٢٨٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ".
وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَك وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا".
وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: "خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ"».
قُلْتُ: اللُقَطة: بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين هو الشيء الذي يلتقط.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١):
«قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّقَطَةُ، بِفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلْمُلْتَقِطِ، لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَّلَةٌ فَهُوَ اسْمٌ لِلْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَضُحَكَةٌ وَهُزَأَةٌ، وَاللُّقْطَةُ، بِسُكُونِ الْقَافِ: الْمَالُ الْمَلْقُوطُ، مِثْلُ الضُّحْكَةِ الَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ، وَالْهُزْأَةُ الَّذِي يُهْزَأُ بِهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْفَرَّاءُ: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ أَيْضًا» اهـ.
[ ٩ / ٣٢١ ]
قُلْتُ: والوِكاء بكسر الواو والمد الخيط الذي يشد به الصرة وغيرها.
والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد كان أو غيره، وهو مأخوذ من العفص، وهو الثني؛ لأنَّ الوعاء يثني على ما فيه، والعفاص أيضًا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأمَّا الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة. ذكره الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١).
وأمَّا الضالة فمختصة بالحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١):
«والضالة: اسم للحيوان خاصة، دون سائر اللقطة، والجمع ضوال، ويقال لها أيضًا: الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي وَالْهَوَامِلُ» اهـ.
قُلْتُ: قوله في الحديث: «فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١): «قوله: "معها حذاءها" يعني: خفها، فإنَّه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء، وسقاؤها: بطنها؛ لأنَّها تأخذ فيه ماء كثيرًا، فيبقى معها يمنعها العطش» اهـ.
وقوله: «أَوْ لأَخِيك». قد يراد به غيرك من اللاقطين، أو مالك اللقطة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ٩ / ٣٢٢ ]
١ - وجوب معرفة علامات اللقطة كالإناء التي هي فيه، وغير ذلك كعددها، ولونها، وجنسها، ونوعها، وقدرها حتى إذا جاء طالبها وذكر علاماتها دفعت إليه.
٢ - وفيه معرفة علاماتها قبل التعريف بها، وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه البخاري (٢٤٣٦)، ومسلم (١٧٢٢) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥٧):
«هذا ربما أوهم أنَّ معرفة الوكاء والعفاص تتأخر على تعريفها سنة، وباقي الروايات صريحة في تقديم المعرفة على التعريف، فيجاب عن هذه الرواية أنَّ هذه معرفة أخرى، ويكون مأمورًا بمعرفتين، فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ولئلا تختلط وتشتبه، فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضًا مرة أخرى تعرفًا وافيًا محققًا، ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
[ ٩ / ٣٢٣ ]
«ويحتمل أن تكون ثم في الروايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيبًا، ولا تقتضي تخالفًا يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج واحد، والقصة واحدة، وإنَّما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفًا فيحمل على تعدد القصة، وليس الغرض إلَّا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما أسبق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٦):
«ففي هذا الحديث أنَّه أمره بمعرفة صفاتها بعد التعريف، وفي غيره أمره بمعرفتها حين التقاطها قبل تعريفها، وهو الأولى؛ ليحصل عنده علم ذلك، فإذا جاء صاحبها فنعتها، غلب على ظنه صدقه فيجوز الدفع إليه حينئذ.
وإن أخر معرفة ذلك إلى حين مجيء باغيها، جاز؛ لأنَّ المقصود يحصل بمعرفتها حينئذ.
وإن لم يجئ طالبها، فأراد التصرف فيها بعد الحول، لم يجز له حتى يعرف صفاتها؛ لأنَّ عينها تنعدم بالتصرف، فلا يبقى له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء صاحبها.
وكذلك إن خلطها بماله على وجه لا تتميز منه، فيكون أمر النبي ﷺ لأبي بمعرفة صفاتها عند خلطها بماله أمر إيجاب مضيق، وأمره لزيد بن خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط واجبًا موسعًا» اهـ.
قُلْتُ: هذا تفصيل جيد.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
[ ٩ / ٣٢٤ ]
«واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء أظهرهما: الوجوب لظاهر الأمر، وقيل: يستحب، وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
«ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر والكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن والذرع فيما يذرع وقال جماعة من الشافعية يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان» اهـ.
٣ - وفيه جواز التقاط اللقطة. وهو مذهب الجمهور، وكره ذلك بعض العلماء واحتجوا بما رواه أحمد (١٦٣٥٧)، وابن ماجة (٢٥٠٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٠) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ يَعْنِي الطَّوِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَوَامَّ الْإِبِلِ نُصِيبُهَا؟ قَالَ: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
والمراد بحرق النار أي إحراق النار أي أنَّها من أسباب ذلك في حق من أصابها.
وروى أحمد (٢٠٧٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٢، ٥٨١٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدِيثَانِ بَلَغَانِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ صَدَّقْتُهُمَا، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ؟ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْجَذْمِيُّ، جَذِيمَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَدَّثَنَا الْجَارُودُ، قَالَ: بَيْنَمَا
[ ٩ / ٣٢٥ ]
نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَفِي الظَّهْرِ قِلَّةٌ، إِذْ تَذَاكَرَ الْقَوْمُ الظَّهْرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتُ مَا يَكْفِينَا مِنَ الظَّهْرِ، فَقَالَ: «وَمَا يَكْفِينَا؟» قُلْتُ: ذَوْدٌ نَأْتِي عَلَيْهِنَّ فِي جُرُفٍ فَنَسْتَمْتِعُ بِظُهُورِهِمْ، قَالَ: «لَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمُ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا»، وَقَالَ فِي اللُّقَطَةِ: «الضَّالَّةُ تَجِدُهَا فَانْشُدَنَّهَا، وَلَا تَكْتُمْ، وَلَا تُغَيِّبْ، فَإِنْ عُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَمَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». هذا لفظ أحمد.
قُلْتُ: أبو مسلم الجذمي لا يعرف حاله.
ورواه أحمد (٢٠٧٧٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٣) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثُّورِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكن رواه شعبة عن خالد الحذاء عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود. وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٤)، وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عند أحمد (٢٠٧٧٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٥)، فزيادتهما زيادة مقبولة، وأبو مسلم الجذمي لا يعرف حاله كما سبق. لا سيما وقد روى أحمد (٢٠٧٧٦، ٢٠٧٧٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٦) هذا الحديث مِنْ طَرِيْقِ قتادة، عن يزيد بن عبد
[ ٩ / ٣٢٦ ]
الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود بن معلى العبدي به. فزاد قتادة كما ترى أبا مسلم الجذمي.
وهكذا رواه أحمد (٢٠٧٧٧)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٧) حماد يعنى بن زيد عن أيوب عن أبي العلاء وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبي مسلم وهو الجذمي عن الجارود به. فزاد أيوب السختياني أبا مسلم أيضًا، فالصحيح إثباته في الإسناد.
قُلْتُ: الجذمي لا يعرف حاله كما سبق.
وقد خالف حمادًا جرير بن حازم، فروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٨) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن حازم عن أيوب عن أبي مسلم عن الجارود. ولم يذكر أبا العلاء. وحديث حماد أصح. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى إلى الجارود، وهو ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٣٥٠) حدثناه بشر بن آدم، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا سكين بن عبد العزيز، قال: حدثني حفص بن خالد، قال: حدثني أبو القموص زيد بن علي، قال: حدثني الجارود به.
قُلْتُ: حفص، وأبو القموص لم يوثقهما معتبر.
وهذا الحديث محمول على ضالة الإبل، أو على من تملكها ولم يعرفها.
[ ٩ / ٣٢٧ ]
واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد (١٩٢٠٧، ١٩٢٣٠)، وأبو داود (١٧٢٠)، وابن ماجة (٢٥٠٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٩، ٥٨٠٠، ٥٨٠١)
مِنْ طَرِيْقِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ فَجَاءَ الرَّاعِي بِالْبَقَرِ وَفِيهَا بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ لا نَدْرِي لِمَنْ هِيَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: أَخْرِجُوهَا، فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ». هذا لفظ أبي داود.
قُلْتُ: وقد اختلف في إسناد هذا الحديث، فَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٣/ ٤٦٥):
«يرويه أبو حيان التيمي: يحيى بن سعيد بن حيان واختلف عنه؛ فرواه يحيى القطان، وابن نمير، وابن أبي زائدة، وابن علية، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر عن المنذر بن جرير، عن جرير.
وخالفهم إبراهيم بن عيينة، فرواه عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن المنذر.
ورواه روح بن القاسم، واختلف عنه؛ فرواه صفوان بن رستم، عن روح، عن أبي حيان، عن المنذر بن جرير، عن جرير. ولم يذكر: الضحاك.
وخالفه مخلد بن يزيد رواه عن روح بن القاسم، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر، عن رجل، عن جرير. وهو أشبه بالصواب.
ورواه ابن المبارك، عن أبي حيان، عن الضحاك، عن جرير. ولم يقل: عن المنذر.
ورواه شعبة، عن أبي حيان.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
والأشبه بالصواب عن أبي حيان ما قاله يحيى القطان، ومن تابعه، وهو الصحيح» اهـ.
قُلْتُ: الضحاك، والمنذر لم يوثقهما معتبر.
وهذا محمول على فرض صحته على من تملكها ولم يعرفها، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٧٢٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٦٢ - ٥٦٣):
«اختلف العلماء في اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت طائفة أخذها، ورأوا تركها أفضل، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء، وروى ابن القاسم عن مالك أنَّه كره أخذ اللقطة والآبق، فإن أخذ ذلك وضاعت اللقطة وأبق الآبق من غير تضييعه لم يضمن، وكره أحمد بن حنبل أخذ اللقطة أيضًا. وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من تركها. هذا قول سعيد بن المسيب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: تركها سبب لضياعها. وبه قال الشافعي، وروي عن مالك: إن كان شيء له بال فأخذه وتعريفه أحب إلي.
وحجة القول الأول حديث جرير أنَّ النبي ﵇ قال: "لا يأوي الضالة إلَّا ضال". وحديث الجارود أنَّ النبي ﷺ قال: "ضالة المؤمن حرق النار".
[ ٩ / ٣٢٩ ]
وحجة من رأى أنَّ تعريفها أفضل قول النبي ﵇ للذي سأله عن اللقطة: "أعرف عفاصها ووكاءها"، فأمره بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها؟ وذلك دليل على أنَّ الفضل في أخذها وتعريفها؛ لأنَّ تركها عون على ضياعها ومن الحق النصيحة للمسلم، وأن يحوطه في ماله بما أمكنه، وتأويل قوله ﵇: "لا يأوي الضالة إلَّا ضال". و"ضالة المؤمن حرق النار" أنَّ المراد بذلك من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٨):
«فمن ذلك أنَّ في الحديث دليلًا على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلًا؛ لأنَّه ﵇ أجاب السائل عن اللقطة بأن قال: "أعرف عفاصها ووكاءها". كأنَّه قال: أحفظها على صاحبها واعرف من العلامات ما تستحق به إذا طلبت.
وقال في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". يقول: خذها فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب إن لم تأخذها كأنَّه يحضه على أخذها، ولم يقل في شيء من ذلك دعوه حتى يضيع أو يأتيه ربه، ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله ﷺ فيها كما قال في ضالة الإبل والله أعلم.
ومعلوم أنَّ أهل الأمانات لو اتفقوا على ترك اللقطة لم ترجع لقطة ولا ضالة إلى صاحبها أبدًا» اهـ.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من وجد في نفسه أمانة وقدرة على التعريف فالتقاطها أفضل من تركها، لما في ذلك من رد الحقوق إلى أهلها، لا سيما أنَّه لو تركها أخذها من لا يُعرِّفها لفساد أحوال الناس إلَّا من رحم الله تعالى، وأمَّا إذا خاف من نفسه الخيانة فالسلامة لا يعادلها شيء. والله أعلم.
٤ - وجوب تعريف اللقطة سنة كاملة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧):
«وأجمعوا أنَّ اللقطة ما لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء له فإنَّها تعرف حولًا كاملًا» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه البخاري (٢٤٣٧)، ومسلم (١٧٢٣) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ: فَقَالَ: «اعْرِفْ عِدَّتَهَا، وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا».
[ ٩ / ٣٣١ ]
فهذا الحديث يدل على تعريف اللقطة ثلاث سنين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧٩ - ٨٠):
«وجمع بعضهم بين حديث أبي هذا وحديث زيد بن خالد الآتي في الباب الذي يليه فإنَّه لم يختلف عليه في الاقتصار على سنة واحدة، فقال: يحمل حديث أبي بن كعب على مزيد الورع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعفف عنها، وحديث زيد على ما لا بد منه، أو لاحتياج الأعرابي واستغناء أبي.
قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى أنَّ اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلَّا شيء جاء عن عمر انتهى.
وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يعرفها ثلاثة أحوال عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها. وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا وهو: أربعة أشهر. وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأنَّ هذه الزيادة غلط، قال: والذي يظهر أنَّ سلمة أخطأ فيها ثم تثبت واستذكر واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلَّا بما لم يشك فيه راويه.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ﷺ عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر أبيًا بإعادة التعريف كما قال للمسيء صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل". انتهى. ولا يخفى بعد هذا على مثل أبي مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم. وقد حكى صاحب "الهداية" من الحنفية رواية عندهم أنَّ
[ ٩ / ٣٣٢ ]
الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في البخاري (٢٤٢٦، ٢٤٣٧) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، بِهَذَا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا».
ورواه مسلم (١٧٢٣) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ، فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: وهذا يدل أنَّ سلمة وهم أولًا بذكر الثلاثة الأعوام ثم رجع عن ذلك. والله أعلم.
وما نقله المنذري عن عمر لا يثبت، وقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٦١٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَدَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَيْبَةً فِيهَا مَالٌ عَظِيمٌ فَجَاءَ بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا غَيْرِي أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنِّي، قَالَ: «فَعَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ سُفْيَانُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ»
[ ٩ / ٣٣٣ ]
فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ فَلَمَّا أَبَى سُفْيَانُ جَعَلَهَا عُمَرُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وحديث مجاهد عن عمر منقطع. ولا حجة فيه على فرض ثبوته، وذلك أنَّ عمر كرر له التعريف ثلاث سنين لأنَّه أبى أن يتملك اللقطة بعد السنة الأولى، والثانية، والثالثة، فأمره بزيادة التعريف لعله يجد صاحبها بعد أن أبى أن يتملكها بعد انقضاء السنة الأولى.
وقد صح عنه ما يوافق السُنَّة، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٠٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدٍ، قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ أَنْ تُعَرَّفَ اللُّقَطَةُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا خُيِّرَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٤):
«الفصل الثاني: في قدر التعريف، وذلك سنة. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس. وبه قال ابن المسيب، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن عمر، رواية أخرى، أنَّه يعرفها ثلاثة أشهر. وعنه ثلاثة أعوام؛ لأنَّ أبي بن كعب روى أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمره بتعريف مائة الدينار ثلاثة
[ ٩ / ٣٣٤ ]
أعوام. وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهمًا يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام.
وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام.
وقال الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام.
وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها.
وروى أبو إسحاق الجوزجاني، بإسناده، عن يعلى بن أمية قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من التقط درهمًا، أو حبلًا، أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإنَّ كان فوق ذلك، فليعرفه سبعة أيام".
ولنا: حديث زيد بن خالد الصحيح فإنَّ النَّبي ﷺ أمره بعام واحد، ولأنَّ السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد، من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرًا كمدة أجل العين.
وأمَّا حديث أبي، فقد قال الراوي: لا أدري ثلاثة أعوام أو عامًا واحدًا. قال أبو داود: شك الراوي في ذلك.
وحديث يعلى لم يقل به قائل على وجهه، وحديث زيد وأبي أصح منه وأولى» اهـ.
قُلْتُ: حديث يعلى رواه أحمد (١٧٦٠٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ جَدَّتِهِ حُكَيْمَةَ، عَنْ أَبِيهَا يَعْلَى - قَالَ يَزِيدُ: فِيمَا يَرْوِي يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
[ ٩ / ٣٣٥ ]
«مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً، دِرْهَمًا أَوْ حَبْلًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، عمر بن عبد الله بن يعلى شديد الضعف، وجدته حكيمة مجهولة، لم يوثقها معتبر.
٥ - ويدخل في وجوب التعريف اللقطة التي التقطها من لم يكن مكلفًا كالصبي والمجنون والسفيه، لكن يجب ذلك على وليهما، فإذا عرفه حولًا كاملًا صارت ملكًا لواجدها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٩):
«وجملة ذلك أنَّ الصبي والمجنون والسفيه، إذا التقط أحدهم لقطة، ثبتت يده عليها؛ لعموم الأخبار، ولأنَّ هذا تكسب، فصح منه، كالاصطياد والاحتطاب.
وإن تلفت في يده بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ لأنَّه أخذ ما له أخذه.
وإن تلفت بتفريطه، ضمنها في ماله.
وإذا علم بها وليه، لزمه أخذها؛ لأنَّه ليس من أهل الحفظ والأمانة، فإن تركها في يده ضمنها؛ لأنَّه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي.
وهذا يتعلق به حقه، فإذا تركها في يده كان مضيعًا لها، وإذا أخذها الولي، عرفها؛ لأنَّ واجدها ليس من أهل التعريف، فإذا انقضت مدة التعريف، دخلت في ملك واجدها؛ لأنَّ سبب الملك تم شرطه، فيثبت الملك له، كما لو اصطاد صيدًا.
[ ٩ / ٣٣٦ ]
وهذا مذهب الشافعي، إلَّا أن أصحابه قالوا: إذا انقضت مدة التعريف، فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما، يتملكه لهما، وإلَّا فلا.
وقال بعضهم: يتملكه لهما بكل حال؛ لأنَّ الظاهر عدم ظهور صاحبه، فيكون تملكه مصلحة له.
ولنا عموم الأخبار، ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له؛ لأنَّه يكون تبرعًا بحفظ مال غيره من غير فائدة» اهـ.
٦ - لم يبين النبي ﷺ محل تعريف اللقطة، وهو محمول على أماكن تجمع الناس كأبواب المساجد، والأسواق، ونحو ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١١٧):
«التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون إلَّا في الأسواق وأبواب المساجد ومواضع العامة واجتماع الناس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٧):
«الفصل الرابع: في مكانه، وهو الأسواق، وأبواب المساجد والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات في المساجد، وكذلك في مجامع الناس؛ لأنَّ المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري مجامع الناس، ولا ينشدها في المسجد؛ لأنَّ المسجد لم يبن لهذا.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله إليك، فإنَّ المساجد لم تبن لهذا".
وأمر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢):
«قال العلماء محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والاسواق ونحو ذلك يقول من ضاعت له نفقة أو نحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئًا من الصفات» اهـ.
٧ - وظاهر قوله: «عَرِّفْهَا سَنَةً». أي متوالية، فإن عرفها سنة متفرقة، كأن يعرفها اثنتي عشرة سنة في كل سنة شهرًا، فلا يجزؤه ذلك.
٨ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها سنة كاملة، والسنة الكاملة هي اثنا عشر شهرًا، فلو أنقص يومًا مثلًا لا يجزؤه. لكن لم يقل بذلك أهل العلم، فإنَّ لا زم ذلك أنَّه لو أنقص ساعة من يوم فلا يجزؤه، وهذا باطل قطعًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢): «وقال العلماء: يعرفها في كل يوم مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٦):
«ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها، والأسبوع أكثر؛ لأنَّ الطلب فيه أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متواليًا» اهـ.
٩ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها بنفسه، وليس ذلك بلازم، بل إذا وكلَّ غيره أجزأه.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
١٠ - وفيه أنَّ من التقط اللقطة وجب عليه تعريفها، وبناءً على ذلك فلا يجوز له ردها إلى موضعها بعد أخذها، فإن أخذها ثم ردها إلى موضعها فتلفت، فهو ضامن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٩):
«ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه ثم أرسله فهو له ضامن، إلَّا أن يأخذه غير مجمع على أخذه مثل: أن يمر رجل في آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا، فيأخذه وينادى من أمامه: لكم هذا؟ فيقال له: لا، ثم يخليه في مكانة فلا شيء عليه فيه. فهذا قول مالك. قال غيره: وأمَّا إن وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل وتلف ضمنه لصاحبه. وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالًا ثم أرسله فتلف فعليه الضمان» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «مُجْمِعًَا على أخذه» أي مريدًا وقاصدًا لذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٩):
«فصل: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، ضمنها. روي ذلك عن طاووس. وبه قال الشافعي.
[ ٩ / ٣٣٩ ]
وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لما روى الأثرم، عن القعنبي، عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك، عن عمر، أنَّه قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته.
ولما روي عن جرير بن عبد الله، أنَّه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها، فأمر بها فطردت حتى توارت.
ولنا: أنَّها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.
ولأنَّها لما حصلت في يده، لزمه حفظها، وتركها تضييعها.
فأمَّا حديث عمر فهو في الضالة التي لا تحل.
فأمَّا ما لا يحل التقاطه إذا أخذه، فيحتمل أنَّ له رده إلى مكانه، ولا ضمان عليه لهذه الآثار، ولأنَّه كان واجبًا عليه تركه في مكانه ابتداء، فكان له ذلك بعد أخذه، ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه برده، لأنَّه دخل في ضمانه، فلم يبرأ من ضمانه برده إلى مكانه، كالمسروق وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ إلَّا برده إلى الإمام أو نائبه.
وأمَّا عمر فهو كان الإمام، فإذا أمر برده كان كأخذه منه.
وحديث جرير لا حجة فيه؛ لأنَّه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنَّما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٤٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ، ثُمَّ
[ ٩ / ٣٤٠ ]
ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، «فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وإنَّما أمره برده إلى مكانه لأنَّه لا يحل التقاطه، وأمَّا ما يحل التقاطه فيجب تعريفه بعد أخذه، ولا يجوز له رده بعد أخذه لعموم الحديث، فإذا رده فهو ضامن. والله أعلم.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٥٩)، وقال: «وليس فيه ما يدل على سقوط الضمان عنه إذا أرسلها فهلكت» اهـ.
وحديث جرير رواه أحمد (١٩٢٣٠)، وابن ماجة (٢٥٠٣) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ خَالُ الْمُنْذِرِ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ فِي السَّوَادِ، فَرَاحَتِ الْبَقَرَ، فَرَأَى بَقَرَةً أَنْكَرَهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبَقَرَةُ؟ قَالَ: بَقَرَةٌ لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ، فَأَمَرَ بِهَا فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، الضحاك هو ابن المنذر.
١١ - واحتج به على وجوب التعريف في قليل اللقطة وكثيرها؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يفرق في التعريف بين القليل والكثير.
[ ٩ / ٣٤١ ]
قُلْتُ: دلت السنة على أنَّ الشيء اليسير لا يجب تعريفه، بل يتملكه واجده من حين وجوده، ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا». ولم يذكر تعريفًا لها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٥):
«فدل هذا الحديث على إباحة الشيء التافه الملتقط، وأنَّه معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأنَّ صاحبه لا يطلبه» اهـ.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٢٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ،
[ ٩ / ٣٤٢ ]
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا».
قُلْتُ: وقد رواه البخاري معلقًا في عدة مواضع، ووصله في "باب التجارة في البحر" برقم (٢٠٦٣).
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٣):
«وحديث الخشبة الحجة لهذه المقالة، لأنَّ النَّبي أخبر أنَّه أخذها حطبًا لأهله، ولم يأخذها ليعرفها، وأقر النبي ﵇ ذلك، ولم يذكر أنَّه فعل ما لا ينبغي له» اهـ.
قُلْتُ: وفي الباب ما رواه أبو داود (١٧١٧) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ».
[ ٩ / ٣٤٣ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَبِي سَلَمَةَ، بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ شَبَابَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانُوا لَمْ يَذْكُرُوا النَّبِيَّ ﷺ.
قُلْتُ: وهو مع الاختلاف في رفعه ووقفه، فيه عنعنة أبي الزبير، وهو من المدلسين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ١٩٥):
«في رفع هذا الحديث شك، وفي إسناده ضعف والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٥): «وفي إسناده ضعف واختلف في رفعه ووقفه» اهـ.
وفي الباب ما رواه أبو داود (١٧١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ فَسَأَلَتْ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقُ اللَّهِ ﷿»، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَكَلَ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٠ - ٣٥١):
[ ٩ / ٣٤٤ ]
«ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، وقد روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاووس، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وليس عن أحمد وأكثر من ذكرنا تحديد اليسير الذي يباح.
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو ربع دينار عند مالك، وعشرة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأنَّ ما دون ذلك تافه، فلا يجب تعريفه، كالكسرة والتمرة، والدليل على أنَّه تافه قول عائشة ﵂: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
وروي عن علي ﵁، أنَّه وجد دينارًا فتصرف فيه.
وروى الجوزجاني، عن سلمى بنت كعب، قالت: وجدت خاتمًا من ذهب، في طريق مكة، فسألت عائشة عنه، فقالت: تمتعي به.
وروى أبو داود، بإسناده عن جابر، قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به.
والحبل قد يكون قيمته دراهم، وعن ابن ماجه بإسناده، عن سويد بن غفلة، قال: خرجت مع سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان، حتى إذا كنا بالعذيب، التقطت سوطًا، فقالا لي: ألقه. فأبيت، فلما قدمنا المدينة، أتيت أبي بن كعب، فذكرت ذلك له، فقال: أصبت.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وللشافعية فيه ثلاثة أوجه كالمذاهب الثلاثة.
ولنا على إبطال تحديده بما ذكروه، أنَّ حديث زيد بن خالد عام في كل لقطة، فيجب إبقاؤه على عمومه، إلَّا ما خرج منه بالدليل، ولم يرد بما ذكروه نص، ولا هو في معنى ما ورد النص به؛ ولأنَّ التحديد والتقدير لا يعرف بالقياس، وإنَّما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس فيما ذكروه نص ولا إجماع.
