٣٤٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ.
قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ ﵁».
قُلْتُ: استشارة عمر للناس في شأن الخمر مما انفرد به مسلم (١٧٠٦) عن البخاري. واللفظ بهذا السياق لمسلم غير أنَّه قال: «بِجَرِيدَتَيْنِ». ولفظ الحديث في البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة شرب الخمر، وأنَّه من كبائر الذنوب، وذلك لأنَّ الحد يكون على كبيرة من كبائر الذنوب.
[ ١٢ / ٣٦١ ]
وقد تكلم الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بكلام نفيس حول آفات الخمر في الدنيا فَقَالَ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ١٢٢): «فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل، ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلَّا باللغو، وتنزف في نفسها، وتنزف المال، وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والسمات، وتكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قيامًا له ولمن يلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمأثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن، وكم أهاجت من حرب، وأفقرت من غني، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة، وجلبت من نقمة، وفسخت من مودة، ونسجت من عداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه، وكم أورثت
[ ١٢ / ٣٦٢ ]
من حسرة، وأجرت من عبرة، وكم أغلقت في وجه شاربها بابًا من الخير، وفتحت له بابًا من الشر، وكم أوقعت في بلية، وعجلت من منية، وكم أورثت من خزية، وجرت على شاربها من محنة، وجرت عليه من سفلة، فهي جماع الإثم، ومفتاح الشر، وسلابة النعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلَّا أنَّها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنَّه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة". لكفى وآفات الخمر أضعاف، أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة» اهـ.
٢ - ثبوت الحد في شرب الخمر.
وهل يدخل في ذلك غير الشرب كالأكل والاحتقان، الذي يظهر لي في ذلك أنَّ كل ما يحصل من طريقه الإسكار فيحد به، سواء كان عن طريق الفم، أو الاستنشاق بالأنف، أو الاحتقان بالأوردة، أو غير ذلك؛ وذلك لأنَّ الخمر يشمل كل مسكر أكلًا أو شربًا أو غير ذلك لما رواه مسلم (٢٠٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ».
[ ١٢ / ٣٦٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٦): «فصل: وإن ثرد في الخمر، أو اصطبغ به، أو طبخ به لحمًا فأكل من مرقته، فعليه الحد؛ لأنَّ عين الخمر موجودة، وكذلك إن لتَّ به سويقًا فأكله.
وإن عجن به دقيقًا، ثم خبزه فأكله، لم يحد؛ لأنَّ النار أكلت أجزاء الخمر، فلم يبق إلَّا أثره.
وإن احتقن بالخمر، لم يحد؛ لأنَّه ليس بشرب ولا أكل؛ ولأنَّه لم يصل إلى حلقه، فأشبه ما لو داوى به جرحه، وإن استعط به، فعليه الحد؛ لأنَّه أوصله إلى باطنه من حلقه، ولذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة.
وحكي عن أحمد أنَّ على من احتقن به الحد؛ لأنَّه أوصله إلى جوفه، والأول أولى؛ لما ذكرناه. - والله أعلم -» اهـ.
قُلْتُ: الاحتقان بالخمر عن طريق الدبر أو غير ذلك إن كان لا يحصل الاسكار بقليل ذلك ولا كثيره فلا يحد، وأمَّا إن كان طريقًا للإسكار فيحد، وقد وجد في هذه الأيام أنواع من المسكرات تستعمل عن طريق الاحتقان في الأوردة، وعن طريق الاستنشاق بالأنف ويحصل به الاسكار كالشرب عن طريق الفم أو أشد، فالقول بعدم إقامة الحد في ذلك بعيد غاية البعد.
[ ١٢ / ٣٦٤ ]
ويقام الحد في الكثير المسكر، والقليل الذي يسكر كثيره، لما رواه أحمد (١٤٧٤٤)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجة (٣٣٩٣) من طريق دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ من أجل داود بن بكر بن أبي الفرات، ورواه ابن حبان (٥٣٨٢) بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيْحٌ، فالحديث صحيح.
