٣٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
القضاء في اللغة: في اللغة إحكام الشيء والفراغ منه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٤/ ١٢٥):
«وأصلُه: القَطْع والفَصْل. يقال: قَضَى يَقْضِي قَضاءً فهو قاضٍ: إذا حكَم وفَصَل. وقضاءُ الشيء: إحْكامه وإمْضاؤه والفَراغ منهن فيكون بمعنى الخَلْق.
وقال الزُّهري: القَضاء في اللُّغة على وجوه مَرْجعها إلى انقطاع الشيء وتَمامه. وكلُّ ما أُحكِم عَملُه أو أتمّ أو خُتِم أو أُدِّي أو أُوجِبَ أو أُعْلِم أو أُنفِذَ أو أُمْضيَ. فقد قُضِي. وقد جاءت هذه الوجُوه كلُّها في الحديث» اهـ.
وهو في الشرع: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات.
وهو من فروض الكفايات.
[ ١٣ / ٣٣٨ ]
قَوْلُهُ: «رَدٌّ». أي: مردود، وهو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٩): «وعن الإمام أحمد قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: "الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، وحديث النعمان بن بشير: "الحلال بين، والحرام بين"» اهـ.
وهو أيضًا ميزان الأعمال الظاهرة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٥٩): «وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أنَّ حديث: "الأعمال بالنيات" ميزان للأعمال في باطنها، فكما أنَّ كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في التخويف من القضاء ما رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجة (٢٣١٥) من طريق ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
[ ١٣ / ٣٣٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وروى أحمد (٧١٤٥، ٨٧٦٢)، وأبو داود (٣٥٧١)، والترمذي (١٣٢٥)، وابن ماجة (٢٣٠٨) من طريق سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: ومن أجل هذا فرَّ كثير من السلف عن القضاء.
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٩/ ٢٣٣): «قال يونس الصدفي: عرض على ابن وهب القضاء، فجنن نفسه، ولزم بيته» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٥/ ٤٠٦) - في ترجمة منصور بن المعتمر-: «وقال زائدة: امتنع منصور من القضاء، فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيد، فجاءه خصمان، فقعدا، فلم يسألهما، ولم يكلمهما. فقيل ليوسف بن عمر: لو نثرت لحمه لم يل القضاء. فتركه» اهـ.
[ ١٣ / ٣٤٠ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٦/ ١٢٢): «أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثني محمد بن عيسى، حدثني مخلد بن الحسين، عن هشام، قال: دعا مالك بن المنذر الوالي محمد بن واسع، فقال: اجلس على القضاء. فأبى، فعاوده، وقال: لتجلسن أو لأجلدنَّك ثلاث مائة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْكَاشِفِ] (٢/ ٣١٩):
«نصر بن علي بن نصر بن علي الكبير الجهضمي أبو عمرو الحافظ عن معتمر والداروردي، وعنه الجماعة والنسائي بواسطة أيضًا، وابن خزيمة قال أبو حاتم هو أوثق من الفلاس وأحفظ طلبه المستعين للقضاء فقال أستخير الله فصلى ركعتين ودعا ونام فقبض لليلته» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [تَارِيْخِ الإِسْلَامِ] (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧):
«قَالَ أيُّوب السِّختياني: لم يكن هاهنا أعلم بالقضاء من أبي قِلابَةَ، لا أَدْرِي مَا مُحَمَّدٌ.
وَقَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ الْقَاضِي ذُكِرَ أبو قلابة للقضاء، فهرب حتى يأتي الْيَمَامَةَ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ! فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ مِثْلَ الْقَاضِي الْعَالِمِ إِلَّا مِثْلَ رَجُلٍ وقع فِي بَحْرٍ فَمَا عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ.
[ ١٣ / ٣٤١ ]
قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يُرَادُ عَلَى الْقَضَاءِ، فَيَفِرُّ، مَرَّةً إِلَى الشَّامِ، وَمَرَّةً إِلَى الْيَمَامَةِ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ الْبَصْرَةَ كَانَ يَخْتَفِي» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الإحداث في الدين، وذلك أنَّ الحديث خرج مخرج الذم، وأصرح منه في الدلالة على تحريم الإحداث في دين الله تعالى ما رواه مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
وزاد النسائي (١٥٧٨) زيادة صحيحة: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
قُلْتُ: "خير" في الجملة الثانية تقرأ بالرفع عطفًا على محل إنَّ واسمها فإنَّ محلهما الابتداء، وتقرأ بالنصب عطفًا على اسم إنَّ، ومثل ذلك "شر"، و"كل".
وَقَوْلُهُ: «وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ» بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال أيضًا.
[ ١٣ / ٣٤٢ ]
والهُدَى بضم الهاء ضد الضلال، والهَدْي بفتح الهاء الطريقة والسيرة.
وأصل الهدى العلم النافع، وأصل الرشاد العمل الصالح.
وضد الهدى الضلال، وضد الرشاد الغي، وقد قال الله تعالى في شأن نبيه ﵊: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وذلك لكماله في العلم والعمل.
ووصف النبي ﷺ الخلفاء بعده بالمهديين الراشدين كما سيأتي، وذلك لاستقامتهم في العلم والعمل.
وروى أحمد (١٧١٨٤، ١٧١٨٥)، ومن طريقه أبو داود (٤٦٠٧)، ورواه الترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجة (٤٢) عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
[ ١٣ / ٣٤٣ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وكذلك مما يدل على حرمة الابتداع في الدين أنَّ الابتداع مشاركة لله فيما اختص به قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
واعلم أنَّ حقيقة البدعة تكذيب لما أخبر به الله ﷿ من إكمال الدين: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وهكذا مقتضى البدعة اتهام النبي ﷺ أنَّه ما بلغ البلاغ المبين بل كتم شيئًا من الدين.
والله ﷿ يقول: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]
[ ١٣ / ٣٤٤ ]
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
قُلْتُ: والبدعة التي جاء النهي عنها هي: التعبد لله بغير ما شرع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الاسْتِقَامَةُ] (١/ ٥): «وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أنَّ البدعة هي: الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله فمن دان دينًا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي [الاعْتِصَامِ] (١/ ٣٧): «فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» اهـ.
٢ - الذي يظهر لي أنَّ المؤلف ذكر هذا الحديث في القضاء من أجل أمرين:
الأول: أنَّه لا يجوز للقاضي أن يحكم بين الناس بالبدع.
الآخر: أنَّ القاضي لو حكم بين الناس بالبدعة فحكمه مردود. والله أعلم.
[ ١٣ / ٣٤٥ ]
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ البُّخَارِيُّ ﵀ فِي "صَحِيْحِهِ": «باب إذا اجتهد العامل، أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود. لقول النبي ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"» اهـ.
وبوَّب عليه أيضًا: «باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ النهي يقتضي الفساد، ووجه ذلك أنَّ النبي ﷺ حكم على المحدثات بالإبطال، وجميع المحدثات منهي عنها فيؤخذ من ذلك أنَّ المنهي عنه فاسد. والله أعلم.
٤ - الرواية الأخرى علقها البخاري ووصلها مسلم، وهي تدل على أنَّ من تابع غيره في بدعة فعمله مردود، وإن لم يحدث هو البدعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥٠): «وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنَّه صريح في رد كل البدع والمخترعات.
وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنَّه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئًا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبق بإحداثها» اهـ.
[ ١٣ / ٣٤٦ ]
٥ - وفيه إبطال لقول من قسم البدعة إلى بدعة واجبة، ومستحبة، ومكروهة، ومحرمة، ومباحة.
وأصرح من ذلك قول النبي ﷺ في حديثي جابر، والعرباض الماضيين: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
وهذا التقسيم جاء به العز بن عبد السلام، وتبعه في ذلك تلميذه الْقَرَافِيُّ رحمهما الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي [الاعْتِصَامِ] (١/ ١٩١ - ١٩٢): «والجواب: أنَّ هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأنَّ من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ البدعة التي تحرم ما كان في الدين دون الدنيا لقوله: «فِي أَمْرِنَا هَذَا». والمراد به الدين.
* * *
[ ١٣ / ٣٤٧ ]
٣٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ».
قَوْلُهَا: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ». الشح شدة الحرص على الشيء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الوَّابِلِ الصَّيِّبِ] (ص: ٤٩): «والفرق بين الشح والبخل أنَّ الشح هو شدة الحرص على الشيء والاحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله فالبخل ثمرة الشح والشح يدعو إلى البخل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٤٨٠):
[ ١٣ / ٣٤٨ ]
«والشُّحُّ هُوَ: شِدَّةُ الْحِرْصِ الَّتِي تُوجِبُ الْبُخْلَ وَالظُّلْمَ وَهُوَ مَنْعُ الْخَيْرِ وَكَرَاهَتُهُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٥٨٩ - ٥٩٢):
«فَالشُّحُّ يَأْمُرُ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْهَى عَنْ الظُّلْمِ وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ، وَالشُّحُّ يَأْمُرُ بِالظُّلْمِ وَيَنْهَى عَنْ الْإِحْسَانِ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُكْثِرُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وُقِيت شُحَّ نَفْسِي وُقِيت الظُّلْمَ وَالْبُخْلَ وَالْقَطِيعَةَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْت قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ يَدِي شَيْءٌ فَقَالَ لَيْسَ ذَاكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا الشُّحُّ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيك ظُلْمًا وَإِنَّمَا يَكُنْ بِالْبُخْلِ وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلَ.
وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى الشُّحَّ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الْحَسَدِ وَالْإِيثَارِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ - ثُمَّ
[ ١٣ / ٣٤٩ ]
قَالَ -: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فَمَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَسُودًا بَاغِيًا عَلَى الْمَحْسُودِ.
وَالْحَسَدُ أَصْلُهُ بُغْضُ الْمَحْسُودِ.
وَالشُّحُّ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ مَعَ الْحِرْصِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ وَبُغْضٍ لِلْغَيْرِ وَظُلْمٍ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَاتِ - إلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فَشُحُّهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الْخَيْرِ يَتَضَمَّنُ كَرَاهِيَتَهُ وَبُغْضَهُ، وَبُغْضُ الْخَيْرِ يَأْمُرُ بِالشَّرِّ، وَبُغْضُ الْإِنْسَانِ يَأْمُرُ بِظُلْمِهِ وَقَطِيعَتِهِ كَالْحَسَدِ؛ فَإِنَّ الْحَاسِدَ يَأْمُرُ حَاسِدَهُ بِظُلْمِ الْمَحْسُودِ وَقَطِيعَتِهِ كَابْنَيْ آدَمَ وَإِخْوَةِ يُوسُفَ.
فَالْحَسَدُ وَالشُّحُّ يَتَضَمَّنَانِ بُغْضًا وَكَرَاهِيَةً فَيَأْمُرَانِ بِمَنْعِ الْوَاجِبِ وَبِظُلْمِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَإِنَّ الْفِعْلَ صَدَرَ فِيهِ عَنْ بُغْضٍ بِخِلَافِ الْهَوَى فَإِنَّ الْفِعْلَ صَدَرَ فِيهِ عَنْ حُبّ أَحَبّ شَيْئًا فَأَتْبَعُهُ فَفَعَلَهُ وَذَلِكَ مَقْصُودُهُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ وَالْعَدَمُ لَا يَنْفَعُ. وَلَكِنَّ ذَاكَ الْقَصْدَ أَمْرٌ بِأَمْرِ وُجُودِيٍّ فَأُطِيعُ أَمْرُهُ. وَابْنُ مَسْعُودٍ جَعَلَ الْبُخْلَ خَارِجًا عَنْ الشُّحِّ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الشُّحَّ يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ
[ ١٣ / ٣٥٠ ]
يَقُولُ: الشُّحُّ وَالْبُخْلُ سَوَاءٌ. كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْبُخْلُ وَمَنْعُ الْفَضْلِ مِنْ الْمَالِ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَحَقّ أَنْ يُتَّبَعَ فَإِنَّ الْبَخِيلَ قَدْ يَبْخَلُ بِالْمَالِ مَحَبَّةً لِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَدْ لَا يَكُونُ مُتَلَذِّذًا بِهِ وَلَا مُتَنَعِّمًا بَلْ نَفْسُهُ تَضِيقُ عَنْ إنْفَاقِهِ وَتَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مَعَ الْتِذَاذِهِ بِجَمْعِ الْمَالِ وَمَحَبَّتِهِ لِرُؤْيَتِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ لَذَّةٌ أَصْلًا؛ بَلْ يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ إحْسَانًا إلَى أَحَدٍ حَتَّى لَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَ كُرْهَ ذَلِكَ مِنْهُ بُغْضًا لِلْخَيْرِ لَا لِلْمُعْطِي وَلَا لِلْمُعْطَى بَلْ بُغْضًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ وَقَدْ يَكُونُ بُغْضًا وَحَسَدًا لِلْمُعْطَى أَوْ لِلْمُعْطِي وَهَذَا هُوَ الشُّحُّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ قَطْعًا وَلَكِنْ كُلُّ بُخْلٍ يَكُونُ عَنْ شُحٍّ. فَكُلُّ شَحِيحٍ بَخِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ بَخِيلٍ شَحِيحًا.
قَالَ الخطابي: الشُّحُّ أَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبُخْلِ وَالْبُخْلُ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَخَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ وَالشُّحُّ عَامٌّ فَهُوَ كَالْوَصْفِ اللَّازِمِ لِلْإِنْسَانِ مِنْ قِبَلِ الطَّبْعِ وَالْجِبِلَّةِ. وَحَكَى الخطابي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْبُخْلُ أَنْ يَضِنَّ الْإِنْسَانُ بِمَالِهِ وَالشُّحُّ أَنْ يَضِنَّ بِمَالِهِ وَمَعْرُوفِهِ.