وأمَّا حديث علي، فهو ضعيف، رواه أبو داود وقال: طرقه كلها مضطربة.
ثم هو مخالف لمذهبهم ولسائر المذاهب، فتعين حمله على وجه من الوجوه غير اللقطة، إمَّا لكونه مضطرًا إليه أو غير ذلك، وحديث عائشة قضية في عين، لا يدرى كم قدر الخاتم، ثم هو قول صحابي، وكذلك حديث علي، وهم لا يرون ذلك حجة، وسائر الأحاديث ليس فيها تقدير، لكن يباح أخذ ما ذكره النبي ﷺ وخص في أخذه من السوط والعصا والحبل، وما قيمته كقيمة ذلك، وقدره الشيخ أبو الفرج في كتابه بما دون القيراط، ولا يصح تحديده لما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠):
«قوله: "وتنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما لا تتبعه الهمة".
يعني: همة أوساط الناس ولو كثر، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع وغيره.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
ومثله المصنف "بالسوط والشسع والرغيف".
ومثله في "الإرشاد"، و"تذكرة ابن عقيل"، و"الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب" وجماعة بالتمرة والكسرة وشسع النعل وما أشبهه.
ومثله في "المغني" "بالعصا والحبل" وما قيمته كقيمة ذلك.
قال الحارثي: "ما لا تتبعه الهمة" نص الإمام أحمد ﵀ في رواية عبد الله، وحنبل: أنَّه ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة وما لا خطر له فلا بأس» اهـ.
وقد فَسَّرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ أواسط الناس فَقَالَ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٣٦٢):
«إذًا أوساط الناس خُلُقًا ومالًا، خلقًا يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء، فهذا المال لواجده إلَّا إذا كان يعلم صاحبه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٠/ ٣٦٣):
«وقوله: "تتبعه همة أوساط الناس" الذي تتبعه همة أوساط الناس يختلف باختلاف الأحوال والأماكن والأزمان، فيما سبق الدرهم الواحد تتبعه همة أوساط الناس؛ لأنَّه يحصل به شيء كثير، يعني يمكن أن الدرهم الواحد يشتري به الإنسان شاة ويشتري به - أيضًا - حبًا يطبخه ويكفي ضَيْفَه.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
والآن - والحمد لله - الدرهم لا يهتم به أحد، وكذا خمسة دراهم، وكذا عشرة، والخمسون يهتم بها أوساط الناس، إذًا يقدر هذا بحسب الأحوال، والأحوال يختلف فيها الناس.
لكن لو قال قائل: لعل هذا الذي لا تتبعه همة أوساط الناس تتبعه همة فاقِدِهِ؟ فيقال: العبرة بالأغلب، يعني رب قلم لا يساوي درهمًا، وعند صاحبه يساوي مائة درهم؛ لأنه تعوَّد عليه وكتابته به سهلة وجميلة، وهذا شيء مشاهد، بعض الأشياء تكون عند صاحبها غالية، وعند الناس ليست غالية، فيقال: العبرة بالأغلب» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الضابط هو الذي يظهر لي رجحانه، فإنَّ يسير اللقطة لم تضبط بالشرع، وما لا يضبط بالشرع رجع في ضبطه إلى العرف، وأمَّا من حدد ذلك بنصاب القطع فليس في قوله ظهور. والله أعلم.
١٢ - واحتج بعموم الأمر بتعريف اللقطة، من قال: إنَّ من أخذ ماله ووجد مكانه مالًا آخر أنَّه يجب عليه تعريفه، ولا يجوز له أن يأخذه عوضًا عن ماله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨):
«فصل: ومن أخذت ثيابه من الحمام، ووجد بدلها، وأخذ مداسه، وترك له بدله، لم يملكه بذلك.
قال أبو عبد الله، في من سرقت ثيابه ووجد غيرها: لم يأخذها، فإن أخذها عرفها سنة، ثم تصدق بها.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ سارق الثياب لم تجر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره، ولم يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة.
ويحتمل أن ينظر في هذا، فإن كانت ثم قرينة تدل على السرقة، بأن تكون ثيابه أو مداسه خيرًا من المتروكة، وكانت مما لا تشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه، فلا حاجة إلى التعريف؛ لأنَّ التعريف إنَّما جعل في المال الضائع عن ربه، ليعلم به ويأخذه، وتارك هذا عالم به راض ببدله عوضًا عمَّا أخذه، ولا يعترف أنَّه له، فلا يحصل في تعريفه فائدة، فإذا ليس هو بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، وفيما يصنع بها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه يتصدق به على ما ذكرنا.
الثاني: أنَّه يباح له أخذها؛ لأنَّ صاحبها في الظاهر تركها له باذلًا إياها له عوضًا عمَّا أخذه، فصار كالمبيح له أخذها بلسانه، فصار كمن قهر إنسانًا على أخذ ثوبه، ودفع إليه درهمًا.
الثالث: أنَّه يرفعها إلى الحاكم، ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها عوضًا عن ماله.
والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس؛ لأنَّ فيه نفعًا لمن سرقت ثيابه، بحصول عوض عنها، ونفعًا للسارق بالتخفيف عنه من الإثم، وحفظًا لهذه الثياب المتروكة من الضياع، وقد أباح بعض أهل العلم لمن له على إنسان حق من دين أو
[ ٩ / ٣٤٩ ]
غصب، أن يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه، إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك، فهنا مع رضاء من عليه الحق بأخذه أولى.
وإن كانت ثم قرينة دالة على أنَّ الآخذ للثياب إنَّما أخذها ظنًا منه أنَّها ثيابه، مثل أن تكون المتروكة خيرًا من المأخوذة أو مثلها، وهي مما تشتبه بها، فينبغي أن يعرفها هاهنا؛ لأنَّ صاحبها لم يتركها عمدًا، فهي بمنزلة الضائعة منه.
والظاهر أنَّه إذا علم بها، أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى، وبعد التعريف إذا لم تعرف، ففيها الأوجه التي ذكرناها إلَّا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها، فإنَّما يأخذ بقدر قيمة ثيابه، لا يزيد عليها؛ لأنَّ الزائد فاضل عمَّا يستحقه، ولم يرض صاحبها بتركها عوضًا عمَّا أخذه، فإنَّه لم يأخذ غيرها اختيارًا منه لتركها، ولا رضى بالمعاوضة بها.
وإذا قلنا: إنَّه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها.
فله أن يشتريها بثمن في ذمته، ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه، ويتصدق بالباقي. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ما جاء به العلامة ابن قدامة من التفصيل في هذه المسألة، أصح، وأحسن. والله أعلم.
١٣ - واحتج بعمومه من أوجب التعريف ولو وجدت في دار الحرب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٩١):
[ ٩ / ٣٥٠ ]
«فصل: ومن وجد لقطة في دار الحرب، فإن كان في الجيش، فقال أحمد: يعرفها سنة في دار الإسلام، ثم يطرحها في المقسم.
إنَّما عرفها في دار الإسلام؛ لأنَّ أموال أهل الحرب مباحة، ويجوز أن تكون لمسلم، ولأنَّه قد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها.
ومعناه - والله أعلم - يتمم التعريف في دار الإسلام، فأمَّا ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه؛ لأنَّه يحتمل أن تكون لأحدهم، فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام.
فأمَّا إن كان دخل دارهم بأمان، فينبغي أن يعرفها في دارهم؛ لأنَّ أموالهم محرمة عليه، فإذا لم تعرف، ملكها كما يملكها في دار الإسلام وإن كان في الجيش، طرحها في المقسم بعد التعريف؛ لأنَّه وصل إليها بقوة الجيش، فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئًا.
وإن دخل إليهم متلصصًا، فوجد لقطة، عرفها في دار الإسلام؛ لأنَّ أموالهم مباحة له، ثم يكون حكمها حكم غنيمته.
ويحتمل أن تكون غنيمة له، لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنَّ الظاهر أنَّها من أموالهم، وأموالهم غنيمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
[ ٩ / ٣٥١ ]
١٤ - وظاهر الحديث وجوب تعريف اللقطة سواء أراد الآخذ لها تملكها بعد تعريفها، أو أراد حفظها لمالكها؛ فإنَّ النبي ﷺ لم يستثن شيئًا من ذلك. وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فلم يوجب تعريفها لمن أراد حفظها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٣):
«أمَّا وجوبه، فإنَّه واجب على كل ملتقط، سواء أراد تملكها، أو حفظها لصاحبها.
وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا أنَّ النَّبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب، ولم يفرق، ولأنَّ حفظها لصاحبها إنَّما يقيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف، أمَّا بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها، فهو وهلاكها سيان، ولأنَّ إمساكها من غير تعريف، تضييع لها عن صاحبها، فلم يجز، كردها إلى موضعها، أو إلقائها في غيره، ولأنَّه لو لم يجب التعريف، لما جاز الالتقاط؛ لأنَّ بقاءها في مكانها إذًا أقرب إلى وصولها إلى صاحبها، إمَّا بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإمَّا بأن يجدها من يعرفها، وأخذه لها يفوت الأمرين، فيحرم، فلما جاز الالتقاط وجب التعريف، كي لا يحصل هذا الضرر؛ ولأنَّ التعريف واجب على من أراد تملكها، فكذلك على من أراد حفظها، فإن التملك غير واجب، فلا تجب الوسيلة إليه، فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه، لصيانتها عن الضياع عن صاحبها، وهذا موجود في محل النزاع» اهـ.
[ ٩ / ٣٥٢ ]
١٥ - وظاهر الحديث أنَّ تعريفها يكون عقب أخذها، وذلك أنَّ قوله: «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً». أي من حين أخذها، والمعنى يقتضي ذلك؛ فأنَّ فاقدها إنَّما يبحث عنها إثر فقدانها، فلا تمر عليه سنة إلَّا وقد يئس من وجدانها غالبًا، فلا يبحث عنها بعد ذلك.
قُلْتُ: وليست "ثم" للتراخي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَّقِنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٧/ ٥٢٠): «إتيان ثم هنا يدل على المبالغة وشدة التثبت في معرفة العفاص والوكاء، إذ كان وضعها للتراخي والمهلة، فكأنَّه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك. نبه عليه الفاكهي» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥):
«إذا ثبت هذا، فإنَّه يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط، وتكون متوالية في نفسها؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر يقتضي الفور، ولأنَّ القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها، وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متواليًا؛ لأنَّ صاحبها في الغالب إنَّما يتوقعها ويطلبها عقيب ضياعها، فيجب تخصيص التعريف به» اهـ.
قُلْتُ: وإن أخرها فلا يخلو من حالين:
[ ٩ / ٣٥٣ ]
الأولى: أن يكون بغير عذر، والأخرى: بعذر، فإن أخرها بغير عذر وجب عليه التعريف حولًا آخرَ، وليس له أن يتملك اللقطة بعد ذلك لإخلاله بالتعريف الواجب، فإنَّ الواجب عليه أن يعرف اللقطة إثر أخذها، فإنَّ تأخيرها عن ذلك من أسباب تعمية حالها عن صاحبها، فلأجل ذلك منع من تملكها؛ فإنَّه لا حق له في تملكها إلَّا إذا عرفها التعريف الواجب، فإذا تبين هذا فإنَّه يجب عليه أن يتصدق بها بعد تعريفها حولًا بنية صاحبها.
وأمَّا إذا أخر تعريفها لعذر شرعي، فالذي يظهر لي أنَّه يجب عليه أن يعرفها عند زوال العذر حولًا، وله أن يستنفقها بعد انقضاء الحول لعدم تعديه في ذلك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٢):
«فصل: إذا أخر التعريف عن الحول الأول، مع إمكانه أثم؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر به فيه، والأمر يقتضي الوجوب.
وقال في حديث عياض بن حمار: "لا يكتم ولا يغيب". ولأنَّ ذلك وسيلة إلى أن لا يعرفها صاحبها، فإنَّ الظاهر أنَّه بعد الحول ييأس منها، ويسلو عنها، ويترك طلبها.
ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأول، في المنصوص عن أحمد؛ لأنَّ حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأول، وإن تركه في بعض الحول، عرف بقيته.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخره؛ لأنَّه واجب، فلا يسقط بتأخيره عن وقته، كالعبادات وسائر الواجبات.
ولأنَّ التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نوع من القصور، فيجب الإتيان به؛ لقول النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فعلى هذا إن أخر التعريف بعض الحول، أتى بالتعريف في بقيته، وأتمه من الحول الثاني.
وعلى كلا القولين، لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول؛ لأنَّ شرط الملك التعريف في الحول الأول، ولم يوجد.
وهل له أن يتصدق بها أو يحبسها عنده أبدًا؟ على روايتين.
ويحتمل أن يلزمه دفعها إلى الحاكم، كقولنا فيما إذا التقط ما لا يجوز التقاطه.
ولو ترك التعريف في بعض الحول الأول، لم يملكها أيضًا بالتعريف فيما بعده؛ لأنَّ الشرط لم يكمل، وعدم بعض الشرط كعدم جميعه، كما لو أخل ببعض الطهارة، أو ببعض السترة في الصلاة» اهـ.
