَّ ميمونة بنت الحارث وهبت ولاء مواليها بني العباس، وولاؤهم اليوم لهم، وأنَّ عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير، وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنَّه يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالى من شاء، وهذا هو هبة الولاء» اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٦٥):
«وأجاز بعض السلف من الصحابة نقله، ورأى بعضهم أنَّ الحديث لم يبلغهم» اهـ.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
٣ - وهكذا لا ينتقل الولاء بالإرث، فالولاء لا يورث وإنَّما يورث به، وهو مذهب الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤١٢ - ٤١٣):
«فَصْلٌ: وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتَقِ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ الْمَالَ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُعْتَقِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَابْن قُسَيْطٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَدَاوُد.
وَشَذَّ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ، يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. وَرَوَاهُ حَنْبَلٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ. وَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇: "الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ". وَقَوْلِهِ: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ". وَالنَّسَبُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ، فَلَا يَنْتَقِلُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ١٦١ ]
٢٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟». قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
قَوْلُهَا: «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٤٩):
«تعني به: أنَّ هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلَّا فقد تبيَّن: أنَّ فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولًا لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهم، والحاجة إليها أمسّ. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٤٩):
[ ١٠ / ١٦٢ ]
«والذي قصدته عائشة ﵂ في هذا الحديث هو عظم الأمر في قصة بريرة؛ لأنَّ ذلك أصول وأحكام وأركان من الحلال والحرام» اهـ.
قَوْلُهَا: «وَأُدْمٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٥٦):
«وقد اختلف الناس في الأدم فالجمهور أنَّه ما يؤكل به الخبز بما يطيبه سواء كان مرقًا أم لا، واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١١/ ٥٧١): «قال ابن القصار: لا خلاف بين أهل اللسان أنَّ من أكل خبزًا بلحم مشوي أنَّه ائتدم به، فلو قال: أكلت خبزًا بلا إدام كذب، وإن قال: أكلت خبزًا بإدام صدق، وأمَّا قول الكوفيين الإدام اسم للجمع بين الشيئين فدل على أنَّ المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعًا له بأن تتداخل اجزاؤه في اجزائه وهذا لا يحصل إلَّا بما يصطبغ به، فقد أجاب من خالفهم بأنَّ الكلام الأول مسلم، لكن دعوى التداخل لا دليل عليه قبل التناول وإنَّما المراد الجمع، ثم الاستهلاك بالأكل فيتداخلان حينئذ» اهـ.
قَوْلُهُ: «واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع» صوابها: الاصطباغ بالموحدة التحتية والظاهر أنَّ تصحفت على الناسخ.
قَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٨/ ١٧٧):
[ ١٠ / ١٦٣ ]
«وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْإِدَامُ تَبَعٌ وَلَكِنْ حَقِيقَةُ التَّبَعِيَّةِ فِيمَا يَخْتَلِطُ بِالْخُبْزِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُ كَالْخَلِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ"، فَمَا يَصْطَبِغُ بِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ مَعَ الْخُبْزِ فَلَا يَكُونُ إدَامًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُؤْكَلُ مَعَهُ كَالْعِنَبِ، تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْإِدَامَ مَا لَا يَتَأَتَّى أَكْلُهُ وَحْدَهُ كَالْمِلْحِ، فَإِنَّهُ إدَامٌ، وَالْخَلُّ وَاللَّبَنُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْأَكْلُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ شَرَابًا لَا أَكْلًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إدَامٌ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يَتَأَتَّى الْأَكْلُ فِيهَا وَحْدَهَا، فَلَمْ تَكُنْ إدَامًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠):
«والمقصود: أنَّ أكل الخبز مأدومًا من أسباب حفظ الصحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمى الْأَدْمُ أُدُمًا: لإصلاحه الخبز، وجعله ملائمًا لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: "إنَّه أحرى أن يؤدم بينهما"، أي: أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإنَّ الزوج يدخل على بصيرة، فلا يندم» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ٣٠٧):
«البرمة: القدر مطلقًا وجمعها برام وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف في الحجاز واليمن» اهـ.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تخيير الأمة اعتقت تحت عبد بين بقائها تحته أو طلاقها، وهل تخير إذا كانت تحت حر، في ذلك نزاع بين العلماء، والأظهر أنَّ لها التخيير أيضًا، كما سيأتي تحرير ذلك في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٨ - ١٧٤):
«وفي القصة من الفقه تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد، وقد اختلفت الرواية في زوج بريرة، هل كان عبدًا أو حرًا؟ فقال القاسم، عن عائشة ﵂: كان عبدًا ولو كان حرًا لم يخيرها. وقال عروة عنها: كان حرًا. وقال ابن عباس: كان عبدًا أسود يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة، وكل هذا في الصحيح. وفى سنن أبي داود عن عروة عن عائشة: كان عبدًا لآل أبي أحمد، فخيرها رسول الله ﷺ وقال لها: "إن قربك، فلا خيار لك".