[ ١٣ / ٣٥١ ]
وَقِيلَ: الشُّحُّ أَنْ يَشِحَّ بِمَعْرُوفِ غَيْرِهِ. عَلَى غَيْرِهِ وَالْبُخْلُ أَنْ يَبْخَلَ بِمَعْرُوفِهِ عَلَى غَيْرِهِ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - شكوى المرأة لزوجها عند السلطان.
٢ - واحتج به من قال: إنَّ ذكر الرجل بما يكره على وجه الاستفتاء لا يدخل في الغيبة المحرمة.
قُلْتُ: وفي إطلاق ذلك نظر، وإنَّما الحديث وارد في ذكر المظلوم لظالمه بما فيه عند الاستفتاء، فإنَّ هذا مما يحل كما قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٢٩):
«وأمَّا الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع:
منها: المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه إمَّا على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وأنَّه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال لها النبي ﷺ "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"» اهـ.
[ ١٣ / ٣٥٢ ]
قُلْتُ: أمَّا ذكر الشخص عيبًا لأخيه في مقام الاستفتاء من غير أن يكون ظالمًا له فتجويزه يحتاج إلى دليل.
٣ - واحتج به على جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر.
قُلْتُ: لم يظهر لي صحة ذلك، فإنَّ الظاهر من حال النبي ﷺ أنَّه كان في مقام الاستفتاء لا في مقام القضاء، ولهذا لم يستدع النبي ﷺ الزوج، ولم يطلب منها شاهدين يشهدان لها بذلك.
٤ - وفيه استفتاء المرأة الأجنبية للعالم.
٥ - وفيه أنَّ النفقة على الأهل والأولاد واجبة على الزوج.
قُلْتُ: وهي مقيدة في الأولاد بالحاجة وهذا يكون غالبًا حال الصغر، أو الزمانة، أمَّا إذا كبروا واستغنوا فلا تجب عليه النفقة عليهم.
٦ - وفيه أنَّ النفقة على الأهل والأولاد لا تقدر بشيء معين، وإنَّما ما يحصل بها الكفاية عرفًا، وهو مذهب أكثر العلماء، ونازع في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فإنَّه قدرها بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد. وتقديرها بالأمداد رواية عن الإمام مالك ﵀.
٧ - واحتج به من أجاز الظَّفْرَ.
[ ١٣ / ٣٥٣ ]
وصورة ذلك أن يكون لشخص حق على غيره لا يستطيع استيفاءه منه، فيأخذ مقدار حقه من ماله بغير إذنه، وهذا مذهب الشافعي، ومالك في إحدى الروايتين، وذهب أحمد إلى المنع من ذلك لأنَّه من الخيانة، وهي الرواية الأخرى لمالك. وأمَّا أبو حنيفة فيجوز الأخذ من الجنس، ويمنع من غيره.
والصحيح جواز ذلك في الحقوق الظاهرة دون الخفية كما يدل عليه الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٣ - ٥٠٤): «وقد احتج به على مسألة الظَّفْرِ، وأنَّ للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه، ولا يدل لثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ سبب الحق هاهنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر، فلا يتناوله قول النبي ﷺ: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقًا بينهما، فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين.
الثاني: أنَّه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها.
[ ١٣ / ٣٥٤ ]
الثالث: أنَّ حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقًا واحدًا مستقرًا يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٩٠) حيث قال: «مسألة الظَّفْرِ والحق ظاهر فيجوز له قدر ما ظلم به» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٧١ - ٣٧٥): «وأمَّا إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين. فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا نوعان:
أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب؛ كما ثبت في الصحيحين أنَّ هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله: إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وإنَّه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وبني. فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فأذن لها أن تأخذ نفقتها بالمعروف بدون إذن وليه، وهكذا من علم أنَّه غصب منه ماله غصبًا ظاهرًا يعرفه الناس فأخذ المغصوب أو
[ ١٣ / ٣٥٥ ]
نظيره من مال الغاصب. وكذلك لو كان له دين عند الحاكم وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك.
والثاني: ألَّا يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا. مثل أن يكون قد جحد دينه أو جحد الغصب ولا بينة للمدعي. فهذا فيه قولان:
أحدهما: ليس له أن يأخذ وهو مذهب مالك وأحمد.
والثاني: له أن يأخذ وهو مذهب الشافعي.
وأمَّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيسوغ الأخذ من جنس الحق؛ لأنَّه استيفاء ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس لأنَّه معاوضة فلا يجوز إلَّا برضا الغريم.
والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة؛ لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنَّه قال: يا رسول الله إنَّ لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: "لا أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".
[ ١٣ / ٣٥٦ ]
وفي السنن عن النبي ﷺ أنَّه قيل له: إنَّ أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" رواه أبو داود وغيره. فهذه الأحاديث تبين أنَّ حق المظلوم في نفس الأمر إذا كان سببه ليس ظاهرًا، وأخذه خيانة لم يكن له ذلك وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه؛ لكنه خان الذي ائتمنه فإنَّه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه والاستحقاق ليس ظاهرًا كان خائنًا.
وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته في نفس الأمر لم يكن ما ادعاه ظاهرًا معلومًا. وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ولا بينة له فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة فإنَّه ليس له ذلك.
ولو قدر أنَّ الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له أن يطأها لما هو الأمر عليه في الباطن.
فإن قيل: لا ريب أنَّ هذا يمنع منه ظاهرًا وليس له أن يظهر ذلك قدام الناس؛ لأنَّهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنَّه حرام في الظاهر؛ لكن الشأن إذا كان يعلم سرًا فيما بينه وبين الله؟.
[ ١٣ / ٣٥٧ ]
قيل: فعل ذلك سرًا يقتضي مفاسد كثيرة منهي عنها فإنَّ فعل ذلك في مظنة الظهور والشهرة، وفيه ألَّا يتشبه به من ليس حاله كحاله في الباطن فقد يظن الإنسان خفاء ذلك فيظهر مفاسد كثيرة ويفتح أيضًا باب التأويل.
وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلَّا بالظلم كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلَّا بعدوان فإنَّه لا يجوز له الاقتصاص.
وذلك أنَّ نفس الخيانة محرمة الجنس فلا يجوز استيفاء الحق بها؛ كما لو جرعه خمرًا أو تلوط به أو شهد عليه بالزور: لم يكن له أن يفعل ذلك؛ فإنَّ هذا محرم الجنس. والخيانة من جنس الكذب.
فإن قيل: هذا ليس بخيانة؛ بل هو استيفاء حق. والنبي ﷺ نهى عن خيانة من خان وهو أن يأخذ من ماله ما لا يستحق نظيره.
قيل: هذا ضعيف لوجوه:
أحدها: أنَّ الحديث فيه أنَّ قومًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلَّا أخذوها. أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك".
[ ١٣ / ٣٥٨ ]
وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون منَّا؟ فقال: "لا".
الثاني: أنَّه قال: "ولا تخن من خانك". ولو أراد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه وتحريم مثل هذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان وسؤال. وقد قال: "ولا تخن من خانك" فعلم أنَّه أراد أنَّك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك. فإذا أودع الرجل مالًا فخانه في بعضه ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل فهذا هو المراد بقوله: "ولا تخن من خانك".
الثالث: أنَّ كون هذا خيانة لا ريب فيه وإنَّما الشأن في جوازه على وجه القصاص؛ فإنَّ الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل وقطع الطريق وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص: كالفواحش والكذب ونحو ذلك. قال تعالى في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل. فلما قال هاهنا: "ولا تخن من خانك" علم أنَّ هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٧٥ - ٧٩):
[ ١٣ / ٣٥٩ ]
«فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟.
قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّها من هذا الباب، وأنَّه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده. ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.
والثاني: يجوز له أن يَسْتَوْفي قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه.
وفي غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعي.
والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.
والرابع: أنَّه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك.
والخامس: أنَّه إن كان سبب الحق ظاهرًا، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند. أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى بَنِيهَا.
[ ١٣ / ٣٦٠ ]
وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يُضيَفِّوه أن يُعْقِبَهم في مالهم بمثل قِراه كما في الصحيحين عن عُقْبة بن عامر قال:
قُلْتُ لِلنَّبِّي صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم: إنَّكَ تَبْعَثَنُا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لا يُقْرُونَا فمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمِرُوا لَكُمْ بَما يَنْبَغِي للِضيَّفِ فَاقْبَلْوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيُفِ الَّذِى يَنْبَغِي لَهُمْ".
وفي المسند من حديث المقْدام أبي كريمة أنَّه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فله أَنْ يُعْقِبَهُمْ بمِثْلِ قِرَاهُ".
وفي المسند لأحمد أيضًا من حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَيُّمَا ضَيْفٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فأَصْبَحَ الضّيْفُ مَحْرُومًا، فَلهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِرَاهُ، وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ".
وإن كان سبب الحق خفيًا، بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهرًا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان في الباطن آخذًا حقه. كما أنَّه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تُسلط الناس على عرضه، وإن ادَّعى أنَّه محق غير متهم.
[ ١٣ / ٣٦١ ]
وهذا القول أصح الأقوال وأسدُّها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث.
فإنَّه قد روى أبو داود في سننه من حديث يوسف بن ماهك قال: كنت أكتب لفلان نفقه أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقُلْتُ: اقبض الألف الذى ذهبوا به منك، قال: لا حَدَّثَني أَبي أَنّهُ سَمِعَ رَسُول اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلمَ يَقُولُ: "أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَنِ اُئْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ".
وهذا، وإن كان في حكم المنقطع، فإنَّ له شاهدًا من وجه آخر، وهو حديث طلْق بن غنام: أخبرنا شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوى حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف.
وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس ﵁ عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نحوه، وأيوب بن سويد - وإن كان فيه ضعف - فحديثه يصلح للاستشهاد به. وله شاهد آخر، وإن كان
[ ١٣ / ٣٦٢ ]
فيه ضعف، فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه. رواه يحيى بن أيوب عن إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عن مكحول: أنَّ رجلًا قال لأبي أمامة الباهلي: الرَّجُلُ أَسْتَوْدِعُهُ الوَدِيعَةَ، أَوْ يَكُونُ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيَجْحَدُني، ثُمَّ يَسْتَوْدِعُنِي أو يَكُونَ لَهُ عِنْدِي الشيء، أَفأَجْحَدُهُ؟ فَقَالَ: لا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ يقُولُ: "أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ".
وله شاهد آخر مرسل. قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج عن الحسن عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تخُنْ مَنْ خَانَكَ".
وله شاهد. آخر. وهو ما رواه الترمذي من حديث مالك بن نضله قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ أَمُرُّ بهِ فَلا يُقْرِينِي، وَلا يُضَيِّفُنِي. فَيَمُرُّ بي، أفأَجْزيهِ؟ قَالَ: "لا، أَقْرِهِ".
قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح.
وله شاهد آخر. وهو ما رواه أبو داود من حديث بِشر بن الخصاصية، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أهْلَ الصّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: "لا".
[ ١٣ / ٣٦٣ ]
وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضًا:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَنَا جِيرَانًا لا يَدَعُونَ لَنَا شَاذّةً، وَلا فَاذّةً إلا أَخَذُوهَا فإِذَا قَدَرْنَا لَهُمْ عَلَى شَئ أَنأْخُذُهُ؟ فَقَالَ: "أَدِّ الأمَانَة إلى مَنِ ائْتَمَنكَ وَلا تخُنْ مَنْ خَانَك".
ذكره شيخنا في كتاب إبطال التحليل.
فهذه الآثار، مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها، يشد بعضها بعضًا، ولا يشبه الأخذ فيها الأخذ في الموضعين اللذين أباح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهما الأخذ لظهور سبب الحق، فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به.
والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة، لم يكن ذلك خيانة، فإنَّ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه، وهذا ضعيف جدًا، فإنَّه يبطل فائدة الحديث. فإنَّه قال: "ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ" فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص، بعد صحته.
فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفيًا لحقه بنفسه، إذ عجز عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب ماله. إذا رآه في يد الغاصب، وقدر على أخذه منه قهرًا؟ فهل تقولون:
[ ١٣ / ٣٦٤ ]
إنَّه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي؟ ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه؟.
وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرًا، بحيث لا يتهم فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه، خشية التهمة؟ وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم.
ولهذا قال الشافعي، وقد ذكر حديث هِنْدٍ: وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرًا، فقد دل أنَّ ذلك ليس بخيانة. إذ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.
فالجواب: أنَّا نقول، يجوز له أن يستوفى قدر حقه، لكن بطريق مباح، فأمَّا بخيانة وطريق محرمة فلا.
وقولكم: ليس ذلك بخيانة قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعًا، وقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيانة، وغايتها أنَّها خيانة مقابلة ومقاصة، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئًا إلى الآخر ظالمًا له، فإن تساوت الخيانتان قدرًا وصفة فقد يتساقط إثمهما، والمطالبة في الآخرة، أو يكون
[ ١٣ / ٣٦٥ ]
لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه وإن بقى لأحدهما فضل رجع به، فهذا في أحكام الثواب والعقاب.
وأمَّا في أحكام الدنيا فليس كذلك، لأنَّ الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، وأمَّا السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وأله وسلم: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَّى، وَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَقْضِى بِنَحْوِ مِا أَسْمَعُ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، فَمنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيء مِنْ حَقَّ أَخِيهِ فَلا يأّخُذْهُ، فَإِنَما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ".
فأخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنَّه يحكم بينهم بالظاهر، وأعلم المبطل في نفس الأمر أنَّ حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به، وأنَّه مع حكمه له به فإنَّما يقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به، ويقره بيده وإن كانت يدًا عادية ظالمة عند الله تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفى لنفسه بطريق محرمة باطلة، لا يحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقًا في نفس الأمر؟.
وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم، فخلصها منه قهرًا، فإنَّه قد تعين حقه في هذا العين، بخلاف صاحب الدين، فإنَّ حقه لم
[ ١٣ / ٣٦٦ ]
يتعين في تلك العين التي يريد أن يستوفى منها، ولأنَّه لا يتكتم بذلك، ولا يستخفى به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين عليه بالناس، فلا ينسب إلى خيانة، والأول متكتم مستخف، متصور بصورة خائن وسارق. فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) من طريق طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ، عَنْ شَرِيكٍ - قَالَ: ابْنُ الْعَلَاءِ، وَقَيْسٌ - عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وشريك هو النخعي سيء الحفظ لكن تابعه قيس وهو ابن الربيع، وهو مختلف فيه والذي يظهر أنَّ حديثه لا ينزل عن مرتبة الاستشهاد.
ورواه أحمد (١٥٤٦٢)، وأبو داود (٣٥٣٤) من طريق حُمَيْدٍ يَعْنِي الطَّوِيلَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ الْمَكِّيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِفُلَانٍ نَفَقَةَ أَيْتَامٍ كَانَ وَلِيَّهُمْ فَغَالَطُوهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدَّاهَا إِلَيْهِمْ فَأَدْرَكْتُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ مِثْلَيْهَا، قَالَ: قُلْتُ: أَقْبِضُ الْأَلْفَ
[ ١٣ / ٣٦٧ ]
الَّذِي ذَهَبُوا بِهِ مِنْكَ؟، قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
قُلْتُ: وفيه ابهام ابن الصحابي، ويشهد له ما سبق.
وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ عدة شواهد له كما سبق.
٨ - وفيه أنَّ الأمور التي لا يستقيم تحديدها بالشرع فإنَّها ترجع إلى العرف.
٩ - واحتج به على القضاء على الغائب.
قُلْتُ: لا حجة في ذلك فإنَّ ما قاله النبي ﷺ هو من قبيل الفتوى لا القضاء. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤١): «واستدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب، وفي المسألة خلاف للعلماء؛ قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء، وقال الشافعي والجمهور: يقضى عليه في حقوق الآدميين، ولا يقضى في حدود الله تعالى، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسألة لأنَّ هذه القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا
[ ١٣ / ٣٦٨ ]
يقدر عليه أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء كما سبق. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: والقول بعدم الحكم على الغائب رواية عن أحمد أيضًا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٣): «وقد احتج بهذا على جواز الحكم على الغائب، ولا دليل فيه، لأنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلد لم يكن مسافرًا، والنبي ﷺ لم يسألها البينة، ولا يعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنَّما كان هذا فتوى منه ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح ما عليه الجمهور، لكن إذا خيف أنَّ الغائب إذا قدم أبطل بينة المدعي وقد يكون المدعي قد تصرف بما ادعاه فيذهب الحق عن أهله، فإنَّه يمكن أن يستوثق للحق بكفيل يقيمه المدعي.
١٠ - واحتج به على جواز أن يحكم الحاكم بعلمه، وذلك أنَّ النبي ﷺ لحكم لهند لعلمه بصدقها، وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، وأجاز أبو حنيفة ذلك فيما إذا علم أمرًا في زمن ولايته للقضاء وفي محل القضاء، ومنع من ذلك في غير زمن الولاية وفي غير محل القضاء، والأكثر على
[ ١٣ / ٣٦٩ ]
المنع، وهو الصحيح لما في ذلك من المفاسد الكثيرة، والحديث وارد في الافتاء لا في القضاء كما مر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٦٨): «واحتج من قال: "يحكم بعلمه" بما في "الصحيحين" من قصة هند بنت عتبة لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ فحكم لها عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها، ولم يسألها البينة، ولا أحضر الزوج.
وهذا الاستدلال ضعيف جدًا، فإنَّ هذا إنَّما هو فتيا من رسول الله ﷺ لا حكم، ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائبًا عن البلد، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد، غير ممتنع، وهو يقدر على الحضور ولم يوكل وكيلًا لا يجوز اتفاقًا.
وأيضًا: فإنَّها لم تسأله الحكم، وإنَّما سألته: هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها؟ وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو» اهـ.
واختار العلامة ابن القيم ﵀ المنع من حكم الحاكم بعلمه فَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٧١):
[ ١٣ / ٣٧٠ ]
«ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاض له عدو السبيل إلى قتل عدوه، ورجمه، وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن لعدوه إثباتها، وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٢٧٢): «ولقد كان سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته وعباده المؤمنين من كل تهمة، لئلا يقول الناس: إنَّ محمدًا يقتل أصحابه، ولما رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: "رويدكما، إنَّها صفية بنت حيي". لئلا تقع في نفوسهما تهمة له.
ومن تدبر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبين له الصواب في هذه المسألة، وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل أنَّ الحاكم لا يقضي بين الناس إلَّا بالبينة ما رواه البخاري (٥٣١٠)، ومسلم (١٤٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا
[ ١٣ / ٣٧١ ]
لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ بَيِّنْ»، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ»؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ».
وروى البخاري (٤٧٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ». فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ١٣ / ٣٧٢ ]
وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ».
ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ لم يقض بعلمه في شراءه للفرس من الأعرابي، كما روى ذلك أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧) من طريق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
[ ١٣ / ٣٧٣ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: «أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلَى، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ». فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟»، فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وهكذا ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٣٢) ومن طريقه أحمد (٢٦٠٠٠)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٧٨)، وابن ماجة (٢٦٣٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَشَجَّهُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» فَرَضُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» فَقَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟» قَالُوا: لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ، فَقَالَ: «أَرَضِيتُمْ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
[ ١٣ / ٣٧٤ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَرَضِيتُمْ؟» قَالُوا: نَعَمْ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٧٥): «وموضع الحجَّة: أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا. وهو المطلوب. ذكره أبو داود من حديث عائشة. وهو صحيح. وذكر: أنَّ المشجوج إنَّما كان رجلًا واحدًا، وقد ذكر غيره: أنَّهما كانا اثنين. وحاصل هذا: أنَّ النبي ﷺ لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم، والظنون. والله تعالى أعلم» اهـ.
١١ - احتج بقوله: «مَا يَكْفِيكِ» من قال من أهل العلم: إنَّ الاعتبار في النفقة بحال الزوجة لا الزوج، وهو محكي عن الحنفية والمالكية، وذهب الشافعي إلى أنَّ الاعتبار بحال الزوج لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
[ ١٣ / ٣٧٥ ]
رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
وذهب الحنابلة إلى اعتبار حالهما معًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ١٢١): «قال أصحابنا: ونفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعًا؛ فإن كانا موسرين، فعليه لها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين، فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين، فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فعليه نفقة المتوسطين، أيهما كان الموسر.
وقال أبو حنيفة ومالك: يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والمعروف الكفاية، ولأنَّه سوى بين النفقة والكسوة، والكسوة على قدر حالها، فكذلك النفقة، وقال النبي ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
فاعتبر كفايتها دون حال زوجها، ولأنَّ نفقتها واجبة لدفع حاجتها، فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها، دون حال من وجبت عليه، كنفقة المماليك، ولأنَّه
[ ١٣ / ٣٧٦ ]
واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر، فكان معتبرًا بها، كمهرها وكسوتها.
وقال الشافعي: الاعتبار بحال الزوج وحده؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾.
ولنا، أنَّ فيما ذكرناه جمعًا بين الدليلين، وعملًا بكلا النصين، ورعاية لكلا الجانبين، فيكون أولى» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الشافعي أرجح في نظري، وذلك أنَّ ما احتج به من الآية أدل على المقصود، وأمَّا حديث هند فالاحتمال وارد أن يكون النبي ﷺ علم أنَّ زوجها من الموسرين، فأخذها من ماله حينئذ ما يكفيها ويكفي ولدها لا إشكال فيه، وإنَّما يرد الإشكال لو كانت من الموسرين وزوجها من المعسرين، وليس في الحديث ما يدل على أحد هذين الاحتمالين، ومع تساوي الاحتمال يسقط الاستدلال، ويبقى العمل بالآية، فإن قيل: إنَّ النبي ﷺ لم يستفصل هندًا عن حال زوجها وأفتاها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
[ ١٣ / ٣٧٧ ]
فالجواب: أنَّه يبعد أن يجهل النبي ﷺ حال أبي سفيان من حيث الايسار والإعسار، وذلك أنَّ أبا سفيان كان من أشراف قومه ومثله لا يجهل حاله، والذي يظهر من مثل حاله أن يكون من الموسرين. والله أعلم.
وإلزام الحنابلة لمن كان معسرًا وزوجته موسرة أن ينفق نفقة المتوسطين فيه ما فيه من مخالفة الآية، ثم يقال أيضًا: لو كان قادرًا على نفقة المتوسطين لم يكن من المعسرين. والله أعلم.
١٢ - وفيه أنَّ للمفتي أن يطلق الفتوى، ولا يلزمه أن يعلق ذلك بصحة قول السائل، وهي معلقة بذلك معنىً وإن لم تعلق به لفظًا.
وجاء في تعليق الفتوى ما رواه مسلم (٢٥٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
١٣ - واحتج به من قال إنَّ نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠٤ - ٥٠٩): «وقد احتج بقصة هند هذه على أنَّ نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان، لأنَّه لم يمكنها من أخذ
[ ١٣ / ٣٧٨ ]
ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها: إنَّه لا يعطيها ما يكفيها، ولا دليل فيها، لأنَّها لم تدع به ولا طلبته، وإنَّما استفتته: هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها؟ فأفتاها بذلك.
وبعد، فقد اختلف الناس في نفقة الزوجات والأقارب، هل يسقطان بمضي الزمان كلاهما، أو لا يسقطان، أو تسقط نفقة الأقارب دون الزوجات؟ على ثلاثة أقوال.
أحدها: أنَّهما يسقطان بمضي الزمان، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.
والثاني: أنَّهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلًا، وهذا وجه للشافعية.
والثالث: تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومالك. ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان، منهم من قال: إذا كان الحاكم قد فرضها لم تسقط، وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة. ومنهم من قال: لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئًا إذا سقطت بمضي الزمان، والذي ذكره أبو البركات في "محرره"، الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك، فقال: وإذا
[ ١٣ / ٣٧٩ ]
غاب مدة ولم ينفق، لزمه نفقة الماضي، وعنه: لا يلزمه إلَّا أن يكون الحاكم قد فرضها.
وأمَّا نفقة أقاربه، فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلَّا أن يستدان عليه بإذن الحاكم وهذا هو الصواب، وأنَّه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزمان نقلًا وتوجيهًا، أمَّا النقل، فإنَّه لا يعرف عن أحمد، ولا عن قدماء أصحابه استقرار نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم، ولا عن الشافعي، وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم، كصاحب "المهذب"، و"الحاوي"، و"الشامل"، و"النهاية"، و"التهذيب"، و"البيان"، و"الذخائر" وليس في هذه الكتب إلَّا السقوط بدون استثناء فرض، وإنَّما يوجد استقرارها إذا فرضها الحاكم في "الوسيط" و"الوجيز"، وشرح الرافعي وفروعه، وقد صرح نصر المقدسي في "تهذيبه"، والمحاملي في "العدة"، ومحمد بن عثمان في "التمهيد"، والبندنيجي في "المعتمد" بأنَّها لا تستقر ولو فرضها الحاكم، وعللوا السقوط بأنَّها تجب على وجه المواساة لإحياء النفس، ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه، وهذا التعليل يوجب سقوطها فرضت أو لم تفرض. وقال أبو المعالي: ومما يدل على ذلك أنَّ نفقة القريب إمتاع لا تمليك، وما لا يجب فيه التمليك، وانتهى إلى الكفاية، استحال
[ ١٣ / ٣٨٠ ]
مصيره دينًا في الذمة، واستبعد لهذا التعليل قول من يقول: إنَّ نفقة الصغير تستقر بمضي الزمان، وبالغ في تضعيفه من جهة أنَّ إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض، ثم اعتذر عن تقديرها في صورة الحمل على الأصح. إذا قلنا: إنَّ النفقة له بأنَّ الحامل مستحقة لها أو منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة. قال: ولهذا قلنا: تتقدر، ثم قال: هذا في الحمل والولد الصغير، أمَّا نفقة غيرهما، فلا تصير دينًا أصلًا. انتهى.
وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصواب، فإنَّ في تصور فرض الحاكم نظرًا، لأنَّه إمَّا أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده، لم يسغ له الحكم بخلافه، وإلزام ما يعتقد أنَّه غير لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطها مع أنَّه لا يعرف به قائل إلَّا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي. فإمَّا أن يعني بالفرض الإيجاب، أو إثبات الواجب، أو تقديره أو أمرًا رابعًا، فإن أريد به الإيجاب، فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه، وكذلك إن أريد به إثبات الواجب، ففرضه وعدمه سيان، وإن أريد به تقدير الواجب، فالتقدير إنَّما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان، لا في سقوطه ولا ثبوته، فلا أثر لفرضه في الواجب البتة، هذا مع ما في التقدير من مصادمة الأدلة التي تقدمت، على أنَّ الواجب النفقة
[ ١٣ / ٣٨١ ]
بالمعروف، فيطعمهم مما يأكل، ويكسوهم مما يلبس، وإن أريد به أمر رابع، فلا بد من بيانه لينظر فيه.
