٣٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ» - وَفِي لَفْظٍ -: «ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ».
قَوْلُهُ: «فِي مِجَنٍّ». المجن: الترس.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قطع يد السارق.
٢ - وفيه إثبات شرط من شروط القطع وهو بلوغ المسروق النصاب، وقد حُد في الحديث بثلاثة دراهم.
قُلْتُ: وقد ذهب عامة العلماء إلى أنَّ القطع لا يكون في قليل المال، وخالف في ذلك الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير، واحتجوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. وبما رواه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ١٢ / ٢٩٧ ]
وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».
وأجيب بأنَّ السنة جاءت مبينة لما أجمل في الآية فيجب المصير إليها.
وأجيب عن الاحتجاج بالحديث من وجوه:
الأول: أنَّ المراد بالبيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس، وبالحبل حبل السفينة.
الثاني: أنَّ المراد بذلك التدرج، أي أنَّه يسرق ما لا تقطع به اليد ثم يتدرج به الحال إلى أن يسرق ما تقطع به يده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٩): «وصح عنه أنَّه قال: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده". فقيل: هذا حبل السفينة، وبيضة الحديد، وقيل: بل كل حبل وبيضة، وقيل: هو إخبار بالواقع، أي: إنَّه يسرق هذا، فيكون سببًا لقطع يده بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه. قال الأعمش: كانوا يرون بأنَّه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منه ما يساوى دراهم» اهـ.
الثالث: أنَّ المراد بذلك المبالغة في التحقير.
[ ١٢ / ٢٩٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٤٩): «وإنَّما سلك النبي ﷺ في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا بالغت في تكثير شيء أو تحقيره، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصح وجوده، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك، فتقول: لأصعدن بفلان إلى السماء، ولأهبطن به إلى تخوم الثرى، وفلان مناط الثريا، وهو مني مقعد القابلة.
و: "من بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بني له بيت في الجنة". ولا يتصور مسجد مثل ذلك. و: "تصدقن ولو بظلف محرق". وهو مما لا يتصدق به.
ومثل هذا كثير في كلامهم، وعادة لا تستنكر في خطابهم» اهـ.
الرابع: أنَّ المراد به أنَّه قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعًا جائزًا شرعًا.
الخامس: أنَّ النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، فقاله على ظاهر اللفظ.
قُلْتُ: وفي الحديث إثبات القطع بما قيمته ثلاثة درهم، وقد أخذ به من حد النصاب بذلك فيما عدا الذهب والفضة، وهو مذهب الإمام مالك فعنده أنَّه إن كان المسروق ذهبًا فالنصاب ربع دينار، وإن كان فضة فالنصاب ثلاثة دراهم،
[ ١٢ / ٢٩٩ ]
وإن كان غيرهما فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وإن لا فلا، وهو رواية عن أحمد، وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ النصاب ثلاثة دراهم ويقوم ما عداها بها ولو كان ذهبًا، وحكاه الخطابي عن مالك، والصواب تقدير النصاب بربع دينار، للحديث الآتي بعد هذا، ويحمل حديث الباب أنَّ الثلاثة الدراهم كانت متقومة في ذلك الوقت بربع دينار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٩): «أجمع العلماء على قطع يد السارق كما سبق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب بل ويقطع في القليل والكثير، وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا، وحكاه القاضي عياض عن الحسن البصري والخوارج وأهل الظاهر، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يخصوا الآية، وقال جماهير العلماء: ولا تقطع إلَّا في نصاب لهذه الأحاديث الصحيحة.
ثم اختلفوا في قدر النصاب، فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر، ولا يقطع في أقل منه، وبهذا قال كثيرون أو الأكثرون، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي
[ ١٢ / ٣٠٠ ]
والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وروي أيضًا عن داود، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما، ولا تقطع فيما دون ذلك، وقال سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن في رواية عنه: لا تقطع إلاَّ في خمسة دراهم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلَّا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك، وحكى القاضي عن بعض الصحابة أنَّ النصاب أربعة دراهم، وعن عثمان البتي أنَّه درهم، وعن الحسن أنَّه درهمان، وعن النخعي أنَّه أربعون درهمًا أو أربعة دنانير، والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ لأنَّ النبي ﷺ صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه وأنَّه ربع دينار، وأمَّا باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث. وأمَّا رواية أنَّه ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. فمحمولة على أنَّ هذا القدر كان ربع دينار فصاعدًا، وهي قضية عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك صريح لفظه ﷺ في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة، بل يجب حملها على موافقة لفظه، وكذا الرواية الأخرى: لم يقطع يد السارق في أقل من ثمن المجن. محمولة على أنَّه كان ربع دينار، ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره صلى
[ ١٢ / ٣٠١ ]
الله عليه وسلم. وأمَّا ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت: قطع في مجن قيمته عشرة دراهم، وفي رواية: خمسة، فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة في التقدير بربع دينار مع أنَّه يمكن حملها على أنَّه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقًا لا أنَّه شرط ذلك في قطع السارق، وليس في لفظها ما يدل على تقدير النصاب بذلك» اهـ.
قُلْتُ: وهناك شروط أخرى ذكرها العلماء للقطع وهي:
الشرط الأول: السرقة، وهي: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار. ومنه استراق السمع، ومسارقة النظر.
فخرج بذلك النهب والاختلاس والغصب فلا تدخل في مسمى السرقة.
قُلْتُ: المختلس هو الذي يأخذ المال خفية من غير حرز، وقد جاء فيه ما رواه أبو داود (٤٣٩٣)، والنسائي (٤٩٧٣) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ، مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَمِعَهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ.
[ ١٢ / ٣٠٢ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَاهُمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: الزيات متروك الحديث لكنه متابع تابعه المغيرة بن مسلم وهو حسن الحديث، بقى أنَّ أبا الزبير مدلس وقد عنعن.
ورواية المغيرة وصلها النسائي (٤٩٧٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٦٩).
وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، رواه ابن ماجة (٢٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، يونس بن يزيد هو الأيلي يخطئ في روايته عن الزهري إلَّا أنَّه من الخطاء اليسير وحديثه عن الزهري مخرج في الصحيحين.
قُلْتُ: والمنتهب هو الذي يأخذ المال اختطافًا والناس ينظرون إليه، وجاء فيه ما رواه أحمد (١٥١١٢)، وأبو داود (٤٣٩١)، وابن ماجة (٢٥٩١)، والنسائي (٤٩٧٢)، والترمذي (١٤٤٨) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ
[ ١٢ / ٣٠٣ ]
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ، وَمَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا».
ولفظ النسائي والترمذي: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير وهما مدلسان. وقد سمعه ابن جريج من الزيات كما سبق في كلام أحمد.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٥٠): «وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ: "ليس على مختلس، ولا خائن، ولا منتهب قطع".
