٤١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ - وَفِي لَفْظٍ -: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ».
قَوْلُهُ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا». أي: علق عتقه بموته سمي بذلك لأنَّ الموت دبر الحياة، أو لأنَّ فاعله دبر أمر دنياه وأخرته، أمَّا دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده وأمَّا آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وتدبير الأمر هو النظر في العاقبة.
قُلْتُ: والرجل هو أبو مذكور والغلام اسمه يعقوب كما جاء ذلك فيما رواه مسلم (٩٩٧) عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ - يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ - أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز عتق العبد عن دبر. وهو مشروع بالسنة والإجماع.
ويكون من ثلث المال في قول أكثر العلماء لأنَّه تبرع بعد الموت فأشبه الوصية.
[ ١٤ / ٧٠٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١١١): «فصل: ويعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال.
في قول أكثر أهل العلم، يروى ذلك عن علي، وابن عمر. وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، وحماد، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وروي عن ابن مسعود، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير، أنَّه يعتق من رأس المال؛ لأنَّه عتق فينفذ من رأس المال، كالعتق في الصحة، وعتق أم الولد.
ولنا أنَّه تبرع بعد الموت، فكان من الثلث، كالوصية، ويفارق العتق في الصحة، فإنَّه لم يتعلق به حق غير المعتق فينفذ في الجميع، كالهبة المنجزة.
وقد نقل حنبل عن أحمد، أنَّه يعتق من رأس المال. وليس عليها عمل، قال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه أحمد إلى ما نقله الجماعة» اهـ.
قُلْتُ: وإن كان العبد المُدَّبَّر أكثر من ثلث التركة فيعتق منه بمقدار ثلث التركة.
[ ١٤ / ٧٠٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلَافِ الْأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (٢/ ٤٣٤) - عند كلامه على مذهب الإمام مالك ﵀:
«وَإِنْ لم يكن عَلَيْهِ دين وَكَانَ يخرج من الثُّلُث عتق جَمِيعه وَإِنْ لم يحْتَملهُ الثُّلُث عتق مَا يتحمله وَلَا فرق عِنْده بَين الْمُطلق والمقيد» اهـ.
وَجَاءَ فِي [الْمُوَطَأِ] (٢/ ٨١٣): «قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ. فَهَلَكَ السَّيِّدُ وَلَا مَالَ لَهُ إِلَّا الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ. وَلِلْعَبْدِ مَالٌ قَالَ: "يُعْتَقُ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ. وَيُوقَفُ مَالُهُ بِيَدَيْهِ"» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِ] (٨/ ٢٣):
«وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ، ثُمَّ عَجَزَ كَانَ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ الثَّبَاتَ عَلَى الْكِتَابَةِ ثَبَّتْنَاهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَبَطَلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [مَسَائِلِهِ لِأَبِيْهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ] (١/ ٣٩١): «وَسَأَلته عَنْ الْمُدبر أَمن جَمِيع المَال أم من الثُّلُث وَهل يجوز بَيْع؟.
قَالَ: هُوَ من الثُّلُث.
[ ١٤ / ٧٠٥ ]
وَقَالَ: لَا يَبِيع الْوَارِث الْمُدبر فَإِنْ كَانَ لَهُ من المَال بِقدر مَا يخرج من الثُّلُث عتق وَإِنْ لم يكن لَهُ من المَال إِلَّا العَبْد وَحده عتق مِنْهُ الثُّلُث وَيكون بَاقِيه رَقِيقا وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ وَقَالَ بعض النَّاس يستسعى العَبْد فِي بَاقِيه قَالَ أبي الْمُدبر يَبِيعهُ سَيّده إِنْ شَاءَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه] (٨/ ٤٣٩٥):
«قال أحمد: إذا كان مدبرًا فبيع خدمته، ثم مات السيد، عتق في الثلث إن كان له مال، وإن لم يكن له مال عتق الثلث منه وثلثاه رقيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا.
٢ - جواز بيع المدبر، وهو وارد في بيعه في الدين كما في رواية النسائي الآتية.
وقد أجاز بيع المدبر مطلقًا من الأئمة الأربعة الشافعي وأحمد، وعن أحمد يبيعه إذا كان فقيرًا لا يملك شيئًا، ومنعه أبو حنيفة.
وذهب مالك إلى أنَّه لا يجوز بيعه إلَّا إذا كان على السيد دين يغلب على رقبة العبد فيباع فيه، وإن كان الدين أقل من رقبة العبد فلا يباع فيه.
وفي الباب مذاهب أخرى ليس عليها حجة مستقيمة.
[ ١٤ / ٧٠٦ ]
وحجة من منع من ذلك الأدلة الواردة في الإيفاء بالعقود كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قُلْتُ: والقول بجواز بيع المدبر مذهب أكثر العلماء من أصحاب المذاهب وغيرهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٧٥): «ولم يختلفوا في أنَّ عتق المدبر من الثلث فكان سبيله سبيل الوصايا وللموصي أن يعود فيما أوصى به وإن كان سبيله سبيل العتق بالصفة فهو أولى بالجواز ما لم يوجد الصفة المعلق بها العتق والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١٢٥): «ولأنَّه عتق بصفة، ثبت بقول المعتق، فلم يمنع البيع، كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت حر.
ولأنَّه تبرع بمال بعد الموت، فلم يمنع البيع في الحياة، كالوصية.
قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حر رأس الشهر.
فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدًا، فله بيعه اليوم.
[ ١٤ / ٧٠٧ ]
وإن قال: إذا مت. قال: لا يبيعه، فالموت أكثر من الأجل، ليس هذا قياسًا، إن جاز أن يبيعه قبل رأس الشهر، فله أن يبيعه قبل مجيء الموت، وهم يقولون في من قال: إن مت من مرضي هذا، فعبدي حر.