وفى مسند أحمد، عن عائشة ﵂، أنَّ بريرة كانت تحت عبد، فلما أعتقها، قال لها رسول الله ﷺ: "اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه".
[ ١٠ / ١٦٥ ]
وقد روى في "الصحيح": أنَّه كان حرًا.
وأصح الروايات، وأكثرها: أنَّه كان عبدًا، وهذا الخبر رواه عن عائشة ﵂ ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، أمَّا الأسود، فلم يختلف عنه عن عائشة أنَّه كان حرًا، وأمَّا عروة، فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان، إحداها: أنَّه كان حرًا؛ والثانية: أنَّه كان عبدًا، وأمَّا عبد الرحمن بن القاسم، فعنه روايتان صحيحتان، إحداها: أنَّه كان حرًا، والثانية: الشك. قال داود بن مقاتل: ولم تختلف الرواية عن ابن عباس أنَّه كان عبدًا.
واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد، واختلفوا إذا كان حرًا؛ فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا تخير، وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية: تخير.
وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبدًا أو حرًا، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبر عنه بقولهم: كملت تحت ناقص، الثاني: أنَّ عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم
[ ١٠ / ١٦٦ ]
أنَّ الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال، الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه.
المأخذ الأول: وهو كمالها تحت ناقص، فهذا يرجع إلى أنَّ الكفاءة معتبرة في الدوام، كما هي معتبرة في الابتداء، فإذا زالت، خيرت المرأة، كما تخير إذا بان الزوج غير كفء لها، وهذا ضعيف من وجهين.
أحدهما: أنَّ شروط النكاح لا يعتبر دوامها واستمرارها، وكذلك توابعه المقارنة لعقدة لا يشترط أن تكون توابع في الدوام، فإنَّ رضى الزوجة غير المجبرة شرط في الابتداء دون الدوام، وكذلك الولي والشاهدان، وكذلك مانع الإحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكاح الزانية، إنَّما يمنع ابتداء العقد دون استدامته، فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداء اشتراط استمرارها ودوامها.
الثاني: أنَّه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسق الزوج، أو حدوث عيب موجب للفسخ، لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب، وهو اختيار قدماء الأصحاب، ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث، ويلزم إثباته بحدوث فسق الزوج، وقال الشافعي: إن حدث بالزوج، ثبت الخيار، وإن حدث بالزوجة، فعلى قولين.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
وأمَّا المأخذ الثاني: وهو أنَّ عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة، فمأخذ ضعيف جدًا، فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصب الشارع ملك الطلقة الثالثة سببًا لملك الفسخ، وما يتوهم من أنَّها كانت تبين منه باثنتين فصارت لا تبين إلَّا بثلاث، وهو زيادة إمساك وحبس لم يقتضه العقد فاسد، فإنَّه يملك ألا يفارقها ألبتة، ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، والنكاح عقد على مدة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، وعتقها لا يسلبه هذا الملك، فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة، وهذا لو كان الطلاق معتبرًا بالنساء، فكيف والصحيح أنَّه معتبر بمن هو بيده وإليه، ومشروع في جانبه.
وأمَّا المأخذ الثالث: وهو ملكها نفسها، فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشرع، وأبعدها من التناقض، وسر هذا المأخذ أنَّ السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكًا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضى تمليك الرقبة والمنافع للمعتق، وهذا مقصوده وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بضعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلَّا باختيارها، فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخ نكاحه، إذ قد ملكت منافع بضعها، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة، أنَّه ﷺ قال لها: "ملكت نفسك فاختاري".
[ ١٠ / ١٦٨ ]
فإن قيل: هذا ينتقض بما لو زوجها ثم باعها، فإن المشترى قد ملك رقبتها وبضعها ومنافعه، ولا تسلطونه على فسخ النكاح. قلنا لا يرد هذا نقضًا، فإنَّ البائع نقل إلى المشترى ما كان مملوكًا له، فصار المشترى خليفته، هو لما زوجها، أخرج منفعة البضع عن ملكه إلى الزوج، ثم نقلها إلى المشترى مسلوبة منفعة البضع، فصار كما لو آجر عبده مدة، ثم باعه. فإن قيل: فهب أنَّ هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها، فهلا قلتم ذلك إذا أعتقها، وأنَّها ملكت نفسها مسلوبة البضع، كما لو آجرها، ثم أعتقها، ولهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ؟
قيل: الفرق بينهما: أنَّ العتق في تمليك العتيق رقبته ومنافعه أقوى من البيع، ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسرى في حصة الشريك، بخلاف البيع، فالعتق إسقاط ما كان السيد يملكه من عتيقه، وجعله له محررًا، وذلك يقتضي إسقاط ملك نفسه ومنافعها كلها. وإذا كان العتق يسرى في ملك الغير المحض الذي لا حق له فيه البتة، فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلق به حق الزوج، فإذا سرى إلى نصيب الشريك الذي لا حق للمعتق فيه، فسريانه إلى ملك الذي يتعلق به حق الزوج أولى وأحرى، فهذا محض العدل والقياس الصحيح.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
فإن قيل: فهذا فيه إبطال حق الزوج من هذه المنفعة بخلاف الشريك، فإنَّه يرجع إلى القيمة.