فقالا: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: إنَّه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير.
فقالا: قال زيد بن حباب: عن ياسين، أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير.
فقلت لهما: ما حال ياسين؟
فقالا: ليس بقوي» اهـ.
وَقَالَ النَّسَائِي ﵀: «وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ» اهـ.
[ ١٢ / ٣٠٤ ]
لكن صرح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير عند عبد الرزاق في [الْمُصَّنَفِ] (١٨٨٤٤)، والدارمي (٢٣١٠)، والدارقطني (٣٤١١)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٤٦٣) ولم يرتض ذلك النسائي فقال في "الكبرى":
«مَا عَمِلَ شَيْئًا، ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ في "الكبرى"، و"المجتبى": «وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، وَابْنُ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ: وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ، «فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
وقد تابع ابن جريج سفيان الثوري عند النسائي (٤٩٧١)، لكن قال النسائي: «لَمْ يَسْمَعْهُ سُفْيَانُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر» اهـ.
وتابع أبا الزبير عمرو بن دينار عند ابن حبان (٤٤٥٦، ٤٤٥٧).
وللحديث شاهد من حديث أنس رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٠٩)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (٢٦١٢)، ورواه أيضًا ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٩٢٧)، والخطيب في [الْجَامِعِ] (١٤٧٦) من طريق أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ
[ ١٢ / ٣٠٥ ]
قَالَ: نا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مِنْ حِفْظِهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا خَائِنٍ قَطْعٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ؛ لكن قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (١٥/ ٤٨٨): «غريب جدًا مع عدالة رواته، فلا تنبغي الرواية إلَّا من كتاب، فإنِّي أرى ابن وهب مع حفظه وهم فيه، وللمتن إسناد غير هذا» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يكون الوهم من يونس وهو ابن يزيد الأيلي ففي روايته عن الزهري بعض الوهم. والله أعلم.
فخلاصة القول: أنَّ الذي يثبت من الحديث هو حديث عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم.
وقد بيَّن الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ الحكمة في قطع يد السارق دون المختلس والمنتهب والغاصب فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٨٠ - ٨١): «وأمَّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضًا فإنَّ السارق لا يمكن الاحتراز منه فإنَّه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه
[ ١٢ / ٣٠٦ ]
لسرق الناس بعضهم بعضًا وعظم الضرر واشتدت المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإنَّ المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأمَّا المختلس فإنَّه إنَّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه وإلَّا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق بل هو بالخائن أشبه.
وأيضًا فالمختلس إنَّما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبًا؛ فإنَّه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا فهو كالمنتهب.
وأمَّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي» اهـ.
الشرط الثاني من شروط القطع: أن يكون المسروق مالًا محترمًا لمعصوم. فيخرج بذلك من باع حرًا فلا قطع عليه في قول أكثر العلماء، وقال الحسن، والشعبي، ومالك، وإسحاق: يقطع بسرقة الحر الصغير؛ لأنَّه غير مميز، أشبه العبد.
[ ١٢ / ٣٠٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٩٧): «فصل: وإن سرق ماء، فلا قطع فيه.
قال أبو بكر، وأبو إسحاق بن شاقلا؛ لأنَّه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد صار في أيامنا هذه متولًا، ويتاجر الناس به التجارات العظيمة.
ويشترط في هذا المال أن يكون حلالًا على الصحيح فإنَّ الحرام لا حرمة فيه.
ويخرج بقيد المحترم: المال الحرام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٦٠): «مسألة: قال: "ولا يقطع في محرم، ولا في آلة لهو".
يعني لا يقطع في سرقة محرم؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، ونحوها، سواء سرقه من مسلم أو ذمي.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وحكي عن عطاء أنَّ سارق خمر الذمي يقطع، وإن كان مسلمًا؛ لأنَّه مال لهم، أشبه ما لو سرق دراهمهم.
[ ١٢ / ٣٠٨ ]
ولنا أنَّها عين محرمة، فلا يقطع بسرقتها، كالخنزير؛ ولأنَّ ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم، لا يقطع بسرقته من مال الذمي، كالميتة والدم.
وما ذكروه ينتقض بالخنزير، ولا اعتبار به، فإنَّ الاعتبار بحكم الإسلام، وهو يجري عليهم دون أحكامهم.
وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصابًا.
وأمَّا آلة اللهو كالطنبور، والمزمار، والشبابة، فلا قطع فيه، وإن بلغت قيمته مفصلًا نصابًا.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابًا، ففيه القطع، وإلَّا فلا؛ لأنَّه سرق ما قيمته نصاب، لا شبهة له فيه، من حرز مثله، وهو من أهل القطع، فوجب قطعه، كما لو كان ذهبًا مكسورًا.
ولنا أنَّه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته، كالخمر؛ ولأنَّ له حقًا في أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة مانعة من القطع، كاستحقاقه مال ولده.
فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابًا، فلا قطع فيه أيضًا، في قياس قول أبي بكر؛ لأنَّه متصل بما لا قطع فيه، فأشبه الخشب والأوتار.
[ ١٢ / ٣٠٩ ]
وقال القاضي: فيه القطع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه سرق نصابًا من حرزه، فأشبه المنفرد» اهـ.
قُلْتُ: ويخرج بقيد المعصوم من ليس بمعصوم كمال الحربي.
الشرط الثالث: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه.
قُلْتُ: واشتراط الحرز قول عامة العلماء، وشذ داود الظاهري فلم يره شرطًا.
ويدل عليه نفي النبي ﷺ القطع عن المختلس كما مضى، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٧٤٦، ٦٨٩١، ٦٩٣٦)، وأبو داود (١٧١٠، ٤٣٩٠)، والنسائي (٤٩٥٨، ٤٩٥٩)، وابن ماجة (٢٥٩٦) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وجمهور العلماء على أنَّه يشترط في القطع إخراج المسروق من حرزه، فلو أخذه من حرزه ولم يخرجه منه فلا قطع في قول عامة العلماء إلَّا ما يحكى عن
[ ١٢ / ٣١٠ ]
الحسن، والنخعي من أنَّ من جمع المتاع ولم يخرجه من الحرز فعليه القطع، وحكي عن الحسن خلاف ذلك، وحكى القطع عن عائشة، والله أعلم بصحته عنها.
وما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨١٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٩١٩) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَنِي بِهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُمَا سُئِلَا: السَّارِقُ يَسْرِقُ، فَيَطْرَحُ السَّرِقَةَ، وَيُوجَدُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْهُ، لَمْ يَخْرُجْ؟ فَقَالَا: «عَلَيْهِ الْقَطْعُ».
فَإِسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل أبي بكر بن عبد الله وهو ابن محمد بن أبي سبرة متروك الحديث رمي بالوضع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١):
«فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا، أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ، وَالْآخَرُ فِي عُلُوِّهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ وَرَاءُ الدَّارِ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إخْرَاجِهِ. وَإِنْ دَخَلَا جَمِيعًا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، إذَا أَخْرَجَ نِصَابَيْنِ. وَقَالَ
[ ١٢ / ٣١١ ]
مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ النِّصَابِ، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ فَتَمَّا نِصَابَيْنِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا. وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، وَالْآخَرُ دُونَ النِّصَابِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْقَطْعُ عَلَى مُخْرِجِ النِّصَابِ وَحْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَبْلُغْ نُصُبًا بِعَدَدِ السَّارِقِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ مَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ نَقَبَا حِرْزًا، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَرَّبَ الْمَتَاعَ مِنْ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَنَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا فَأَخْرَجَاهُ. وَإِنْ وَضَعَهُ فِي النَّقْبِ، فَمَدَّ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» اهـ.
[ ١٢ / ٣١٢ ]
قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد في جميع هذه الصور أصح فهما متعاونان ومتمالئان على السرقة كالمتمالئين من قطاع الطريق.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١ - ١٤٢):
«فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَبَ رَجُلٌ وَانْصَرَفَ، وَجَاءَ آخَرُ فَصَادَفَ الْحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ مِنْهُ. وَإِنْ نَقَبَ رَجُلٌ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يَكُونُ آلَةً لِلْآمِرِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ.
وَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي النَّقْبِ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَنَاوَلَهُ لِلْآخَرِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ وَحْدَهُ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّقْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَى السَّرِقَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ
[ ١٢ / ٣١٣ ]
دَاخِلَ الْحِرْزِ وَلَنَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ خَرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِهِ، وَيُخَالِفُ إذَا أَتْلَفَهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّهما إذا تواطآ على ذلك فعليهما القطع، والقول بعدم القطع فتح باب للمحتالين.
قَالَ أَبُو البَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْمُحَرِرِ] (٢/ ١٥٧):
«وإن نقب أحدهما ثم دخل الآخر وأخرجه قطعا إن تواطآ على السرقة وإلا فلا قطع وقيل لا قطع بحال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ١٣٨):
«وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَإِنْ تَوَاطَآ فَفِي قطعهما وجهان وإلَّا فلا قطع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٥٩)
«وإن نقب أحدهما: الحرز ودخل الآخر وأخرج المال ففيه طريقان: من أصحابنا من قال فيه قولان كالمسألة قبلها ومنهم من قال لا يجب القطع قولًا واحدًا لأن أحدهما: نقب ولم يخرج المال والآخر أخرج المال من غير حرزه» اهـ.
الشرط الرابع: أن يكون السارق مكلفًا.
[ ١٢ / ٣١٤ ]
الشرط الخامس: ثبوت السرقة. وثبوتها يكون إمَّا بشهادة عدلين، وإمَّا بالإقرار.
الشرط السادس: أن يكون المسروق مما لا شبهة للسارق فيه لأنَّ الحدود تدرأ بالشبهات، فلا تقطع يد أحد الوالدين في السرقة من مال أولادهما، ولا الأولاد من مال أبيهم، ولا يقطع من سرق من بيت المال لأنَّه ما من مسلم إلَّا وله في هذا المال حق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٧٠): «فَصْلٌ: وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء فيمن من سرق شيئًا من أثاث المسجد، فذهبت الحنفية والحنابلة إلى عدم القطع، وعللت الحنفية بأنَّه لا مالك له، وعللت الحنابلة بأنَّه له شبهة في أخذه لأنَّه من جملة من ينتفع به.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَدِ الْقَيْرَوَانِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [النَّوادِرِ] (١٤/ ٤١٣):
«قال عيسى عن ابن القاسم: من سرق من حصر المسجد (قطع) وإن لم يكن له باب.
[ ١٢ / ٣١٥ ]
ومن سرق الأبواب قطع.
وروى ابن القاسم عن مالك: إذا كانت سرقته للحصر نهارًا لم يقطع، وإن كان تسور عليها (ليلًا قطع).
وذكر عن سحنون في غير العتبية: إذا كانت حصره قد خيط بعضها إلى بعض قطع وإلَّا لم يقطع.
قال ابن القاسم: ومن سرق من المسجد الحرام أو من مسجد لا يغلق فلا قطع عليه. ومن سرق القناديل قطع سرقها ليلًا أو نهارًا.
ومن كتاب ابن المواز قال أشهب: ولا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. وقال أصبغ في ذلك كله القطع، وقال محمد، كما لو سرق أو خشبة من سقفه أو من جوائزه» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٦١):
«فصل: وإن سرق رتاج الكعبة أو باب المسجد أو تأزيره قطع لما روي عن عمر ﵁ أنَّه قطع سارقًا سرق قبطية من منبر رسول الله ﷺ ولأنَّه مال محرز بحرز مثله لا شبهة له فيه، وإن سرق مسلم من قناديل المسجد
[ ١٢ / ٣١٦ ]
أومن حصره لم يقطع لأنَّه جعل ذلك لمنفعة المسلمين وللسارق فيها حق وإن سرقه ذمي قطع لأنَّه لا حق له فيها» اهـ.
قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٥/ ٤٧٣):
«(وَالْمَذْهَبُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ (قَطْعُهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (بِ) سَرِقَةِ (بَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ) بِإِعْجَامِ الذَّالِ وَتَأْزِيرِهِ وَسَوَارِيهِ وَسُقُوفِهِ وَقَنَادِيلَ زِينَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِلتَّحْصِينِ، وَالْجِذْعَ وَنَحْوَهُ لِلْعِمَارَةِ، وَلِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَنَادِيلِ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا سِتْرُ الْكَعْبَةِ فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ خِيطَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحْرِزٌ (لَا) بِسَرِقَةِ (حُصْرِهِ) الْمُعَدَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ وَلَا سَائِرِ مَا يُفْرَشُ فِيهِ (وَ) لَا (قَنَادِيلَ تُسْرَجُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَخَرَجَ بِالْمُعَدَّةِ حُصْرُ الزِّينَةِ فَيُقْطَعُ بِهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقَّنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتْرُ الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ إنْ خِيطَ عَلَيْهِ. وَأَنْ يَكُونَ بَلَاطَ الْمَسْجِدِ حُصْرَهُ الْمُعَدَّةَ لِلِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيُقْطَعُ بِذَلِكَ قَطْعًا لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١١٤ - ١١٥):
«فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا، أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ، أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا، أَوْ تَأْزِيرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،
[ ١٢ / ٣١٧ ]
وَابْنِ الْقَاسِمِ، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مِثْلُهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ. وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ، كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَتْ بِمَخِيطَةٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُحْرَزُ بِخِيَاطَتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِيهَا بِحَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١٠/ ٢٧٥):
«قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَصَرَهُ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ). وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُقْطَعُ فِي الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْوَجِيزِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا: قُطِعَ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: قَوْلًا وَاحِدًا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهِ.