فإن قيل: الأمر الرابع المراد هو عدم السقوط بمضي الزمان، فهذا هو محل الحكم، وهو الذي أثر فيه حكم الحاكم، وتعلق به. قيل: فكيف يمكن أن يعتقد السقوط، ثم يلزم ويقضي بخلافه؟ وإن اعتقد عدم السقوط، فخلاف الإجماع، ومعلوم أنَّ حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعًا لم يزله حكم الحاكم عن صفته.
فإن قيل: بقي قسم آخر، وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم يفرض، فإن فرضت، استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي الزمان.
قيل: هذا لا يجدي شيئًا، فإنَّه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان، وإنَّ هذا هو الحق والشرع، لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته، وما هذا إلَّا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر، وصاحب طعام غير مضطر، فقضي به للمضطر بعوضه، فلم يتفق أخذه حتى زال الاضطرار، ولم يعط صاحبه العوض أنَّه يلزمه بالعوض، ويلزم صاحب الطعام ببذله له، والقريب يستحق النفقة لإحياء مهجته، فإذا مضى
[ ١٣ / ٣٨٢ ]
زمن الوجوب، حصل مقصود الشارع من إحيائه، فلا فائدة في الرجوع بما فات من سبب الإحياء، ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزوجة، فإنَّها تستقر بمضي الزمان، ولو لم تفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه.
قيل: النقض لا بد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإجماع، وسقوط نفقة الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع، فأبو حنيفة وأحمد في رواية يسقطانها، والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يسقطانها، والذين لا يسقطونها فرقوا بينها وبين نفقة القريب بفروق.
أحدها: أنَّ نفقة القريب صلة.
الثاني: أنَّ نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب.
الثالث: أنَّ نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب إلَّا مع إعساره وحاجته.
الرابع: أنَّ الصحابة ﵃ أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى، ولا يعرف عن أحد منهم قط أنَّه أوجب للقريب نفقة ما مضى، فصح عن عمر ﵁ أنَّه
[ ١٣ / ٣٨٣ ]
كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا، بعثوا بنفقة ما مضى، ولم يخالف عمر ﵁ في ذلك منهم مخالف. قال ابن المنذر ﵀: هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلَّا بمثلها.
قال المسقطون: قد شكت هند إلى النبي ﷺ أنَّ أبا سفيان لا يعطيها كفايتها، فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية، ولم يجوز لها أخذ ما مضى، وقولكم: إنَّها نفقة معاوضة، فالمعاوضة إنَّما هي بالصداق، وإنَّما النفقة لكونها في حبسه، فهي عانية عنده كالأسير، فهي من جملة عياله، ونفقتها مواساة، وإلَّا فكل من الزوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل للآخر، وقد عاوضها على المهر، فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام الزوج به، والنبي ﷺ جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب بالمعروف، وكنفقة الرقيق فالأنواع الثلاثة إنَّما وجبت بالمعروف مواساة لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه، ومن بينه وبينه رحم وقرابة، فإذا استغنى عنها بمضي الزمان، فلا وجه لإلزام الزوج بها، وأي معروف في إلزامه نفقة ما مضى وحبسه على ذلك، والتضييق عليه، وتعذيبه بطول الحبس، وتعريض الزوجة لقضاء أوطارها من
[ ١٣ / ٣٨٤ ]
الدخول والخروج وعشرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها، وغيبة نظره عليها، كما هو الواقع، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلَّا الله، حتى إنَّ الفروج لتعج إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها، وتسييبها في أوطارها، ومعاذ الله أن يأتي شرع الله لهذا الفساد الذي قد استطار شراره، واستعرت ناره، وإنَّما أمر عمر بن الخطاب الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن صحابي البتة، ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة، واستقبل الزوجة بكل ما تحتاج إليه، فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح، ونفقة الزوجة تجب يومًا بيوم، فهي كنفقة القريب، وما مضى فقد استغنت عنه بمضي وقته، فلا وجه لإلزام الزوج به، وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين، وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي لا تقتضي الشريعة غيره، وقد صرح أصحاب الشافعي، بأنَّ كسوة الزوجة وسكنها يسقطان بمضي الزمان إذا قيل: إنَّهما إمتاع لا تمليك، فإنَّ لهم في ذلك وجهين» اهـ.
[ ١٣ / ٣٨٥ ]
قُلْتُ: أثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٣٤٦) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: «أَنِ ادْعُ فَلَانًا وَفُلَانًا نَاسًا قَدِ انْقَطَعُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَخَلَوْا مِنْهَا، فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَيْهِنَّ بِنَفَقَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقُوا وَيَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: أثر عمر صريح في وجوب نفقة ما مضى عند الطلاق، وأمَّا إذا لم يعزم على الطلاق فظاهر أثر عمر أنَّه لا يلزم بذلك. فإن وجد ما يخالف عمر في ذلك، وإلَّا فالقول ما قاله ﵁.
وهنا تنبيه حسن حول سقوط النفقة عن القريب بمرور الزمن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٨٥):
«فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبًا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْمَنْصُوصِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ عَلَى رُجُوعِ مَنْ عَمَرَ قَنَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَوْ أَنَّ الْقَرِيبَ اسْتَدَانَ وَأَنْفَقَ
[ ١٣ / ٣٨٦ ]
عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَحَالَ بِالدَّيْنِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ سَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَمْ تُصَادِفْ الْحَوَالَةُ مَحَلًّا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَدَانَ عَلَى الْمُنْفِقِ، بَلْ تَبَرَّعَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ تَكَلَّفَ أَوْ صَبَرَ، فَأَمَّا إذَا اسْتَدَانَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَهُنَا لَا وَجْهَ لِسُقُوطِهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ قَدْ أَطْلَقُوا السُّقُوطَ فَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَتَأَمَّلْهُ» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ٣٨٧ ]
٣٦٥ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا».
قَوْلُهَا: «جَلَبَةَ خَصْمٍ» الجلبة اختلاط الأصوات، والخصم يطلق على الواحد والجماعة، والذكر والأنثى.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ النبي ﷺ بشر في أصل الخلقة يحتاج ما يحتاجه البشر، ويعتريه ما يعتريهم، غير أنَّه فضل عليهم بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، و[فصلت: ٦].
قُلْتُ: ومع كون النبي ﷺ مشارك للبشر في أصل الخلقة لكنه مع ذلك امتاز على كثير منهم بأمور في أصل الخلقة:
[ ١٣ / ٣٨٨ ]
منها: القوة على إتيان النساء، فقد روى البخاري (٢٦٨) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ». قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ «أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ». وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، إِنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ: «تِسْعُ نِسْوَةٍ».
ومنها: رؤية المصلين من وراء ظهره، كما روى ذلك البخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».
وفي رواية لمسلم (٤٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ».
وروى البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٢٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي».
[ ١٣ / ٣٨٩ ]
قُلْتُ: وهذا أحد المعاني التي فسر بها قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. أي: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإِنَّهُ كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه.
٢ - وفيه أنَّ الرسول ﷺ بشر لا يعلم كل ما غاب عنه، وإنَّما يعلم من ذلك ما علمه الله.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٢/ ٢١٦): «فإذا كان الأنبياء لا يعلمون ذلك فغير جائز أن يصح دعوى ذلك لأحد غيرهم من كاهن أو منجم وإنَّما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ النبي ﷺ يحكم بين الخصوم على حسب الظاهر، وقد يصيب الحق في ذلك في الباطن وقد يخطئه، والحقيقة أنَّ الخطأ في ذلك لم يحصل من اجتهاد النبي ﷺ وإنَّما من صاحب الحق الذي لم يقم البينة على حقه، ومن جهة الظالم الذي أقام الحجة الباطلة على دعواه كاليمين الفاجرة وغير ذلك، وحكم النبي ﷺ قائم على ما أمره الله به من الأخذ بأقوال الشهود العدول، والأخذ بيمين المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة.
[ ١٣ / ٣٩٠ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٥): «والحاصل أنَّ هنا مقامين:
أحدهما: طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث.
والآخر: ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلَّا الله ومن شاء من رسله فلم يقع التكليف به» اهـ.
وهذا الآخر هو الذي قد يحصل للنبي ﷺ ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «فإن قيل: هذا الحديث ظاهر أنَّه قد يقع منه ﷺ في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنَّه ﷺ لا يقر على خطإ في الأحكام، فالجواب: أنَّه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأنَّ مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف، الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يعلمه الله تعالى به ويتداركه، وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة
[ ١٣ / ٣٩١ ]
واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ حكم الحاكم إن كان خطأ فلا يحل ما حرم الله تعالى، فلا يحل للمبطل ما كان حرامًا عليه قبل ذلك.
ويستوي في ذلك الأموال والدماء والفروج خلافًا لأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٧٥): «وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال، والفروج. وهو قول الكافة، إلَّا ما حكي عن أبي حنيفة من أنَّ حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنَّه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإنَّ فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أنَّ القضيِّة باطل، وقد شنع عليه بإعراضه عن الحديث الصحيح الصريح، وبأنَّه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك. والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان» اهـ.
[ ١٣ / ٣٩٢ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٤٠): «وفي هذا الحديث: دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنَّ حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حرامًا، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم؛ لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور أنَّه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق، وقال أبو حنيفة ﵁: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال، فقال: يحل نكاح المذكورة، وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ولإجماع من قبله، ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها، وهي أنَّ الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. والله أعلم» اهـ.
٥ - وفيه وعيد من خاصم بالباطل، وقوله في آخر الحديث: «فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا». من باب التهديد والوعيد، لا من باب التخيير كقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ
[ ١٣ / ٣٩٣ ]
يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
٦ - وفي الحديث رد على من قال: كل مجتهد مصيب.
وهذا إذا قصد أنَّه مصيب للحق في نفس الأمر، وأمَّا إن قصد أنَّه مصيب في اجتهاده وإن لم يصب الواقع فهو كلام صحيح، والأحسن أن يقال: لكل مجتهد نصيب، أي من الأجر كما روى البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
٧ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٧٤): «وفيه أنَّه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم» اهـ.
قُلْتُ: وفي تسمية هذا حكم بالاجتهاد نظر، وذلك أنَّ الحكم بالشهادة أو اليمين مما أمر الله به، فالحكم بناءً على ذلك ليس من قبيل الحكم بالاجتهاد ولكن من العمل بنصوص الشرع، ومن باب الحكم بالوحي، وقد سبق قريبًا قول العلامة النووي ﵀: «وأمَّا الذي في الحديث فمعناه: إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة
[ ١٣ / ٣٩٤ ]
واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأمَّا الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإنَّ هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على اجتهاد النبي ﷺ في بعض الأحكام التي لم ينزل عليه فيها وحي فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٤٧٧ - ٤٧٨): «وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه ﷺ في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين.
يقول جل ثناؤه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأي شيء أذنت لهم. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك؛ إذ قالوا
[ ١٣ / ٣٩٥ ]
لك: لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره، وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقًا وشكًا في دين الله» اهـ.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٢٧١): «وإنَّما قال الله جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ يعرفه أنَّ قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدر ثم فادى بهم كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم» اهـ.
وقد روى مسلم (١٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ
[ ١٣ / ٣٩٦ ]
الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمِ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١١١): «وقد تكلم الناس، في أي الرأيين كان أصوب، فرجحت طائفة، قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي صلى الله
[ ١٣ / ٣٩٧ ]
عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ولحصول الخير العظيم الذى حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولًا، ولموافقة الله له آخرًا حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنَّه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا، وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة.
قالوا: وأمَّا بكاء النبي ﷺ، فإنَّما كان رحمة لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ، ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: "لن نغلب اليوم من قلة" وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على النصر والظفر. والله أعلم» اهـ.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
[ ١٣ / ٣٩٨ ]
(٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٣١٩): «ذكر غيرُ واحد من المفسرين أنَّ رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم-وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبة في هدايته. وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾؟ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: أمَّا الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾؟ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول
[ ١٣ / ٣٩٩ ]
له، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتشاغل. ومن هاهنا أمر الله ﷿ رسوله ﷺ ألَّا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة» اهـ.
ومن ذلك ما رواه مسلم (١٤٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٣٢٣): «وفيه أنَّه ﵇ كان يجتهد في الأحكام برأيه» اهـ.
والقول بوقوع الاجتهاد من النبي ﷺ في الأمور الشرعية هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ الْفُحُولِ] (٢/ ٢١٨): «المذهب الثاني: أنَّه يجوز لنبينا ﷺ، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢/ ٢٢٠): «ولم يأتِ المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها» اهـ.
[ ١٣ / ٤٠٠ ]
قُلْتُ: وقد احتج من منع الاجتهاد للنبي ﷺ بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَّاصُ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ٢٦٥): «وليس في الآيتين دليل على أنَّ النبي ﷺ لم يكن يقول شيئًا من طريق الاجتهاد وذلك لأنَّا نقول ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه اللّه وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله فليس في الآية دلالة على نفى الاجتهاد من النبي ﷺ في الأحكام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ الْفُحُولِ] (٢/ ٢١٩): «وأمَّا قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فالمراد به القرآن؛ لأنَّهم قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده؛ لأنَّه ﷺ إذا كان متعبدًا بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقًا عن الهوى، بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرضًا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى» اهـ.
[ ١٣ / ٤٠١ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٧/ ٤٦٥): «ولا منافاة بين الآيات، لأنَّ قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ معناه أنَّ النبي ﷺ لا يبلغ عن الله إلَّا شيئًا أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنَّه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين - هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنَّه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [دَفْعِ إِيْهَامِ الاضْطِرَابِ] (ص: ٧٦ - ٧٧): «قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أنَّ النبي ﷺ لا يجتهد في شيء، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنَّه ﷺ ربما اجتهد في بعض الأمور كما دل عليه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ الآية.
