٣٥٨ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».
النذر: بفتح النون وإسكان الذال المعجمة، وهو في اللغة: الإيجاب.
وفي الشرع: هو ما يوجبه المكلف المختار على نفسه لله تعالى.
وسبق هذا الحديث في كتاب الاعتكاف وذكرنا هنالك ما في هذا الحديث من المسائل، وملخص ذلك كالآتي:
١ - انعقاد نذر الكافر حال كفره، ومثل ذلك أيضًا اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٨٦): «وتنعقد اليمين من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في الكفر أو الإسلام لأنَّ عمر ﵁ قال: يا رسول الله إنِّي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ: "أوف بنذرك" ولأنَّه من أهل القسم يصح استحلافه عند الحاكم فانعقدت يمينه كالمسلم» اهـ.
[ ١٣ / ٢٥٤ ]
٢ - جواز الاعتكاف في غير رمضان.
٣ - جواز الاعتكاف بغير صوم.
٤ - أنَّ المسجد الحرام يتعين بالنذر.
وقد كان المسجد الحرام في عهد النبي ﷺ عبارة عن فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ثم في خلافة عمر اتخذ للمسجد الحرام جدارًا دون القامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ٨١ - ٨٢): «قُلْتُ: أول من وسع المسجد الحرام بعد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ اشترى دورًا وزادها فيه واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام ثم وسعه عثمان بن عفان ﵁ كذلك واتخذ له الأروقة وكان أول من اتخذها، ثم وسعه عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا. والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (٩/ ٢١٨):
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
«وقال الليث: الرواق: بيت كالفساط يحمل على سطاع واحد في وسطه، والجميع الأروقة» اهـ.
٥ - وجوب الإيفاء بالنذر.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك الكافر إذا نذر حال كفره فإنَّه يجب الوفاء بما نذر حال إسلامه كما هو ظاهر الحديث، وهو مذهب أبي ثور، وأحمد في رواية، وسائر الأئمة الثلاثة يذهبون إلى استحباب ذلك، ومنهم من ينقل عن الشافعي أيضًا القول بالوجوب.
٦ - واحتج به لمذهب الإمام مالك في بعض الروايات من أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة.
٧ - وفيه رد على ما ذهب إليه الإمام مالك في رواية من أنَّ أقل الاعتكاف عشرة أيام.
٨ - وفي الحديث حجة لمن قال: إنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. وأزيد على ما ذكرته هنالك:
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
٩ - أنَّ فيه الرد على أبي حنيفة في قوله: إنَّه لا يلزمه الوفاء بما لا أصل له يجب في الشرع، وذلك لأنَّ النذر فرع على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع.
قُلْتُ: وجه الحجة عليه أنَّ النبي ﷺ أمر عمر بالوفاء بالاعتكاف مع أنَّه ليس له أصل يجب في الشرع.
١٠ - وفيه أنَّ أهل الجاهلية كانوا يصرفون بعض الأعمال لله ﷿.
١١ - وفيه أنَّ الاعتكاف في المسجد الحرام من العبادات التي كانت تفعل قبل الإسلام.
١٢ - أمر النبي ﷺ عمر بالإيفاء بنذره مع عدم استفصاله عن نذره هل كان من قبيل نذر المجازاة، أو التبرر المطلق دليل على استواء الحالين، فإنَّ ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٧٨): «النوع الثاني، التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله علي صوم شهر. فيلزمه الوفاء به في قول أكثر أهل العلم، وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي.
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
وقال بعض أصحابه لا يلزم الوفاء به؛ لأنَّ أبا عمر غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعد بشرط.
ولأنَّ ما التزمه الآدمي بعوض، يلزمه بالعقد، كالمبيع والمستأجر، وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد كالهبة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما عليه أكثر العلماء لهذا الحديث، ولعموم قول النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». رواه البخاري (٦٦٩٦)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
* * *
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
٣٥٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن النذر.
وفي الباب ما رواه مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وهذا النهي محمول عند أكثر العلماء على الكراهة، والقرينة الصارفة له عن التحريم إلى الكراهة الأمر بإيفائه، إذ لو كان محرمًا لكان فاسدًا، والفاسد لا يوفى به.
وهل من الصوارف لذلك ثناء الله تعالى على الموفين بالنذر فيه نظر، وذلك أنَّ الذي يظهر أنَّ النهي وارد في نذر المجازاة، والثناء وارد على نذر التبرر كما سيأتي بيان ذلك.
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٧٦): «وهذا نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأنَّه لو كان حرامًا لما مدح الموفين به؛ لأنَّ ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه؛ ولأنَّ النذر لو كان مستحبًا، لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه» اهـ.
وقد ذكر العلماء أسبابًا للنهي عن النذر:
الأول: أنَّه يصير بالنذر ملزمًا بالطاعة فيأتي بالنذر تكلفًا بغير نشاط.
الثاني: أنَّه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى.
قُلْتُ: وهذا خاص بنذر المجازاة، ويخرج منه نذر التبرر.
الثالث: أنَّ النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أنَّ النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدر فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٠): «وسياق الحديث يؤيد هذا. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: سياق الحديث يدل على هذا المعنى، وعلى المعنى الآخر، وهو أنَّ هذا من شأن البخلاء الذي لا يعطي إلَّا بمقابل.
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٤٢٠ - ٤٢١): «وإنَّما نهى عنه ﷺ لأنَّه لا فائدة فيه إلَّا التزام ما التزمه وقد لا يرضى به فيبقى آثمًا. وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيرًا له والناس يقصدون بالنذر تحصيل مطالبهم فبين النبي ﷺ أنَّ النذر لا يأتي بخير فليس النذر سببًا في حصول مطلوبهم وذلك أنَّ الناذر إذا قال: لله علي إن حفظني الله القرآن أن أصوم مثلًا ثلاثة أيام، أو إن عافاني الله من هذا المرض، أو إن دفع الله هذا العدو، أو إن قضى عني هذا الدين فعلت كذا فقد جعل العبادة التي التزمها عوضًا من ذلك المطلوب. والله سبحانه لا يقضي تلك الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة بل ينعم على عبده بذلك المطلوب ليبتليه أيشكر أم يكفر؟ وشكره يكون بفعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه. وأمَّا تلك العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا ينعم الله تلك النعمة ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التي كانت مستحبة فصارت واجبة؛ لأنَّه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء بل هو يرضى من العبد بأن يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، لكن هذا الناذر يكون قد ضيع كثيرًا من حقوق الله ثم بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة وتلك النعمة أجل من أن ينعم الله بها لمجرد ذلك المبذول المحتقر. وإن كان
[ ١٣ / ٢٦١ ]
المبذول كثيرًا والعبد مطيع لله: فهو أكرم على الله من أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير؛ فليس النذر سببًا لحصول مطلوبه كالدعاء فإنَّ الدعاء من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من العبادات جعلها الله تعالى أسبابًا لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد ابتداء، وأمَّا ما يفعله على وجه النذر فإنَّه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه مضرة لكنه كان بخيلًا فلما نذر لزمه ذلك فالله تعالى يستخرج بالنذر من البخيل فيعطي على النذر ما لم يكن يعطيه بدونه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأول الحديث يدل على النهي عن جميع أنواع النذر فيدخل فيه نذر المجازاة والتبرر، وذهب بعض العلماء إلى عدم النهي عن نذر التبرر، وحمل الحديث على نذر المجازاة، ويدل على ذلك قوله في الحديث: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» أي: لا يأتي بخير لم يكن مقدورًا له، وهذا المعنى لا وجود له في نذر التبرر، وإنَّما يرد في نذر المجازاة، فإنَّ من قال مثلًا: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا، فإنَّ هذا النذر يشعر بأنَّ عاقده يظن أنَّ النذر يأتي بهذا الخير الذي هو المعافاة من المرض.
ويدل على ذلك أيضًا قوله في آخر الحديث: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». وهذا إنَّما يكون في نذر المجازاة، فإنَّه في المثال السابق لم يأت بالطاعة إلَّا طالبًا للعوض، وهذا شأن البخلاء الذين لا يعطون الشيء إلَّا عن عوض، وأمَّا نذر التبرر فليس
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
فيه هذا المعنى، فإنَّه ينذر لله طاعة من غير أن يشترط العوض في نذره، وهذا من شأن الكرماء لا البخلاء.