ثم لم يمت من مرضه ذلك، فليس بشيء.
وإن قال: إن مت، فهو حر. لا يباع. وهذا متناقض، إنَّما أصله الوصية من الثلث، فله أن يغير وصيته ما دام حيًا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٣ - وفيه بيع الإمام على الناس أموالهم لمصلحتهم.
٤ - وفيه نظر الإمام في مصالح المسلمين.
٥ - وفيه بيع مال المفلس، فإنَّ هذا الرجل كان مفلسًا، ويدل عليه ما رواه النسائي (٥٤١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: «اقْضِ دَيْنَكَ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ١٤ / ٧٠٨ ]
وقد بوب البخاري على بعض ألفاظ الحديث بـ «بَابُ مَنْ بَاعَ مَالَ المُفْلِسِ، أَوِ المُعْدِمِ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ، أَوْ أَعْطَاهُ، حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ».
٦ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ أَرْسَلَ ثَمَنَهُ إلَيْهِ». دليل على أنَّه باعه في حياة المدبر، وأمَّا ما رواه الترمذي (١٢١٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ». فقد وقع فيه وهم كما بيَّن ذلك حفاظ الحديث.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِ] (٨/ ١٥ - ١٦): «هكذا سمعت منه - يعني سفيان - عامة دهري ثم وجدت في كتابي دبر رجل منَّا غلامًا له فمات فإمَّا أن يكون خطأ من كتابي أو خطأ من سفيان فإن كان من سفيان فابن جريج أحفظ لحديث أبي الزبير من سفيان ومع ابن جريج حديث الليث وغيره وأبو الزبير يحد الحديث تحديدًا يخبر فيه حياة الذي دبره وحماد بن زيد مع حماد بن سلمة وغيره أحفظ لحديث عمرو من سفيان وحده، وقد يستدل على حفظ الحديث من خطئه بأقل مما وجدت في حديث ابن جريج والليث عن أبي الزبير وفي حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار وغير حماد يرويه عن عمرو كما رواه حماد بن زيد وقد
[ ١٤ / ٧٠٩ ]
أخبرني غير واحد ممن لقى سفيان قديمًا أنَّه لم يكن يدخل في حديثه "مات" وعجب بعضهم حين أخبرته أنِّي وجدت في كتابي "مات" فقال: لعل هذا خطأ منه أو زلة منه حفظتها عنه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٦٦): «وقد أعله الشافعي بأنَّه سمعه من ابن عيينة مرارًا لم يذكر قوله: "فمات" وكذلك رواه الأئمة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٤ - ٢٥): «وقال والدي ﵀ في "شرح الترمذي": وقد رواه عن ابن عيينة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة فيما علمت إلَّا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وقد رواه عن جابر عطاء ومحمد بن المنكدر ومجاهد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة إلَّا أنَّ البيهقي رواه من طريق.
شريك عن سلمة بن كهيل عن عطاء، وأبي الزبير عن جابر أنَّ رجلًا مات وترك مدبرًا ودينًا.
قال البيهقي: وقد أجمعوا على خطأ شريك في ذلك.
[ ١٤ / ٧١٠ ]
قال والدي ﵀: وقد رواه الأعمش وسفيان الثوري وإسماعيل بن أبي خالد كلهم عن سلمة بن كهيل لم يذكروا هذه اللفظة، وقد رواه الأوزاعي وحسين المعلم وعبد المجيد بن سهيل كلهم عن عطاء لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة بل صرحوا بخلافها ففي الصحيح من رواية عطاء عن جابر: "فدفع ثمنه إليه" فهذا كله يدل على خطأ قول ابن عيينة فيه فمات.
وقد بين البيهقي سبب الغلط في زيادة هذه اللفظة وذلك أنَّ مطرًا رواه عن عطاء، وأبي الزبير وعمرو بن دينار أنَّ جابر بن عبد الله حدثهم أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حادث فمات فدعا به النبي ﷺ فباعه من نعيم بن عبد الله أحد بني عدي بن كعب. هكذا رواه البيهقي بهذا اللفظ ورواية مطر هذه عند مسلم ولم يسق لفظها وإنَّما أحال به على ما تقدم فقال بمعنى حديث حماد وابن عيينة عن عمرو عن جابر.
قال البيهقي: وقوله: "إن حدث به حادث فمات" من شرط العتق وليس بإخبار عن موت المعتق، ومن هنا وقع الغلط لبعض الرواة في ذكر وفاة الرجل فيه عند البيع وإنَّما ذكر وفاته في شرط العتق يوم التدبير» اهـ.
٧ - ويلحق ببيع المدبر، من علق الصدقة أو الوقف على الموت.
[ ١٤ / ٧١١ ]
وقد سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٠٥): «عن رجل قال في مرضه: إذا مت فداري وقف على المسجد الفلاني فتعافى ثم حدث عليه ديون: فهل يصح هذا الوقف ويلزم. أم لا؟.
فأجاب: يجوز أن يبيعها في الدين الذي عليه؛ وإن كان التعليق صحيحًا كما هو أحد قولي العلماء. وليس هذا بأبلغ من التدبير وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه باع المدبر في الدين. والله أعلم» اهـ.
* * *
قال كاتبه: أبو بكر بن عبده بن عبد الله بن حامد بن عون الحمادي: انتهيت بحمد الله وتوفيقه من كتابة هذا الْشَّرْحِ على "عمدة الأحكام" في يوم السبت الحادي والعشرين من شهر صفر في عام ست وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي ﷺ، وكان ابتداء الْشَّرْحِ في شهر محرم لعام ثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة.
[ ١٤ / ٧١٢ ]