قيل: الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء، فطريان ما يزيل دوامها لا يسقط له حقًا، كما لو طرأ ما يفسد أو يفسخه برضاع أو حدوث عيب، أو زوال كفاءة عند من يفسخ به.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه النسائي، من حديث ابن موهب، عن القاسم بن محمد، قال: كان لعائشة ﵂ غلام وجارية، قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال "ابدئي بالغلام قبل الجارية". ولولا أنَّ التخيير يمنع إذا كان الزوج حرًا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به، عتقت تحت حر، فلا يكون لها اختيار.
وفى سنن النسائي أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت، فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها".
قيل: أمَّا الحديث الأول: فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه: هذا خبر لا يعرف إلَّا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف. وقال ابن حزم: هو خبر لا يصح. ثم لو صح لم يكن فيه حجة، لأنَّه ليس فيه أنَّهما كانا زوجين، بل قال: كان
[ ١٠ / ١٧٠ ]
لها عبد وجارية. ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتق العبد أولًا ما يسقط خيار المعتقة تحت الحر، وليس في الخبر أنَّه أمرها بالابتداء بالزوج لهذا المعنى، بل الظاهر أنَّه أمرها بأن تبتدئ بالذكر لفضل عتقه على الأنثى، وأن عتق أنثيين يقوم مقام عتق ذكر، كما في الحديث الصحيح مبينًا.
وأمَّا الحديث الثاني: فضعف، لأنَّه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول. فإذا تقرر هذا، وظهر حكم الشرع في إثبات الخيار لها، فقد روى الإمام أحمد بإسناده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه".
ويستفاد من هذا قضيتان:
إحداهما: أنَّ خيارها على التراخي ما لم تمكنه من وطئها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة. وللشافعي ثلاثة أقوال:
هذا أحدها. والثاني: أنَّه على الفور؛ والثالث: أنَّه إلى ثلاثة أيام.
الثانية: أنَّها إذا مكنته من نفسها، فوطئها، سقط خيارها، وهذا إذا علمت بالعتق وثبوت الخيار به، فلو جهلتهما، لم يسقط خيارها بالتمكين من الوطء. وعن أحمد رواية ثانية: أنَّها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ، بل إذا علمت بالعتق، ومكنته من
[ ١٠ / ١٧١ ]
وطئها، سقط خيارها ولو لم تعلم أنَّ لها الفسخ، والرواية الأولى أصح، فإن عتق الزوج قبل أن تختار وقلنا: إنَّه لا خيار للمعتقة تحت حر بطل خيارها لمساواة الزوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. قال الشافعي في أحد قوليه وليس هو المنصور عند أصحابه: لها الفسخ لتقدم ملك الخيار على العتق فلا يبطله، والأول أقيس لزوال سبب الفسخ بالعتق، وكما لو زال العيب في البيع والنكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة الفسخ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها، فلا أثر لذلك، فإن طلقها طلاقًا رجعيًا، فعتقت في عدتها، فاختارت الفسخ، بطلت الرجعة، وإن اختارت المقام معه، صح، وسقط اختيارها للفسخ، لأنَّ الرجعية كالزوجة.
وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصح اختيارها في زمن الطلاق فإنَّ الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينوته، ممتنع فإذا راجعها، صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه، لأنَّها صارت زوجة، وعمل الاختيار عمله، وترتب أثره عليه. ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول، ثم عتقت في زمن الردة، فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارته، ثم أسلم، سقط ملكها للفسخ، وعلى
[ ١٠ / ١٧٢ ]
قول الشافعي: لا يصح لها خيار قبل إسلامه، لأنَّ العقد صائر إلى البطلان فإذا أسلم، صح خيارها.
فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ، هل يقع الطلاق أم لا؟
قيل: نعم يقع، لأنَّها زوجة؛ وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطلاق، فإن فسخت، تبينا أنَّه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه. فإن قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ؟
قيل: إمَّا أن تفسخ قبل الدخول أو بعده. فإن فسخت بعده، لم يسقط المهر، وهو لسيدها سواء فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا مهر، لأنَّ الفرقة من جهتها، والثانية، يجب نصفه، ويكون لسيدها لا لها.
فإن قيل: فما تقولون في المعتق نصفها، هل لها خيار؟ قيل: فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، فإن قلنا: لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها وقيمتها مائة، فعقد على مائتين مهرًا، ثم مات، عتقت، ولم تملك الفسخ قبل الدخول، لأنَّها لو ملكت، سقط المهر، أو انتصف، فلم تخرج من الثلث، فيرق بعضها، فيمتنع
[ ١٠ / ١٧٣ ]
الفسخ قبل الدخول، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنها تخرج من الثلث، فيعتق جميعها» اهـ.