وهذا هو الذي يظهر لي صحته في حمل النهي عن النذر. والله أعلم.
وحمل النهي الوارد في الحديث على نذر المجازاة هو الذي اختاره الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥٥ - ٥٦):
«وقوله ﷺ: "لا تنذروا! فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا". هذا النذر محله أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعلي عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا. ووجه هذا النهي هو: أنَّه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر: أنَّه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة. ألا ترى: أنَّه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟! وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئًا إلَّا بعوض عاجل يربي على ما أخرج. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ: "وإنَّما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه"، ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن: أنَّ النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو: أنَّ الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر. وإليهما الإشارة بقوله ﷺ:
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
"فإنَّ النذر لا يرد من قدر الله شيئًا". وهاتان جهالتان. فالأولى تقارب الكفر. والثانية خطأ صراح. وإذا تقرر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؛ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة.
قُلْتُ: والذي يظهر لي: حمله على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد. فيكون إقدامه على ذلك محرمًا. والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٧٩): «وهو تفصيل حسن» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٩١): «فيه إشارة إلى ذم النذر وأنَّه لا منفعة له، وأنَّه لا يصدر إلَّا من بخيل لا يعطي الشيء تبرعًا، وإنَّما يعطي شيئًا في مقابلة شيء، وفي صحيح مسلم وغيره من طريق العلاء بن عبد الرحمن التصريح بالنهي عنه لكن سياقه يقتضي أنَّ ذلك إنَّما هو في نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية فإنَّه هو الذي فيه الأوصاف المقتضية للذم المذكورة في الحديث أمَّا النذر الملتزم ابتداء
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
من غير تعليق على شيء كقوله: لله علي أن أصلي أو أعتق فليس فيه هذا المعنى ولا يقتضي الحديث ذمه ولا النهي عنه» اهـ.
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ الحديث محمول على نذر المجازاة، فما هو حكم نذر التبرر الذي يريد صاحبه مجرد البر لله تعالى، ولم يعلقه بشيء؟.
فالجواب: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٩٩): «فأمَّا إن كان نذرًا مطلقًا لله وإرادة الثواب، وشكرًا لما أولاه الله وقضاه من حاجته - فلا يكره» اهـ.
قُلْتُ: ومع هذا فالأولى تركه لأمرين:
الأول: أنَّه لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من هدي الخلفاء الراشدين، ولا هدي كبار الصحابة.
الآخر: أنَّ الإنسان قد ينذر بطاعة معينة ثم يشق عليه فعلها فيقع في الإثم إن تركها، وقد كان قبل ذلك في عافية.
قُلْتُ: وقد أشكل النهي عن النذر مع قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، إذ فيها الثناء على الذين ينذرون، ولا يثنى على من فعل ما نهي عنه.
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
فأجاب بعض العلماء: بأنَّ النهي محمول على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعًا بين الأدلة.
ذكره الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٩٤).
وحمل بعض العلماء الآية على معنى الإيفاء بالنذر كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٥/ ٢٠٨): «والمعنى أوفيتم نذرًا نذرتموه» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن تحمل الآية على نذر التبرر وهو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٢ - وفيه أنَّ النذر لا يأتي بخير، وقد تنازع العلماء في معنى ذلك على أقوال:
القول الأول: أنَّه لا يكون سببًا لخير لم يُقَدَّر، وهذا هو الصحيح في معنى الحديث ويدل عليه ما رواه مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٣١٤):
«فمن ظن أنَّ حاجته إنَّما قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله» اهـ.
القول الثاني: أنَّ عقباه لا تحمد، وذلك لأنَّه قد يتعذر الوفاء به فيقع المرء في الإثم، وهذا هو الواقع من كثير من المنذرين.
القول الثالث: أنَّ الباء في قوله: «بِخَيْرٍ». للسببية كأنَّه يقول: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتب عليه خير وهو فعل الطاعة التي نذرها، ولكن سبب ذلك الخير حصول غرضه.
قُلْتُ: وهنا إشكال وهو أنَّ كثيرًا من الناس إذا ما نذروا قضيت حاجاتهم، والجواب على ذلك: أنَّ قضاء الحاجة لم تكن بسبب النذر بل بما قام به العبد من المبالغة في الدعاء وشدة الرجاء، وقد يكون ذلك من باب الابتلاء والامتحان من الله تعالى، وقد يكون رحمة من الله له، وقد يكون ذلك من موافقة القدر، وغير ذلك من الأسباب، على أنَّ قضاء الحاجة قد تحصل أيضًا لبعض من ينذر لغير الله تعالى لا من أجل النذر الشركي ولكن للسبب من الأسباب الماضية، وقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ١٧٦ - ١٧٧):
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
«فإذا ثبت بهذا الحديث الصحيح: أنَّ النذر ليس سببًا في دفع ما علق به من جلب منفعة أو دفع مضرة مع أنَّ النذر جزاء تلك الحاجة ويعلق بها ومع كثرة من تقضى حوائجهم التي علقوا بها النذور؛ كانت القبور أبعد عن أن تكون سببًا في ذلك. ثم تلك الحاجة: إمَّا أن تكون قد قضيت بغير دعائه وإمَّا أن تكون قضيت بدعائه. فإن كان: الأول فلا كلام، وإن كان الثاني: فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهادًا لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته؛ فالسبب هو اجتهاده في الدعاء؛ لا خصوص القبر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ١٦٧ - ١٦٨): «وأمَّا إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرًا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنَّا نعلم أنَّ الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾» اهـ.
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ٢٣١): «فقد أخبر النبي ﷺ: أنَّ النذر لا يأتي بخير، وأنَّه ليس من الأسباب الجالبة للخير، أو الدافعة لشر أصلًا، وإنَّما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى مسلم (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ».
٣ - وإذا كان النذر لله ﷿ لا يأتي بخير فمن باب أولى النذر للمخلوق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١/ ٨١): «فإذا كان النذر لا يأتي بخير فكيف بالنذر للمخلوق» اهـ.
٤ - واحتج به على أنَّ النذر مختص بالمعلق بشرط فإنَّه الذي لا يأتي بخير، ولا يرد القدر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٥٣): «وفي قوله: "إنَّه لا يرد شيئًا". دليل على أنَّ النذر إنَّما يصح إذا كان معلقًا بشيء كما تقول: إن شفا الله
[ ١٣ / ٢٦٩ ]
مريضي فللَّه عليَّ أن أتصدق بألف درهم أو أن يقدم غائبي أو يسلم مالي أو نحو ذلك من الأمور.
فأمَّا إذا قال: للَّه علي أن أتصدق بألف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو غالب مذهبه.
وحكى أبو عمر، عَنْ أبي العباس أحمد بن يحيى قال النذر وعد بشرط.
وقال أبو حنيفة: النذر لازم وإن لم يعلق بشرط» اهـ.
قُلْتُ: الأدلة جاءت بالأمر بالإيفاء بنذر الطاعة على وجه العموم، فيدخل في ذلك المعلق وغيره.
٥ - وفيه أنَّ النذر يستخرج به من البخيل، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين:
القول الأول: أنَّ الناذر لا يعطي الطاعة تطوعًا محضًا مبتدئًا، وإنَّما يأتي بها في مقابلة العوض، وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئًا إلَّا بعوض عاجل يربي على ما أخرج.
قُلْتُ: وهذا المعنى يختص بنذر المجازاة.
[ ١٣ / ٢٧٠ ]
القول الآخر: ما قاله الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٣): «وقد يقال: إنَّ البخيل لا يأتي بالطاعة إلَّا إذا اتصفت بالوجوب فيكون النذر هو الذي أوجب له فعل الطاعة لتعلق الوجوب به ولو لم يتعلق به الوجوب لتركه البخيل فيكون النذر المطلق أيضًا مما يستخرج به من البخيل» اهـ.
قُلْتُ: القول الأول: أظهر، ولهذا قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٣):
«وقوله ﵇: "إنَّما يستخرج به من البخيل" الأظهر في معناه أنَّ البخيل لا يعطي طاعة إلَّا في عوض ومقابل يحصل له فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ٢٧١ ]
٣٦٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ».
قُلْتُ: قَوْلُهُ: «حَافِيَةً». من أفراد مسلم (١٦٤٤).