أقول: التصدق بها أولى من حبسها؛ فإنَّه لا مصلحة في حبسها لا للفقراء، ولا لصاحبها، وإذا ما تُصدق بها انتفع الفقراء بها، وانتفع صاحبها بأجرها، والعثور على صاحبها بعد الحول من الأمور النادرة فلا اعتبار بذلك؛ ولهذا أذن النبي ﷺ باستنفاقها بعد مضي الحول.
[ ٩ / ٣٥٥ ]
وأمَّا دفعها للسلطان فيمكن إذا كان السلطان ممن يتقي الله ويضعها في مواضعها، وأمَّا مع فساد السلطان فإيصالها إلى مستحقيها هو الأولى. والله أعلم.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٣):
«فصل: وإن ترك التعريف في الحول الأول؛ لعجزه عنه، مثل أن يتركه لمرض أو حبس أو نسيان ونحوه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّ حكمه حكم ما لو تركه مع إمكانه؛ لأنَّ تعريفه في الحول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، سواء انتفى لعذر أو غير عذر.
والثاني: أنَّه يعرفه في الحول الثاني، ويملكه؛ لأنَّه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه، فأشبه ما لو عرفه في الحول الأول» اهـ.
١٦ - وظاهر الحديث استواء الليل والنهار في التعريف، لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٦):
«الفصل الثالث: في زمانه وهو النهار دون الليل؛ لأنَّ النهار مجمع الناس وملتقاهم دون الليل» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو المعنى المعقول؛ فإنَّ التعريف بالليل لا يحصل به المقصود.
١٧ - وظاهر أمر النبي ﷺ بتعريف اللقطة على ملتقطها أنَّ كل ما يحصل من نفقه من أجل التعريف فهي على الملتقط، ولا يرجع بها على مالك اللقطة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٨):
[ ٩ / ٣٥٦ ]
«الفصل الخامس: فيمن يتولاه، وللملتقط أن يتولى ذلك بنفسه، وله أن يستنيب فيه، فإن وجد متبرعًا بذلك، وإلَّا إن احتاج إلى أجر، فهو على الملتقط. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي.
واختار أبو الخطاب أنَّه إن قصد الحفظ لصاحبها دون تملكها، رجع بالأجر على مالكها.
وكذلك قال ابن عقيل، فيما لا يملك بالتعريف؛ لأنَّه من مؤنة إيصالها إلى صاحبها، فكان على مالكها، كأجر مخزنها ورعيها وتجفيفها ولنا أنَّ هذا أجر واجب على المعرف، فكان عليه، كما لو قصد تملكها، ولأنَّه لو وليه بنفسه، لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر عليه لا يلزم صاحبها شيء، ولأنَّه سبب لتملكها، فكان على الملتقط، كما لو قصد تملكها.
وقال مالك: إن أعطى منها شيئًا لمن عرفها، فلا غرم عليه، كما لو دفع منها شيئًا لمن حفظها.
وقد ذكرنا الدليل على ذلك» اهـ.
١٨ - وظاهر الحديث عدم التفريق في تعريف اللقطة بين القرى المعمورة، وغير المعمورة، وبين الطرق المسلوكة، وغير المسلوكة.
وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه النسائي (٢٤٩٤) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،
[ ٩ / ٣٥٧ ]
عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (١٧١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» وَذَكَرَ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمِيتَاءِ أَوِ الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِيَ لَكَ، وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ يَعْنِي فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
قُلْتُ: والمراد بالقرية الخراب الجاهلي، وما لا يعلم له مالك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ١٨٥):
«وألحق شيخنا بالمدفون حكمًا الموجود ظاهرًا بخراب جاهلي، أو طريق غير مسلوك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٣):
[ ٩ / ٣٥٨ ]
«الفصل الثاني، في موضعه، ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها، أن يجده في موات، أو ما لا يعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك، كالأبنية القديمة، والتلول، وجدران الجاهلية، وقبورهم.
فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما ذكرناه.
ولو وجده في هذه الأرض على وجهها، أو في طريق غير مسلوك، أو قرية خراب، فهو كذلك في الحكم؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: ما كان في طريق مأتي، أو في قرية عامرة، فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلَّا فلك، وما لم يكن في طريق مأتي، ولا في قرية عامرة، ففيه وفي الركاز الخمس رواه النسائي» اهـ.
١٩ - وظاهر الحديث استواء لقطة الحل والحرم في تملكها بعد تعريفها.
وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة وأحد القولين للشافعي وأحمد.
قُلْتُ: سبق الكلام على هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس من كتاب الحج، وبيَّنا هنالك استثناء لقطة الحرم من تملكها بعد تعريفها كما هو القول الآخر للشافعي وأحمد، وقد روى البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِّي ﷺ أنَّه قَالَ: «وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ».
[ ٩ / ٣٥٩ ]
وروى البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».
٢٠ - وعمومه يشمل الذمي في تملكها بعد تعريفها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٤):
«فصل: والذمي في الالتقاط كالمسلم.
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس له الالتقاط في دار الإسلام؛ لأنَّه ليس من أهل الأمانة.
ولنا أنَّها نوع اكتساب، فكان من أهلها، كالحش والاحتطاب.
وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون، فإنَّه يصح التقاطهما، مع عدم الأمانة.
إذا ثبت هذا، فإنَّه إن عرف اللقطة حولًا كاملًا، ملكها كالمسلم، وإن علم بها الحاكم أو السلطان، أقرها في يده.
وضم إليه مشرفًا عدلًا يشرف عليه، ويعرفها؛ لأننا لا نأمن الكافر على تعريفها، ولا نأمنه أن يخل في التعريف بشيء من الواجب عليه فيه، وأجر المشرف عليه، فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط.
ويحتمل أن تنزع من يد الذمي، وتوضع على يد عدل؛ لأنَّه غير مأمون عليها» اهـ.
٢١ - وعمومه أيضًا يشمل من لم يكن أمينًا، فإنَّه يملك اللقطة بعد تعريفها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٥):
[ ٩ / ٣٦٠ ]
«فصل: ويستحب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة؛ لأنَّه يعرض نفسه للأمانة، وليس هو من أهلها، فإن التقط صح التقاطه؛ لأنَّها جهة من جهات الكسب، وهو من أهل الكسب، ولأنَّه إذا صح التقاط الكافر، فالمسلم أولى، فإذا التقطها فعرفها حولًا، ملكها كالعدل.
وإن علم الحاكم أو السلطان بها، أقرها في يده، وضم إليه مشرفًا يشرف عليه، ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي؛ لأنَّه لا نأمنه عليها.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: ينزعها من يده، ويضعها في يد عدل.
ولنا أنَّ من خلى بينه وبين الوديعة، لم تزل يده عن اللقطة، كالعدل، والحفظ يحصل بضم المشرف إليه، وإن لم يمكن المشرف حفظها منه، انتزعت من يده، وتركت في يد عدل، فإذا عرفها وتمت السنة، ملكها ملتقطها؛ لأنَّ سبب الملك وجد منه» اهـ.
٢٢ - وقوله: «فإن لَمْ تَعْرِفْ». أي صاحبها، دليل على أنَّه إذا عرف صاحبها حرم عليه استنفاقها، وإن غاب عنه زمنًا طويلًا.
٢٣ - قُلْتُ: ومن باب أولى إذا لم يكن لها صاحب فلا يلزمه تعريفها، وله أن يستنفقها، كالدُرَّةِ التي يجدها الصياد في بطن السمكة بشرط أن لا يكون فيها ما يدل على أنَّ لها مالكًا، كأن تكون مثقوبة مثلًا.
[ ٩ / ٣٦١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣):
«فصل: ومن اصطاد سمكة، فوجد فيها دُرَّةً، فهي للصياد؛ لأنَّ الدر يكون في البحر، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
فتكون لآخذها، فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها، فهي للصياد.
نص عليه أحمد؛ لأنَّه إذا لم يعلم ما في بطنها فلم يبعه، ولم يرض بزوال ملكه عنه، فلم يدخل في البيع، كمن باع دارًا له مال مدفون فيها.
وإن وجد في بطنها عنبرة أو شيئًا مما يكون في البحر، فهو للصياد؛ لما ذكرنا. وحكمه حكم الجوهرة، وإن وجد دراهم أو دنانير، فهي لقطة؛ لأنَّ ذلك لا يخلق في البحر، ولا يكون إلَّا لآدمي، فيكون لقطة، كما لو وجده في البحر.
وكذلك الحكم في الدرة إذا كان فيها أثر لآدمي، مثل أن تكون مثقوبة أو متصلة بذهب أو فضة أو غيرهما، فإنَّها تكون لقطة لا يملكها الصياد؛ لأنَّها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد عليها، فهي كالدينار.
وكذلك الحكم في العنبرة إذا كانت موصولة بذهب أو فضة، أو مصنوعة، كالتفاحة مثقوبة، ونحو ذلك مما لا يخلق عليه في البحر، فهي لقطة وإن وجدها الصياد فعليه تعريفها؛ لأنَّه ملتقطها، وإن وجدها المشتري، فالتعريف عليه؛ لأنَّه
[ ٩ / ٣٦٢ ]
واجدها، ولا حاجة إلى البداية بالبائع، فإنَّه لا يحتمل أن تكون السمكة ابتلعت ذلك بعد اصطيادها وملك الصياد لها، فاستوى هو وغيره.
فأمَّا إن اشترى شاة، ووجد في بطنها درة أو عنبرة أو دنانير أو دراهم، فهي لقطة يعرفها، ويبدأ بالبائع؛ لأنَّه يحتمل أن تكون ابتلعتها من ملكه فيبدأ به، كقولنا في مشتري الدار إذا وجد فيها مالًا مدفونًا، وإن اصطاد السمكة من غير البحر، كالنهر والعين، فحكمها حكم الشاة، في أن ما وجد في بطنها من ذلك فهو لقطة، درة كانت أو غيرها؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا في البحر بحكم العادة.
ويحتمل أن تكون الدرة للصياد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٤):
«فصل: وإن وجد عنبرة على ساحل البحر، فهي له؛ لأنَّه يمكن أن يكون البحر ألقاها، والأصل عدم الملك فيها، فكانت مباحة لآخذها، كالصيد» اهـ.
٢٤ - وفيه أنَّه إذا عرفها سنة فله أن ينفقها.
قُلْتُ: ولا فرق بين الأثمان، والعروض، ولم يأت من فرق بينهما بحجة مقبولة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٠):
«فصل: وكل ما جاز التقاطه، ملك بالتعريف عند تمامه، أثمانًا كانت أو غيرها، هذا كلام الخرقي، فإنَّ لفظه عام في كل لفظه. وقد نقل ذلك عن أحمد، فإنَّ محمد
[ ٩ / ٣٦٣ ]
بن الحكم، روى عنه في الصياد يقع في شصه الكيس أو النحاس: يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلَّا فهو كسائر ماله. وهذا نص في النحاس.
وقال الشريف بن أبي موسى: هل حكم العروض في التعريف، وجواز التصرف فيها بعد ذلك، حكم الأثمان؟ على روايتين، أظهرهما أنَّها كالأثمان، ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقًا بين الأثمان والعروض في ذلك، وقال أكثر أصحابنا: لا تملك العروض بالتعريف.
قال القاضي: نص أحمد على هذا، في رواية الجماعة.
واختلفوا فيما يصنع بها، فقال أبو بكر، وابن عقيل: يعرفها أبدًا.
وقال القاضي: هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء صاحبها، وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها.
وهل له بيعها بعد الحول، ويتصدق بها؟ على روايتين، وقال الخلال: كل ما روي عن أحمد، أنَّه يعرفه سنة، ويتصدق به، والذي نقل أنَّه يعرف أبدًا قول قديم، رجع عنه» اهـ.
٢٥ - وظاهره أنَّه ليس له أن يستنفقها قبل ذلك، لكن يستثنى من ذلك ما لا يبقى عامًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢١ - ٤٢٢):
«فصل: وإذا التقط ما لا يبقى عامًا، فذلك نوعان:
[ ٩ / ٣٦٤ ]
أحدهما: ما لا يبقى بعلاج ولا غيره، كالطبيخ، والبطيخ، والفاكهة التي لا تجفف، والخضراوات. فهو مخير بين أكله، وبيعه وحفظ ثمنه، ولا يجوز إبقاؤه؛ لأنَّه يتلف.
فإن تركه حتى تلف، فهو من ضمانه؛ لأنَّه فرط في حفظه، فلزمه ضمانه، كالوديعة.
فإن أكله ثبتت القيمة في ذمته، على ما ذكرناه في لقطة الغنم. وإن باعه وحفظ ثمنه، جاز وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
وله أن يتولى بيعه بنفسه. وعن أحمد، أن له بيع اليسير، وإن كان كثيرًا دفعه إلى السلطان.
وقال أصحاب الشافعي: ليس له بيعه إلَّا بإذن الحاكم، فإن عجز عنه، جاز البيع بنفسه؛ لأنَّه حال ضرورة، فأمَّا مع القدرة على استئذانه، فلا يجوز من غير إذنه؛ لأنَّه مال معصوم، لا ولاية عليه، فلم يجز لغير الحاكم بيعه، كغير اللقطة.