[ ١٢ / ٣١٨ ]
فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي قَنَادِيلِهِ الَّتِي تَنْفَعُ الْمُصَلِّينَ وَبِوَارِيهِ وَحُصُرِهِ وَبُسُطِهِ: وَجْهَانِ. وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ. انْتَهَى» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذهب إلى قطعه قال: المسجد يعتبر حرزًا لما فيه، واحتج بعضهم بما رواه أحمد (٦٣١٧)، ومن طريقه أبو داود (٤٣٨٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ نَافِعًا، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُمْ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْسًا، مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ».
ورواه النسائي (٤٩٠٩) من طريق ابن جريج به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواية إسماعيل بن أمية عن نافع أصلها في مسلم (١٦٨٦) لكنَّه لم يسق لفظها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠)
«الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا يُعْتَادُ وَضْعُهُ فِيهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ تُرْسًا، وَعَلَى هَذَا فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَبُسُطِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ. وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْهُ، قَالَ: لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقٌّ، قُطِعَ كَالذِّمِّيِّ» اهـ.
[ ١٢ / ٣١٩ ]
قُلْتُ: وهذا الاحتجاج فيه نظر وذلك أنَّ الترس ليس من أثاث المسجد وآلاته، لكن قد يقال: إذا كان حرزًا لغير أثاثه فهو حرز لأثاثه بطريق الأولى لكنني لا أعلم أحدًا من أهل العلم ذهب إلى هذا المذهب وهو أنَّ المسجد حرز لغير أثاثه.
ولا قطع لمن سرق عند الضرورة إذا لم يجد غير ذلك، ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٢٩)، ومن طريقه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٦٨)، ورواه أيضًا عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٦٦) من طريق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ غُلَامِي هَذَا سَرَقَ فَاقْطَعْ يَدَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا سَرَقَ؟». قَالَ: مِرْآةَ امْرَأَتِي، قِيمَتُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا، قَالَ: «أَرْسِلْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِكُمْ قُطِعَ».
هذا لفظ عبد الرزاق، ولفظ الإمام مالك والشافعي: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ جَاءَ بِغُلَامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَ غُلَامِي هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَاذَا سَرَقَ؟». فَقَالَ: سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا. فَقَالَ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩١٦٢)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٧٧٤) من طريق إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: جَاءَ مَعْقِلٌ الْمُزَنِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: غُلَامِي سَرَقَ قَبَائِي فَأَقْطَعُهُ؟، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَا، مالُكَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبد الله هو ابن مسعود.
قُلْتُ: ومن جملة الشبهات المانعة للقطع أن يسرق الأجنبي مالًا مسروقًا أو مغصوبًا.
واختلف العلماء في سرقة أحد الزوجين من الآخر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ١٤٥):
«وَلَا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِهِ الْمُحَرَّزِ عَنْهُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ كَمَنْعِهِ نَفَقَتَهَا فَتَأْخُذُهَا، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: أَوْ أَكْثَرُ. وَعَنْهُ: بَلَى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٦٢):
«وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه يقطع لأنَّ النكاح عقد على المنفعة فلا يسقط القطع بالسرقة كالإجارة والثاني: أنَّه لا يقطع لأنَّ الزوجة تستحق النفقة على الزوج والزوج يملك أن
[ ١٢ / ٣٢١ ]
يحجر عليها ويمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء فصار ذلك شبهة والثالث: أنَّه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج لأن للزوجة حقًا في مال الزوج بالنفقة وليس للزوج حق في مالها ومن لا يقطع من الزوجين بسرقة مال الآخر لا يقطع عبده بسرقة ماله لقول عمر ﵁ في سرقة غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته أرسله فلا قطع عليه خادمكم أخد متاعكم ولأن يد عبده كيده فكانت سرقته من ماله كسرقته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٤٧٥ - ٤٧٧):
«وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر نصابًا نظرت:
فإن سرق من مال غير محرز عليه لم يجب عليه القطع، وإن سرق من مال محرز عنه فقد قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: لا يجب عليهما القطع.
وقال: في موضع آخر: يجب عليهما القطع.
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها: فقال الشيخُ أبُو حامد: فيها طريقان: أحدهما: أنَّهما على حالين: فالموضع الذي قال: لا يجب عليهما القطع. أراد: إذا كان مال كل واحد منهما مختلطًا بمال الآخر؛ لأنَّه غير محرز عنه.
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
والموضع الذي قال: يجب عليهما القطع. أراد: إذا كان مال واحد منهما منفردًا عن مال الآخر محرزًا عنه.
والطريق الثاني: إذا كان مال أحدهما مختلطًا بمال الآخر فلا يجب على أحدهما القطع بسرقة مال الآخر قولًا واحدًا؛ لأنه غير محرز عنه. وإن كان مال أحدهما منفردًا عن مال الآخر محرزًا عنه ففيه قولان - قال: وهو الأصح -:
أحدهما: لا يجب عليه القطع - وهو قول أبي حَنِيفَة - لأنَّ ما لم يقطع عبده بسرقة ماله لم يقطع سيده بسرقته. وقد رُوِيَ عن عمر: أنه قال: في غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته: أرسله: فلا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم.
ولأنَّ كل واحد من الزوجين له شبهة في مال الآخر؛ أمَّا الزوجة: فلاستحقاقها النفقة في مال الزوج، وأمَّا الزوج: فلأنَّه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها- على قول بعض الفقهاء - ولأنَّ العادة أنَّ كل واحد من الزوجين لا يحرز ماله عن الآخر، وإن فعل ذلك كان نادرًا، فألحق النادر بالغالب.
والثاني: يجب عليهما القطع، وهو الصحيح؛ لعموم الآية والخبر؛ ولأنَّ الزوجية عقد تستباح به المنفعة، فلم تؤثر في إسقاط القطع، كالإجارة وما رُوِيَ عن عمر ﵁ فيحمل على: أنه سرق من موضع ليس بمحرز عنه.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
وذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب عليه القطع.
والثاني: لا يجب عليهما القطع؛ لما ذكرناه.
والثالث: يجب القطع على الزوج بسرقة مال الزوجة؛ لأنَّه لا يستحق حقا في مالها. ولا يجب القطع على الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأنَّ الزوجة تستحق حقًا في ماله.