وَقَوْلُهُ: «إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ». زيادة "الحرام" لا أصل لها في الصحيحين ولا في أحدهما ولا في غير ذلك من كتب الحديث فيما اطلعت عليه. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فله أن يمشي وأن يركب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٣): «وأمَّا حديث أخت عقبة فمعناه تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي أو لحقتها مشقة ظاهرة فتركب» اهـ.
وفي الباب ما رواه البخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟»، قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
[ ١٣ / ٢٧٢ ]
٢ - وليس في الحديث ذكر الكفارة، لكن جاء ذلك في بعض روايات الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٣٠٩ - ٣١٠): «وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي. وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنَّه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعي.
وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية.
وقيل: بل عليه دم، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية.
وقيل: يتصدق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحج من قابل، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هدي، وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرًا» اهـ.
[ ١٣ / ٢٧٣ ]
قُلْتُ: جاء الأمر بالصوم فيما رواه أحمد (١٧٣٤٤، ١٧٣٨٦، ١٧٤١٣)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٣٨١٥)، وابن ماجة (٢١٣٤) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عبيد الله بن زحر، وأبو سعيد الرعيني هو جعثل لم يوثقه معتبر، وقد سقط في رواية النسائي.
وقد تابع ابنَ زحر بكرُ بن سوادة، وحديثه رواه أحمد (١٧٣٦٨) حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ جُعْثُلٍ الْقِتْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ فِي ابْنٍ لَهَا، لَتَحُجَّنَّ حَافِيَةً بِغَيْرِ خِمَارٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَحُجُّ رَاكِبَةً مُخْتَمِرَةً، وَلْتَصُمْ».
قُلْتُ: ابن لهيعة سيء الحفظ، وجعثل لم يوثقه معتبر، ويشهد له ما سيأتي، وأبو تميم هو عبد الله بن مالك.
[ ١٣ / ٢٧٤ ]
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٤٨) حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ حَافِيَةً غَيْرَ مُتَخَمِّرَةٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وحيي بن عبد الله المعافري مختلف فيه ولعلَّ حديثه لا ينزل عن الحسن. والله أعلم.
ويونس هو: ابن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي.
وروى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٥٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً نَاشِرَةً شَعْرَهَا، فَسَأَلَ عُقْبَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «لِتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: عبيد بن رجال لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني.
[ ١٣ / ٢٧٥ ]
قُلْتُ: وهو عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٨٧٣) من غير ذكر الصيام، وقد رواه جماعة عن عبد الرزاق من غير ذكر هذه اللفظة، ومنهم أحمد بن حنبل في [الْمُسْنَدِ] (١٧٤٢٤)، ومخلد بن خالد بن يزيد الشعيري، وحديثه عند أبي داود (٣٢٩٩).
ورواه البخاري (١٨٦٦) من طريق هشام بن يوسف الصنعاني عن ابن جريج به، وليس فيه ذكر الصيام.
ورواه مسلم (١٦٤٤) من طريق عبد الله بن عياش عن يزيد بن أبي حبيب به، وليس فيه ذكر الصيام.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة من هذا الوجه.
وروى الحديث الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٨٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٣٠٠) من طريق يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً حَاسِرَةً، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُ هَذِهِ؟» قَالُوا: إنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً حَاسِرَةً، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَحُجَّ».
[ ١٣ / ٢٧٦ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وليس فيه ذكر للكفارة.
وروى أحمد (٢٨٢٩)، وأبو داود (٣٢٩٥) من طريق شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ يَعْنِي أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لسوء حفظ شريك النخعي، ويشهد له ما سبق.
وجاء ذكر الهدي فيما رواه أبو داود (٣٢٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ، إِلَى الْبَيْتِ «فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ: أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا».
ورواه أحمد (٢١٣٤، ٢١٣٩، ٢٢٧٨، ٢٨٣٥) من طريق همام به لكنه قال في حديثه: «وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ، وأبو الوليد هو الطيالسي هشام بن عبد الملك. لكن رواه أبو داود (٣٢٩٧) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
[ ١٣ / ٢٧٧ ]
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِهَا مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ».
قُلْتُ: فلم يذكر هشام وهو الدستوائي في حديثه الهدي، وحديثه أصح. والله أعلم.
وجاء الحديث مرسلًا فيما رواه أبو داود (٣٢٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَى هِشَامٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَدْيَ وَقَالَ: فِيهِ «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِمَعْنَى هِشَامٍ اهـ.
ورواه أبو داود (٣٣٠٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: مطر هو الوراق ضعيف الحديث.
[ ١٣ / ٢٧٨ ]
ورواه أحمد (١٧٨٢٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ، إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا لِتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ؛ لكن ذكر مطرف خطأ في النسخة، والصواب مطر بحذف الفاء كما جاء ذلك عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٥٢)، ومطر ضعيف كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٩٩٠٩) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ فَارِسٍ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: «لَا يَصِحُّ فِيهِ الْهَدْيُ» يَعْنِي: فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ اهـ.
وروى أحمد (١٩٨٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: مَا قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ
[ ١٣ / ٢٧٩ ]
الْمُثْلَةِ. قَالَ: وَقَالَ: «أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْزِمَ أَنْفَهُ، أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَلْيَرْكَبْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ الحسن لم يسمع من عمران.
وخلاصة القول: أنَّ الثابت في الحديث ذكر الصيام دون الهدي، ويؤيده ما رواه مسلم (١٦٤٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
وظاهر ما سبق تعين الصيام في الكفارة دون الإطعام أو الكسوة أو العتق، وفي تعيين ذلك شيء من الخفاء. ويمكن أن يكون علم النبي ﷺ من حالها أنَّها لا تقدر على غير الصيام فأمرها به دون غيره، وإلَّا فإنَّ في حديث عقبة الماضي أنَّ كفارة النذر كفارة يمين.
٣ - ليس في حديث الباب أمرها بالحج أو العمرة، لكن جمهور العلماء يلزمونها بذلك بناءً على النذر بالذهاب إلى بيت الله تعالى محمول شرعًا على الحج أو العمرة، وقد جاء في بعض الروايات السابقة خارج الصحيح أنَّها نذرت أن تحج ماشية. والله أعلم.
[ ١٣ / ٢٨٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٣٩٧): «ولا يجزئه المشي إلَّا في حج أو عمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافًا؛ وذلك لأنَّ المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر، حمل على المعهود الشرعي» اهـ.
٤ - وفيه مشروعية أن يستنيب الشخص غيره في الاستفتاء.
٥ - وفيه قبول خبر الواحد.
٦ - واحتج به على أنَّ من نذر نذرًا لا يطيقه فلا يلزمه الوفاء بما لم يطق منه، وإنَّما يفعل منه ما أطاق.
قُلْتُ: وعليه كفارة يمين، وقد روى أبو داود (٣٣٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ».
قُلْتُ: وقد سبق هذا الحديث في شرح حديث ثابت بن الضحاك، وسبق هناك بيان أنَّ الصحيح وقفه على ابن عباس ﵄، ويدل على ذلك أيضًا ما سبق من أمر النبي ﷺ أخت عقبة بالكفارة.
[ ١٣ / ٢٨١ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨): «وأمَّا إذا عجز عن فعل المنذور أو كان عليه فيه مشقة فهنا يكفر ويأتي ببدل عن المنذور كما في حديث عقبة بن عامر أنَّ أخته لما نذرت أن تحج ماشية قال النبي ﷺ: "إنَّ الله لغني عن تعذيب أختك نفسها مرها فلتركب ولتهد - وروي ولتصم" فهذا الرجل الذي عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر وقد أضر ذلك بعقله وبدنه عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ويكفر كفارة يمين ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه على حسب ما يحتمله حاله إمَّا أن يفطر ثلثي الدهر أو ثلاثة أرباعه أو جميعه فإذا أصلح حاله فإن أمكنه العود إلى صوم يوم وفطر يوم بلا مضرة وإلَّا صام ما ينفعه من الصوم ولا يشغله عمَّا هو أحب إلى الله منه. فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه فكيف يوجب ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠) فقال: «فصل: وإذا عجز عن الوفاء بالنذر، لم يخل من خمسة أحوال:
أحدها: أن يعجز عجزًا لا يرجى زواله، لكبر، أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره، فعليه كفارة يمين لا غير، لما روى عقبة بن عامر قال: "نذرت أختي أن
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب" متفق عليه؛ ولأنَّ النذر كاليمين إلَّا فيما لا يطيق. قال ابن عباس ﵄: من نذر نذرًا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا يطيقه، فليف لله بما نذر. وسواء كان عاجزًا وقت النذر، أو تجدد العجز؛ لأنَّهما سواء في فوات النذر.