ولنا أنَّه مال أبيح للملتقط أكله، فأبيح له بيعه، كماله، ولأنَّه مال أبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم، فجاز عند القدرة عليه، كماله.
إذا ثبت هذا، فإنَّه متى أراد أكله أو بيعه، حفظ صفاته، ثم عرفه عامًا، فإذا جاء صاحبه، فإن كان قد باعه وحفظ ثمنه، دفعه إليه، وإن كان قد أكله أو أكل ثمنه، غرمه له بقيمته يوم أكله.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
وإن تلف الثمن بغير تفريط قبل تملكه، أو نقص أو تلفت العين، أو نقصت من غير تفريطه، فلا ضمان على الملتقط.
وإن تلفت أو نقصت أو نقص الثمن لتفريطه، فعلى الملتقط ضمانه، وكذلك إن تلف الثمن بعد تملكه، أو نقص، ضمنه.
النوع الثاني: ما يمكن إبقاؤه بالعلاج، كالعنب والرطب، فينظر ما فيه الحظ لصاحبه.
فإن كان في التجفيف جففه، ولم يكن له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مال غيره، فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه، كولي اليتيم، وإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه في ذلك.
وإن كان الحظ في بيعه، باعه، وحفظ ثمنه، كالطعام والرطب، فإن تعذر بيعه، ولم يمكن تجفيفه، تعين أكله، كالبطيخ.
وإن كان أكله أنفع لصاحبه. فله أكله أيضًا؛ لأنَّ الحظ فيه.
ويقتضي قول أصحابنا: إنَّ العروض لا تملك بالتعريف أن هذا كله لا يجوز له أكله، لكن يخير بين الصدقة به وبين بيعه.
وقد قال أحمد في من يجد في منزله طعامًا لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده، فإن خشي فساده، تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه.
وكذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، في لقطة ما لا يبقى سنة: يتصدق به.
وقال الثوري: يبيعه، ويتصدق بثمنه.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
ولنا على جواز أكله قول النَّبي ﷺ في ضالة الغنم: "خذها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". وهذا تجويز للأكل، فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه، ففيما يفسد ببقائه أولى» اهـ.
قُلْتُ: وشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ١١٠ - ١١١):
«فَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ شَيْئًا وَاحِدًا كَدِينَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ، أَوْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ كَذَلِكَ لَا رِبَاطَ لَهُ، وَلَا وِعَاءَ، وَلَا عِفَاصَ -: فَهُوَ لِلَّذِي يَجِدُهُ مِنْ حِينِ يَجِدُهُ وَيُعَرِّفُهُ أَبَدًا طُولَ حَيَاتِهِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً قَطُّ: ضَمِنَهُ لَهُ فَقَطْ - هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ - وَإِلَّا فَهُوَ لَهُ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ وَلَا يُرَدُّ مَا أَنَفَذُوا فِيهِ» اهـ.
٢٦ - وظاهره أنَّه لا فرق بين الغني والفقير في ذلك وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو الصحيح، وقال أبو حنيفة: إن كان غنيًا تصدق بها. ثم إذا جاء صاحبها يومًا من الدهر خير بين إمضاء الصدقة وتغريمه.
٢٧ - وعموم الحديث يشمل من التقطها لتملكها، فإنَّه لو عرفها بعد ذلك عامًا حلت له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٥):
«فصل: إذا التقط لقطة، عازمًا على تملكها بغير تعريف، فقد فعل محرمًا، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط،
[ ٩ / ٣٦٧ ]
ولا يملكها وإن عرفها؛ لأنَّه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، فأشبه الغاصب.
نص على هذا أحمد، ويحتمل أن يملكها؛ لأنَّ ملكها بالتعريف والالتقاط، وقد وجد، فيملكها به، كالاصطياد والاحتشاش، فإنَّه لو دخل حائطًا لغيره بغير إذنه، فاحتش أو اصطاد منه صيدًا، ملكه، وإن كان دخوله محرمًا، كذا هاهنا؛ ولأنَّ عموم النص يتناول هذا الملتقط، فيثبت حكمه فيه، ولأننا لو اعتبرنا نية التعريف وقت الالتقاط، لافترق الحال بين العدل والفاسق والصبي والسفيه؛ لأنَّ الغالب على هؤلاء الالتقاط للتملك من غير تعريف» اهـ.
٢٨ - من وجد لقطة ثم ضاعت منه فالتقطها آخر فعرفها حولًا فهي للثاني الذي عرفها للعموم الحديث، فإنَّ النبي ﷺ أذن باستنفاقها لمن وجدها وعرفها من غير استثناء صورة من الصور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٠):
«فصل: وإن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ لأنَّها أمانة في يده، فأشبهت الوديعة.
فإن التقطها آخر، فعرف أنَّها ضاعت من الأول، فعليه ردها إليه؛ لأنَّه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ، فلا يزول ذلك بالضياع.
فإن لم يعلم الثاني بالحال حتى عرفها حولًا، ملكها؛ لأنَّ سبب الملك وجد منه من غير عدوان، فيثبت الملك به كالأول، ولا يملك الأول انتزاعها؛ لأنَّ الملك مقدم
[ ٩ / ٣٦٨ ]
على حق التملك، وإذا جاء صاحبها فله أخذها من الثاني، وليس له مطالبة الأول؛ لأنَّه لم يفرط، وإن علم الثاني بالأول، فردها إليه، فأبى أخذها، وقال: عرفها أنت فعرفها، ملكها أيضًا؛ لأنَّ الأول ترك حقه فسقط» اهـ.
٢٩ - وفيه أنَّ اللقطة بعد السنة وديعة في ذمة الملتقط، فلو جاء صاحبها يومًا من الدهر ردها إليه.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧ - ١٠٨):
«وأجمعوا أنَّ ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإنَّ ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع» اهـ.
قُلْتُ: لا إجماع في ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٤ - ٨٥):
«واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا، فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل أن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري، وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "ولتكن وديعة عندك". وقوله أيضًا عند مسلم في رواية بشر بن سعيد عن زيد بن خالد: "فاعرف
[ ٩ / ٣٦٩ ]
عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه". فإنَّ ظاهر قوله: "فإن جاء صاحبها" الخ بعد قوله: "كلها". يقتضي وجوب ردها بعد أكلها فيحمل على رد البدل، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف يدل عليه بقية الروايات، والتقدير: فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها إن لم يجيء صاحبها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه، وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه". فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور، وروى أبو داود أيضًا مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن أبيه عن زيد بن خالد في هذا الحديث: "فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلَّا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم اقبضها في مالك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه". وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: فهي لمن وجدها. أي في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأمَّا أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه.
قال النووي: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأمَّا بعد التملك فإن لم يجيء صاحبها فهي لمن وجدها، ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجودة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة، ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه وهو ظاهر اختيار البخاري والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٢):
[ ٩ / ٣٧٠ ]
«وأجمع أئمة الفتوى على أنَّ اللقطة إذا عرفها سنة وانتفع بها وأنفقها بعد السنة ثم جاء صاحبها أنَّه يرد عليها قيمتها ويضمنها له، وليس قوله: "فشأنك بها". يبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها؛ لما ثبت عنه ﵇ في اللقطة: "فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه"؛ لأنَّها وديعة عند ملتقطها وسيأتي تمام القول في ذلك في بابه - إن شاء الله - وخرق الإجماع رجل نُسب إلى العلم يعرف بداود بن علي، فقال: إذا جاء صاحبها بعد السنة لم يضمنها ملتقطها؛ لأنَّ النبي ﵇ أطلقه على ملكها بقوله: "فشأنك بها". فلا ضمان عليه، ولا سلف له في ذلك إلَّا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه، أعاذنا الله من اتباع والابتداع في دينه مما لم يأذن فيه ﷿» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا باعها بعد الحول، وجاء صاحبها بعد بيعها فلا تنتزع من يد المشتري، وتضمن لصاحبها بمثلها، إن كانت من ذوي الأمثال، أو بقيمتها يوم ملكها إن لم تكن من ذوي الأمثال.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٠٥):
«وتضمن اللقطة بالمثل كبدل القرض، وإذا قلنا بالقيمة فالقيمة يوم ملكها الملتقط قطع به ابن أبي موسى وغيره، خلافًا للقاضي أبي البركات، فإذا باع الملتقط اللقطة بعد الحول ثم جاء ربها فالأشبه أن الملك لا يملك انتزاعها من المشتري» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٨):
[ ٩ / ٣٧١ ]
«فصل: وإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما، لم يكن له الرجوع فيها، وله أخذ بدلها؛ لأنَّ تصرف الملتقط وقع صحيحًا؛ لكونها صارت في ملكه.
وإن صادفها قد رجعت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك، فله أخذها؛ لأنَّه وجد عين ماله في يد ملتقطه، فكان له أخذه كالزوج إذا طلق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
وسائر أحكام الرجوع هاهنا كحكم رجوع الزوج، على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الزيادة المتصلة في اللقطة تكون لمالكها الأول، وأمَّا الزيادة المنفصلة فإن كانت قبل الحول فهي لمالكها الأول، وإن كانت بعد الحول فهي للملتقط لأنَّها حدثت في ملكه، وهذا مذهب الشافعية والمصحح عند الحنابلة.
٣٠ - واحتج بتسمية النبي ﷺ للقطة وديعة بعد تعريفها على عدم ضمانها إذا لم يحصل تعدٍ من جهة ملتقطها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٩١):
«ويستفاد من تسميتها وديعة أنَّها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها، وهو اختيار البخاري تبعًا لجماعة من السلف. وقال ابن المنير: يستدل به لأحد الأقوال عند العلماء إذا أتلفها الملتقط بعد التعريف وانقضاء زمنه، ثم أخرج بدلها، ثم هلكت
[ ٩ / ٣٧٢ ]
أن لا ضمان عليه في الثانية، وإذا ادعى أنَّه أكلها، ثم غرمها، ثم ضاعت قبل قوله أيضًا، وهو الراجح من الأقوال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٥):
«وجملة ذلك أنَّ اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت، فلا ضمان عليه، كالوديعة.
ومتى جاء صاحبها، فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنَّها نماء ملكه.
وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه، ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل. لا أعلم في هذا خلافًا، وإن تلفت بعد الحول، ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال؛ لأنَّها دخلت في ملكه، وتلفت من ماله، وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط.
وإن وجد العين ناقصة، وكان نقصها بعد الحول، أخذ العين وأرش نقصها؛ لأنَّ جميعها مضمون إذا تلفت، فكذلك إذا نقصت.
وهذا قول أكثر الفقهاء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، وأمَّا من قال: لا يملكها حتى يتملكها. لم يضمنه إياها حتى يتملكها، وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف.
ومن قال: لا تملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها.
[ ٩ / ٣٧٣ ]
وبهذا قال الحسن، والنخعي، وأبو مجلز والحارث العكلي، ومالك، وأبو يوسف، قالوا: لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول.
وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه» اهـ.
قُلْتُ: هذا التفصيل هو الذي يظهر لي رجحانه، وحكم النبي ﷺ عليها بأنَّها وديعة بعد استنفاقها يدل على أنَّها وديعة في ذمته، وإنَّما لا يضمن الإنسان الوديعة التي في يده، وأمَّا ما في الذمة فهو مضمون عليه. والله أعلم.
٣١ - أنَّ الطالب يُكتفى منه إلى ذكر علاماتها ولا يحتاج إلى إقامة بينة على ذلك غيرها، ولذلك أُمر الواجد لها بحفظ علاماتها، ولولا أنَّ الحكم متعلق بها لما احتيج إلى حفظها، وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٢٤٣٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا».
وفي رواية مسلم (١٧٢٣): «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧٩):
«وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلَّا ببينة؛ لأنَّه قد يصيب الصفة.
وقال الخطابي: إن صحت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها وهي فائدة قوله: "أعرف عفاصها" الخ وإلَّا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلَّا بالبينة. قال: ويتأول قوله:
[ ٩ / ٣٧٤ ]
"أعرف عفاصها". على أنَّه أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة. وذكر غيره من فوائد ذلك أيضًا أن يعرف صدق المدعى من كذبه، وأنَّ فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنَّه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب الأولى.
قُلْتُ: قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢١):
«القول بظاهر الحديث أولى ولم يؤمر بأن يعرف عفاصها ووكاءها وعلاماتها إلَّا لذلك وقال ﷺ: "إن عرفها فادفعها إليه" هكذا قال حماد بن سلمة في حديثه ومن كان أسعد بالظاهر أفلح وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٤):
«ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أنَّ اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف، فقام وصفه لها مقام الشاهدين، بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه، فإنَّ البينة اسم لما يبين الحق» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣):
[ ٩ / ٣٧٥ ]
«ومن ذلك أنَّ النَّبي ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها كذلك، فجعل وصفه لها قائما مقام البينة بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة» اهـ.