وَقَال الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨٩ - ١٩٠):
«وإنَّما كان لها الخيار؛ لأنَّها إذا حدثت لها الحرية فقد حدث لها حال كمال ترتفع به عن العبد، ونقص الزوج عنها، وأيضًا فإنَّها حين عقد عليها سيدها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فجعل لها الاختيار حين صارت أكمل حرمة من زوجها» اهـ.
وَقَوْلُهُ ﵀: «وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبدًا أو حرًا، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبر عنه بقولهم: كملت تحت ناقص، الثاني: أنَّ عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم أنَّ الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال، الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه».
قُلْتُ: المأخذ الأول قاله الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.
والمأخذ الثالث: اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٧٧):
«وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ تَحْتَ حُرٍّ. وَإِنْ كَانَ زَوَّجَ بَرِيرَةَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ رَقَبَتَهَا. فَلَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهَا» اهـ.
وذهب إلى ذلك محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة في [الْحُجَّةِ عَلَى أَهِلِ الْمَدِيْنَةِ] (٤/ ٢٣).
قُلْتُ: حديث: «قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي». لم أقف له على أصل، وقد ذكره الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٧) فقال: «واحتجوا أيضًا بما روي في بعض الآثار في قصة بريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "قد ملكت نفسك فاختاري"» اهـ.
قُلْتُ: وإذا اختارت فراق زوجها بانت عنه على الصحيح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥):
«لا معنى لقول من قال: إنَّها طلقة رجعية؛ لأنَّ زوجها لو ملك رجعتها لم يكن لاختيارها معنى، وأي شيء كان يفيدها فرارها عن زوجها ومفارقتها إياه
[ ١٠ / ١٧٥ ]
بتطليقها نفسها وهو يملك رجعتها هذا ما لا معنى له؛ لأنَّها إنَّما اختارت نفسها لتخلصها من عصمته فلو ملك رجعتها لم تتخلص منه، وإذا استحال ذلك فمعلوم أنَّ الطلاق إذا وقع بائنًا لم يكن رجعيًا بعد، وكيف يكون بائنًا عند وقوعه وتكون لزوجها رجعتها أن أعتق هذا محال» اهـ.
قُلْتُ: لكن هل اختيارها يكون طلاقًا، أو فسخًا، الذي يترجح عندي أنَّه يكون فسخًا، وذلك أنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمر زوج بريرة بتطليقها، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه طلقها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يبق إلَّا أن يكون فراقها مِنْ طَرِيْقِ الفسخ. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥): «وقال الثوري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه: إن اختارت الأمة المعتقة نفسها فهو فسخ بغير طلاق، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب مالك أيضًا.
٢ - وفيه أنَّ عتق الأمة لا يعتبر طلاقًا لها، إذ لو كان عتقها طلاقًا لها لما احتاج النبي ﷺ إلى تخييرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
[ ١٠ / ١٧٦ ]
«اختلف السلف هل يكون بيع الأمة وعتقها طلاقًا لها؟ فروى عن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، أنَّه لا يكون ذلك طلاقًا لها، وهو مذهب كافة الفقهاء. وقالت طائفة: بيعها طلاق لها، روى ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد» اهـ.
٣ - أنَّ موالي أزواجه لا يدخلون في موالي آل بيته.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٤٦١):
«وقد تبين أنَّ دخول أزواجه في آل بيته أصح وإن كان مواليهن لا يدخلون في موالي آله بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢١٨):
«فإن قيل: لو كانت الصدقة حرامًا عليهم لحرمت على مواليهن كما أنَّها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم.
وقد ثبت في - الصحيح - أنَّ بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته ولم يحرمه النَّبي ﷺ وهي مولاة لعائشة ﵂.
قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي ﷺ.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
وجواب هذه الشبهة: أنَّ تحريم الصدقة على أزواج النَّبي ﷺ ليس بطريق الأصالة وإنَّما هو تبع لتحريمها عليه وإلَّا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به فهن فرع في هذا التحريم والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي ﷺ تبعًا لم يقو ذلك على استتباع مواليهن لأنَّه فرع عن فرع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤):
«اتفق كافة الفقهاء على أنَّ أزواج النبي، ﵇، لا يدخلن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة، فمواليهن أحرى بالصدقة على ما ثبت في شاة ميمونة ولحم بريرة. وإنما اختلف العلماء في موالى بنى هاشم خاصة» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٦):
«وَقد نقل بن بَطَّالٍ أَنَّهُنَّ أَيِ الْأَزْوَاجَ لَا يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ بن قدامَة أَنْ الْخلال أخرج من طَرِيق بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا قُلْتُ وَإِسْنَادُهُ إِلَى عَائِشَةَ حسن وَأخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا نَقله بن بطال» اهـ.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٤/ ٢٠٧):
«وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَزْوَاجِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ بِدُخُولِهِنَّ فِي الْآلِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ» اهـ.
وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢١٧ - ٢١٨) فَقَالَ: «وَلِهَذَا كَانَ القَوْل الصَّحِيح وَهُوَ مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد ﵀ إِنْ الصَّدَقَة تحرم عَلَيْهِم لِأَنَّهَا أوساخ النَّاس وَقد صان الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الجناب الرفيع وَآله من كل أوساخ بني آدم وَيَا لله الْعجب كَيفَ يدْخل أَزوَاجه فِي قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَقَوله فِي الْأُضْحِية اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، وَفِي قَول عَائِشَة ﵂ مَا شبع آل رَسُول الله ﷺ من خبز بر، وَفِي قَول الْمُصَلِّي اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَلَا يدخلن فِي قَوْله: "إِنْ الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد" مَعَ كَونهَا من أوساخ النَّاس فأزواج رَسُول الله ﷺ أولى بالصيانة عَنْهَا والبعد مِنْهَا» اهـ.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
قُلْتُ: والدليل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم ما رواه البخاري (٦٧٦١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَوْ كَمَا قَالَ.
وأصرح من هذا ما رواه أحمد (٢٣٩٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَبَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا قَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والحكم هو ابن عتيبة، وابن أبي رافع هو عبيد الله، وأبوه أبو رافع اختلف في اسمه، وهو من موالي النبي ﷺ.
٤ - ويؤخذ منه أيضًا أنَّه يجوز للغني أن يأكل من الصدقة التي تُصدق بها على الفقير، إذا أهدى له الفقير شيئًا منها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ١٧):
[ ١٠ / ١٨٠ ]
«وكان ﷺ ينهى المتصدق أن يشترى صدقته، وكان يبيح للغنى أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل ﷺ من لحم تصدق به على بريرة وقال: "هو عليها صدقة ولنا منها هدية"» اهـ.
٥ - فيه مشروعية تسمية الصدقة هدية.
٦ - وفيه ثبوت الولاء للمعتق، وعمومه يشمل الرجال والنساء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٦٠ - ٦١):
«وأمَّا قوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق" فإنَّه يدخل في قوله من أعتق كل مالك نافذ أمره مستقر ملكه من الرجال والنساء البالغين إلَّا أنَّ النساء ليس لهن من الولاء إلَّا ما أعتقن أو ولاء عتق من أعتق؛ لأنَّ الولاء للعصبات وليس لذوي الفروض مدخل في ميراث الولاء إلَّا أن يكونوا عصبة وليس النساء بعصبة.
روى ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري أنَّه أخبره عن سالم أنَّ ابن عمر كان يورث موالي عمر دون بنات عمر، وروي عن زيد بن ثابت معناه، وعليه جماعة أهل العلم، ولا يستحق الولاء من العصبات إلَّا الأقرب فالأقرب، ولا يدخل بعيد على قريب، وإن قربت قراباتهم فأقرب العصبات الأبناء، ثم بنوهم
[ ١٠ / ١٨١ ]
وإن سفلوا، ثم الأب؛ لأنَّه ألصق الناس به بعد ولده وولد ولده، ثم الأخوة لأنَّهم بنو الأب، ثم بنو الأخوة وإن سفلوا، ثم الجد أب الأب، ثم العم؛ لأنَّه ابن الجد، ثم بنو العم فعلى هذا التنزيل ميراث الولاء وعلى هذا المجرى يجري ميراث الولاء وما أحرز الأبناء والآباء من الولاء فهو لعصبتهم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ عصبة الجد مقدمة على عصبة الإخوة وأبنائهم. والله أعلم.
والدليل على أنَّ الولاء يرث به العصبة دون غيرهم، ما رواه أحمد (١٨٣)، وأبو داود (٢٩١٧)، وابن ماجه (٢٧٣٢) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرَّثُوهَا رِبَاعَهَا، وَوَلَاءَ مَوَالِيهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّامِ فَمَاتُوا، فَقَدَّم عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالًا لَهُ، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ، فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ» قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ اخْتَصَمُوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ - أَوْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ
[ ١٠ / ١٨٢ ]
- فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ، قَالَ: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولعل المراد بميراث ولائها الميراث به، وإلَّا فإنَّ الولاء لا يورث، وإنَّما يورث به.