وعن أحمد فيمن نذر صومًا، فعجز عنه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه: أنَّه يطعم عن كل يوم مسكينًا. اختاره الخرقي؛ لأنَّه صوم وجد سبب إيجابه عينًا، فأشبه صوم رمضان، والأول أقيس.
الثاني: أن يعجز عجزًا مرجو الزوال نحو المرض. فإذا كان النذر غير موقت، أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان موقتًا، كصوم شهر معين. فإذا زال العجز قضاه؛ لأنَّه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان، وعليه كفارة اليمين؛ لأنَّ النذر كاليمين. وعنه: لا كفارة عليه؛ لأنَّ المنذور محمول على المشروع، ولو أفطر في رمضان لعذر، لم يلزمه كفارة، كذا هاهنا.
الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره، مثل أن يصادف عيدًا، أو حيضًا ففيه وجهان. بناء على الروايتين فيما قبلها. وإن صادف أيام التشريق، فكذلك في
[ ١٣ / ٢٨٣ ]
إحدى الروايتين، وفي الأخرى، يصح صيامها للفرض، لما ذكرنا في صيامها عن دم المتعة، وإن صادف رمضان لم يجزئ صومه عن النذر، وكان حكمه كما لو صادف يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان، ونذره، وقد ذكر ذلك.
الرابع: أن يصادفه النذر مجنونًا، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر، أشبه ما لو فاته.
الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف. وإن كان بعده، أو كان النذر غير موقت، فعل ذلك وليه، لما روت عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" متفق عليه.
وعن ابن عباس قال: "أتى رجل النبي ﷺ فقال: إنَّ أختي نذرت أن تحج، وإنَّها، ماتت، فقال له النبي ﷺ: لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء". رواه البخاري. فثبت القضاء للصوم والحج بالنص. وقسنا عليه غيره للمعنى المشترك بينهما.
وفي الصلاة روايتان:
[ ١٣ / ٢٨٤ ]
إحداهما: تقضى عنه لما ذكرناه.
والثانية: لا تقضى؛ لأنَّها لا تدخلها نيابة، ولا كفارة، فلم تقض عنه، كحالة الحياة وكل موضع قلنا: يقضي عنه الولي، فإنَّه على سبيل الندب، لا الوجوب؛ لأنَّ قضاء دينه لا يجب على وليه. فكذلك النذر المشبه به» اهـ.
٧ - واحتج به على مشروعية الوفاء بالنذر المباح، وذلك أنَّ المشي من المباحات، وقد أمر النبي ﷺ أخت عقبة بالمشي والركوب، وهو محمول بالمشي عند الطاقة كما سبق.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه البخاري (٦٧٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». فإنَّ النبي ﷺ أمره أن يفي بما فيه طاعة، ولم يأمره أن يفي بنذر المباح.
والجواب عن ذلك: هو: أنَّ المشي إلى بيت الله الحرام من نذر الطاعة، وذلك أنَّ المشي وإن كان مباحًا لكنه هاهنا وسيلة لطاعة فكان طاعة من هذا الباب، ولهذا أمر النبي ﷺ المرأة أن تفي بما تقدر عليه منه. والله أعلم.
[ ١٣ / ٢٨٥ ]
لكن بقى إشكال آخر فيما رواه أحمد (٢٣٠٣٩، ٢٣٠٦١)، والترمذي (٣٦٩٠) من طريق حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. فَقَالَ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا». قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أبو داود (٣٣١٢) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» قَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: «لِصَنَمٍ»: قَالَتْ: لَا، قَالَ: «لِوَثَنٍ»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ».
قُلْتُ: الحارث بن عبيد أبو قدامة ضعيف الحديث، ويغني عنه ما سبق.
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
ووجه الإشكال أنَّ النبي ﷺ أذن لها أن تفي بنذرها مع أنَّه لا طاعة فيه.
وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٢٠): «حديث صحيح وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطيبًا لقلبها وجبرًا وتأليفًا لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ.
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالمًا مؤيدًا منصورًا على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فامرت بالوفاء به» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أعظم من ضرب الدف فرحًا وسرورًا في يوم العيد، وهكذا ضربه فرحًا وسرورًا بالنكاح.
وأمَّا ما يتعلق بالكفارة هل تجب أو لا؟ فقد ادعى ابن حزم في "مراتب الإجماع" الاتفاق أنَّه لا شيء على من نذر ذلك حيث قال: «واتفقوا أن مَنْ نَذَرَ ما لا طاعة فيه ولا معصية أنَّه لا شيء عليه» اهـ.
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
فتعقبه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ فِي [نَقْدِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ] (ص: ٣٠١): «قُلْتُ: بل النزاع في نذر المباح هل يلزم فيه كفارة إذا تركه كالنزاع في نذر المعصية وأوكد. وظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة في الجميع، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره، لكن قيل عنه: إذا قصد بالنذر اليمين» اهـ.
قُلْتُ: مذهب مالك والشافعي أنَّ النذر لا ينعقد بذلك.
والذي يظهر لي أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية، وذلك لأنَّه لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بما ليس بقربة، وقصة أبي إسرائيل تدل على ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٣٢):
«ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنَّه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا قائمًا في الشمس. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي ﷺ: مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه" فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣): «وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: "من هذا؟ ". فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
فأمره ﷺ مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس ومع نذره ألَّا يستظل أن يستظل. وإنَّما أمره بأن يوفي بالصوم فقط. وهذا صريح في أنَّ هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر. وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله» اهـ.
[ ١٣ / ٢٨٩ ]
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ نذر المباح يأخذ حكم نذر المعصية ففيه الكفارة كما سبق في نذر المعصية، وإذا كان هذا هو حكم نذر المباح فيلحق به نذر المكروه من باب أولى. والله أعلم.
٨ - عرفنا أنَّ نذر أخت عقبة هو أن تحج ماشية، فإن كان ذلك الحج هي حجة الإسلام ففيه حجة لمن ذهب إلى انعقاد النذر بالواجب، وإن لم يكن فلا حجة فيه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٥٥):
«وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: إنَّهُ إذَا نَذَرَ وَاجِبًا فَهُوَ بَعْدَ النَّذْرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ النَّذْرِ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُسْتَحَبِّ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ النَّذْرُ إذَا كَانَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمُسْتَحَبِّ فَإِيجَابُهُ لِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْلَى وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بَلْ هُمَا وجوبان مِنْ نَوْعَيْنِ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ مِثْلَ الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمَّ أب أَبٍ فَإِنَّ فِيهَا شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ السُّدُسَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٨):
«الْقَسَم السَّادِس: نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ. لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
فِعْلِهِ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمِينًا. وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ٢٩١ ]
٣٦١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْضِهِ عَنْهَا».
قُلْتُ: ليس في الحديث بيان لنوع النذر الذي نذرته أم سعد، وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّه العتق، وذلك فيما رواه أحمد (٢٣٨٩٧)، والنسائي (٣٦٥٦) من طريق عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ».
لكن سليمان بن كثير ضعيف في روايته عن الزهري، ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٧٣) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ، ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ. فَهَلَكَتْ، وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تُعْتِقَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا، فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ».
[ ١٣ / ٢٩٢ ]
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ يَقْوَى بِالِّذِي قَبْلَهُ. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قضاء النذر عن الميت.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في وجوبه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٩): «واعلم أنَّ مذهبنا ومذهب الجمهور أنَّ الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي، ولا إذا كان ماليًا ولم يخلف تركة، لكن يستحب له ذلك، وقال أهل الظاهر: يلزمه ذلك لحديث سعد هذا.
ودليلنا أنَّ الوارث لم يلتزمه فلا يلتزم، وحديث سعد يحتمل أنَّه قضاه من تركتها، أو تبرع به، وليس في الحديث تصريح بإلزامه ذلك. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الأمر في الحديث لم يقع ابتداءً، وإنَّما وقع جوابًا للفتيا، وما كان كذلك فلا يكون صريحًا في الوجوب، وذلك أنَّ جواب الفتيا غالبًا يكون بصيغة الأمر، نعم إذا كان النذر ماليًا وخلف الميت تركة تفي به وجب إيفاء نذره منها. والله أعلم.