فإذا قلنا: لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر .. لم يقطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر؛ لما رَوَيْنَاهُ من حديث عمر ﵁، وأرضاه. وإذا قلنا: يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر قطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١٠٨٠):
«أو عبد الرجل إذا سرق من مال سيده أو من مال ابن سيده أو زوجته أو أهله الذين معه إلَّا أن يكون للرجل شيء يستتر به عن زوجته ويضرب عليه قفله دونها أو تفعل ذلك هي بشيء من مالها عنه فيفتح أحدهما غلق ذلك سرقة ويأخذ منه ما يجب فيه القطع فإنَّه يقطع عند مالك، وما قطع فيه الزوج من مال امرأته أو المرأة من مال زوجها قطع فيه عبد كل واحد منهما من صاحبه وما كان على غير هذا مما
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
يكون معهم في الدار فلا قطع فيه على عبد سرق من مال زوجة سيده كما لا يقطع فيه سيده» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر عدم القطع مطلقًا كالعبد إذا سرق من مال سيده وحمل ذلك على السرقة من غير حرز لا يستقيم لأنَّه لا فرق في ذلك في ذلك بين العبد والغريب، ولأنَّ الصحابة لم يستفصلوا عن ذلك، ولأنَّ الزوجين يتوسعان وينبسطان في ماليهما.
السابع: أن يأتي مالك المسروق ويدعيه، وذلك لاحتمال أن يكون وهبه إياه أو باعه له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٨٥): «وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال أبو بكر: يقطع، ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة. وهذا قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لعموم الآية؛ ولأنَّ موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة، كحد الزنا.
ولنا أنَّ المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه إياه، أو وقفه على المسلمين، أو على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة» اهـ.
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٩٨): «ولا يشترط في القطع بالسرقة مطالبة المسروق منه بماله وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر ومذهب مالك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠):
«الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ، فَلَوْ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ:
"هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ"» اهـ.
هذا الحديث رواه أحمد (١٥٣٠٣، ٢٧٦٣٧) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قِيلَ لَهُ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَصِلُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمُوا أَنَّهُ هَلَكَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ: «كَلَّا أَبَا وَهْبٍ، فَارْجِعْ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ» قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا رَاقِدٌ إِذْ جَاءَ السَّارِقُ، فَأَخَذَ ثَوْبِي مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا سَرَقَ
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
ثَوْبِي، فَأَمَرَ بِهِ ﷺ أَنْ يُقْطَعَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ».
ورواه ابن ماجة (٢٥٩٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطَعَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ».
ورواه أحمد (١٥٣٠٥، ٢٧٦٣٩)، ومن طريقه النسائي (٤٨٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ مُرَقَّعٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: «فَلَوْلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ» فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
ورواه أحمد (١٥٣٠٦، ٢٧٦٤٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ هَاجَرَ، قَالَ:
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
فَقُلْتُ: لَا أَدْخُلُ مَنْزِلِي، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا سَرَقَ خَمِيصَةً لِي لِرَجُلٍ مَعَهُ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ، قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ».
ورواه النسائي (٤٨٨٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَخَذَ اللِّصَّ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ».
ورواه أحمد (١٥٣١٠، ٢٧٦٤٤)، وأبو داود (٤٣٩٤)، والنسائي (٤٨٨٣) من طريق سِمَاكٍ، عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي، فَسُرِقَتْ فَأَخَذْنَا السَّارِقَ، فَرَفَعْنَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي خَمِيصَةٍ ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا أَنَا أَهَبُهَا لَهُ، أَوْ أَبِيعُهَا لَهُ، قَالَ: «فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ثَابِتٌ.
* * *
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
٣٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - ثبوت القطع في السرقة.
٢ - أنَّ نصاب القطع ربع دينار.
قُلْتُ: وهذا محمول على الذهب الخالص.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٩٢ - ١٩٣): «فصل: وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص، ففيه القطع.
وإن كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية، لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار؛ لأنَّ السبك ينقصه.
وإن سرق ربع دينار قراضة، أو تبرًا خالصًا، أو حليًا، ففيه القطع.
نص عليه أحمد، في رواية الجوزجاني، قال قلت له: كيف يسرق ربع دينار؟ فقال: قطعة ذهب، أو خاتمًا، أو حليًا.
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي.
وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين:
أحدهما: لا قطع عليه.
وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنَّ الدينار اسم للمضروب.
ولنا أنَّ ذلك ربع دينار؛ لأنَّه يقال: دينار قراضة، ومكسر، أو دينار خالص.
ولأنَّه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلَّا مكسورًا.
وقد أوجب عليه القطع بذلك؛ ولأنَّه حق الله تعالى تعلق بالمضروب، فتعلق بما ليس بمضروب، كالزكاة، والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح، فإن بلغ ذلك ففيه القطع.
والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم، وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم، وهو الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وقبله ولم يتغير، وإنَّما كانت الدراهم مختلفة، فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل، فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها، إذا كانت خالصة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، على ما ذكرناه في الذهب.
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
وعند أبي حنيفة أنَّ النصاب إنَّما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر ما دل عليه، ويحتمل ما قاله في الدراهم؛ لأنَّ إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة، بخلاف ربع الدينار، على أننا قد ذكرنا فيها احتمالًا متقدمًا، فهاهنا أولى.
وما قوم من غيرهما بهما، فلا قطع فيه، حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحًا؛ لأنَّ إطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الذهب إذا كان خالصًا تبرًا، أو قراضة - وهو ما يقرض من الدينار بالمقراض - فبلغ بوزنه ربع دينار ففيه القطع، وإن لم تبلغ قيمته ربع دينار من الذهب المضروب، فإنَّ ربع الشيء إذا أطلق إنَّما يتناول وزنه في الأشياء الموزونة دون قيمته، ولأنَّه لا يمكن أن يسرق ربع دينار إلَّا مكسرًا، وذلك أنَّه لم يعهد ربع دينار مضروب في عصر النبوة، نعم إذا سرق غير الذهب فينظر حينئذ إلى بلوغ المسروق قيمة ربع دينار من الذهب الخالص المضروب، ولا ينظر إلى قيمته من غير المضروب، وذلك لأنَّ الدينار في الأصل هو المضروب، وإنَّما لم نعتبر ذلك في سرقة الذهب للعلة السابقة، وهي منتفية في القيمة. والله أعلم.
والدينار بالأوزان الحديثة أربعة جرامات وربع الجرام، وبناء على ذلك فإنَّ ربع الدينار جرام ونصف ثمن الجرام.
[ ١٢ / ٣٣١ ]
٣ - الأصل إذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف من الكوع، ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩١٩٢) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَسَرَّةَ بْنِ مَعْبَدٍ اللَّخْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنِ عَدِيٍّ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمَفْصِلِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. وجاء موصولًا عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٢٥ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا ابْنُ صَاعِدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ، ثنا وَكِيعٌ، ثنا مَسَرَّةُ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ يُحَدِّثُ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عَدِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمَفْصِلِ».