٧ - وهل يدخل في عمومه الكافر إذا أعتق عبده المسلم، في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٦٨ - ٦٩):
«وأمَّا النصراني يعتق عبده المسلم قبل أن يباع عليه فإنَّ مالكًا وأصحابه يقولون: ليس له من ولائه شيء وولاؤه لجماعة المسلمين ولا يرجع إليه الولاء أبدًا وإن أسلم، ولا إلى ورثته وإن كانوا مسلمين. وحجة من قال بهذا القول أنَّ إسلام عبد النصراني يرفع ملكه عنه ويوجب إخراجه عن يده فلما كان ملكه يرتفع بإسلامه لم يثبت الولاء له بعد عتقه وإذا لم يثبت له ثبت لجماعة المسلمين وإذا ثبت لهم الولاء لم ينتقل عنهم لأنَّه لحمة كلحمة النسب وسواء أسلم سيده بعد ذلك أو لم يسلم؛ لأنَّ الولاء قد ثبت لجماعة المسلمين، قالوا: والدليل على ارتفاع ملك النصراني عن عبده المسلم عموم قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ ١٠ / ١٨٣ ]
سَبِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، والحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
وقال الشافعي والعراقيون وأصحابهم: إذا أسلم عبد النصراني فاعتقه قبل أن يباع عليه فولاؤه له ولورثته من بعده فإن أسلم مولاه ثم مات المعتق ولم يكن له وارث بالنسب ورثه معتقه وإن لم يسلم لم يرثه لقول رسول الله ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وحجتهم في أنَّ الولاء له عموم قول رسول الله ﷺ "الولاء لمن أعتق" لم يخص مسلمًا من كافر ولو لم يكن له عليه ملك ما بيع عليه ودفع ثمنه إليه وقد قال ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب"» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٥٣):
«فالجمهور أنَّ الكافر إذا أعتق مسلمًا لا يرثه بالولاء، وعن أحمد رواية أنَّه يرثه، ونقل مثله عن علي» اهـ.
قُلْتُ: حجة الإمام مالك ﵀ أقوى.
٨ - ويدخل في عمومه ما إذا أعتق مسلم كافرًا ثم مات المعتق وليس له عاصب فإنَّ المسلم يرثه، وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث أسامة الماضي.
[ ١٠ / ١٨٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٧):
«ويحتج بعمومه أحمد ومن وافقه في أنَّ المسلم إذا أعتق عبدًا ذميًا، ثم مات العتيق، ورثه بالولاء، وهذا العموم أخص من قَوْلُهُ: "لا يرث المسلم الكافر" فيخصصه أو يقيده، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلَّا أن يموت العبد مسلمًا، ولهم أن يقولوا: إنَّ عموم قَوْلُهُ: "الولاء لمن أعتق"، مخصوص بِقَوْلِهِ: "لا يرث المسلم الكافر"» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا ثبوت الولاء فلا نزاع فيه، وإنَّما تنازع العلماء في الميراث به عند اختلاف الدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٥٨):
«فصل: وإن اختلف دين السيد وعتيقه، فالولاء ثابت. لا نعلم فيه خلافًا؛ لعموم قول النبي ﷺ: "الولاء لمن أعتق". ولِقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين، وكذلك الولاء، ولأنَّ الولاء إنَّما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه، وهذا المعنى ثابت مع اختلاف دينهما» اهـ.
٩ - يعم الحديث العبد المعتق سائبة، أو كفارة، أو غير ذلك، فإنَّ ولاءه لمن أعتقه.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٧):
«وفي قوله ﷺ: "إنَّما الولاء لمن أعتق" من العموم ما يقتضى ثبوته لمن أعتق سائبة، أو في زكاة، أو كفارة، أو عتق واجب، وهذا قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات، وقال في الرواية الأخرى: لا ولاء عليه، وقال في الثالثة: يرد ولاؤه في عتق مثله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٨):
«فصل: وإن أعتق عبدًا عن كفارته، أو نذره، أو من زكاته، فقال أحمد في الذي يعتق من زكاته: إن ورث منه شيئًا جعله في مثله. قال: وهذا قول الحسن. وبه قال إسحاق، وعلى قياس ذلك العتق من الكفارة والنذر؛ لأنَّه واجب عليه.
وقد روي عن أحمد، أنَّه قال في الذي يعتق في الزكاة: ولاؤه للذي جرى عتقه على يديه، وقال مالك، والعنبري: ولاؤه لسائر المسلمين، ويجعل في بيت المال.
وقال أبو عبيد: ولاؤه لصاحب الصدقة. وهو قول الجمهور في العتق في النذر والكفارة؛ لقول النبي ﷺ: "الولاء لمن أعتق"؛ ولأنَّ عائشة، اشترت بريرة بشرط العتق، فأعتقتها، فكان ولاؤها لها. وشرط العتق يوجبه، ولأنَّه معتق عن نفسه فكان الولاء له كما اشترط عليه العتق فأعتق.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
ولنا، أنَّ الذي أعتق من الزكاة معتق من غير ماله، فلم يكن له الولاء، كما لو دفعها إلى الساعي فاشترى بها وأعتق، وكما لو دفع إلى المكاتب مالًا، فأداه في كتابته، وفارق من اشترط عليه العتق فإنَّه إنَّما أعتق ماله، والعتق في الكفارة والنذر واجب عليه، فأشبه العتق من الزكاة.
وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّه لا يعتق من الزكاة وعلل بعضهم المنع من ذلك، بأنَّه يجر الولاء إلى نفسه فينتفع بزكاته. وهذا قول لأحمد، رواه عنه جماعة. وهو قول النخعي، والشافعي» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صحته هو إجراء الحديث على عمومه. والله أعلم.