قُلْتُ: وهل تدفع للطالب اللقطة إذا جاء ببعض الصفات، وترك البعض في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١ - ٨٢):
«واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة قال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها، وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم أقوى لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بد من الإتيان بجميع الصفات التي يبعد جهلها عن مالكها. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء فيما إذا جاء رجلان يطلبان اللقطة، واتفقا في الاتيان بصفاتها، وليس لأحدهما بينة يمتاز بها على الآخر، فقال بعض العلماء: تقسم اللقطة بينهما بالسوية، وقال آخرون: يقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة أخذها.
واحتج من قال بالقرعة بما رواه أحمد (١٠٣٥٢)، وأبو داود (٣٦١٦)، وابن ماجة (٢٣٤٦) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ
[ ٩ / ٣٧٦ ]
لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٢٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبَانَ - وهو ابن يزيد العطار - ثنا قَتَادَةُ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِذَا جَاءَ هَذَا بِشَاهِدٍ، وَهَذَا بِشَاهِدٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ».
قُلْتُ: ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة فحديثه هو المحفوظ، ولم يذكر في حديثه الشهود.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (١٤/ ٣٥٦):
«فيحتمل أن يكون هذا من تتمة القضية الأولى، وكأنَّه ﷺ جعل ذلك بينهما نصفين بحكم اليد، فطلب كل واحد منهما يمين صاحبه في النصف الذي حصل له، فجعل عليهما اليمين فتنازعا في البداية بأخذها، فأمرهما أن يقترعا على اليمين، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أصل الحديث في البخاري (٢٦٧٤) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ».
[ ٩ / ٣٧٧ ]
وروى أحمد (٢٦٧٦٠)، وأبو داود (٣٥٨٤) مِنْ طَرِيْقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، أَوْ قَدْ قَالَ: لِحُجَّتِهِ، مِنْ بَعْضٍ، فَإِنِّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِذْ قُلْتُمَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ. لكن روى الحديث مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٩٩)، ومِنْ طَرِيْقِه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
قُلْتُ: وليس فيه كما ترى زيادة أسامة بن زيد الليثي، والليثي في حفظه شيء فلا يعتمد عليه في مثل هذه الزيادة. والله أعلم.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
والإسطام: الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر.
واحتج من قال بالقسمة بما روى أحمد (١٩٦١٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ «اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
قُلْتُ: وقد وقع في بعض النسخ شعبة بدل سعيد، وهو تصحيف، لم يتنبه له العلامة الألباني ﵀ في "الإرواء".
ورواه أبو داود (٣٦١٣، ٣٦١٤) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن زريع، عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري.
ورواه النسائي (٥٤٢٤) مِنْ طَرِيْقِ عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة به.
ورواه ابن ماجة (٢٣٣٠) عن روح بن عبادة عن ابن أبي عروبة به.
ورواه هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». أخرجه أبو داود (٣٦١٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَّنَفِ] (٢٩٧٢٩)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧٢٨٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ
[ ٩ / ٣٧٩ ]
الْآثَارِ] (٤٧٥٤، ٤٧٥٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٠٣٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٧، ٢١٠٢٨، ٢١٧٧٣)، وقال: «وكذلك رواه حجاج بن منهال عن همام وهو من حديث همام بن يحيى عن قتادة بهذا اللفظ محفوظ» اهـ.
قُلْتُ: وأرسله شعبة فرواه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». أخرجه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٠٣). وهذه رواية محمد بن جعفر غندر عنه، ورواه عنه سعيد بن عامر موصولًا، أخرجه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٨).
وخالفهم حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
رواها ابن حبان (٥٠٦٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
أخرجه إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (١١٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ، ادَّعَيَا دَابَّةً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
[ ٩ / ٣٨٠ ]
ولم يذكر بَشِيرَ بْنَ نَهِيكٍ.
وراه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٣١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو الْوَلِيدِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، ثنا إِسْحَاقُ، أنبأ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٦) مَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى.
وراها أبو عمر الضرير حفص بن عمر ثنا حماد بن سلمة عن قتادة أخبرهم عن النضر بن أنس عن أبي بردة عن أبي موسى، رواها البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٣٢). وتابعه محمد بن كثير المصيصي عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٩٥٤)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٦).
وخالفهم الضَّحَّاكُ بْنُ حُمْرَةَ - بالراء المهملة - فرواه عن قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا مِجْلَزٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، «أَنَّ رَجُلَيْنِ، اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعِيرٍ، ادَّعَاهُ كِلَاهُمَا أَنَّهُ لَهُ، فَجَاءَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْبَعِيرَ لَهُ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
أخرجه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٩)، والضحاك ضعيف.
[ ٩ / ٣٨١ ]
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٥٧): «والحديث معلول عند أهل الحديث مع الاختلاف في إسناده على قتادة» اهـ.
قُلْتُ: وقد رواه أحمد كما في [الْعِلَلِ وَمَعْرِفَةِ الرَّجَالِ] (٣٦٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا نَاقَةً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَاقَتَهُ فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
وَقَالَ أَيْضًا (٣٧١) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد يَعْنِي بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَجَدَاهَا عِنْدَ رَجُلٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدين أَنَّهَا دَابَّته قضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا».
وَقَالَ حَمَّادٌ قَالَ لِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَدَّثْتُ أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الحَدِيث.
قُلْتُ: حديث سماك رواه أيضًا عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٢٠٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٦٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٢٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٨).
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٠٦)، مِنْ طَرِيْقِ سويد بن عبد العزيز عن الحجاج بن أرطأة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة.
قُلْتُ: وهذا من منكرات حجاج. وسويد ضعيف والله أعلم.
[ ٩ / ٣٨٢ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْرِ] (٢٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِهَا بَيْنَهُمَا».
فَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ:
يَرْجِعُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ. قَالَ مُحَمَّدُ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: أَنَا حَدَّثْتُ أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٠٣ - ٢٠٥):
«يرويه قتادة، واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى.
وتابعه همام، عن قتادة من رواية عفان عنه.
ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا.
وخالفه الضحاك بن حمرة، فرواه عن قتادة، عن أبي مجلز، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي بردة، لم يذكر بينهما أحدًا.
[ ٩ / ٣٨٣ ]
واختلف عن حماد بن سلمة، فرواه محمد بن كثير المصيصي، عن حماد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة مرسلًا، وقال في آخره: قال لي حماد: فحدثت به سماك بن حرب، فقال: أنا حدثت به أبا بردة.
وهذا الحديث يرويه الثوري، وغيره عن سماك، عن تميم بن طرفة مرسلًا، عن النبي ﷺ.
ويرويه ياسين الزيات، عن سماك، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة.
والمحفوظ حديث أبي كامل، عن حماد، عن قتادة.
ومدار الحديث يرجع إلى سماك بن حرب.
والصحيح عن سماك بن حرب مرسلًا، عن النبي ﷺ» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٥٨) - معلقًا على كلام البخاري السابق -:
«وإرسال شعبة هذا الحديث عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه في رواية غندر عنه كالدلالة على ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٤/ ٤٩٨): «وقال الدارقطني، والبيهقي، والخطيب: الصحيح أنَّه عن سماك مرسلًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ الْمِزِّيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٦/ ٤٥٣):
[ ٩ / ٣٨٤ ]
«والصحيح عن سماك بن حرب مرسلًا عن النبي ﷺ والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣):
«فصل: فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنَّها له، وسلمت إليه.
وهكذا إن أقاما بينتين، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف، ودفعت إليه. ذكره القاضي.
وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما؛ لأنَّهما تساويا فيما يستحق به الدفع، فتساويا فيها، كما لو كانت في أيديهما.
والذي قلناه أصح وأشبه بأصولنا، فيما إذا تداعيا عينًا في يد غيرهما، ولأنَّهما تداعيا عينًا في يد غيرهما، وتساويا في البينة، أو في عدمها، فتكون لمن وقعت له القرعة، كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان، فقال: هي لأحدكما، لا أعرفه عينًا.
وفارق ما إذا كانت في أيديهما؛ لأنَّ يد كل واحد منهما على نصفه فرجح قوله فيه.
وإن وصفها إنسان، فأقام آخر البينة أنَّها له، فهي لصاحب البينة؛ لأنَّها أقوى من الوصف، فإن كان الواصف قد أخذها، انتزعت منه، وردت إلى صاحب البينة؛ لأننا تبينا أنَّها له، فإن كانت قد هلكت، فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف أو الدافع إليه. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
[ ٩ / ٣٨٥ ]
ويتخرج أن لا يلزم الملتقط شيء. وهذا قول ابن القاسم صاحب مالك، وأبي عبيد؛ لأنَّه فعل ما أمر به، لأنَّه أمين غير مفرط ولا مقصر، فلا يضمن كما لو دفعها بأمر الحاكم، ولأنَّ الدفع واجب عليه، فصار الدفع بغير اختياره، فلم يضمنها، كما لو أخذها كرهًا.
ولنا أنَّه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختيارًا منه، فضمنه، كما لو دفع الوديعة إلى غير مالكها، إذا غلب على ظنه أنَّه مالكها.
فأمَّا إن دفعها بحكم حاكم، لم يملك صاحبها مطالبة الدافع؛ لأنَّها مأخوذة منه على سبيل القهر، فلم يضمنها، كما لو غصبها غاصب.
ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد؛ لأنَّ العدوان منه والتلف عنده.
فإن ضمن الدافع، رجع على الواصف؛ لأنَّه كان سبب تغريمه، إلَّا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف أنَّه صاحبها ومالكها، فإنَّه لا يرجع عليه، لأنَّه اعترف أنَّه صاحبها ومستحقها، وأنَّ صاحب البينة ظلمه بتضمينه، فلا يرجع، به على غير من ظلمه.
وإن كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط، فضمنه إياها، رجع على الواصف بما غرمه، وليس لمالكها تضمين الواصف؛ لأنَّ الذي قبضه إنَّما هو مال الملتقط، لا مال صاحب اللقطة، بخلاف ما إذا سلم العين.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
فأمَّا إن وصفها إنسان، فأخذها، ثم جاء آخر فوصفها وادعاها، لم يستحق شيئًا؛ لأنَّ الأول استحقها لوصفه إياها، وعدم المنازع فيها، وثبتت يده عليها، ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه، فوجب إبقاؤها له، كسائر ماله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٤٧٤):
«والذي دلت عليه السنة أنَّ المدعيين إذا كانت أيديهما عليه سواء أو تساوت بينتاهما قسم بينهما نصفين» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في هذه المسألة أنَّ الرجلين إذا تنازعا في متاع كاللقطة وغيرها ولم يكن لأحدهما بينة فإنَّه يقرع لهما لحديث أبي هريرة الماضي، وأمَّا إذا أقاما البينة على دعواهما فإنَّه يقسم بينهما، فإنَّ إعمال البينة ها هنا أقوى من القرعة، وهذا هو الذي سار عليه العلامة ابن القيم ﵀.
٣٢ - وفيه تأقيت الملك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٣٧ - ٤٣٨): «فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفع موقت إلى أن يقدر على استعمال الماء فإنَّه بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء متعذرًا كما أنَّ الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك صاحبها ملكًا موقتًا إلى ظهور المالك؛ فإنَّه كان بدلًا عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها» اهـ.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
٣٣ - وظاهر قوله: «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». أنَّها تدفع لطالبها وإن لم يأت بوصفها، وهذا غير مراد قطعًا، إذ لو كان هذا المراد لما كان في أمر النبي ﷺ لحفظ علاماتها معنىً، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٢٤٣٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا».
وفي رواية مسلم (١٧٢٣): «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧):
«وأجمعوا على أنَّ صاحبها إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنَّه صاحبها» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٤):
«فصل: ولو جاء مدع للقطة، فلم يصفها، ولا أقام بينة أنَّها له، لم يجز دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه؛ لأنَّها أمانة، فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنَّه صاحبها، كالوديعة، فإن دفعها، فجاء آخر فوصفها، أو أقام بينة لزم الواصف غرامتها له؛ لأنَّه فوتها على مالكها بتفريطه، وله الرجوع على مدعيها؛ لأنَّه أخذ مال غيره، ولصاحبها تضمين آخذها، فإذا ضمنه لم يرجع على أحد.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
وإن لم يأت أحد يدعيها فللملتقط مطالبة آخذها بها؛ لأنَّه لا يأمن مجيء صاحبها، فيغرمه إياها، ولأنَّها أمانة في يده، فملك أخذها من غاصبها، كالوديعة» اهـ.
٣٤ - وظاهره أنَّ اللقطة ترد إلى مالكها إذا جاء من غير عوض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٢):
«فصل: ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا غير رد الآبق، بغير جعل، لم يستحق عوضًا.
لا نعلم في هذا خلافًا» اهـ.
٣٥ - وفيه أنَّ ضالة الإبل لا تؤخذ، ولا تعرف، وخالف في ذلك بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٨):
«واختلفوا في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ قال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا يأخذها ولا يعرفها؛ لنهيه ﵇ عن ضالة الإبل. وقال الليث: إن وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يقربها. وقال الكوفيون: أخذ ضالة الإبل وتعريفها أفضل؛ لأنَّ تركها سبب لضياعها، قالوا: وأمر عمر بتعريف البعير يدل على جواز ذلك، وإنَّما النهى عن أخذها لمن يأكلها».