والجواب عن هذا من وجهين:
[ ١٣ / ٤٠٢ ]
الأول: وهو الذي اقتصر عليه ابن جرير وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي في كل ما يبلغه عن الله ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي كل ما يبلغه عن الله ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ من الله لأنَّه لا يقول على الله شيئًا إلَّا بوحي منه فالآية رد على الكفار حيث قالوا: إنَّ النبي ﷺ افترى هذا القرآن كما قال ابن الحاجب.
الوجه الثاني: أنَّه إن اجتهد فإنَّه إنَّما يجتهد بوحي من الله يأذن له به في ذلك الاجتهاد وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة. ويدل لهذا الوجه أنَّ اجتهاده في الإذن للمتخلفين عن غزوة تبوك أذن الله له فيه حيث قال له: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. فلما أذن للمنافقين عاتبه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾. فالاجتهاد في الحقيقة إنَّما هو في الإذن قبل التبين لا في مطلق الإذن للنص عليه. ومسألة اجتهاد النبي ﷺ وعدمه من مسائل الخلاف المشهورة عند علماء الأصول وسبب اختلافهم هو تعارض هذه الآيات في ظاهر الأمر.
قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر أنَّ التحقيق في هذه المسألة أنَّه ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوص كإذنه للمتخلفين عن
[ ١٣ / ٤٠٣ ]
غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وكأسرة لأسارى بدر، وكأمره بترك تأبير النخل وكقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث. إلى غير ذلك. وإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ لا إشكال فيه لأنَّ النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني أن كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء. والعلم عند الله تعالى» اهـ.
ومن حججهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، و[يونس: ١٥]، و[الأحقاف: ٩].
والجواب على ذلك: أنَّ غاية ما تدل عليه الآية أنَّ النبي ﷺ لا يتبع هواه، وإنَّما يتبع ما يوحى إليه، وهذا محمول فيما نزل عليه فيه الوحى فلا يتبع غيره، وأمَّا ما لم ينزل عليه فيه وحي فليس هناك ما يمنع من أن يجتهد فيه، وقد دلت الأدلة الكثيرة على اجتهاده كما سبق. والله أعلم.
٨ - وفيه أنَّ البلاغة في القول قد تظهر الباطل بمظهر الحق.
٩ - وفيه أنَّ الحاكم يحكم بين الخصوم على حسب الظاهر ولا يكلف بما في باطن الأمور.
[ ١٣ / ٤٠٤ ]
١٠ - وفيه استحباب موعظة الإمام للخصوم.
* * *
[ ١٣ / ٤٠٥ ]
٣٦٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
قُلْتُ: الرواية الأولى قريبة من رواية مسلم فقد رواها (١٧١٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
وأمَّا الرواية الأخرى فرواها البخاري (٧١٥٨) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ، وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ، بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
[ ١٣ / ٤٠٦ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٣٧): «ووقع في "العمدة": كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وقد سمي إلخ وهو موافق لسياق مسلم إلَّا أنَّه زاد لفظ ابنه، قيل معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه فكتب له مرة أخرى. قُلْتُ: ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أنَّ قوله: "كتب أبي" أي: أمر بالكتابة، وقوله: "وكتبت له". أي: باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب: "إنِّي سمعت". فإنَّ هذه العبارة لأبي بكرة لا لابنه عبد الرحمن فإنَّه لا صحبة له» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «بِسِجِسْتَانَ» وسجستان بكسر المهملة والجيم وهي اليوم تشمل القسم الغربي من أفغانستان وبعض إيران.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الحكم حال الغضب، لما يحصل في الغضب من تغير الفكر، فيؤدي ذلك إلى عدم استيفاء النظر في القضية. ولربما دعاه الغضب إلى تجاوز الحق، والحكم بالباطل.
وبناءً على ذلك إذا طرأ عليه الغضب بعد استبانة الحكم فلا يؤثر ذلك في الحكم. والله أعلم.
[ ١٣ / ٤٠٧ ]
قُلْتُ: ومع هذا فجمهور العلماء يرون صحة الحكم حال الغضب إن وافق الحق.
وذهب بعض الحنابلة إلى فساد الحكم حال الغضب لنهي النبي ﷺ عن ذلك والنهي يقتضي الفساد.
والذي يظهر لي صحة مذهب الجمهور، وذلك أنَّ الحاكم إذا حكم بالحق في حال غضبه فقد حصل المقصود من الحكم فلا معنى لإلغائه، ولأنَّه إذا ألغاه مع موافقته للحق ثم استأنف عينه من جديد كان ذلك من قبيل العبث الذي لا تأتي به الشريعة. والله أعلم.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٢٧٠٨)، ومسلم (٢٣٥٧) عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ»، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلْزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ
[ ١٣ / ٤٠٨ ]
الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، اسْتَوْعَى لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: «وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ»: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآيَةَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ] (ص: ٥٢٨):
«وقول ذلك الأنصاري: أن كان ابن عمتك فإنَّ هذا كفر محض حيث زعم أنَّ النبي ﷺ إنَّما حكم للزبير لأنَّه ابن عمته ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية وأقسم أنَّهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه وإنما عفا عنه النبي ﷺ كما عفا عن الذي قال: إنَّ هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وعن الذي قال: اعدل فإنَّك لم تعدل».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٥٢٨ - ٣٠):
«وقد ذكر طائفة من الفقهاء منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي أنَّ هذا كان عقوبته التعزير ثم منهم من قال: لم يعزره النبي ﷺ لأنَّ التعزير غير واجب، ومنهم من قال: عفا عنه لأنَّ الحق له، ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه أقوال ردية لا
[ ١٣ / ٤٠٩ ]
يستريب من تأمل في أنَّ هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أنَّ من هو بمثل حاله ليس بمؤمن.
فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر وفي الصحيحين عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ولو كان هذا القول كفرًا للزم أن يغفر الكفر والكفر لا يغفر ولا يقال عن بدري: إنَّه كفر.
فقيل: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة فيمكن أنَّها وهم كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنَّهما لم يشهدا بدرا وكذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري لكن الظاهر صحتها.
فنقول: ليس في الحديث أنَّ هذه القصة كانت بعد بدر فلعلها كانت قبل بدر وسمي الرجل بدريًا لأنَّ عبد الله بن الزبير حدث بالقصة بعد أنَّ صار الرجل بدريًا فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنَّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء
[ ١٣ / ٤١٠ ]
إلى جارك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه النبي ﷺ ثم قال للزبير: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ متفق عليه وفي رواية للبخاري من حديث عروة قال: فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم وهذا يقوي أنَّ القصة متقدمة قبل بدر لأنَّ النبي ﷺ قضى في سيل مهزور أنَّ الأعلى يسقى ثم يحبس حتى يبلغ الماء إلى الكعبين فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم وجه الحكم فيه وهذا القضاء الظاهر أنَّه متقدم من حين قدم النبي ﷺ لأنَّ الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم ولعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء.
وأيضًا: فإنَّ هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أنَّ أولها نزل لما أراد بعض المنافقين أن يحاكم يهوديًا إلى ابن الأشرف وهذا إنَّما كان قبل بدر لأنَّ ابن الأشرف ذهب
[ ١٣ / ٤١١ ]
عقب بدر إلى مكة فلما رجع قتل فلم يستقر بعد بدر بالمدينة استقرارًا يتحاكم إليه وإن كانت القصة بعد بدر فإنَّ القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي ﷺ عن حقه فغفر له والمضمون لأهل بدر إنَّما هو المغفرة: إمَّا بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلَّا بالاستغفار، أو لم يكن كذلك وإمَّا بدون أن يستغفروا ألا ترى أنَّ قدامة بن مظعون وكان بدريًا تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو أصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنَّه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر ﵁ بأول سورة غافر فعلم أنَّ المضمون للبدريين أنَّ خاتمتهم حسنة وأنَّهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإنَّ التوبة تجب ما قبلها» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر النهي التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، وصرفوا النهي عن التحريم بحديث الزبير هذا حيث قضى النبي ﷺ في شراج الحرة حال غضبه.
[ ١٣ / ٤١٢ ]
ويجاب عن ذلك بأنَّ النبي ﷺ مخصوص بذلك من أجل أنَّه معصوم في حكمه في حال الغضب والرضا.
٢ - ألحق العلماء بذلك كل ما يشوش الذهن كالجوع الشديد، والعطش الشديد، والحزن الشديد، والألم الشديد، والنعاس الشديد، والتعب الشديد، والخوف الشديد، والفرح الشديد، والحر الشديد المزعج، ومثله أيضًا البرد الشديد المزعج، ومدافعة البول أو الغائط ونحو ذلك مما يشغل القلب عن استيفاء النظر. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٨٥): «إنَّما كان الغضب مانعًا من الحكم؛ لأنَّه يشوِّش على الحاكم فكره، ويخلُّ بفهمه، فيجب أن يُلحق به ما في معناه، كالجوع، والألم، والخوف، وما أشبه ذلك. وذلك بطريق الأولى، كالخوف، والمرض، فإنَّهما أولى بذلك من الغضب. وإمَّا بطريق توسيع المناط، وذلك أن تَحذِف خصوصية ذكر الغضب، وتُعدِّيه إلى ما في معناه. وهذا النوع من القياس من أجلَى أنواعه، ولذلك قال به جماعة الفقهاء، وكثير من نفاة القياس. وقد استوفينا ذلك في الأصول، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي ﷺ للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدُر. وقد غضب من قول الأنصاري: أن
[ ١٣ / ٤١٣ ]
كان ابن عمتك؟! لأنَّ النبي ﷺ معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه، ورضاه، وصحته، ومرضه. ولذلك قال: "اكتبوا عني في الغضب والرضا". ولذلك نفذت أحكامه، وعمل بحديثه الصادر منه في حال شدَّة مرضه ونزعه، كما نفذ ذلك في حال صحته ونشاطه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢١٧): «وهل يستريب عاقل في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلمك لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". إنَّما كان ذلك لأنَّ الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهى على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٣٧): «وكأنَّ الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره» اهـ.
[ ١٣ / ٤١٤ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي في الاقتصار على الغضب دون غيره أنَّ ورود الغضب في مجالس الحكم أغلب من غيره، وذلك أنَّ الخصومات في مجلس القضاء تستدعي الغضب. والله أعلم.
٣ - وفيه العمل بالمكتابة.
٤ - وفيه ما كان عليه السلف من تعليم أولادهم ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم.
٥ - وفيه أنَّ الولد وإن كان كبيرًا لا يستغني عن نصح والده له.
٦ - وفيه من الفوائد ذكر الحكم بدليله، وذلك أدعى لقبول الحكم والإذعان له.
* * *
[ ١٣ / ٤١٥ ]
٣٦٧ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الكبائر على مراتب متفاوتة.
٢ - أنَّ الشرك بالله تعالى داخل في الكبائر، وأمَّا جعل الكبائر مرتبة دون الكفر والشرك فهو اصطلاح جرى عليه بعض العلماء.
٣ - حرمة عقوق الوالدين وأنَّه من الكبائر، وقد قرنه النبي ﷺ بالشرك، ونظير ذلك قرن بر الوالدين بتوحيد الله تعالى كقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٥].
[ ١٣ / ٤١٦ ]
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ١٨٩): «وأمَّا عقوق الوالدين فهو مأخوذ من "العق" وهو القطع. وذكر الأزهري أنَّه يقال: "عق" والده يعقه بضم العين عقًا وعقوقًا إذا قطعه، ولم يصل رحمه. وجمع "العاق" عققة بفتح الحروف كلها، و"عقق" بضم العين والقاف. وقال صاحب المحكم: رجل عقق وعقق وعق وعاق بمعنى واحد، وهو الذي شق عصا الطاعة لوالده. هذا قول أهل اللغة.
وأمَّا حقيقة العقوق المحرم شرعًا فقل من ضبطه. وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀: لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمده؛ فإنَّه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به، وينهيان عنه، باتفاق
[ ١٣ / ٤١٧ ]
العلماء. وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما شق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك. وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه هذا كلام الشيخ أبي محمد.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية. ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق. وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما مخالفًا لما ذكرته، فإنَّ هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٦) - في ضبطه للعقوق المحرم -: «والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلَّا في شرك أو معصية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٠/ ٢٣٨): «عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أنَّ برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية،
[ ١٣ / ٤١٨ ]
وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فِي [الْشَّرْحِ الْمُمْتِعِ] (٨/ ١٣ - ١٤): «ولهذا نقول: ما فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على الأبوين فيه فإنَّه لا طاعة للوالدين فيه منعًا أو إذنًا؛ لأنَّه ليس فيه ضرر وفيه مصلحة، وأي والد يمنع ولده من شيء فيه مصلحة له، وليس على الوالد فيه ضرر فإنَّه مخطئ فيه وقاطع للرحم؛ لأنَّ الذي ينبغي للأب أن يشجع أولاده من بنين أو بنات على فعل كل خير، ونظير هذا أن بعض النساء يمنعن بناتهن من صوم أيام البيض، أو من صوم يومي الاثنين والخميس بحجة أنَّ في ذلك مشقة، وكلفة عليهنَّ، مع أنَّ الذي يحس بالكلفة والمشقة هنَّ البنات الصائمات، فلا يحل للوالد أن يمنع ولده من فعل طاعة، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، إلَّا إذا كان على أحد الأبوين في ذلك ضرر، كما لو كان الأب أو الأم يحتاج أحدهما إلى تمريض مثلًا، وإذا اشتغل الابن أو البنت بهذه الطاعة ضَرَّ الأب أو الأم فحينئذ لهما أن يمنعاه، ويجب عليه هو أن يمتنع؛ لأنَّ بر الوالدين واجب والتطوع ليس بواجب» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي فيما يتعلق بحرمة عقوق الوالدين ووجوب برهما:
[ ١٣ / ٤١٩ ]
أنَّ الوالدين إذا أمرا الولد بما ليس بمعصية لله تعالى، ولا يعارض مصلحة الولد فالواجب طاعتهما في ذلك.