وفي السائبة نزاع بين العلماء، والصحيح إجراء الحديث على عمومه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٥ - ١٦٦):
«مسألة؛ قال: "ومن أعتق سائبة، لم يكن له الولاء، فإن أخذ من ميراثه شيئًا، رده في مثله". قال أحمد في رواية عبد الله: الرجل يعتق عبده سائبة، هو الرجل يقول لعبده: قد أعتقتك سائبة.
كأنَّه يجعله لله، لا يكون ولاؤه لمولاه، قد جعله لله وسلمه.
عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود: السائبة يضع ماله حيث شاء.
[ ١٠ / ١٨٧ ]
وقال أحمد، قال عمر: السائبة والصدقة ليومها.
ومتى قال الرجل لعبده: أعتقتك سائبة، أو أعتقتك ولا ولاء لي عليك. لم يكن له عليه ولاء.
فإن مات، وخلف مالًا، ولم يدع وارثًا، اشتري بماله رقاب، فأعتقوا. في المنصوص عن أحمد.
وأعتق ابن عمر عبدًا سائبة، فمات، فاشترى ابن عمر بماله رقابًا فأعتقهم.
وقال عمر بن عبد العزيز، والزهري، ومكحول، وأبو العالية، ومالك: يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين، وعن عطاء أنَّه قال: كنا نعلم أنَّه إذا قال: أنت حر سائبة فهو يوالي من شاء.
ولعل أحمد ﵀ ذهب إلى شراء الرقاب استحبابًا لفعل ابن عمر.
والولاء للمعتق. وهذا قول النخعي، والشعبي، وابن سيرين، وراشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، والشافعي، وأهل العراق؛ لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق". وجعله لحمة كلحمة النسب فكما لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن فراش بشرط، لا يزول ولاء عن معتق ولذلك لما أراد أهل بريرة اشتراط ولائها على
[ ١٠ / ١٨٨ ]
عائشة، قال لها النبي ﷺ: "اشتريها، واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق".
يعني أنَّ اشتراطهم تحويل الولاء عن المعتق لا يفيد شيئًا، ولا يزيل الولاء عن المعتق، وروى مسلم بإسناده عن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إنِّي أعتقت عبدًا لي، وجعلته سائبة، فمات، وترك مالًا، ولم يدع وارثًا، فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يسيبون، وإنَّ أهل الجاهلية كانوا يسيبون، وأنت ولي نعمته، فإن تأثمت وتحرجت من شيء فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال.
وقال سعيد: ثنا هشيم، ثنا بشر، عن عطاء، أن طارق بن المرقع أعتق سوائب، فماتوا، فكتب إلى عمر ﵁ فكتب عمر، أن ادفع مال الرجل إلى مولاه، فإن قبله وإلَّا فاشتر به رقابًا فأعتقهم عنه.
وقال: حدثنا هشيم عن منصور، أنَّ عمر وابن مسعود قالا في ميراث السائبة: هو للذي أعتقه.
وهذا القول أصح في الأثر والنظر، وفي المواضع التي جعل الصحابة ميراثه لبيت المال أو في مثله، كان لتبرع المعتق وتورعه عن ميراثه، كفعل ابن عمر في ميراث معتقه، وفعل عمر وابن مسعود في ميراث الذي تورع سيده عن أخذ ماله، وقد
[ ١٠ / ١٨٩ ]
روي أنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة أعتقته لبني بنت يعار سائبة فقتل وترك ابنة، فأعطاها عمر نصف ماله، وجعل النصف في بيت المال.
وعلى القول المنصوص عن أحمد، إن خلف السائبة مالًا، اشتري به رقاب فأعتقوا، فإن رجع من ميراثهم شيء، اشتري به أيضًا رقاب فأعتقوا.
وإن خلف السائبة ذا فرض لا يستغرق ماله، أخذ فرضه، واشتري بباقيه رقاب فأعتقوا، ولا يرد على ذي الفرض» اهـ.
عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٢٣١)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٨١) مِنْ طَرِيْقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُتِيَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، قَالَ: أَحْسَبُهُ، قَالَ: أَعْتَقْتُهُ سَائِبَةً، فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ رِقَابٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٢٢٣) فَقَالَ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَهُ: كَانَ لِي عَبْدٌ فَأَعْتَقْتُهُ وَجَعَلْتُهُ سَائِبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: «إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ إِنَّمَا كَانَ يُسَيِّبُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِنِعْمَتِهِ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ فَإِنْ تَحَرَّجْتَ مِنْ شَيْءٍ، فَأَرِنَاهُ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ».
[ ١٠ / ١٩٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه البخاري (٦٧٥٣) مختصرًا.
وجاء عن ابن مسعود خلاف ذلك وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٨٥)، والدارمي في [سُنَنِهِ] (٣١١٧)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٧٤٦٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٧٦) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «السَّائِبَةُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
١٠ - وفيه جواز بقاء الحرة تحت العبد.