إِلَى أَنَ قَالَ ﵀ (٦/ ٥٤٩): «وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهى عن أخذها» اهـ.
قُلْتُ: السنة صريحة في المنع من أخذها.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
وقد تنازع العلماء فيمن إذا أخذها ثم ردها هل يضمنها أو لا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٨):
«فصل: فإن أخذ هذا الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط، ضمنه، إمامًا كان أو غيره؛ لأنَّه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، فهو كالغاصب.
فإن رده إلى موضعه، لم يبرأ من الضمان. وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: يبرأ؛ لأنَّ عمر ﵁ قال: أرسله في الموضع الذي أصبته فيه.
وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره ولنا أن ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلَّا برده إلى صاحبه أو نائبه، كالمسروق والمغصوب.
وأمَّا حديث جرير، فإنَّه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها راعيه، إنَّما لحقت بالبقر، فطردها عنها، فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها.
فعلى هذا، متى لم يأخذها بحيث ثبتت يده عليها، لا يلزمه ضمانها، سواء طردها أو لم يطردها.
وإن أخذها فلزمه ضمانها، فدفعها إلى الإمام أو نائبه، زال عنه الضمان؛ لأنَّ له نظرا في ضوال الناس، بدليل أنَّ له أخذها، فكان نائبًا عن أصحابها فيها» اهـ.
قُلْتُ: أثر جرير لا يصح كما سبق بيان ذلك، وأثر عمر صحيح وقد سبق ذكره، والعمدة عليه في هذه المسألة. والله أعلم.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
٣٦ - ويستثنى من النهي عن أخذها ما إذا وجدها في موضع يخشى فيه من هلاكها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٣٠):
«وإن وجدها في موضع يخاف عليها به، مثل أن يجدها بأرض مسبعة، يغلب على الظن أنَّ الأسد يفترسها إن تركت به، أو فرسًا من دار الحرب، يخاف عليها من أهلها، أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين، كوادي التيم، أو في برية لا ماء بها ولا مرعى، فالأولى جواز أخذها للحفظ، ولا ضمان على آخذها؛ لأنَّ فيه إنقاذها من الهلاك، فأشبه تخليصها من غرق أو حريق فإذا حصلت في يده، سلمها إلى نائب الإمام، وبرئ من ضمانها، ولا يملكها بالتعريف؛ لأنَّ الشرع لم يرد بذلك فيها» اهـ.
٣٧ - وألحق جمع من العلماء بمعنى الحديث ما كان ممتنعًا عن السباع إمَّا بقوته، كالبقر، وإمَّا بعدوه، كالضباء، وإمَّا بطيرانه، كالطيور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٣):
«وجملة ذلك أنَّ كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته، كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته، كالظباء والصيود، أو بنابه كالكلاب والفهود» اهـ.
[ ٩ / ٣٩١ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٣٦٥):
«أمَّا البغل فإنَّه يمتنع وكذلك الحصان، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بعَدْوِهِ كالظباء فإنَّه يمتنع من السبع الصغير بسرعته، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بطيرانه كالحمام، إذًا ما امتنع من السبع الصغير لكبر جسمه أو لعَدْوه أو لطيرانه فإنَّه يحرم أخذه، هذا هو الضابط» اهـ.
قُلْتُ: وفي الحمر نزاع بين العلماء، وإلحاقها بالشاة أصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦):
«أمَّا الحمر، فجعلها أصحابنا من هذا القسم الذي لا يجوز التقاطه؛ لأنَّ لها أجسامًا عظيمة، فأشبهت البغال والخيل، ولأنَّها من الدواب، فأشبهت البغال.
والأولى إلحاقها بالشاة؛ لأنَّ النَّبي ﷺ علل الإبل بأنَّ معها حذاءها وسقاءها.
يريد شدة صبرها عن الماء؛ لكثرة ما توعي في بطونها منه، وقوتها على وروده.
وفي إباحة ضالة الغنم بأنَّها معرضة لأخذ الذئب إياها، بقوله: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
والحمر مساوية للشاة في علتها، فإنَّها لا تمتنع من الذئب، ومفارقة للإبل في علتها، فإنَّها لا صبر لها عن الماء، ولهذا يضرب المثل بقلة صبرها عنه، فيقال: ما بقي من مدته إلَّا ظمأُ حمار.
[ ٩ / ٣٩٢ ]
وإلحاق الشيء بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة، أولى من إلحاقه بما قاربه في الصورة وفارقه في العلة» اهـ.
قُلْتُ: وفي البقر نزاع بين العلماء، وإلحاقها بالإبل أصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٩):
«قال ابن المنذر: وممن رأى أنَّ ضالة البقر كضالة الإبل: طاووس، والأوزاعي، والشافعي. وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت بموضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة، وإن كانت بموضع لا يخاف عليها فهي بمنزلة البعير. قال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد وكل ما يستقل بنفسه ويذهب هو داخل في اسم الضالة، وقد شدد رسول الله في أخذ كل ما يرجى أن يصل إلى صاحبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦):
«فصل: والبقرة كالإبل. نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي، وأبي عبيد.
وحكي عن مالك أنَّ البقرة كالشاة ولنا، خبر جرير فإنَّه طرد البقرة ولم يأخذها، ولأنَّها تمتنع عن صغار السباع، وتجزئ في الأضحية والهدي عن سبعة، فأشبهت الإبل» اهـ.
قُلْتُ: ويلحق بالإبل الأشياء الكبيرة التي لا تكاد تضيع عن صاحبها، كالسيارات، واسطوانات الغاز، والمولدات الكهربائية، وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
[ ٩ / ٣٩٣ ]
«فأمَّا غير الحيوان، فما كان منه ينحفظ بنفسه، كأحجار الطواحين، والكبير من الخشب، وقدور النحاس، فهو كالإبل في تحريم أخذه، بل أولى منه؛ لأنَّ الإبل تتعرض في الجملة للتلف.
إمَّا بالأسد، وإمَّا بالجوع أو العطش، وغير ذلك، وهذه بخلاف ذلك، ولأنَّ هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكانها بخلاف الحيوان، فإذا حرم أخذ الحيوان، فهذه أولى» اهـ.
٣٨ - وفيه جواز أخذ ضالة الغنم.
وقد جاء الأمر بأخذها في حديث الباب في قوله: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ».
وفيه رد على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد في قوله بترك التقاط الشاة.
قُلْتُ: ويلحق بذلك كل ما لا يمتنع من الحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦):
«مسألة قال: "وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة". يعني أنَّه يباح أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة، في التعريف والملك بعده.
هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، وكذلك الحكم في كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي الثعلب،
[ ٩ / ٣٩٤ ]
وابن آوى، والذئب، وولد الأسد ونحوها فما لا يمتنع منها، كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والدجاج، والإوز ونحوها، يجوز التقاطه.
ويروى عن أحمد رواية أخرى، ليس لغير الإمام التقاطها.
وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها، إلا أن يحوزها لصاحبها؛ لقول رسول الله ﷺ: "لا يؤوي الضالة إلَّا ضال".
ولأنَّه حيوان أشبه الإبل.
ولنا قول النبي ﷺ لما سئل عن الشاة: "خذها، فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب".
متفق عليه؛ ولأنَّه يخشى عليه التلف والضياع، فأشبه لقطة غير الحيوان، وحديثنا أخص من حديثهم، فنخصه به، والقياس على الإبل لا يصح؛ فإنَّ النبي ﷺ علل منع التقاطها بأنَّ معها حذاءها وسقاءها، وهذا معدوم في الغنم، ثم قد فرق النبي ﷺ بينهما في خبر واحد، فلا يجوز الجمع بين ما فرق الشارع بينهما، ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك فيه» اهـ.
قُلْتُ: ويلحق بذلك أيضًا العبد الآبق من حيث الالتقاط، لا الامتلاك بعد التعريف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٦):
[ ٩ / ٣٩٥ ]
«فصل: ويجوز أخذ الآبق لمن وجده. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
ولا نعلم فيه خلافًا؛ وذلك لأنَّ العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، بخلاف الضوال التي تحفظ نفسها.
فإذا أخذه فهو أمانة في يده، إن تلف بغير تفريطه، فلا ضمان عليه، وإن وجد صاحبه، دفعه إليه إذا أقام به البينة، أو اعترف العبد أنَّه سيده.
وإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وليس لملتقطه بيعه ولا تملكه بعد تعريفه؛ لأنَّ العبد ينحفظ بنفسه، فهو كضوال الإبل.
فإن باعه، فالبيع فاسد، في قول عامة أهل العلم، منهم؛ أبو حنيفة والشافعي.
وإن باعه الإمام لمصلحة رآها في بيعه، فجاء سيده فاعترف أنَّه كان أعتقه، قبل منه؛ لأنَّه لا يجر إلى نفسه بهذا نفعًا، ولا يدفع عنها ضررًا.
ويحتمل أن لا يقبل؛ لأنَّه ملك لغيره، فلا يقبل إقراره في ملك غيره، كما لو باعه السيد ثم أقر بعتقه.
فعلى هذا ليس لسيده أخذ ثمنه؛ لأنَّه يقر أنَّه حر ولا يستحق ثمنه، ولكن يؤخذ إلى بيت المال؛ لأنَّه لا مستحق له، فهو كتركة من مات ولا وارث له.
فإن عاد السيد فأنكر العتق، وطلب المال، دفع إليه؛ لأنَّه مال لا منازع له فيه» اهـ.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
قُلْتُ: وأمَّا إذا كان الملتقط صغيرًا فهو محكوم بحريته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٣٥):
«فصل: ذكر القاضي فيما إذا التقط عبدا صغيرًا، أو جارية، أنَّ قياس المذهب أنَّه لا يملك بالتعريف.
وقال الشافعي: يملك العبد دون الجارية، لأنَّ التملك بالتعريف عنده اقتراض، والجارية عنده لا تملك بالقرض.
وهذه المسألة فيها نظر؛ فإنَّ اللقيط محكوم بحريته، فإن كان ممن يعبر عن نفسه، فأقر بأنَّه مملوك، لم يقبل إقراره؛ لأنَّ الطفل لا قول له، ولو اعتبر قوله في ذلك، لاعتبر في تعريفه سيده. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا قول جيد. والله أعلم.
٣٩ - واحتج به على أنَّه لا يجب التعريف في ضالة الغنم.
وذهب الجمهور إلى وجوبه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦ - ٤١٧):
«إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو بمهلكة.
وقال مالك، وأبو عبيد، وابن المنذر، في الشاة توجد في الصحراء: اذبحها، وكلها.
وفي المصر: ضمها حتى يجدها صاحبها؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". والذئب لا يكون في المصر.
[ ٩ / ٣٩٧ ]
ولنا أنَّ النبي ﷺ قال: "خذها". ولم يفرق، ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنَّها لقطة، فاستوى فيها المصر والصحراء، كسائر اللقطات.
وقولهم: إنَّ الذئب لا يكون إلَّا في الصحراء.
قلنا: كونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر» اهـ.
وقد سبق قول الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦):
«مسألة قال: "وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة". يعني أنَّه يباح أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة، في التعريف والملك بعده.
هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم».
إِلِى أَنْ قَالَ: «ويروى عن أحمد رواية أخرى، ليس لغير الإمام التقاطها.
وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها، إلَّا أن يحوزها لصاحبها» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح وجوب التعريف كما يدل عليه ما رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٨٩١)، وأبو داود (١٧١٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، قَالَ فِي ضَالَّةِ الشَّاءِ: «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا». أي اجمعها مع غنمك.
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق. لكن تابعه الوليد بن كثير عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٤٨) فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ. ولابن إسحاق متابعة أخرى، فقد رواه الدارقطني
[ ٩ / ٣٩٨ ]
في [سُنَنِهِ] (٤٥٧٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٤٣٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٤٧٣٠)، و[شَرْحِ مَعَانِي الآثَارِ] (٦٠٧١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟. فَقَالَ: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهذا يدل على أنَّ حق صاحب الشاة ما زال باقيًا بعد التقاطها، فإذا كان كذلك وجب تعريفها حتى يسهل معرفة مالكها لها.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (١٧٢٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».
٤٠ - وقوله في الحديث: «هِيَ لَكَ». يدل على جواز أكلها بعد أخذها، وذلك لأنَّ النبي ﷺ جعلها لآخذها في الحال ولم يعلق ذلك بالتعريف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٨):
«فصل: ويتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء؛ أكلها في الحال.
وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم، في الموضع المخوف عليها، له أكلها.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
فجعلها له في الحال، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأنَّ في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، وحراسة لماليتها على صاحبها إذا جاء.
فإنَّه يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص، وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها، والغرامة في علفها، فكان أكلها أولى» اهـ.
قُلْتُ: وبقية الثلاثة الأشياء ذكرها بعد ذلك فقال (١٢/ ٤١٩ - ٤٢٠):
«الثاني، أن يمسكها على صاحبها، وينفق عليها من ماله، ولا يتملكها.
وإن أحب أن ينفق عليها محتسبًا بالنفقة على مالكها، وأشهد على ذلك، فهل له أن يرجع بالنفقة؟ على روايتين إحداهما: يرجع به نص عليه، في رواية المروذي، في طيرة أفرخت عند قوم، فقضى أنَّ الفراخ لصاحب الطيرة، ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعًا.