وإن أمراه أو نهياه بما لا مصلحة لهما به، وهو معارض لمصلحة الولد فلا يجب برهما في ذلك، كأمرهما للولد بترك التفقه في دين الله، أو نهيهما له عن بعض نوافل العبادات.
وهكذا إن أمراه بتجارة معينة، ومصلحته في غيرها فلا طاعة لهما في ذلك، وهكذا إن أمراه بالزواج من امرأة معينة لا يرغب فيها، ومصلحته في الزواج بغيرها فلا طاعة لهما في ذلك، وهكذا إن أمراه بطلاق امرأته من غير عذر شرعي فلا طاعة لهما في ذلك أيضًا.
وإن أمراه بما هو مصلحة لهما، وهو معارض لمصلحة الولد، فينظر في ذلك، فإن أمراه بترك واجب أو فعل محرم فلا طاعة لهما، وإن أمراه بترك نافلة، كأن يأمراه بترك صيام النافلة لينشط في خدمتهما إذا كان الصيام يمنعه من ذلك فالواجب طاعتهما.
وإن أمراه بالنفقة عليهما بما يضر بالنفقة على نفسه وأهله وأولاده، فلا يجب طاعتهما في ذلك.
[ ١٣ / ٤٢٠ ]
مسألة: وهل يدخل في العقوق سفر الولد لطلب العلم بغير إذن والديه.
أَقُوْلُ: إذا كان سفره لطلب العلم الواجب عليه بحيث لا يمكنه ذلك في بلده فله أن يرحل في طلبه بغير إذنهما. ولا أعلم في ذلك نزاعًا، وتنازع العلماء فيما سوى ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢): «إذا أراد الولد السفر لطلب العلم فقد جزم المصنف في أول كتاب السير بأنَّه يجوز بغير إذن الأبوين، قال: وكذلك سفر التجارة لأنَّ الغالب فيها السلامة.
وبسط البغوي المسألة هنا فقال: إن أراد الولد الخروج لطلب العلم بغير إذن الأبوين نظر إن كان هناك من يتعلم منه لم يجز ولهما منعه، وإن لم يكن نظر فإن أراد تعلم ما هو فرض عين لم يكن لهما منعه، وفي فرض الكفاية وجهان:
أصحهما: لا يجوز لهما منعه لأنَّه فرض عليه ما لم يبلغ واحد هناك درجة الفتوى حتى لو كبر المفتي وشاخ جاز لشاب أن يخرج لطلب العلم إن لم يمكنه التعلم من الشيخ.
قال: ولو خرج واحد للتعلم هل لآخر أن يخرج بغير إذن الأبوين فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنَّه قام به غيره كالجهاد.
[ ١٣ / ٤٢١ ]
والثاني: نعم، لأنَّ قصد إقامة الدين لا خوف فيه هذا كلام البغوي» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢١١): «وأمَّا سفره لطلب العلم فإن كان لطلب ما هو متعين فله الخروج بغير إذنهما وليس لهما المنع، وإن كان لطلب ما هو فرض كفاية بأن خرج لطلب درجة الفتوى في الناحية مستقل بالفتوى فليس لهما المنع على الأصح، فإن لم يكن هناك مستقل ولكن خرج جماعة فليس لهما على المذهب لأنَّه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود والخارجون فلا يظفرون بالمقصود، وإن لم يخرج معه أحد لم يحتج إلى إذن ولا منع لهما قطعًا لأنَّه يدفع الإثم عن نفسه كالفرض المتعين عليه، وقيد بعضهم هذه الصورة بما إذا لم يمكنه التعلم في بلده ويجوز أن لا يشترط ذلك بل يكفي أن يتوقع في السفر زيادة فراغ أو إرشاد أستاذ أو غيرهما كما لم يقيد الحكم في سفر التجارة بمن لم يتمكن منها ببلده بل اكتفي بتوقع زيادة ربح أو رواج.
وأمَّا سفر التجارة وغيره فإن كان قصيرًا فلا منع منه بحال، وإن كان طويلًا نظر إن كان فيه خوف ظاهر كركوب بحر أو بادية مخطرة وجب الاستئذان على الصحيح ولهما المنع، وإن كان الأمن غالبًا فالأصح أنَّه لا منع ولا يلزمه
[ ١٣ / ٤٢٢ ]
الاستئذان، والولد الكافر في هذه الأسفار كالمسلم بخلاف سفر الجهاد فإنَّه متهم فيه والرقيق كالحر على الصحيح لشمول معنى البر والشفقة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١١٦): «ولا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى كالسفر لطلب العلم الواجب الذي لا يقدر على تحصيله في بلده ونحو ذلك وإن أراد سفرًا غير واجب فمنعاه منه لم يجز له» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٥٨٩ - ٥٩٠): «وطلب العلم الواجب لكونه معينًا على كل أحد إمَّا لكونه محتاجًا إلى جواب مسائل في أصول دينه أو فروعه ولا يجد في بلده من يجيبه، وإمَّا لكونه فرضًا على الكفاية ولم يقم به يسقط الفرض فيجوز السفر لطلب ذلك بدون رضا الوالدين فلا طاعة لهما في ترك فريضة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ عَرَفَةَ الدُّسُوْقِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الْشَّرْحِ الْكَبِيْرِ] (٧/ ١٤٨ - ١٤٩):
«ويستثنى أيضًا طلب العلم الكفائي إذا خلا محلهما عمن يفيده فليس لهما منعه من السفر له مطلقًا كان في بحر أو بر خطر أو آمن، وأمَّا إذا كان في البلد من يفيده فلهما المنع من السفر له مطلقًا، وما ذكره الشارح من أنَّ للأبوين أو أحدهما المنع
[ ١٣ / ٤٢٣ ]
من السفر لطلب العلم الكفائي إن كان في بلدهما من يفيده، وإلَّا فليس لهما منعه من السفر طريقة للطرطوشي ونصه: ولو منعه أبواه من الخروج للفقه والكتاب والسنة ومعرفة الإجماع والخلاف ومراتبه ومراتب القياس فإن كان من يفيد ذلك موجودًا ببلده لم يخرج إلَّا بإذنهما، وإلَّا خرج، ولا طاعة لهما في منعه؛ لأنَّ تحصيل درجة المجتهدين فرض كفاية. واعترض هذا القرافي بأنَّ طاعة الأبوين فرض عين فلا يسقط لأجل فرض الكفاية فلذا قال في "التوضيح": إنَّ للأبوين أن يمنعا من فرض الكفاية مطلقًا جهادًا أو علمًا كفائيًا أو غير ذلك كان السفر لذلك في البحر أو في البر الخطر أو المأمون وتبعه على ذلك ابن غازي، وقال: صواب قوله: ببحر كتجارة بحر أو بر خطر ليصير تشبيهًا في المنع، وليس له تعلق بالجهاد، وأورد عليه بأنَّه أي فرق بين فرض الكفاية لهما منعه منه مطلقًا وبين التجارة لمعاشه لهما منعه منها إذا كان السفر لهما ببحر أو بر خطر لا ببر آمن.
وأجيب بأنَّ فرض الكفاية لما كان يقوم به الغير كان لهما منعه منه مطلقًا بخلاف التجارة، ولكن الحق أنَّ فرض الكفاية الذي لهما منعه منه مطلقًا حتى في البر المأمون خصوص الجهاد، وإنَّ غيره من فروض الكفاية كالعلم الزائد على الحاجة
[ ١٣ / ٤٢٤ ]
فهو كالتجارة فلهما منعه من السفر لتحصيله إذا كان ليس في بلدهما من يفيده حيث كان السفر في البحر أو البر الخطر وإلَّا فلا منع» اهـ.
وَقَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ] (١/ ٢٠٤): «والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمنًا والأمن في الموضع الذي قصده ظاهرًا لا يكون دون السفر للتجارة، بل هذا فوقه لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾.
فلا بأس بأن يخرج إليه وإن كره الوالدان، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما» اهـ.
قُلْتُ: إذا كان السفر لتحصيل العلم المتعين بحيث لا يوجد في البلد من يأخذ منه ذلك فيجب عليه الرحلة لتحصيله ولو لم يأذن له أبواه بذلك، وإن وجد في البلد من يأخذ عنه ما يحتاج إليه من العلم الواجب فلا يسافر إلَّا بإذنهما، وذلك أنَّ الرحلة في حقة لا تجب، وبر الوالدين عليه واجب فيقدم الواجب على غيره، وأمَّا إذا كانت الرحلة من أجل تحصيل الفرض الكفائي من العلم، فينظر في ذلك فإن وجد في البلد من قام بذلك فلا يحل له السفر إلَّا بإذن الوالدين، وذلك لأنَّ فرض الكفاية قد سقط بقيام غيره بذلك، وطاعة الوالدين واجبة عليه والواجب مقدم على غيره، فإن لم يوجد في البلد من قام بذلك فله أن يرحل لتحصيل ذلك لرفع
[ ١٣ / ٤٢٥ ]
الإثم عن نفسه، وذلك أنَّ فرض الكفاية إذا لم يقم به أحد عمَّ الإثم الجميع، ويقدم ذلك على بر الوالدين لما في ذلك من مصلحة حفظ الدين التي هي أرجح من مجرد بر الوالدين. والله أعلم.
وفيما سوى ذلك فلا يكون السفر بغير إذن الوالدين.
لكن إذا كان الوالدان لا حاجة لهما بالولد ولا يتألمان لفراقه، ولو استأذنهما للسفر من أجل الدنيا لفرحا بذلك، لكنهما لا يريدان من ولدهما طلب العلم، فيمنعانه من أجل ذلك كما هو حال كثير من جهال الناس في هذه الأزمان فلا أرى وجوب استئذانهما لطلب العلم مطلقًا، وللولد أن يرحل لطلب العلم بغير إذنهما، ويحرص على ما ينفعه. والله أعلم.
فائدة: ذكر العلماء صورًا للعقوق:
منها: أن يأخذ الأجرة على خدمة والديه.
ومنها: أن يمشي بين يديه.
ومنها: أن يجلس قبله.
ومنها: أن يدعوه باسمه.
ومنها: عدم إجابة دعائهما.
[ ١٣ / ٤٢٦ ]
٤ - عظيم حرمة شهادة الزور.
قُلْتُ: وقد قرن الله ﷿ شهادة الزور بالشرك به فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإنَّ الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع، وأمَّا الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعًا بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإنَّ مفسدته قاصرة غالبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٤٥): «وشهادة الزور: هي الشهادة بالكذب والباطل، وإنَّما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله تعالى، وتحريم ما أحل، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك، والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأصل الزور الباطل الذي تحول عن الاستقامة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ١٦٩):
[ ١٣ / ٤٢٧ ]
«الزور هو: الباطل الذي قد ازور عن الحق والاستقامة أي تحول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّيْنِ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِي] (٩/ ٨):
«فهوَّل ﷺ أمره ونفر عنه حين كرره فحصل في مبالغة النهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متكئًا، واستفتاحه بألَّا التي تفيد تنبيه المخاطب، وإقباله على سماعه وتكرير ذكره مرتين، بل في رواية ثلاثًا ثم أكد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزور وشهادة الزور وهما في المعنى واحد» اهـ.
٥ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الشفقة على نبيهم، وهو مأخوذ من قوله: «حَتَى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتْ» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٣): «أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه» اهـ.
٦ - وذكر الكبائر في الحديث يدل على وجود ذنوب ليست كذلك وهي الصغائر.
وهذا الذي عليه أكثر العلماء، ونازع في ذلك الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، وأبو بكر بن الطيب وأصحابه من الأشاعرة.
[ ١٣ / ٤٢٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٥): «وأمَّا ما يحكى عن أبي إسحاق الاسفرايني أنَّه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس مراده: أنَّها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظر المحرم كإثم الوطء في الحرام وإنَّما المراد: أنَّها بالنسبة إلى عظمة من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣١٦): «ولكن النصوص وإجماع السلف على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٣٢٨):
«فصل: وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنَّ الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره» اهـ.
٧ - وفيه مشروعية اتكاء العالم في أوساط الناس للراحة، والاتكاء وهو الميل إلى أحد الشقين، أو الاعتماد الظهر على شيء.
[ ١٣ / ٤٢٩ ]
ويأتي الاتكاء على معنى الاضطجاع، ومن ذلك ما رواه أحمد (٢٥٣٤٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وأصله في الصحيحين.
وكل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه فيدخل في ذلك جميع المعاني السابقة، ويدخل الاعتماد على العصي أو على شخص.
فروى البخاري (٥٩٠٢)، ومسلم (١٦٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعْوَرِ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ الدَّجَّالُ».
[ ١٣ / ٤٣٠ ]
وأمَّا ما رواه البخاري (٥٣٩٨) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا».
فتأوله الخطابي على القعود على الأوطئة كالوسائد ونحوها.
فَقَالَ ﵀ فِي [الْمَعَالِمِ] (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣):
«يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره، وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلومًا أن الآكل مائلًا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله إلى معدته.
وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنَّما المتكئ ههنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ.
والاتكاء مأخوذ من الوكاء ووزنه الافتعال منه فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى: أنِّي إذا أكلت لم أقعد متمكنًا على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزًا له، وروي أنَّه كان ﷺ يأكل مقعيًا ويقول أنا عبد آكل كما يأكل العبد» اهـ.