قُلْتُ: وهكذا يجوز ابتداء نكاح الحرة بالعبد بالاتفاق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨٩):
«أجمع العلماء أنَّ الحرة يجوز لها أن تنكح العبد إذا رضيت به؛ لأنَّ ولدها منه حر تبع لأمه لقوله ﵇: "كل ذات رحم فولدها بمنزلتها"، يعني في العتق والرق» اهـ.
قُلْتُ: هذا الذي أورده ابن بطال لا أعلمه حديثًا، وإنَّما جاء من قول بعض العلماء كالإمام مالك.
[ ١٠ / ١٩١ ]
١١ - واحتج به من قال: إنَّ من أعتق عن ميت فولاؤه للمعتق.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٠/ ٢٧):
«وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضًا إلَّا أنَّ العلماء اختلفوا في الولاء فذهب مالك وأصحابه إلى أنَّ الولاء للمعتق عنه.
وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الولاء للمعتق على كل حال، وذهب الكوفيون إلى أنَّ العتق إن كان بأمر المعتق عنه فالولاء له وإن كان بغير أمره فالولاء للمعتق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤١٦ - ٤١٧):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ رَجُلٍ حَيٍّ بِلَا أَمْرِهِ، أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَدَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ".
وَلِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ ولاءه للمعتق على ظاهر الحديث.
[ ١٠ / ١٩٢ ]
١٢ - وظاهر الحديث أنَّ الولاء لا يورث بعد موت المعتق؛ لأنَّ النبي ﷺ جعله للمعتق فلا ينتقل إلى غيره، لكن يورث المال به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٤):
«فصل: ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنَّما يرثون المال به مع بقائه للمعتق.
هذا قول الجمهور.
وروي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأسامة بن زيد.
وبه قال عطاء، وطاووس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وأبو الزناد، وابن قسيط ومالك والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود وشذ شريح، وقال: الولاء كالمال، يورث عن المعتق، فمن ملك شيئًا حياته فهو لورثته.
ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد. وغلطهما أبو بكر، وهو كما قال؛ فإنَّ رواية الجماعة عن أحمد مثل قول الجماعة، وذلك لقوله ﵇: "الولاء للمعتق". وَقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
[ ١٠ / ١٩٣ ]
والنسب لا يورث وإنَّما يورث به، ولأنَّه معنى يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب، والله تعالى أعلم» اهـ.
١٣ - وعموم الحديث يشمل المكاتب، والْمُدَبَّرِ، فإنَّ ولاءهما لسيدهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٧٣):
«مسألة؛ قال: "وولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا" هذا قول عامة الفقهاء.
وبه يقول الشافعي وأهل العراق، وحكى ابن سراقة عن عمرو بن دينار، وأبي ثور، أنَّه لا ولاء على المكاتب؛ لأنَّه اشترى نفسه من سيده، فلم يكن له عليه ولاء، كما لو اشتراه أجنبي فأعتقه.
وكان قتادة يقول: من لم يشترط ولاء المكاتب، فلمكاتبه أن يوالي من شاء. وقال مكحول: أمَّا المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته، فجائز.
ولنا، أنَّ السيد هو المعتق للمكاتب؛ لأنَّه يتبعه بماله، وماله وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتق، فكان هو المعتق، وهو المعتق للمدبر بلا إشكال، وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الولاء لمن أعتق".
ويدل على ذلك أنَّ المكاتبين يدعون موالي مكاتبيهم، فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد، وسيرين مولى أنس، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وقد وهبت ولاءه لابن
[ ١٠ / ١٩٤ ]
عباس، وكانوا مكاتبين، وكذلك أشباههم، ويدل على ذلك أنَّ في حديث بريرة، أنَّها جاءت عائشة فقالت: يا أم المؤمنين إنِّي كاتبت أهلي على تسع أواق فأعينيني فقالت عائشة: إن شاءوا عددت لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت.
فأبوا أن يبيعوها إلَّا أن يكون الولاء لهم، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اشتريها واشترطي لهم الولاء".
وهذا يدل على أنَّ الولاء كان لهم لو لم تشترها منهم عائشة» اهـ.
١٤ - يدخل في عموم الحديث ما إذا اشترك جماعة في عتق عبد، فإنَّ ولاءه لهم جميعًا.
قُلْتُ: وهذا الذي ذكرناه بعض مسائل هذا الحديث على حسب هذا اللفظ الذي أورده صاحب العمدة، ولو تتبع الشخص ألفاظ الحديث خرج بفوائد كثيرة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٤٨ - ٤٩):
«قد أكثر الناس في تشقيق معاني الأحاديث المروية في قصة بريرة وتفتيقها وتخريج وجوهها.
[ ١٠ / ١٩٥ ]
فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة في ذلك كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، أكثر ذلك تكلف واستنباط واستخراج محتمل وتأويل ممكن لا يقطع بصحته ولا يستغنى عن الاستدلال عليه» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ١٩٦ ]