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٥٥٨، ٦٦٧٤)، والنسائي (٥٦٠٧)، وابن ماجة (٣٣٩٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وهو صحيح بما مضى.
وجاء من حديث سعد بن أبي وقاص، رواه النسائي (٥٦٠٨، ٥٦٠٩) من طريق الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وهو صحيح بما سبق.
وروى أحمد (٢٤٤٦٨)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦) من طريق أَبِي عُثْمَانَ عَمْرو بْنِ سَلْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ:
[ ١٢ / ٣٦٥ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ويقال: "فرْق" و"فرَق" بسكون الراء وفتحها.
وفي الباب أحاديث أخرى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٨٣٧): «الفَرَقُ بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق خمسة أقساط والقسط: نصف صاع فأمَّا الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٤): «الفصل الثاني: أنَّه يجب الحد على من شرب قليلًا من المسكر أو كثيرًا.
ولا نعلم بينهم خلافًا في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر. وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي.
وقالت طائفة لا يحد، إلَّا أن يسكر؛ منهم أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي.
[ ١٢ / ٣٦٦ ]
وقال أبو ثور: من شربه معتقدًا تحريمه حد.
ومن شربه متأولًا، فلا حد عليه؛ لأنَّه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي» اهـ.
قُلْتُ: الصواب مع جمهور العلماء، فإنَّ التأويلات الفاسدة لا ترفع الحدود، وقد أقام الصحابة الحد على من تأول في إباحة الخمر بالتأويل الخاطئ.
وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ نزاع العلماء فيما يحرم من المسكر فقال كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٨٦ - ١٨٧): «أمَّا "الأشربة المسكرة" فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أنَّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ: مثل أبي الليث السمرقندي وغيره. وهذا قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين.
[ ١٢ / ٣٦٧ ]
وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أنَّ ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فإنَّما يحرم منه القدر الذي يسكر، وأمَّا القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأمَّا عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين. وأصحاب "القول الثاني" قالوا: لا يسمى خمرًا إلَّا ما كان من العنب. وقالوا: إنَّ نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئًا مسكرًا حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمرًا فإن طبخ أدنى طبخ حل. وأمَّا عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلَّا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فأمَّا بعد أن يصير خمرًا فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكرًا بلا نزاع.
و"القول الأول" الذي عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار». إلى آخر كلامه ﵀.
٣ - وفي الحديث إقامة الحد بالشهادة على شرب الخمر، وهذا مما لا نزاع فيه، وإنَّما تنازع العلماء فيما سوى ذلك، كإقامته بالشهادة على تقيء الخمر، أو بوجود رائحته.
[ ١٢ / ٣٦٨ ]
أمَّا التقيؤ فالصحيح إقامة الحد بالشهادة عليه، وذلك أنَّ التقيؤ لا يكون إلَّا بعد الشرب، وبهذا قضى عثمان كما سيأتي في الفقرة التي بعد هذه، وهكذا الرائحة على الصحيح، واحتمال أن توجد عند شرب بعض العصائر الغير مسكرة كعصير التفاح مثلًا، خلاف الأصل، فإن ذكر ما يحتمل الصدق درء عنه الحد لذلك. والله أعلم.
ويدل على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٣٢)، ومن طريقه النسائي (٥٧٠٨) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُ»، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْحَدَّ تَامًّا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعلقه البخاري بصيغة الجزم.
وروى البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١) عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الخَمْرَ فَضَرَبَهُ الحَدَّ.
[ ١٢ / ٣٦٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «فصل: ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه.
في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي.
وروى أبو طالب، عن أحمد، أنَّه يحد بذلك. وهو قول مالك؛ لأنَّ ابن مسعود جلد رجلًا وجد منه رائحة الخمر وروي عن عمر أنَّه قال: إنِّي وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنَّه شرب الطلاء.
فقال عمر: إنِّي سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته.
ولأنَّ الرائحة تدل على شربه، فجرى مجرى الإقرار.