[ ١٣ / ٤٣١ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ١٩٣):
«المُتَّكئ فِي الْعَرَبِيَّةِ كُلُّ مَنِ اسْتوى قَاعِدًا عَلَى وطاء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلَّا مَنْ مَالَ فِي قُعُودِهِ معتمِدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيه، وَالتَّاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الوِكاء وَهُوَ مَا يُشَد بِهِ الْكِيسُ وَغَيْرُهُ، كَأَنَّهُ أَوْكَأَ مَقْعَدَته وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الوِطَاء الَّذِي تَحْتَهُ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتَمكّنا فعلَ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ، وَلَكِنْ آكُلُ بُلْغَة، فَيَكُونُ قُعُودِي لَهُ مُسْتَوْفِزًا. وَمَنْ حَمَلَ الِاتِّكَاءَ عَلَى المّيْل إِلَى أَحَدِ الشِّقَّين تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْحَدر فِي مجارِي الطَّعَامِ سَهْلا، وَلَا يُسِيغُه هَنِيئًا، وربَّما تأذَّى بِهِ» اهـ.
وتعقبه الْعِرَاقِيُّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٥١) فَقَالَ:
«فَلَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي اللُّغَةِ تَفْسِيرَ الِاتِّكَاءِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا فَسَّرُوا الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٧/ ٢٥٠):
«وَمِنْ سُنَّةِ الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ
[ ١٣ / ٤٣٢ ]
وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ مَعَ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٦/ ٧٥٦)
«وَفَسَّرَ الْأَكْثَرُونَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«وَقَدْ فُسِّرَ الِاتِّكَاءُ بِالتَّرَبُّعِ، وَفُسِّرَ بِالِاتِّكَاءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَفُسِّرَ بِالِاتِّكَاءِ عَلَى الْجَنْبِ.
وَالْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الِاتِّكَاءِ، فَنَوْعٌ مِنْهَا يَضُرُّ بِالْآكِلِ، وَهُوَ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطَّعَامِ الطَّبِيعِيِّ عَنْ هَيْئَتِهِ، وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَيَضْغَطُ الْمَعِدَةَ فَلَا يُسْتَحْكَمُ فَتْحُهَا لِلْغِذَاءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَمِيلُ وَلَا تَبْقَى مُنْتَصِبَةً، فَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إِلَيْهَا بِسُهُولَةٍ.
وَأَمَّا النَّوْعَانِ الْآخَرَانِ: فَمِنْ جُلُوسِ الْجَبَابِرَةِ الْمُنَافِي لِلْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ"، "وَكَانَ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ"، وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرِّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ عَزَّ
[ ١٣ / ٤٣٣ ]
وَجَلَّ، وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاحْتِرَامًا لِلطَّعَامِ وَلِلْمُؤَاكِلِ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْهَيْئَةِ الْأَدَبِيَّةِ، وَأَجْوَدُ مَا اغْتَذَى الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُنْتَصِبًا الِانْتِصَابَ الطَّبِيعِيِّ، وَأَرْدَأُ الْجِلْسَاتِ لِلْأَكْلِ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَرِيءَ وَأَعْضَاءَ الِازْدِرَادِ تَضِيقُ عِنْدَ هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَالْمَعِدَةُ لَا تَبْقَى عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ، لِأَنَّهَا تَنْعَصِرُ مِمَّا يَلِي الْبَطْنَ بِالْأَرْضِ، وَمِمَّا يَلِي الظَّهْرَ بِالْحِجَابِ الْفَاصِلِ بَيْنَ آلَاتِ الْغِذَاءِ، وَآلَاتِ التَّنَفُّسِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوَسَائِدِ وَالْوَطَاءِ الَّذِي تَحْتَ الْجَالِسِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتِّكِئًا عَلَى الْأَوْطِيَةِ وَالْوَسَائِدِ، كَفِعْلِ الْجَبَابِرَةِ، وَمَنْ يُرِيدُ الْإِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، لَكِنِّي آكُلُ بُلْغَةً كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٣/ ١٨٢):
«وَفُسِّرَ الِاتِّكَاءُ بِالْمَيْلِ عَلَى الْجَنْبِ، وَالِاسْتِنَادِ إلَى شَيْءٍ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عُرْفًا وَهُوَ يَضُرُّ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ لِتَغَيُّرِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَعِدَةِ عَنْ الْوَضْعِ الطَّبِيعِيِّ وَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ بِسُهُولَةٍ.
[ ١٣ / ٤٣٤ ]
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَكْلُ الرَّجُلِ مُتَّكِئًا يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيمَا قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ وَفِيمَا يَرَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَنَاوُلِهِ، وَيُخَالِفُ عَوَائِدَ النَّاسِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى أَنْ يَتَّكِئَ فَإِنَّ هَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الْأَدَبِ، وَالْجَهْلِ وَاحْتِقَارِ النِّعْمَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَّكِئًا لَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إلَى قَعْرِ الْمَعِدَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْهَضْمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَبَّهَ عَلَى كَرَاهَتِهِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر في تفسير الاتكاء هو الميل إلى أحد الجانبين كما فسره بذلك أكثر العلماء، ولما رواه البزار في [فَوَائِدِهِ] (٩٨١)، وابن شاهين في [نَاسِخِ الْحَدِيْثِ] (٦٣٦)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (١/ ٢٨٨) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، ثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَكْلُ الْمُلُوكِ يَا مُحَمَّدُ؟ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ، وقوله: «فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» دليل على أنَّ اتكاءه لم يكن جلوسًا إذ لو كان جلوسًا فإنَّ المعنى يكون: "فكان جالسًا فجلس" فصح أنَّ المراد بالاتكاء الميل إلى أحد الجانبين.
وبهذا يتبيَّن أنَّ الاتكاء في هذا الحديث كالاتكاء في حديث الباب.
[ ١٣ / ٤٣٥ ]
وجاء في صفة جلوس النبي ﷺ في الأكل ما رواه مسلم (٢٠٤٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا».
وفي لفظ له: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا». والمحتفز بمعنى المقعي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ] (٣/ ٣١٥):
«قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: والإقعاء: أَنْ يجلس على وركيه، وَهُوَ الإحتفاز. وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ أَنْ يلصق أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه وَيَضَع يَده بِالْأَرْضِ» اهـ.
وأمَّا قول العلامة ابن القيم ﵀ -فيما مضى-: «وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرِّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ ﷿، وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاحْتِرَامًا لِلطَّعَامِ وَلِلْمُؤَاكِلِ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا» اهـ.
فيشير إلى ما رواه أبو داود (٣٧٧٣)، وابن ماجه (٣٢٦٣) واللفظ له عن عَمْرُو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةً، فَجَثَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، يَأْكُلُ، فَقَالَ
[ ١٣ / ٤٣٦ ]
أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٨ - وفيه تكرار الكلام ثلاثًا ليوعى ويحفظ.
* * *
[ ١٣ / ٤٣٧ ]
٣٦٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الدعاوى المجردة عن الحجة لا تقبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٦): «وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك. وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه، لأنَّه لو كان أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأمَّا المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ اليمين تكون في جانب المدعى عليه إذا لم يقم المدعي البينة على دعواه.
[ ١٣ / ٤٣٨ ]
ولا حجة فيه لأبي حنيفة في قوله: إنَّ اليمين تكون في جانب المدعى عليه مطلقًا، فإنَّ الحديث كما سبق وارد في الدعاوى المجردة التي ليس عليها شيء من البينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٨٩):
«وهذا اللفظ إمَّا أن يقال: لا عموم فيه؛ بل اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه إذ ليس مع المدعي إلَّا مجرد الدعوى كما قال: "لو يعطى الناس بدعواهم". ومن يحلف المدعي لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل إنَّما يحلفه إذا قامت حجة يرجح بها جانبه كالشاهد في الحقوق، واللوث في القسامة، إن قيل: هو عام فالخاص يقضي على العام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٢): «إنَّ هذا إذا لم يكن مع المدعي إلَّا مجرد الدعوى فإنَّه لا يقضى له بمجرد الدعوى فأمَّا إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين» اهـ.
٣ - وحمل الجمهور الحديث على عمومه في حق كل واحد سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وعن مالك وفقهاء المدينة السبعة لا تتوجه اليمين
[ ١٣ / ٤٣٩ ]
إلَّا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦٦ - ٦٧): «وظاهر عموم هذا اللفظ يقتضي: أنَّ اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن. وهو قول أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهب مالك وجل أصحابه: إلى أنَّ اليمين لا تتوجه على المدعى عليه حتى يثبت بينهما خلطة. وهو مذهب الفقهاء السبعة. وبه قضى علي ﵁. وإنَّما صار هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة، ودفعًا للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مرارًا، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلص منه بما يبذله. ويهون على أهل الدين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال، ثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهد أو شاهدين. وقيل: أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعي. وقيل: يجزئ من ذلك الشبهة» اهـ.
[ ١٣ / ٤٤٠ ]
قُلْتُ: وقد فسَّر الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ الشبهة فقال فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٦): «وقيل: تكفي الشبهة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها، ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الخلطة لا يصح اشتراطها مطلقًا لكن الدعوة التي يدل العرف على بطلانها لا يستمع لها، وهذا مذهب الإمام مالك ﵀، واختاره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٥٨ - ٥٩): «ومن ههنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزًا لدار متصرفًا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أنَّ له فيها حقًا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريًا عن ذلك كله ثم جاء
[ ١٣ / ٤٤١ ]
بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنَّها له ويريد أن يقيم بذلك بينة فدعواه غير مسموعة أصلًا فضلًا عن بينة وتقر الدار بيد حائزها.
قالوا: لأنَّ كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنَّها مرفوضة غير مسموعة قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها.
قُلْتُ: ومما يدل على ذلك: أنَّ الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين أو شاهد ويمين أو مجرد النكول أو الرد.
وأيضًا: فإنَّ البينة على المدعي والبينة هي كل ما يبين الحق والعرف والعادة والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣٣ - ١٣٤): «قُلْتُ: ومما يشهد لذلك ويقويه قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره وهو ثابت عنه: إنَّ الله نظر في قلوب العباد فرأى قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاختارهم لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
[ ١٣ / ٤٤٢ ]
ولا ريب أنَّ المؤمنين بل وغيرهم يرون من القبيح أن تسمع دعوى البقال على الخليفة والأمير أنَّه باعه بمائة ألف دينار ولم يوفه إياها، أو أنَّه اقترض منه ألف دينار أو نحوها، أو أنَّه تزوج ابنته الشوهاء ودخل بها ولم يعطها مهرها، أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها أنَّه لم ينفق عليها يومًا واحدًا ولا كساها خيطًا وهو يشاهد داخلًا وخارجًا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها أو يحبس على ذلك كله، أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة وعلى راسه عمامة وخلفه عالم مكشوف الرأس فيدعي الذاعر أنَّ العمامة له فتسمع دعواه ويحكم له بها بحكم اليد.
أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح أنَّه نقب بيته وسرق متاعه فتسمع دعواه ويستحلف له فإن نكل قضى عليه.
أو يدعي رجل معروف بالشحاذة وسؤال الناس أنَّه أقرض تاجرًا من أكابر التجار مائة ألف دينار، أو أنَّه غصبها منه، أو أن ثياب التاجر التي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها أو غصبها منه ونحو ذلك من الدعاوي التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم أنَّها من أعظم الباطل فهذه لا تسمع ولا يحلف فيها المدعى
[ ١٣ / ٤٤٣ ]
عليه ويعزر المدعي تعزير أمثاله، وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبًا ولا تنصر ظالمًا» اهـ.
٤ - واحتج الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين بعمومه على لزوم اليمين على المدعى عليه في جميع الدعاوي التي ليس للمدعي فيها بينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٣١٠ - ٣١١): «فصل: والحقوق على ضربين:
أحدهما: ما هو حق لآدمي.
والثاني: ما هو حق لله تعالى.
فحق الآدمي ينقسم قسمين:
أحدهما: ما هو مال، أو المقصود منه المال، فهذا تشرع فيه اليمين، بلا خلاف بين أهل العلم، فإذا لم تكن للمدعي بينة، حلف المدعى عليه، وبرئ.
وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وعموم قول النبي ﷺ: "ولكن اليمين على المدعى عليه".
[ ١٣ / ٤٤٤ ]
القسم الثاني: ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلَّا بشاهدين؛ كالقصاص، وحد القذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والعتق، والنسب، والاستيلاد، والولاء، والرق، ففيه روايتان؛ إحداهما، لا يستحلف المدعى عليه، ولا تعرض عليه اليمين.
قال أحمد: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان إلَّا في الأموال والعروض خاصة. وهذا قول مالك.
ونحوه قول أبي حنيفة، فإنَّه قال: لا يستحلف في النكاح، وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الإيلاء، ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاد والولاء والنسب؛ لأنَّ هذه الأشياء لا يدخلها البدل، وإنَّما تعرض اليمين فيما يدخله البدل؛ فإنَّ المدعى عليه مخير بين أن يحلف أو يسلم، ولأنَّ هذه الأشياء لا تثبت إلَّا بشاهدين ذكرين، فلا تعرض فيها اليمين كالحدود.
والرواية الثانية: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف. وقال الخرقي: إذا قال: ارتجعتك. فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك. فالقول قولها مع يمينها.
وإذا اختلف في مضي الأربعة أشهر، فالقول قوله مع يمينه.
[ ١٣ / ٤٤٥ ]
فيخرج من هذا، أنَّه يستحلف في كل حق لآدمي. وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لقول النبي ﷺ: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
أخرجه مسلم.