[ ١٣ / ٢٩٣ ]
ويستثنى من هذا ما إذا كان النذر مؤقت، ومات الميت قبل حلول وقته فإنَّ النذر غير لازم للميت لخروجه عن التكليف قبل وجوبه، ولا يلزم حينئذ الأولياء الإيفاء به. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٢٢٠): «الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنَّه خرج عن أهلية التكليف» اهـ.
٢ - ويلحق به قضاء سائر الحقوق عن الميت التي يشرع قضاؤها.
٣ - وفيه أنَّ ذلك يقضى عن الميت وإن لم يوص به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٩): «وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجب قضاء شيء من ذلك إلَّا أن يوصي به، ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها. والله أعلم» اهـ.
٤ - وفيه بر سعد ﵁ بأمه بعد موتها.
٥ - واحتج به من قال بانتفاع الميت بعمل الحي.
قُلْتُ: عمل الحي الذي ينتفع به الميت ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما تسبب إليه الميت في حياته فهذا مما ينتفع به بالاتفاق، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ:
[ ١٣ / ٢٩٤ ]
«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
وروى مسلم (١٠١٧) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
القسم الآخر: انتفاعه بغير ما تسبب فيه.
وقد دلت الأدلة على انتفاعه بأربعة أنواع من العبادات:
النوع الأول: عبادات قولية.
ومن ذلك الدعاء كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وتدخل في ذلك صلاة الجنازة فإنَّها دعاء للميت، وهكذا الدعاء للميت بعد دفنه، والدعاء عند زيارة القبور. وهذا مما لا نزاع فيه.
النوع الثاني: عبادات بدنية محضة.
[ ١٣ / ٢٩٥ ]
ومن ذلك صيام النذر عن الميت، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وروى البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».
وفي لفظ لهما: «وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ».
وروى مسلم (١١٤٩) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا».
النوع الثالث: عبادات مالية محضة.
[ ١٣ / ٢٩٦ ]
ومن ذلك الصدقة، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وروى البخاري (٢٧٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.
وروى مسلم (١٦٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: ومن ذلك العتق، وقد مضى قول النبي ﷺ لسعد: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ».
وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٠٩):
«والأئمة اتفقوا على أنَّ الصدقة تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية: كالعتق» اهـ.
[ ١٣ / ٢٩٧ ]
النوع الرابع: عبادات مالية وبدنية معًا.
ومن ذلك الحج، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٨٥٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ».
ومضى قريبًا ما رواه مسلم (١١٤٩) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٠):
«وأمَّا الحج فيجزي عند عامتهم ليس فيه إلَّا اختلاف شاذ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٢): «والعبادات قسمان مالية وبدنية وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة قال على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات
[ ١٣ / ٢٩٨ ]
البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١١٧): «المسألة السادسة عشرة: وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا؟
فالجواب: أنَّها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير:
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه وعند بعض الحنفية إنَّما يصل ثواب الإنفاق.
واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة نص على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه. قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها.
[ ١٣ / ٢٩٩ ]
وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل اللهم إنَّ فضله لأهل المقابر.
والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أنَّ ذلك لا يصل.
وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنَّه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاء ولا غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ] (ص: ٤٥٢):
«واختلف في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر: فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء ولا غيره، وقولهم مردود بالكتاب والسنة» اهـ.
قُلْتُ: وأقوى ما احتج به المانعون من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، و[التحريم: ٧]، وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢]،
[ ١٣ / ٣٠٠ ]
وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩].
قالوا: فهذه الآيات تدل على أنَّ العبد لا يجزى إلَّا بعمله، ولو كان ثواب الغير يصل إليه لكان يجزى بعمل غيره، وهذا خلاف ما دلت عليه الآيات.
والجواب على ذلك: أنَّ غاية ما تدل عليه الآية الأولى أنَّ العبد لا يملك إلَّا سعيه، ولا يملك سعي غيره، وليس فيها أنَّه لا ينتفع بسعي غيره إذا أهداه له.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٩٩):
«الثاني: أنَّ الآية ليست في ظاهرها إلَّا أنَّه ليس له إلَّا سعيه وهذا حق فإنَّه لا يملك ولا يستحق إلَّا سعي نفسه وأمَّا سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه؛ لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به؛ كما أنَّه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم. وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ١٤٣): «وكذلك ظن قوم أنَّ انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فليس الأمر كذلك؛ فإنَّ انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي بالنسبة
[ ١٣ / ٣٠١ ]
إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية ومن ادعى أنَّ الآية تخالف أحدهما دون الآخر فقوله ظاهر الفساد بل ذلك بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالدعاء والاستغفار والشفاعة وقد بينا في غير هذا الموضع نحوًا من ثلاثين دليلًا شرعيًا يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره؛ إذ الآية إنَّما نفت استحقاق السعي وملكه؛ وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه فهذا نوع وهذا نوع وكذلك ليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة؛ فإنَّ هذا كذب في الأمور الدينية والدنيوية» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٢ - ٣١٣): «وأمَّا الآية فللناس عنها أجوبة متعددة. كما قيل: إنَّها تختص بشرع من قبلنا، وقيل: إنَّها مخصوصة، وقيل: إنَّها منسوخة، وقيل: إنَّها تنال السعي مباشرة وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك بل ظاهر الآية حق لا يخالف بقية النصوص، فإنَّه قال: ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وهذا حق فإنَّه إنَّما يستحق سعيه فهو الذي يملكه ويستحقه. كما أنَّه إنَّما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو. وأمَّا سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره. فمن صلى على جنازة فله قيراط
[ ١٣ / ٣٠٢ ]
فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته والميت أيضًا يرحم بصلاة الحي عليه كما قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة" ويروى أربعين ويروى ثلاثة صفوف "ويشفعون فيه إلَّا شفعوا فيه - أو قال إلَّا غفر له -". فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلَّا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله". فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحي أو يرحم به يكون من سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذي لم يجز إلَّا به أخص من كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله وهو كالدين يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفى به الدين وينبغي له أن يكون هو الموفي له والله أعلم» اهـ.
[ ١٣ / ٣٠٣ ]
قُلْتُ: وأمَّا سائر الآيات الأخرى فهي واردة في بيان أنَّ العبد لا يعاقب بذنب غيره، ولا ينقص من حسناته، وليس فيها تعرض لعدم انتفاع العبد بعمل غيره، وسياق الآيات تدل على ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٩) - عند كلامه على بعض تلك الآيات -: «فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره ولم ينف أن ينتفع بعمل غيره لا على وجه الجزاء فإنَّ انتفاعه بما يهدى إليه ليس جزاء على عمله وإنَّما هو صدقة تصدق الله بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعى منه بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء» اهـ.
واحتج المانعون أيضًا بما رواه مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
قالوا: فأخبر النبي ﷺ أنَّه إنَّما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه.
وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٢٩):
[ ١٣ / ٣٠٤ ]
«فصل: وأمَّا استدلالكم بقوله: "إذا مات العبد انقطع عمله". فاستدلال ساقط فإنَّه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنَّما أخبر عن انقطاع عمله، وأمَّا عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: "إنَّ مما يلحق الميت من حسناته وعمله". فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة ما أورده المنازعون في هذه المسألة قولهم: لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٣٠ - ١٣٢): «فصل: وأمَّا قولكم: لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت فإنَّه قال: يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه، ولم يفرق، واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد وهو تلاعب بالشرع وتصرف في أمانة الله واسجال على الله سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره وبعد الموت قد جعل لنا طريقًا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت، ثم أورد على نفسه سؤالًا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين
[ ١٣ / ٣٠٥ ]
وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنَّهما يزيلان المطالبة عنه فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلًا حال الحياة وبعد الموت.
وأجاب عنه بأنَّه لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قُلْتُ: وهذا لا يلزم بل طرد ذلك انتفاع الحي بدعاء غيره له واستغفاره له وتصدقه عنه وقضاء ديونه وهذا حق وقد أذن النبي ﷺ في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان.
وقد أجاب غيره من الأصحاب بأنَّ حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفًا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه.
قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنَّه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله ومن جملته ثواب ما أهدى إلى الميت.
قُلْتُ: هذا لا يلزمهم وموارد النص والإجماع تبطله وترده فإنَّ النبي ﷺ أذن في الحج والصوم عن الميت وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.