قُلْتُ: لكن الذي يظهر لي أنَّ رواية ابن أبي شيبة المرسلة أصح من رواية أحمد بن محمد بن أبي رجاء.
وقال البيهقي (١٧٠٢٦) - بعد روايته لما سبق -: قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، مِثْلَهُ اهـ.
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير.
[ ١٢ / ٣٣٢ ]
ويشهد له ما رواه ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٣/ ٣٨)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٢٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ الصُّوفيّ بتنيس، قَال: حَدَّثَنا عَبد الرَّحْمَنِ بْن سالم البصري، حَدَّثَنا خَالِدُ بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ الخراساني، حَدَّثَنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبد اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: «قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَارِقًا مِنَ الْمِفْصَلِ».
قُلْتُ: وفي إسناده ليث وهو ابن أبي سليم مختلط، وعبد الرحمن بن سالم لم أعرفه.
فخلاصة القول: أنَّ الحديث حسن بهذه الشواهد.
٤ - ليس في الحديث تعيين لليد التي تقطع أولًا، وقد جاءت قراءة شاذه عن ابن مسعود: «فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا».
قُلْتُ: وقد روى ذلك الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (١١٩٦٤) من رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى النخعي ثم هو منقطع، ومراسيل النخعي عن ابن مسعود جيدة.
وجاء من طريق مجاهد عن ابن مسعود عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٧٠٨)، وفيه انقطاع بين مجاهد وابن مسعود، وفي السند إليه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف الحديث، فالذي يظهر لي هو صحة هذه القراءة إلى ابن مسعود لكنها من
[ ١٢ / ٣٣٣ ]
القراءات الشاذة، والقراءة الشاذة تنزل منزلة الخبر عن النبي ﷺ.
وقد قرر جماعة من العلماء أنَّ القراءة الشاذة تعد منسوخة بالعرضة الآخرة لكن لا يمنع ذلك من الاحتجاج بها إذا صح سندها، فإنَّها وإن لم تثبت أنَّها من القرآن الذي بقى رسمه فإنَّها من القران الذي بقي حكمه.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٣): «بل ذكر ابن عبد البر إجماع العلماء على أنَّ القراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن الصحابة فإنَّه يجوز الاستدلال بها في الأحكام» اهـ.
وفي الباب ما رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٤٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَّحَابَةِ] (١٩٦٢) ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّهُ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَا لَهُمْ مَالٌ غَيْرُهُ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَمِينَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ
[ ١٢ / ٣٣٤ ]
السَّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَرْبَعٌ بِأَرْبَعٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ في إسناده عبد الكريم بن أبي أمية وهو ابن أبي المخارق متروك الحديث، والحارث لم يوثقه معتبر وقد أرسل الحديث.
وجاءت أثار عن الصحابة بقطع اليمين منها:
ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٦) من طريق عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: «إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا» وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ومن لا يمنى له قطعت رجله اليسرى، وإذا كانت شلاء فالذي يظهر لي هو قطعها ما لم يكن من ذلك ضرر بالغ عليه، وهكذا إن كانت اليمنى قد قطع شيء منها بحيث لم يذهب نفعها بالكلية فيقطع ما بقي منها في السرقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٦): «فصل: ومن سرق ولا يمنى له، قطعت رجله اليسرى، كما يقطع في السرقة الثانية، وإن كانت يمناه
[ ١٢ / ٣٣٥ ]
شلاء، ففيها روايتان؛ إحداهما: تقطع رجله اليسرى؛ لأنَّ الشلاء لا نفع فيها ولا جمال، فأشبهت كفًا لا أصابع عليه.
قال إبراهيم الحربي، عن أحمد، فيمن سرق ويمناه جافة: تقطع رجله.
والرواية الثانية: أنَّه يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنَّها إذا قطعت رقأ دمها، وانحسمت عروقها قطعت؛ لأنَّه أمكن قطع يمينه فوجب، كما لو كانت صحيحة.
وإن قالوا: لا يرقأ دمها لم تقطع؛ لأنَّه يخاف تلفه، وقطعت رجله. وهذا مذهب الشافعي.
وإن كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة ففيها وجهان؛ أحدهما: لا تقطع وتقطع الرجل؛ لأنَّ الكف لا تجب فيه دية اليد، فأشبه الذراع.
والثاني: تقطع؛ لأنَّ الراحة بعض ما يقطع في السرقة، فإذا كان موجودًا قطع، كما لو ذهب الخنصر أو البنصر.
وإن ذهب بعض الأصابع، نظرنا؛ فإن ذهب الخنصر والبنصر، أو ذهبت واحدة سواهما، قطعت؛ لأنَّ معظم نفعها باق، وإن لم يبق إلَّا واحدة، فهي كالتي ذهب
[ ١٢ / ٣٣٦ ]
جميع أصابعها، وإن بقي اثنتان، فهل تلحق بالصحيحة، أو بما قطع جميع أصابعها؟ على وجهين.
والأولى قطعها؛ لأنَّ نفعها لم يذهب بالكلية» اهـ.
قُلْتُ: وإذا قطع الجذاذ يسرى السارق خطأ أو عمدًا، فيكفى بها في الحد، ولا تقطع يمناه مع ذلك حتى لا تفوت عليه منفعة الجنس، وأمَّا القاطع لليسرى إن كان متعمدًا فيؤدب على ذلك، ولا قصاص عليه ولا دية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٨): «فصل: وإن سرق فقطع الجذاذ يساره بدلًا عن يمينه، أجزأت، ولا شيء على القاطع إلَّا الأدب.
وبهذا قال قتادة، والشعبي، وأصحاب الرأي.
وذلك لأنَّ قطع يمنى السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس، وقطع يديه بسرقة واحدة، فلا يشرع، وإذا انتفى قطع يمينه، حصل قطع يساره مجزئًا عن القطع الواجب، فلا يجب على فاعله قصاص.
وقال أصحابنا: في وجوب قطع يمين السارق وجهان.
وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسارًا، أو ظن أن قطعها يجزئ قولان؛ أحدهما: لا تقطع يمين السارق، كي لا تقطع يداه بسرقة واحدة.
[ ١٢ / ٣٣٧ ]
والثاني: تقطع، كما لو قطعت يسراه قصاصًا.
فأمَّا القاطع: فاتفق أصحابنا والشافعي على أنَّه إن قطعها عن غير اختيار من السارق، أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظنًا منه أنَّها تجزئ، وقطعها القاطع عالمًا بأنَّها يسراه، وأنَّها لا تجزئ، فعليه القصاص، وإن لم يعلم أنَّها يسراه، أو ظن أنَّها مجزئة، فعليه ديتها.