وهذا عام في كل مدعى عليه، وهو ظاهر في دعوى الدماء؛ لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث، ولأنَّها دعوى صحيحة في حق لآدمي، فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه، كدعوى المال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦٧): «وأجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك. فذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدعى عليه في حد، أو طلاق، أو نكاح، أو عتق؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نكل؛ حلف المدعي، وثبتت دعواه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يحلف على النكاح، والطلاق، والعتق، وإن نكل لزمه ذلك كله.
وقال الثوري، والشعبي، وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود، والسرقة.
[ ١٣ / ٤٤٦ ]
وقال نحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السرقة إلَّا إذا كان متهمًا، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلَّا أن يقوم شاهد واحد، فيستحلف المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى» اهـ.
قُلْتُ: ما ذكره القرطبي عن أبي حنيفة خلاف ما ذكره ابن قدامة، وما ذكره ابن قدامة هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٥/ ٥):
«وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُسْتَحْلَفُ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُقْضَى بِالنُّكُولِ» اهـ.
والذي يظهر لي أنَّ اليمين تكون في حقوق الخلق، وأمَّا الحدود التي هي حق لله تعالى فلا يطالب المدعى عليه باليمين. والله أعلم.
وقد نفى الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ النزاع في ذلك فقال في [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٣١١): «الضرب الثاني، حقوق الله تعالى، وهي نوعان؛ أحدهما، الحدود، فلا تشرع فيها يمين.
[ ١٣ / ٤٤٧ ]
لا نعلم في هذا خلافًا؛ لأنَّه لو أقر، ثم رجع عن إقراره، قبل منه، وخلي من غير يمين، فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنَّه يستحب ستره، والتعريض للمقر به، بالرجوع عن إقراره، وللشهود بترك الشهادة والستر عليه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٣/ ٣١١ - ٣١٢): «النوع الثاني، الحقوق المالية، كدعوى الساعي الزكاة على رب المال، وأنَّ الحول قد تم وكمل النصاب، فقال أحمد: القول قول رب المال، من غير يمين، ولا يستحلف الناس على صدقاتهم.
وقال الشافعي، وأبو يوسف ومحمد: يستحلف؛ لأنَّها دعوى مسموعة، أشبه حق الآدمي.
ولنا، أنَّه حق لله تعالى، أشبه الحد، ولأنَّ ذلك عبادة، فلا يستحلف عليها كالصلاة.
ولو ادعى عليه، أنَّ عليه كفارة يمين أو ظهار، أو نذر صدقة أو غيرها، فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين، ولا تسمع الدعوى في هذا، ولا في حد لله تعالى؛ لأنَّه لا حق للمدعي فيه، ولا ولاية له عليه، فلا تسمع منه دعواه حقًا لغيره من غير إذنه، ولا ولاية له عليه.
[ ١٣ / ٤٤٨ ]
فإن تضمنت دعواه حقًا له، مثل أن يدعي سرقة ماله، ليضمن السارق، أو يأخذ منه ما سرقه، أو يدعي عليه الزنى بجاريته؛ ليأخذ مهرها منه، سمعت دعواه، ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي، دون حق الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ اليمين تكون في حقوق الخلق، ولا تكون في الحدود ولا العبادات.
وقد يكتفى بالإنكار المجرد من غير يمين في بعض الصور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٩٦ - ٩٧):
«الطَّرِيقُ الثَّانِي الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ، وَلَهُ صُوَرٌ:
إحْدَاهَا: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ، وَلِلْمَيِّتِ وَصِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَنْفِيذُ وَصَايَاهُ، فَأَنْكَرَ. فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا.، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَصِيِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ: أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ.
وَالْوَصِيُّ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَوْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَلَا فَائِدَةَ مِنْ تَحْلِيفِهِ، وَلَوْ كَانَ وَارِثًا اسْتَحْلَفَ، وَقُضِيَ بِنُكُولِهِ.
[ ١٣ / ٤٤٩ ]
وَمِنْهَا: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ ظَلَمَهُ فِي الْحُكْمِ، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ الْغَلَطَ، أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا يَسْقُطُ شَهَادَتَهُ لَمْ يَحْلِفَا، لِارْتِفَاعِ مَنْصِبِهِمَا عَنْ التَّحْلِيفِ.
وَمِنْهَا: دَعْوَى الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ، وَدَعْوَاهَا عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَدَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا الرَّجْعَةَ، وَدَعْوَى الْأَمَةِ أَنَّ سَيِّدَهَا أَوْلَدَهَا، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ أَنَّ زَوْجَهَا آلَى مِنْهَا، وَدَعْوَى الرِّقِّ وَالْوَلَاءِ وَالْقَوَدِ وَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالْقَوَدِ وَالْقَذْفِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ إلَّا فِيمَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى الْيَمِينَ فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَكَلَ لَمْ أَقْتُلْهُ وَلَمْ أَحُدَّهُ، وَلَمْ أَدْفَعْ الْمَرْأَةَ إلَيْهِ.
وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ، أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِيمَا عَدَا الْقَوَدَ وَالنِّكَاحَ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِي الْكُلِّ. وَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ - حَيْثُ قُلْنَا يَسْتَحْلِفُ - قَضَيْنَا بِالنُّكُولِ فِي الْجَمِيعِ، إلَّا فِي الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ خَاصَّةً. وَعَنْهُ لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
[ ١٣ / ٤٥٠ ]
وَكُلُّ نَاكِلٍ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فَهَلْ يُخَلَّى أَوْ يُحْبَسُ حَتَّى يَقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلَا فِي الْحُدُودِ.
فَإِذَا قُلْنَا: اسْتَحْلَفَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَقْضِ فِيهَا بِالنُّكُولِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَتَعْلِيلِهِ، وَإِذَا اسْتَحْلَفْنَاهُ، فَإِنْ قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، لِتَكُونَ لِلْيَمِينِ فَائِدَةٌ، حَتَّى فِي قَوَدِ الْأَطْرَافِ. وَلَا يُقْضَى بِقَوَدِ النَّفْسِ، وَإِنْ اسْتَحْلَفْنَاهُ، لِأَنَّ النُّكُولَ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ فَلَا يُرَاقُ بِهِ الدَّمُ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي الْقَسَامَةِ لِلَّوْثِ.
وَإِذَا قُلْنَا: يُسْتَحْلَفُ وَلَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ: كَانَ فَائِدَةُ الِاسْتِحْلَافِ حَبْسَهُ إذَا أَبَى الْحَلِفُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الْآخَرِ: يُخَلَّى سَبِيلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ حَتَّى يَفْعَلَهُ. فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا.
فَكَيْفَ يُعَاقَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَطَلَبِ يَمِينِهِ؟ وَتَكُونُ فَائِدَةَ الْيَمِينِ عَلَى هَذَا: انْقِطَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ» اهـ.
[ ١٣ / ٤٥١ ]
قُلْتُ: الأظهر أنَّنا إذا حلفنا المدعى عليه بالنكاح كأن يدعي رجل أنَّه تزوج بامرأة وأنكرت ذلك وأبت أن تحلف فإنَّنا لا ندفعها إليه بمجرد النكول ولا باليمين مع النكول.
وأمَّا إذا ادعت المرأة على زوجها أنَّه طلقها ونكل الزوج عن اليمين فإنَّنا لا نردها إليه ونقضي بنكوله مع يمين الزوجة احتياطًا للفروج.
وهكذا القود لا يقضى به بمجرد النكول من غير قسامة.
وقد روى ابن ماجه (٢٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَبُو حَفْصٍ التَّنِّيسِيُّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ زَوْجِهَا، فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ، اسْتُحْلِفَ زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَإِنْ نَكَلَ، فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَازَ طَلَاقُهُ».
وهذا الحديث فيه الأخذ بنكول الزوج مع الشاهد واليمين من جهة الزوجة، لكنَّه حديث لا يصح.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ﵀ كَمَا فِي [الْعِلَلِ] (٤/ ١١٩) لابنه:
«هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ» اهـ.
[ ١٣ / ٤٥٢ ]
قُلْتُ: ابن جريج لم يسمع من عمرو، رواية أهل الشام عن زهير بن محمد غير مستقيمة، وهذه منها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣٣ - ١٣٤):
«فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا مَعَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا فِي طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَةٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ.
وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَتَى بِشَاهِدٍ: حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَّ فِي شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَصِيرَ حُرًّا، وَيَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا. وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ. وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الزَّوْجِ.
وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبَ قَدْ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَحَكَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَقَالَ: فَمَنْ
[ ١٣ / ٤٥٣ ]
النَّاسُ بَعْدَهُمْ؟ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ رِجَالِ " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا، فَمَنْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَ يُسْتَحْلَفُ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ إذَا لَمْ تَقُمْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً، لَكِنْ إنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ أَوْرَثَتْ ظَنًّا مَا بِصِدْقِ الْمَرْأَةِ، فَعُورِضَ هَذَا بِاسْتِحْلَافِهِ، وَكَانَ جَانِبُ الزَّوْجِ أَقْوَى بِوُجُودِ النِّكَاحِ الثَّابِتِ، فَشُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي جَانِبِهِ، لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ مُدَّعِيَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا حَلَفَتْ مَعَ شَاهِدِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ لَا تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الطَّلَاقِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ النِّكَاحِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةٍ، فَكَانَ رَفْعُهُ كَإِثْبَاتِهِ، فَإِنَّ الرَّفْعَ أَقْوَى مِنْ الْإِثْبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يُرْفَعُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَلَا مَسْتُورِي الْحَالِ، وَلَا رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْكَمُ فِي الطَّلَاقِ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ، فَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى
[ ١٣ / ٤٥٤ ]
زَوْجِهَا الطَّلَاقَ، وَأَحْلَفْنَاهُ لَهَا - عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - فَنَكَلَ: قَضَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفْ الزَّوْجُ عَلَى عَدَمِ دَعْوَاهَا: فَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْلَى. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ إلَّا إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا، كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا مَعَ النُّكُولِ، لَكِنْ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ يَقُولُ: النُّكُولُ إمَّا إقْرَارٌ وَإِمَّا بَيِّنَةٌ، وَكِلَاهُمَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَكِنْ يُنْتَقَضُ هَذَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْقِصَاصِ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ اسْتَغْنَى بِهِ فِيمَا يُبَاحُ بِالْبَذْلِ، وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا - وَهُوَ شَطْرُ الْبَيِّنَةِ - كَانَ النُّكُولُ قَائِمًا مَقَامَ تَمَامِهَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا لَمْ تَحْلِفْ بِدَعْوَاهَا، فَإِذَا أَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ تَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ الطَّلَاقُ عَلَى زَوْجِهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، قَالَ: وَلَكِنْ يَحْلِفُ لَهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ: بَرِئَ مِنْ دَعْوَاهَا.
قُلْتُ: هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
[ ١٣ / ٤٥٥ ]
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ لِدَعْوَاهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْلِفُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْلِفُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ: فَهَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْهَبَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالنُّكُولَ سَبَبَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، يَقْوَى جَانِبُ الْمُدَّعَى بِهِمَا، فَحُكِمَ لَهُ، فَهَذَا مُقْتَضَى الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُبِسَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ تُرِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: هَلْ يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا أَثَرَ عِنْدَهُ لِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ، فَقَالَ مَرَّةً: يُحْبَسُ حَتَّى يَطُولَ أَمْرُهُ، وَحَدَّ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، ثُمَّ يُطَلِّقُ، وَمَرَّةً قَالَ: يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ» اهـ.
قُلْتُ: سبق بيان ضعف الحديث، والأظهر أنَّ الزوج إذا نكل في دعوى الطلاق فلا يقضى عليه بالنكول كما عليه أكثر العلماء فإنَّ الفروج يحتاط لها فلا يقبل فيها إلَّا شاهدان. والله أعلم.
فإن قيل: فما فائدة تحليفه إذا كان لا يقضى عليه بالنكول؟
[ ١٣ / ٤٥٦ ]
فالجواب: أنَّ فائدة اليمين هي فصل الخصومة.
٥ - احتج بقوله: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». من قال: إنَّ اليمين لا ترد على المدعي عند نكول المدعى عليه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والشافعي إلى ردها، وقد صوَّب الإمام أحمد هذا القول وقال: ما هو ببعيد.
وهذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ القاعدة في الأيمان أنَّها في جانب أقوى المتداعين، وعند النكول من المدعى عليه يقوى جانب المدعي فتكون اليمين في جهته. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٠ - ١١١): «الثالث: أنَّ اليمين إنَّما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعى بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته، فإذا ترجح المدعى بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوى جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده، ولهذا لما قوى جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم، ولما قوي جانب المدعى بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه
[ ١٣ / ٤٥٧ ]
كما حكم به الصحابة وصوبه الإمام أحمد، وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه، وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان، فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام المدعي شاهدًا واحدًا قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلَّا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع» اهـ.
٦ - واحتج بعمومه من أدخل في اليمين المؤتمن على حقوق الناس.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٣١٨): «وأمَّا المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: لا يمين عليه؛ لأنَّه صدقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وبالقياس على الحاكم، وهذا قول الحارث العكلي.
[ ١٣ / ٤٥٨ ]
والثاني: عليه اليمين، لأنَّه منكر، فيدخل في عموم قوله: "واليمين على من أنكر"، وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا.
والثالث: لا يمين عليه إلَّا أن يتهم وهو نص أحمد، وقول مالك في رواية لما تقدم من ائتمانه، وأمَّا إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٧ - وعموم الحديث يشمل كل مدعى عليه، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، امرأة أو رجلًا.
* * *
[ ١٣ / ٤٥٩ ]