[ ١٣ / ٣٠٦ ]
والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكًا له فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه كتصرفاته التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره يحج عنه فإنَّه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أنَّ الفرق بين الحي والميت أنَّ الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه أن يباشر ذلك العمل أو نظيره فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت.
وأيضًا: فإنَّه يفضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض وهذه مفسدة كبيرة فإنَّ أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم فتصير الطاعات معاوضات وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل ويصير ما يتقرب به إلى الله يتقرب به إلى الآدميين فيخرج عن الإخلاص فلا يحصل الثواب لواحد منهما، ونحن نمنع من أخذ الأجرة على كل قربة ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء والفتيا وتعليم العلم والصلاة وقراءة القرآن وغيرها فلا يثيب الله عليها إلَّا لمخلص اخلص العمل لوجهه فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر فلا يليق بمحاسن الشرع أن يجعل العبادات الخالصة له معاملات تقصد
[ ١٣ / ٣٠٧ ]
بها المعاوضات والإكساب الدنيوية وفارق قضاء الديون وضمانها فإنَّها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا ما يتعلق بانتفاع الحي بدعاء الحي، وصدقته، وقضاء الدين، وسائر الحقوق المالية عنه فلا إشكال في جوازه على ما قرره العلامة ابن القيم ﵀، وأمَّا الحج أو الاعتمار عنه فلا إشكال في جوازه في حق العاجز عن ذلك ببدنه، لما رواه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.
قُلْتُ: ولا يجزئ أن يحج الحي عن حي آخر مستطيعًا للحج إذا كان ذلك فريضة الإسلام اتفاقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٨٣): «فصل: ولا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب إجماعًا.
[ ١٣ / ٣٠٨ ]
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ من عليه حجة الإسلام، وهو قادر على أن يحج، لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة الإسلام، في إباحة الاستنابة عند العجز، والمنع منها مع القدرة؛ لأنَّها حجة واجبة» اهـ.
قُلْتُ: وإذا كان الحج من قبيل حج التطوع ففيه نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٨٣): «فأمَّا حج التطوع، فينقسم أقسامًا ثلاثة:
أحدها: أن يكون ممن لم يؤد حجة الإسلام، فلا يصح أن يستنيب في حجة التطوع، لأنَّه لا يصح أن يفعله بنفسه، فبنائبه أولى.
الثاني: أن يكون ممن قد أدى حجة الإسلام، وهو عاجز عن الحج بنفسه، فيصح أن يستنيب في التطوع، فإن ما جازت الاستنابة في فرضه، جازت في نفله، كالصدقة.
الثالث: أن يكون قد أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه، فهل له أن يستنيب في حج التطوع؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يجوز. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب.
[ ١٣ / ٣٠٩ ]
والثانية، لا يجوز. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه قادر على الحج بنفسه، فلم يجز أن يستنيب فيه، كالفرض» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة الاستنابة في حق القادر على حج التطوع لعدم الدليل عليه.
وأمَّا ما رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجة (٢٩٠٣) من طريق عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟». قَالَ: أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦): «هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه» اهـ.
وقد جاء موقوفًا أيضًا:
قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦):
[ ١٣ / ٣١٠ ]
«ورواه غندر عن سعيد بن أبي عروبة موقوفًا على ابن عباس ومن رواه مرفوعًا حافظ ثقة فلا يضره خلاف من خالفه» اهـ.
وقد أعله الإمام أحمد بالوقف فَقَالَ الضِّيَاءُ ﵀ فِي [الْمُخْتَارَةِ] (٤/ ١٧١):
«قال الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: حديث قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "لبيك عن شبرمة" رفعه عبدة يعني ابن سليمان. فقال: ذاك خطأ رواه عدة موقوفًا يعني على ابن عباس ليس فيه عن النبي ﷺ وذكر مهنا عن أبي عبد الله نحو هذا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَزَارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (١١/ ٢٢٩):
«وهذا الحديث قد رواه غير عبدة، عن ابن أبي عروبة عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعلم أحدًا أسنده، عن ابن أبي عروبة إلَّا عبدة» اهـ.
أقول: رفعه كل من:
١ - عبدة بن سليمان كما سبق.
قَالَ الْحَافِظُ البيهقي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦):
«وقال يحيى بن معين أثبت الناس سماعًا من سعيد عبدة بن سليمان» اهـ.
[ ١٣ / ٣١١ ]
٢ - أبو يوسف القاضي أخرج حديثه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٤٥٩).
٣ - محمد بن بشر بن الفرافصة وحديثه عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٤٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٤).
٤ - محمد بن عبد الله الأنصاري، حديثه عند الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٢)، وذكره البيهقي في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٣٦).
ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٩٦) من طريق حسن بن صالح -وهو ابن حي- حدثنا سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا.
ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٦٤) حدثنا علي بن محمد بن عبيد، حدثنا ابن أبي خيثمة، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا غندر عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّه سمع رجلًا يلبي عن شبرمة موقوفًا.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٦٣٥) من طريق عمرو بن الحارث عن قتادة بن دعامة أنَّ سعيد بن جبير حدثه أنَّ عبد الله بن عباس. وذكره موقوفًا.
أقول: عمرو بن الحارث الأنصاري ثقة حافظ، وخالفه سعيد بن أبي عروبة وهو من أوثق الناس في قتادة، فالذي يظهر لي صحة الرفع. والله أعلم.
[ ١٣ / ٣١٢ ]
وقوله ها هنا: (أنَّ سعيد بن جبير حدثه) من أوهام عمرو بن الحارث فإنَّ قتادة لم يسمع من سعيد بن جبير.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ التَّحْقِيْقِ] (٣/ ٣٩٧):
«وذلك معدود في أوهامه، فإن قتادة لم يلق سعيد بن جبير، فيما قاله يحيى بن معين وغيره، والله أعلم» اهـ.
ورواه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (١٠٠١)، ومن طريق البيهقي [الْكُبْرَى] (٨٤٦٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٤١) من طريق عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ وَمَا شُبْرُمَةُ؟» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَالَ: أَخِي، وَقَالَ الْآخَرُ: فَذَكَرَ قَرَابَةً بِهِ، قَالَ: «أَفَحَجَجَّتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ».
قُلْتُ: عبد الوهاب الثقفي اختلط بأخرة، وأبو قلابة كثير الإرسال، واستظهر الحافظ العلائي أنَّ روايته عن ابن عباس مرسلة.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦/ ٣٨٠) من طريق الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ
[ ١٣ / ٣١٣ ]
شُبْرُمَةَ، قَالَ: «وَمَا شُبْرُمَةُ؟». فَذَكَرَ قَرَابَةً، قَالَ: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
وروى الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (١٠٠٠) من طريق سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عَنْ أبي قِلابَةَ، قال: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: «ويْحَكَ، ومَا شُبْرُمَةَ؟». قال: فَذكَرَ قَرَابَةً لَهُ، فقال: «أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟». قال: لا، قالَ: «فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ شُبْرُمَةَ».
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (١٤٤٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ حَفْصٍ التُّومَنِيُّ قَالَ: نا السَّكَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَصَمُّ قَالَ: نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟». فَقَالَ: أَبِي. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ قَطُّ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «احْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ».
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦/ ٣٨٠): من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد، عن أبي قلابة، عن ابن عباس به موقوفًا.
ويشهد للمرفوع ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٤٤٩٥)، و[الصَّغِيْرِ] (٦٣٠)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَان] (٤٠٢٨٣) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْدَةَ بْنِ الْوَلِيدِ
[ ١٣ / ٣١٤ ]
الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﵌ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «حَجَجْتَ؟»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعبد الله بن سندة بن الوليد قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵀ فِي [طَبَقَاتِ الْمُحَدِثِيْنَ بِأَصْبَهَانَ] (٣/ ٤٦٢): «عبد الله بن سندة بن الوليد بن ماهان الضبي يكنى أبا محمد، وكان ثقة صدوقًا» اهـ.
ويشهد له أيضًا ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢٣٠٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٤٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٤٦٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: «وَمَنْ شُبْرُمَةُ؟». قَالَ: رَجُلٌ أَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
قُلْتُ: يعقوب ضعيف الحديث.
[ ١٣ / ٣١٥ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٣٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُلَبِّي عَنْ فُلَانٍ إِنْ كُنْتَ حَجَجْتَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَلَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَإِلَّا فَلَبِّ عَنْ نَفْسِكَ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ، وفيه ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن سيء الحفظ.
ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٦٥٤) من طريق عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا.
وفي حديث عطاء اختلاف غير هذا لكن رواية عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس هي الأصح كما ذهب إلى ذلك الحافظ الدارقطني.
وخلاصة القول: أنَّ الحديث ثابت مرفوعًا. والله أعلم.
لكن يبعد أن يقال بثبوت المرفوع والموقوف معًا، وذلك أنَّ اتفاق مثل هذا العمل مع النبي ﷺ ثم مع ابن عباس بعد ذلك من رجل يقال له شبرمة مما يبعد القول به.
وقد أثبت المرفوع الحافظ البيهقي، وابن عبد الحق، وابن القطان وابن حجر والألباني والوادعي رحمهم الله تعالى.
[ ١٣ / ٣١٦ ]
وهذا الحديث محمول على حج الفريضة فإنَّ الحجة التي حجها النبي ﷺ هي أول حجة فرض في الإسلام، وحجة الفريضة لا تصح اتفاقًا أن يستنيب فيها الشخص عن المستطيع للحج.
قُلْتُ: ومن جملة ما ينتفع به الحي من عمل الحي، صلاة الحي مع الحي فإنَّ الصلاة تتضاعف بذلك، وهكذا ينتفع الطفل بإسلام أحد أبويه فيحكم له بالإسلام، فإذا مات كان من أولاد المسلمين، وهكذا ينتفع الحي بعمل الحي في فروض الكفايات، والانتفاع هاهنا من حيث سقوط الإثم، ومن هذا الباب انتفاع المؤتم بالإمام في تحمله لسجود السهو، وقراءة الفاتحة في حق المسبوق، وقراءتها في الجهرية على نزاع بين العلماء في ذلك.
وما سوى ذلك مما لا دليل عليه فلا يشرع، ولا يصح قياس الحي على الميت لوجود الفارق بينهما، وهو أنَّ الحي يمكنه أن يعمل بنفسه، وأمَّا الميت فلا يمكنه ذلك. والله أعلم.
وخلاصة القول في هذه المسألة: أنَّ من تأمل في أدلة الفريقين بإنصاف تبين له صحة مذهب من قال بانتفاع الميت بما أهدى له الحي من نوافل العبادات، لكني مع ذلك أقول: الذي رغب فيه الله تعالى ورسوله من ذلك هو الدعاء كما قال الله
[ ١٣ / ٣١٧ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وروى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
وسر ذلك أنَّ المرء إذا دعا للميت فلم يفوت على نفسه عملًا صالحًا، بل هو في عبادة يؤجر عليها، وينال بها مع ذلك دعاء الملك له كما روى مسلم (٢٧٣٢) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ».
وأمَّا إذا تبرع لميت بغير ذلك من نوافل العبادات فإنَّه يفوِّت على نفسه بعض الأعمال الصالحات التي هو أحوج ما يكون إليها، والعبد في دار التكليف أحوج ما يكون إلى الإكثار من نوافل العبادات التي تكون زادًا له في أخراه، ولهذا لم يكن من هدي النبي ﷺ وسائر الخلفاء الراشدين إهداء شيء من الأعمال للموتى، وهدي النبي ﷺ هو خير الهدي. والله أعلم.
[ ١٣ / ٣١٨ ]
٦ - ظاهر الحديث أنَّ من أراد أن ينفع الميت بعمل فعليه أن ينوي أنَّ ذلك للميت قبل الشروع في العمل، لقول النَّبِيِّ ﷺ لَهُ: «فَاقْضِهِ عَنْهَا».
وهذا إذا أراد به إسقاط واجب عن الميت لا إشكال فيه، لكن إن أراد الإحسان إلى الميت فيما لم يجب عليه فهل يجزئه أن ينوي العمل لنفسه ثم يهدي الثواب أو بعضه للميت؟ هذا محل نزاع بين العلماء، والذي يظهر لي عدم جواز ذلك لأمرين:
الأمر الأول: أنَّه خلاف الأحاديث الواردة في ذلك وقد سبق ما رواه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وروى البخاري (٢٧٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.
[ ١٣ / ٣١٩ ]
وروى مسلم (١٦٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وظاهره هذه الأحاديث أنَّ العمل ابتداءً ينوى به للميت.
الأمر الآخر: أنَّ الشخص إذا عمل العمل نفسه فإنَّ الثواب يكون له، فلا يصح نقله بعد ذلك، وشبيه بهذا لو قال شخص: قد أهديت بنصف ثواب نوافلي الماضية في عمري للميت الفلاني، فإنَّ هذا لا يقبل منه. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرُّوْحِ] (ص: ١٣٢ - ١٣٣): «فصل: وأمَّا قولكم: لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم إنَّه لا بد أن ينوى حال الفعل إهداءه إلى الميت وإلَّا لم يصل.
فالجواب: أنَّ هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنَّما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.
قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن جعل ثوابها للميت المسلم فإنَّه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.
[ ١٣ / ٣٢٠ ]
وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته": ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم حتى النبي ﷺ ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلَّا فلا.
وسر المسالة أنَّ أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدى له أولًا، " (^١) "ويجوز أن يقع للعامل ثم ينتقل عنه إلى غيره فمن شرط أن ينوى قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإنَّ الثواب يترتب على العمل ترتب الأثر على مؤثره ولهذا لو أعتق عبدًا عن نفسه كان ولاؤه له فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإنَّ ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى دينًا عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه
_________________
(١) - لعل الصواب: أو يجوز لأنَّ ظاهر ما سيأتي أنَّ ابن القيم يرى الأمر الأول فقط ولا يرى الأمرين.
[ ١٣ / ٣٢١ ]
ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أنَّ الذين سألوا النبي ﷺ عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده وإنَّما سألوه عمَّا يفعلونه عن الميت كما قال سعد: أينفعها أن أتصدق عنها، ولم يقل أن أهدى لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى أفأحج عنها، وقول الرجل الآخر أفأحج عن أبي فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم فهذا لا يعرف أنَّه صلى سئل عنه قط ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه فعله وقال: اللهم اجعل لفلان ثواب عملي المتقدم أو ثواب ما عملته لنفسي.
فهذا سر الاشتراط وهو أفقه ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ٣٢٢ ]
٣٦٢ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١١/ ٤٦):
«قَالَ فِي الْوَاضِحِ: وَالْمَالُ: مَا تَنَاوَلَهُ النَّاسُ عَادَةً بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ، وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ. قَالَ: وَالْمِلْكُ يَخْتَصُّ الْأَعْيَانَ مِنْ الأموال، ولا يعمَّ الدَّين» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ إمساك الشخص لبعض ماله خير له من الصدقة بجميع ماله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٥): «وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنَّه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه، قال القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يرد جميعها، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁،
[ ١٣ / ٣٢٣ ]
وقيل: ينفذ في الثلث هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف ردت الزيادة، وهو محكي عن مكحول. قال أبو جعفر الطبري: ومع جوازه فالمستحب ألَّا يفعله وأن يقتصر على الثلث» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من كره ذلك هذا الحديث، ونحوه ما رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». وقد مرَّ في كتاب "الوصايا".
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠): «وقال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن
[ ١٣ / ٣٢٤ ]
جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني: الفضل.
وعن طاووس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك، وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٦٧):
«أي: الفضل. وذلك لأنَّ نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٥٨): «وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه» اهـ.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٧٠): «أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا.
وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة:
ومن كان ذا مال ويبخل بماله … على قومه يستغن عنه ويذمم.
[ ١٣ / ٣٢٥ ]
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا فإنَّها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: كليل عن أن يرى عيبًا. هكذا فسر هذه الآية - بأنَّ المراد هنا البخل والسرف - ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم» اهـ.
وروى البخاري (١٤٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
وروى البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ».
وروى أبو داود (١٦٧٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ
[ ١٣ / ٣٢٦ ]
بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لولا عنعنة ابن إسحاق، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ عَلَى كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ] (١/ ٣٦٠): «ورواة إسناده ثقات محمد بن إسحاق مشهور ولم أره من حديثه إلَّا معنعنًا ثم رأيته في مسند أبي يعلى مصرحًا فيه بالتحديث» اهـ.
قُلْتُ: والذي رأيته في المسند لأبي يعلى بالعنعنة، فلعل التصريح وجد في بعض النسخ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٤٨): «قوله: "ما كان عن ظهر غنى" أي: زائدًا كأنَّه يطرح خلف الظهر» اهـ.