وقضى عمر بن عبد العزيز في من وجد ضالة، فأنفق عليها، وجاء ربها، بأنَّه يغرم له ما أنفق؛ وذلك لأنَّه أنفق على اللقطة لحفظها، فكان من مال صاحبها، كمؤنة الرطب والعنب.
والرواية الثانية، لا يرجع بشيء. وهو قول الشعبي، والشافعي.
ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز؛ لأنَّه أنفق على مال غيره بغير إذنه، فلم يرجع.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
كما لو بني داره، ويفارق العنب والرطب، فإنَّه ربما كان تجفيفه والإنفاق عليه في ذلك أحظ لصاحبه؛ لأنَّ النفقة لا تتكرر، والحيوان يتكرر الإنفاق عليه، فربما استغرق قيمته، فكان بيعه أو أكله أحظ، فلذلك لم يحتسب المنفق عليها بما أنفق.
الثالث: أن يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها، وله أن يتولى ذلك بنفسه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام.
ولنا أنَّه إذا جاز له أكلها بغير إذن، فبيعها أولى.
ولم يذكر أصحابنا لها تعريفًا في هذه المواضع وهذا قول مالك؛ لحديث زيد بن خالد؛ فإنَّه ﷺ قال: "خذها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
ولم يأمر بتعريفها، كما أمر في لقطة الذهب والورق.
ولنا أنَّها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها، كالمطعوم الكثير، وإنَّما ترك ذكر تعريفها لأنَّه ذكرها بعد بيانه التعريف فيما سواها، فاستغني بذلك عن ذكره فيها، ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط التعريف، كالمطعوم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا أراد حفظها حتى يأتي صاحبها فإنَّه لا يرجع عليه بالنفقة، وله أن ينتفع بلبنها وصوفها، وظهرها مقابل نفقته عليها، ويشبه ذلك ما رواه البخاري (٢٥١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
[ ٩ / ٤٠١ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٤):
«قال مالك: ولا أرى بأسًا أن يصيب من نسلها ولبنها بنحو قيامه عليها» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على القول بجواز أكلها ما سبق في قول النبي ﷺ: «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا». أي اجمعها مع غنمك. فإنَّه يدل على عدم التصرف بها ببيع، ولا أكل، ولا غير ذلك.
ويمكن حمل الحديث على ما إذا لم يكن هناك ضرر في إبقائها، فإمَّا إذا وجد الضرر في إبقائها من حيث كلفة النفقة عليها فله حينئذٍ أكلها، أو بيعها والاحتفاظ بثمنها، أو يقال الأمر بجمعها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ». وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وقد مضى القول فيه.
فقوله: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ» يدل على جواز أكلها، وقوله بعد ذلك: «احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ». محمول على حبس قيمتها بعد أكلها. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٦٥٩ - ٦٦٢):
«واستدل بهذا بعض أصحابنا على أنَّ الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه يخير الملتقط بين أكله في الحال، وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركه والإنفاق عليه من ماله، وهل يرجع به؟ على وجهين، لأنَّه ﷺ جعلها له، إلَّا
[ ٩ / ٤٠٢ ]
أن يظهر صاحبها، وإذا كانت له، خير بين هذه الثلاثة، فإذا ظهر صاحبها، دفعها إليه أو قيمتها، وأمَّا متقدمو أصحاب أحمد، فعلى خلاف هذا، قال أبو الحسين: لا يتصرف فيها قبل الحول رواية واحدة، قال: وإن قلنا: يأخذ ما لا يستقل بنفسه كالغنم، فإنَّه لا يتصرف بأكل ولا غيره رواية واحدة، وكذلك قال ابن عقيل، ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة: يعرفها سنة، فإن جاء صاحبها ردها إليه، وكذلك قال الشريفان: لا يملك الشاة قبل الحول رواية واحدة. وقال أبو بكر: وضالة الغنم إذا أخذها يعرفها سنة، وهو الواجب، فإذا مضت السنة ولم يعرف صاحبها، كانت له، والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك، إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزمًا لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجع، استلزم تغريم الملتقط ذلك، وإن قيل: يدعها ولا يلتقطها، كانت للذئب وتلفت، والشارع لا يأمر بضياع المال.
فإن قيل: فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه، وللدليل أيضًا.
أمَّا مخالفة نصوص أحمد، فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب، ونص أيضًا في روايته في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة، قال: يأكل من الميتة، ولا يأكل من المذبوحة، الميتة أحلت، والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها، يريد أن يعرفها، ويطلب صاحبها، فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها، فإبقاء الشاة الحية بطريق
[ ٩ / ٤٠٣ ]
الأولى، وأمَّا مخالفة كلام الأصحاب فقد تقدم، وأمَّا مخالفة الدليل، ففي حديث عبد الله بن عمرو: يا رسول الله؛ كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، احبس على أخيك ضالته". وفى لفظ: "رد على أخيك ضالته"، وهذا يمنع البيع والذبح.
قيل: ليس في نص أحمد أكثر من التعريف، ومن يقول: إنَّه مخير بين أكلها وبيعها وحفظها، لا يقول بسقوط التعريف، بل يعرفها مع ذلك، وقد عرف شيتها وعلامتها، فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرفها أعم من تعريفها وهي باقية، أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا سيما إذا التقطها في السفر، فإنَّ في إيجاب تعريفها سنة من الحرج والمشقة ما لا يرضى به الشارع، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمره بأخذها، وإخباره أنَّه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعين ولا بد: إمَّا بيعها وحفظ ثمنها، وإمَّا أكلها وضمان قيمتها أو مثلها.
وأمَّا مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب، ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو أبو محمد المقدسي قدس الله روحه، ولقد أحسن في اختياره التخيير كل الإحسان.
وأمَّا مخالفة الدليل، فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجاب تعريفها والإنفاق عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق، أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلًا أن يقوم عليه دليل، وقوله
[ ٩ / ٤٠٤ ]
ﷺ: "احبس على أخيك ضالته" صريح في أنَّ المراد به أن لا يستأثر بها دونه، ويزيل حقه، فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيرًا له من تعريفها سنة، والإنفاق عليها، وتغريم صاحبها أضعاف قيمتها، كان حبسها وردها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديث يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا ظاهر. وبالله التوفيق» اهـ.
٤١ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢):
«وتمسك به مالك في أنَّه يملكها بالأخذ ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط، وأجيب بأنَّ اللام ليست للتمليك لأنَّ الذئب لا يملك، وإنَّما يملكها الملتقط على شرط ضمانها، وقد أجمعوا على أنَّه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها فدل على أنَّها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، وبين قوله في اللقطة: "شأنك بها"، أو: "خذها". بل هو أشبه بالتملك لأنَّه لم يشرك معه ذئبًا، ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النفقة: يغرمها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٦ - ١٢٧):
«ومن حجة مالك قوله ﷺ: "هي لك أو لأخيك" لأنَّه يحتمل أن يريد بذكر الأخ صاحبها ويحتمل أن يريد لك أو لغيرك من الناس الواجدين لها
[ ٩ / ٤٠٥ ]
وأي الوجهين كان فالظاهر من قوله: "أو للذئب". يوجب تلفها، أي: إن لم تأخذها أنت ولا مثلك أكلها الذئب، وأنت ومثلك أولى من الذئب، فكان النبي ﷺ جعلها طعمة لمن وجدها فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجه للضمان في طعمة أطعمها رسول الله ﷺ. وقد شبهها بعض المتأخرين من أصحابه بالركاز وهذا بعيد لأنَّ الركاز لم يصح عليه ملك لأحد قبل.
ويجوز أن يحتج أيضًا لمالك في ترك تضمين آكلها بإجماعهم على إباحة أكلها واختلافهم في ضمانها والاختلاف لا يوجب فرضًا لم يكن واجبًا وهذا الاحتجاج مخالف لأصول مالك ومذهبه، وقد قال ﷺ: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". ولم يقل ذلك في الإبل ولا في اللقطة وذلك فرق بين إن شاء الله.
هذا مما يمكن أن يحتج به لمالك في ذلك، وفي المسألة نظر والصحيح ما قدمت لك وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: والذي قدمه هو قوله (٣/ ١٢٦):
«في قوله ﷺ: "رد على أخيك ضالته" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها، وذلك يوجب الضمان على آكلها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٨ - ٤١٩):
[ ٩ / ٤٠٦ ]
«ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، فمتى جاء صاحبها غرمها له، في قول عامة أهل العلم، إلَّا مالكًا، فإنَّه قال: كلها، ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف؛ لقول النبي ﷺ: "هي لك".
ولم يوجب فيها تعريفًا ولا غرمًا، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يعرف ولا يغرم.
قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكًا أحد من العلماء على قوله.
وقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "رد على أخيك ضالته" دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها، ولأنَّها لقطة لها قيمة، وتتبعها النفس، فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها، ولأنَّها ملك لصاحبها، فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه، كما لو كانت بين البنيان، ولأنَّها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب غرمها إذا أتلفها، كلقطة الذهب.
وقول النبي ﷺ: "هي لك". لا يمنع وجوب غرامتها، فإنَّه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها، في أكلها وإنفاقها، وقال: "هي كسائر مالك".
ثم أجمعنا على وجوب غرامتها، كذلك الشاة، ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر. وقال مالك، وأبو عبيد، وأصحاب الشافعي، وابن المنذر: ليس له أكلها في المصر؛ لأنَّه يمكن بيعها، بخلاف الصحراء.
[ ٩ / ٤٠٧ ]
ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء، أبيح في المصر، كسائر المأكولات، ولأنَّ النبي ﷺ قال: "هي لك".
ولم يفرق، ولأنَّ أكلها معلل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء» اهـ.
قُلْتُ: القول بلزوم الغرامة إن جاء صاحبها، هو الأقوى، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سبق ذكره في الفقرة الماضية. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥١) - بعد ذكره لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -:
«فهذا دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها. وأجمع العلماء أنَّ صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنَّها على ملك صاحبها في الفلوات وغيرها، ولا يزول ملكه عنها إلَّا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" وبين قوله في اللقطة: "فشأنك بها" بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنَّه لم يشرك معه في لفظ التمليك ذئبًا ولا غيره» اهـ.
٤٢ - وظاهر الحديث أنَّه لا يجب الإشهاد على اللقطة لعدم الأمر بذلك.
قُلْتُ: وقد جاء الأمر بذلك في حديث آخر، وهو ما رواه أحمد (١٧٥١٦، ١٨٣٦٩)، وأبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجة (٢٥٠٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفِ بْنِ
[ ٩ / ٤٠٨ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَلَا يَكْتُمْ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا، فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وخالد هو ابن مهران الحذاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٩٠):
«قوله: "فليشهد". أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين:
أحدهما: ما يتخوفه في العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة، والآخر ما لا يؤمن من حدوث المنية به فيدعيها ورثته ويحوزونها في جملة تركته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٩٧):
«وقوله: "فليشهد ذوي عدلٍ"؛ أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنَّه وجد كذا على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة شيءٍ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٨):
«فصل: ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها.
قال أحمد، ﵀: لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها.
[ ٩ / ٤٠٩ ]
فظاهر هذا أنَّه مستحب غير واجب، وأنَّه إن لم يشهد عليها لا ضمان عليه. وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لقول رسول الله ﷺ: "من وجد لقطة، فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل".
وهذا أمر يقتضي الوجوب، ولأنَّه إذا لم يشهد كان الظاهر أنَّه أخذها لنفسه.
ولنا خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، فإنَّه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجبًا لبينه النبي ﷺ سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب، ولأنَّه أخذ أمانة، فلم يفتقر إلى الإشهاد، كالوديعة. والمعنى الذي ذكروه غير صحيح، فإنَّه إذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه، وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها، وكتمها وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس.
وإذا أشهد عليها، لم يذكر للشهود صفاتها، لئلا ينتشر ذلك فيدعيها من لا يستحقها، ويذكر صفاتها، كما قلنا في التعريف، ولكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع.
قال أحمد، في رواية صالح، وقد سأله: إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال: لا، ولكن يقول: قد أصبت لقطة» اهـ.
٤٣ - وفي الحديث إبطال لمن يدعي معرفة علم الغيب.
[ ٩ / ٤١٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٣):
«وقال بعض أهل العلم في قول رسول الله ﷺ للسائل عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وعرفها" يعني بعلاماتها دليل بين على إبطال قول كل من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة وأهل التنجيم وغيرهم؛ لأنَّه لو علم ﷺ أنَّه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن لقوله ﷺ في معرفة علاماتها وجه والله أعلم» اهـ.
فائدة: إذا وجد اللقطة في طريق بين مدينتين عرفها فيهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي [الذَّخِيرَةِ] (٩/ ١١٠):
«وَإِنْ وَجَدَهَا فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مدينتين عرفهَا فيهمَا لعدم تعين أَحدهمَا» اهـ.
وذكر ذلك غيره من علماء المالكية.
[ ٩ / ٤١١ ]