والأول أولى؛ لأنَّ الرائحة يحتمل أنَّه تمضمض بها، أو حسبها ماء، فلما صارت في فيه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرهًا، أو أكل نبقًا بالغًا، أو شرب شراب التفاح، فإنَّه يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك، لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات.
وحديث عمر حجة لنا، فإنَّه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك، لبادر إليه عمر - والله أعلم -.
فصل: وإن وجد سكران، أو تقيأ الخمر.
[ ١٢ / ٣٧٠ ]
فعن أحمد، لا حد عليه؛ لاحتمال أن يكون مكرهًا، أو لم يعلم أنَّها تسكر. وهذا مذهب الشافعي.
ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة، يدل على وجوب الحد هاهنا بطريق الأولى؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بعد شربها، فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها.
وقد روى سعيد، حدثنا هشيم، حدثنا المغيرة، عن الشعبي، قال: لما كان من أمر قدامة ما كان، جاء علقمة الخصي، فقال: أشهد أنِّي رأيته يتقيؤها.
فقال عمر: من قاءها فقد شربها.
فضربه الحد وروى حصين بن المنذر الرقاشي، قال: شهدت عثمان، وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنَّه رآه شربها، وشهد الآخر أنَّه رآه يتقيؤها.
فقال عثمان: إنَّه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد. فأمر علي عبد الله بن جعفر، فضربه.
رواه مسلم، وفي رواية فقال له عثمان: لقد تنطعت في الشهادة.
وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم، ولم ينكر، فكان إجماعًا.
[ ١٢ / ٣٧١ ]
ولأنَّه يكفي في الشهادة عليه أنَّه شربها، ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٣٩): «والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب؛ فإن وجدت منه رائحة الخمر أو رئي وهو يتقيؤها ونحو ذلك. فقد قيل: لا يقام عليه الحد لاحتمال أنَّه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلًا بها أو مكرهًا ونحو ذلك. وقيل: بل يجلد إذا عرف أنَّ ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة: كعثمان وعلي وابن مسعود؛ وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ وهو الذي يصلح عليه الناس وهو مذهب مالك. وأحمد في غالب نصوصه وغيرهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٣٠): «وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث» اهـ.
[ ١٢ / ٣٧٢ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٨): «وحكم عمر وابن مسعود ولا يعرف لهما مخالف بوجوب الحد برائحة الخمر من في الرجل أو قيئه خمرًا اعتمادًا على القرينة الظاهرة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٤٣): «وجعل الصحابة ﵃ الحبل علامة وآية على الزنا فحدوا به المرأة وإن لم تقر ولم يشهد عليها أربعة بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها بمنزلة الإقرار والشاهدين» اهـ.
٤ - أنَّ الجلد في الخمر يكون نحو الأربعين. وجاء في رواية لمسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ». وفيها الجزم بالأربعين.
وقد جاء التنصيص على الأربعين فيما رواه مسلم (١٧٠٧) عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، قَالَ:
«شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ
[ ١٢ / ٣٧٣ ]
فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ».
والوليد هو ابن عقبة.
وقَوْلُهُ: «وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ». يحتمل أن يعود إلى الثمانين لأنَّها أقرب مذكور، ويحتمل عوده إلى الأربعين لأنَّها هي التي وقف عندها، وهذا أظهر عندي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٥٥): «وقَوْلُهُ: "وهذا أحب إلي"؛ ظاهره: أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها. وقد روي: أنَّ المعروف من مذهبه الثمانون. فيكون له في ذلك القولان، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٩): «إشارة إلى الأربعين التي كان جلدها، وقال للجلاد: أمسك، ومعناه: هذا الذي قد جلدته، وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين» اهـ.