[ ١٣ / ٣٢٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٥):
«معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه» اهـ.
وروى مسلم (٩٩٧) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ.
ورواه البخاري (٢١٤١) مختصرًا، ولفظه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ.
[ ١٣ / ٣٢٨ ]
قُلْتُ: وأمَّا من أجاز ذلك فاحتج بما أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) من طريق الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
قُلْتُ: وقد فصَّل بعض العلماء في ذلك تفصيلًا حسنًا تجتمع به الأدلة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٩٥): «قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبورًا على
[ ١٣ / ٣٢٩ ]
الإضاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضًا فهو جائز فإن فقد شيء من هذه الشروط كره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٥٨٩): «وقد يقال وهو أرجح إن شاء الله تعالى: إنَّ النبي ﷺ عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، وقال: "ما أبقيت لأهلك"؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله، ومنع صاحب من التصدق بها، وقال لكعب: "أمسك عليك بعض مالك"، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنَّه الثلث، ويبعد جدًا بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: "يجزئك الثلث"، ولا تناقض بين هذه الأخبار» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٣): «ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه وصبره من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي بكر الصديق ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته. ثم قال: "يذهب أحدكم فيخرج ماله ثم يجلس كلًا على الناس"» اهـ.
[ ١٣ / ٣٣٠ ]
قُلْتُ: الحديث في ذلك رواه أبو داود (١٦٧٣) من حديث جابر بن عبد الله، وهو حديث حسن كما سبق.
قُلْتُ: وظاهر الحديث أنَّ الصديق تصدق بماله النقدي ولم يتصدق بجميع ما يملك من الدواب والرقيق وعروض التجارة والدور، والتمر والحب ومثل هذه الصدقة لا تحوج الشخص إلى تكفف الناس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٠٢):
«فَهَذَا كَانَ فَضِيلَةً فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ، وَكَمَالِ إيمَانِهِ، وَكَانَ أَيْضًا تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ» اهـ.
٢ - واحتج به من قال: إنَّ من نذر الصدقة بجميع ماله فإنَّه يجزؤه أن يبقي مقدار كفايته وكفاية من يعول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٥٨٦ - ٥٩٠): «وقول رسول الله ﷺ: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"، دليل على أنَّ من نذر الصدقة بكل ماله، لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى له منه بقية، وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي "الصحيحين" أنَّ النَّبي ﷺ قال له: "أمسك عليك بعض مالك" ولم يعين له قدرًا، بل أطلق
[ ١٣ / ٣٣١ ]
ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، فإنَّ ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة، فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته، فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره، هذا قياس المذهب، ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تقدم كفاية الرجل، وكفاية أهله على أداء الواجبات المالية، سواء أكانت حقًا لله كالكفارات والحج، أو حقًا للآدميين كأداء الديون فإنَّا نترك للمفلس ما لا بد منه من مسكن، وخادم، وكسوة، وآلة حرفة، أو ما يتجر به لمؤنته إن فقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقى. وقد نص الإمام أحمد على أنَّ من نذر الصدقة بماله كله، أجزأه ثلثه، واحتج له أصحابه بما روي في قصة كعب هذه، أنَّه قال: "يا رسول الله؛ إنَّ من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: "لا"، قُلْتُ: فنصفه؟. قال: "لا"، قُلْتُ: فثلثه قال: "نعم"، قُلْتُ: فإنِّي أمسك سهمي الذي بخيبر". رواه أبو داود. وفي ثبوت هذا ما فيه، فإنَّ الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك عنه أنَّه قال: "أمسك عليك بعض مالك"، من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم، فإنَّهم ولده، وعنه نقلوها.
[ ١٣ / ٣٣٢ ]
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في "مسنده" أنَّ أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه، قال: يا رسول الله؛ إنَّ من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ﷿ ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ: "يجزئ عنك الثلث". قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد، لا بحديث كعب، فإنَّه قال في رواية ابنه عبد الله: إذا نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنَّه يجزئه من ذلك الثلث، لأنَّ النبي ﷺ أمر أبا لبابة بالثلث، وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب هذا الذى فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث: "أمسك عليك بعض مالك" وكأنَّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة.
وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: إنَّه يجزئه من ذلك الثلث، دليل على انعقاد نذره، وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا قضى الدين، أخرج مقدار ثلث ماله يوم النذر، وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله: إذا وهب ماله، وقضى دينه، واستفاد غيره، فإنَّما يجب عليه إخراج ثلث ماله يوم حنثه، يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم، فيخرجه بعد قضاء دينه.
[ ١٣ / ٣٣٣ ]
وقوله: أو ببعضه. يريد أنَّه إذا نذر الصدقة بمعين من ماله، أو بمقدار كألف ونحوها، فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة بجميع المعين، وفيه رواية أخرى، أنَّ المعين إن كان ثلث ماله فما دونه، لزمه الصدقة بجميعه، وإن زاد على الثلث، لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصح عند أبي البركات.
وبعد فإنَّ الحديث ليس فيه دليل على أنَّ كعبًا وأبا لبابة نذرا نذرًا منجزًا، وإنَّما قالا: إنَّ من توبتنا أن ننخلع من أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنَّما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكرًا لله على قبول توبتهما، فأخبر النبي ﷺ أنَّ بعض المال يجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصى بماله كله، فأذن له في قدر الثلث.
فإن قيل: هذا يدفعه أمران:
أحدهما: قوله: "يجزئك"، والإجزاء إنَّما يستعمل في الواجب.
والثاني: أنَّ منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على أنَّه ليس بقربة، إذ الشارع لا يمنع من القرب، ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به.
[ ١٣ / ٣٣٤ ]
قيل: أمَّا قوله: "يجزئك"، فهو بمعنى يكفيك، فهو من الرباعي، وليس من "جزى عنه" إذا قضى عنه، يقال: أجزأني: إذا كفاني، وجزى عني: إذا قضى عني، وهذا هو الذى يستعمل في الواجب، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية: "تجزي عنك ولن تجزى عن أحد بعدك" والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب.
وأمَّا منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به، وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه، فإنَّه لو مكنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدق بها، فضربه بها، ولم يقبلها منه خوفًا عليه من الفقر، وعدم الصبر. وقد يقال وهو أرجح إن شاء الله تعالى: إنَّ النبي ﷺ عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، وقال: "ما أبقيت لأهلك"؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله، ومنع صاحب الصرة من التصدق بها، وقال لكعب: "أمسك عليك بعض مالك"، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنَّه الثلث، ويبعد جدًا بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: "يجزئك الثلث"، ولا تناقض بين هذه
[ ١٣ / ٣٣٥ ]
الأخبار، وعلى هذا، فمن نذر الصدقة بماله كله، أمسك منه ما يحتاج إليه هو وأهله، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدة حياتهم من رأس مال أو عقار، أو أرض يقوم مَغَلِّهَا بكفايتهم، وتصدق بالباقي. والله أعلم.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدق منه بقدر الزكاة، ويمسك الباقي.
وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر، أخرج عشره، وإن كان ألفًا، فما دون فسبعه، وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه. وقال أبو حنيفة ﵀: يتصدق بكل ماله الذى تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة، ففيه روايتان: أحدهما: يخرجه، والثانية: لا يلزمه منه شيء.
وقال الشافعي: تلزمه الصدقة بماله كله، وقال مالك، والزهري، وأحمد: يتصدق بثلثه، وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمين فقط» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي لبابة رواه أحمد (١٥٧٨٨) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَكَ، وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ».
[ ١٣ / ٣٣٦ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لجهالة الحسين بن السائب بن أبي لبابة، وهو مع ذلك مرسل.
وحديث كعب بن مالك رواه أبو داود (٣٣١٩، ٣٣٢٠) حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْ أَبُو لُبَابَةَ، أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً؟ قَالَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُولُبَابَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَالْقِصَّةُ لِأَبِي لُبَابَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي السَّائِبِ ابْنِ أَبِي لُبَابَةَ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ مِثْلَهُ اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ رد ذلك إلى الثلث لا يثبت في حديث أبي لبابة ولا كعب بن مالك. والله أعلم.
٣ - وفيه شكر الله عند تجدد النعم.
* * *
[ ١٣ / ٣٣٧ ]