[ ١٢ / ٣٧٤ ]
قُلْتُ: ويشكل على هذا الحديث ما رواه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ». إذ فيه أنَّ النبي ﷺ لم يسن الحد في الخمر، وقد أجاب العلماء على هذا الإشكال من وجهين:
الأول: أنَّ المراد به لم يسن شيئًا زائدًا على الأربعين، قاله البيهقي وابن حزم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٧١ - ٧٢): «والجمع بين حديث علي المصرح بأنَّ النبي ﷺ جلد أربعين وأنَّه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أنَّ النبي ﷺ لم يسنه، بأن يحمل النفي على أنَّه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئًا زائدًا على الأربعين ويؤيده قَوْلُهُ: "وإنَّما هو شيء صنعناه نحن" يشير إلى ما أشار به على عمر. وعلى هذا فقَوْلُهُ: "لو مات لوديته أي في الأربعين الزائدة" وبذلك جزم البيهقي وابن حزم، ويحتمل أن يكون قَوْلُهُ: "لم يسنه" أي: الثمانين لقوله في الرواية الأخرى: وإنَّما هو شيء صنعناه" فكأنَّه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقًا واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك» اهـ.
[ ١٢ / ٣٧٥ ]
الثاني: أنَّ الضمير في قَوْلِهِ: «لَمْ يَسُنَّهُ». عائد على صفة الضرب، وهو الضرب بالسياط.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٧٢): «ويحتمل أن يكون الضمير في قَوْلُهُ: "لَمْ يَسُنَّهُ". لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي: لم يسن الجلد بالسوط، وإنَّما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الذي زاد في حد الخمر إلى الأربعين عمر بن الخطاب ﵁، وقد روى البخاري (٦٧٧٩) عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٦٩): «قَوْلُهُ: "حتى إذا عتوا". بمهملة ثم مثناة من العتو وهو التجبر، والمراد هنا انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شرب الخمر؛ لأنَّه ينشأ عنه الفساد. قَوْلُهُ: "وفسقوا" أي: خرجوا عن الطاعة» اهـ.
[ ١٢ / ٣٧٦ ]
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في حد الخمر فمنهم من جعله ثمانين، وقد ذهب إلى ذلك من الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين، وذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى أنَّ حد الخمر أربعون، وهذا هو الذي يظهر لي صحته لحديث أنس، وعلي بن أبي طالب الماضيين، وبناءً على ذلك يكون ما زاد على الأربعين إلى الثمانين من باب التعزير لا الحد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٧): «وفعل النبي ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي، وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنَّها تعزير، يجوز فعلها إذا رآه الإمام» اهـ.
وقد زاد على بن أبي طالب ﵁ في الجلد في الخمر أكثر من ذلك تعزيرًا لذنب آخر وهو الإفطار في رمضان، وذلك فيما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٥٦، ١٧٠٤٢) أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا ضَرَبَ النَّجَاشِيَّ الْحَارِثِيَّ الشَّاعِرَ ثُمَّ حَبَسَهُ، كَانَ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَحَبَسَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْغَدِ فَجَلَدَهُ عِشْرِينَ، وَقَالَ: «إِنَّمَا جَلَدْتُكَ هَذِهِ الْعِشْرَينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ، وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ».
[ ١٢ / ٣٧٧ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٦ - وفيه أنَّه لا يشترط في حد الخمر الجلد بالسوط؛ لأنَّ النبي ﷺ ضرب بالجريد.
والجريد: سعف النخل الواحدة جريدة وسميت بذلك لأنَّه قد جرد عنها الخوص وهي الورق.
وقد مضى ما رواه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ».
ومضى ما رواه البخاري (٦٧٧٩) عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ».
وروى البخاري (٦٧٧٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِنُعَيْمَانَ، أَوْ بِابْنِ نُعَيْمَانَ، وَهُوَ سَكْرَانُ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ».
[ ١٢ / ٣٧٨ ]
٧ - وفيه استشار الأمير أهل الحل والعقد في الأمور النازلة.
٨ - وفيه العمل بالقياس عند الحاجة إليه.
٩ - وليس في الحديث ما يدل صراحة على إقامة الحد وقت السكر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٣٨): «فصل: ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو. روي هذا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي.
وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ المقصود الزجر والتنكيل، وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم، فينبغي أن يؤخر إليه» اهـ.