وإن كان السارق أخرجها مختارًا عالمًا بالأمرين، فلا شيء على القاطع؛ لأنَّه أذن في قطعها، فأشبه غير السارق.
والمختار عندنا ما ذكرناه - والله أعلم -» اهـ.
وهل تقطع اليمنى إذا كانت يسراه مقطوعة قبل ذلك أو كانت مشلولة، في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٤٢ - ٢٤٣): «فصل: وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة، أو شلاء، أو مقطوعة الأصابع، أو كانت يداه صحيحتين فقطعت اليسرى، أو شلت قبل قطع يمناه، لم تقطع يمناه، على الرواية الأولى، وتقطع على الثانية.
وإن قطع يسراه قاطع متعمدًا، فعليه القصاص؛ لأنَّه قطع طرفًا معصومًا.
[ ١٢ / ٣٣٨ ]
وإن قطعه غير متعمد، فعليه ديته، ولا تقطع يمين السارق. وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي.
وفي قطع رجل السارق وجهان؛ أصحهما: لا يجب؛ لأنَّه لم يجب بالسرقة، وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجله، كما لو كان المقطوع يمينه.
والثاني: تقطع رجله؛ لأنَّه تعذر قطع يمينه، فقطعت رجله، كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة.
وإن كانت يمناه صحيحة، ويسراه ناقصة نقصًا يذهب بمعظم نفعها، مثل أن يذهب منها الإبهام أو الوسطى أو السبابة، احتمل أن يكون كقطعها، وينتقل إلى رجله.
وهذا قول أصحاب الرأي.
واحتمل أن تقطع يمناه؛ لأنَّ له يدًا ينتفع بها، أشبه ما لو قطعت خنصرها.
وإن كانت يداه صحيحتين، ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة، فلا أعلم فيها قولًا لأصحابنا، ويحتمل وجهين؛ أحدهما: تقطع يمينه.
وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه سارق له يمنى، فقطعت عملًا بالكتاب والسنة؛ ولأنَّه سارق له يدان، فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى.
[ ١٢ / ٣٣٩ ]
والثاني: لا يقطع منه شيء. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين.
فأمَّا إن كانت رجله اليسرى شلاء، ويداه صحيحتان، قطعت يده اليمنى؛ لأنَّه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع، وعلى قياس هذه المسألة: لو سرق ويده اليسرى مقطوعة، أو شلاء لم يقطع منه شيء؛ لذلك.
وأنكر هذا ابن المنذر وقال أصحاب الرأي: بقولهم هذا خالفوا كتاب الله بغير حجة» اهـ.
قُلْتُ: القول بعدم القطع في هذه المسائل مما له حظ من النظر باعتبار تعدي الضرر، وما زاد على القطع من الضرر مما لا يستحقه السارق، فإذا كان القطع لا يتم إلَّا بحصول ضرر لا يستحقه السارق فالأصل درء المفاسد، ويكتفى بحبسه وتأديبه، ومثل ذلك إذا كان القطع يؤدي إلى إتلافه لضعفه، فإنَّه لا يقطع درءًا لهذه المفسدة.
ويتقوى قول من يرى القطع بعموم أدلة الكتاب والسنة. والله أعلم.
٥ - في قطع اليد اليسرى بعد القدم اليسرى نزاع بين العلماء، وقد جاء في ذلك ما رواه الدارقطني (٣٣٩٢) ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نا
[ ١٢ / ٣٤٠ ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، أنا الْوَاقِدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، وَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ». كَذَا قَالَ خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ.
قُلْتُ: في إسناده الواقدي وهو متروك الحديث.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٣٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ، فَأُتِيَ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ السَّادِسَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ السَّابِعَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ الثَّامِنَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عبد ربه بن أبي أمية مجهول جهالة عين، والحارث لم يوثقه معتبر وقد أرسل الحديث.
لكن روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٢) أَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: ثنا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ، أنبأ أَحْمَدُ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ، أنبأ
[ ١٢ / ٣٤١ ]
أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: «أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَقْطُوعَةٌ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقْطَعُ رِجْلَهُ وَيَدَعُ يَدَهُ يَسْتَطْيبُ بِهَا وَيَتَطَهَّرُ بِهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَقْطَعَنَّ يَدَهُ الْأُخْرَى"، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقُطِعَتْ يَدُهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. لكن إن كان هذا السارق هو الأقطع فالصحيح أنَّه كان أقطع اليد فقط، فقطع الصديق ﵁ رجله، كما سيأتي بيان ذلك.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٢٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ. فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: «وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ». ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ. وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ. فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ. زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ، أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى». وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ».
[ ١٢ / ٣٤٢ ]
قُلْتُ: القاسم لم يدرك جده أبا بكر الصديق ﵁، فَالسَّنَدُ مُنْقَطِعٌ.
وروى الدارقطني (٣٤٠١) ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ نَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ، مَنْ قَطَعَكَ؟»، قَالَ: يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ظُلْمًا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «لَأَكْتُبَنَّ إِلَيْهِ» وَتَوَعَّدَهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ فَقَدُوا حُلِيًّا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَيَّ صَاحِبَهُ»، قَالَ: فَوُجِدَ عِنْدَ صَائِغٍ، فَأُلْجِئَ حَتَّى أُلْجِئَ إِلَى الْأَقْطَعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللَّهِ لَغَرَّتُهُ بِاللَّهِ كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعَ، اقْطَعُوا رِجْلَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نَقْطَعُ يَدَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿، قَالَ: «دُونَكَ».
قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧١)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٠٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَ الَّذِي قَطَعَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ قَبْلَ ذَلِكَ».
[ ١٢ / ٣٤٣ ]
قُلْتُ: إِسْنَادَهَا صَحِيْحٌ. وهذه الرواية تدل على أنَّ الأقطع لم يكن مقطوع القدم قبل قطع الصديق لها، ويدل على أنَّ الصديق قطع رجله ولم يقطع يده، فهذه الرواية الصحيحة خلاف تلك الروايات المنقطعة.
ويؤيد هذه الرواية ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَغَيْرِهِ، قَالَ: «إِنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ، وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إِلَّا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ».
قُلْتُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ.
ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٤)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٠٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٠٣) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ أَسْوَدُ يَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَيُدْنِيهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، حَتَّى بَعَثَ سَاعِيًا - أَوْ قَالَ: سَرِيَّةً - فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَعَهُ، فَقَالَ: «بَلْ تَمْكُثُ عِنْدَنَا، فَأَبَى، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُ، وَاسْتَوْصَى بِهِ خَيْرًا»، فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قَالَ: مَا زِدْتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ، فَخُنْتَهُ فَرِيضَةً وَاحِدَةً، فَقَطَعَ يَدِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «تَجِدُونَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ هَذَا يَخُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَرِيضَةً، وَاللَّهِ لَئِنْ
[ ١٢ / ٣٤٤ ]
كُنْتُ صَادِقًا لَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ»، قَالَ: ثُمَّ أَدْنَاهُ وَلَمْ يُحَوِّلْ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقْرَأُ، فَإِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ قَالَ: «تَالَلَّهِ لَرَجُلٌ قَطَعَ هَذَا»، قَالَ: فَلَمْ يَعِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ وَمَتَاعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «طَرَقَ الْحَيَّ اللَّيْلَةَ»، فَقَامَ الْأَقْطَعُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَهُ الصَّحِيحَةَ وَالْأُخْرَى الَّتِي قُطِعَتْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمْ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَكَانَ مَعْمَرٌ رُبَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِينَ، قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى ظَهَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. فهذا هو المعتمد في شأن الأقطع. والله أعلم.
وفي الباب عن عمر ﵁ أيضًا، وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٢)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٣٩٣، ٣٤٠٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٣، ١٧٠٤٤) من طريق خَالِدٍ
[ ١٢ / ٣٤٥ ]
الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ بَعْدَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء عن عمر ما يدل على خلاف ذلك لكنه لا يصح.
وجاء عن علي ﵁ خلاف ذلك، وقد سبق ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٦)، وابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٦٠)، والدارقطني (٣١٦٦، ٣٣٨٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٦) من طريق عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: «إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا» وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى: أَنَّ عَلِيًّا، كَانَ يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ الثَّانِيَةَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ نَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ فأبو الضحى واسمه مسلم بن صبيح لم يسمع من عليِّ ﵁،
[ ١٢ / ٣٤٦ ]
لكنه متابع فقد رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٤٦) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، وعَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَا: كَانَ عَلِيٌّ، يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ مِرَارًا قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، ثُمَّ إِنْ عَادَ اسْتَوْدَعْتُهُ السِّجْنَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٩): «مسألة: قال: "فإن عاد، حبس، ولا يقطع غير يد ورجل" يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله، لم يقطع منه شيء آخر وحبس.
وبهذا قال عليّ ﵁ والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي.
وعن أحمد، أنَّه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس.
وروي عن أبي بكر، وعمر ﵄، أنَّهما قطعا يد أقطع اليد والرجل.
وهذا قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
وروي عن عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز أنَّه تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة، ويقتل في الخامسة» اهـ.
[ ١٢ / ٣٤٧ ]
قُلْتُ: هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وقضاء عمر مقدم على قضاء علي ﵄، ولم يصح رجوع عمر عن هذا القضاء.
٦ - واحتج به مع آية المائدة من قال: لا تقطع غير اليد في السرقة.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٥٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِعَطَاءٍ: سَرَقَ الْأُولَى؟ قَالَ: يُقْطَعُ كَفُّهُ. قُلْتُ: فَمَا قَوْلُهُمْ: أَصَابِعُهُ؟ قَالَ: لَمْ أُدْرِكْ إِلَّا قَطْعَ الْكَفِّ كُلِّهَا. قُلْتُ: فَسَرَقَ الثَّانِيَةَ؟ قَالَ: مَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ إِلَّا فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى الْيَدُ قَطُّ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَوْ شَاءَ أَمَرَ بِالرِّجْلِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ نَسِيًّا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وعامة العلماء على قطع الرجل اليسرى في المرة الأخرى، وذلك لأنَّ قطع اليدين معًا إذهاب لمنفعة الجنس فلا يستطيع بعد ذلك من الأكل والوضوء وغير ذلك، وهذا أشد من قطع رجله اليسرى، وذلك أنَّه إذا قطعت يده اليمنى ثم في المرة الثانية قطعت رجله اليسرى أمكنه مع ذلك الأكل والوضوء، وأمكنه أيضًا السير عن طريق الاعتماد بالعصي ونحوها باليد اليسرى، وقد شرع الله ﷿
[ ١٢ / ٣٤٨ ]
في حق السارق من قطاع الطريق قطع اليد والرجل من خلاف، فلا تكون عقوبة السارق في غير قطع الطريق بأشد من عقوبة قاطع الطريق.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٤) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ: هَلْ قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «قَدْ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين يحيى بن أبي كثير وابن عمر، لكن يشهد له آثار الصحابة.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ، كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّارِقُ يَسْرِقُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ».
قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُهُ مِنْ عَطَاءٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء عن ابن عباس خلاف ذلك ولا يثبت.
وقد مضى قبل هذه الفقرة عن أبي بكر وعمر ﵄ ما يدل على ذلك.
[ ١٢ / ٣٤٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠): «وإذا سرق ثانيًا، قطعت رجله اليسرى.
وبذلك قال الجماعة إلَّا عطاء، حكي عنه أنَّه تقطع يده اليسرى؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
ولأنَّها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى. وروي ذلك عن ربيعة، وداود.
وهذا شذوذ، يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو قول أبي بكر وعمر ﵄، وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال في السارق: "إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله".
ولأنَّه في المحاربة الموجبة قطع عضوين، إنَّما تقطع يده ورجله، ولا تقطع يداه، فنقول: جناية أوجبت قطع عضوين، فكانا رجلًا ويدًا، كالمحاربة؛ ولأنَّ قطع يديه يفوت منفعة الجنس، فلا تبقى له يد يأكل بها، ولا يتوضأ، ولا يستطيب، ولا يدفع عن نفسه، فيصير كالهالك، فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى.
[ ١٢ / ٣٥٠ ]
وأمَّا الآية: فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما؛ بدليل أنَّه لا تقطع اليدان في المرة الأولى.
وفي قراءة عبد الله: "فاقطعوا أيمانهما".
وإنَّما ذكر بلفظ الجمع، لأنَّ المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.
إذا ثبت هذا، فإنَّه تقطع رجله اليسرى؛ لقول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾.
ولأنَّ قطع اليسرى أرفق به؛ لأنَّه يمكنه المشي على خشبة، ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال» اهـ.
٧ - وليس في الحديث غير القطع في عقوبة السارق، وجاء في تعليق يده في عنقه ما رواه أحمد (٢٣٩٩١)، وأبو داود (٤٤١١)، والترمذي (١٤٤٧)، والنسائي (٤٩٨٣)، وابن ماجة (٢٥٨٧) من طريق عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: سَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ اليَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ».
[ ١٢ / ٣٥١ ]
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ فيه الحجاج وهو ابن أرطأة ضعيف الحديث، ومكحول مدلس وقد عنعن لكن قبل عنعنته كثير من حفاظ الحديث.
وقد صح ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٥٧٧، ٢٩٥٧٨) من طريق الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
والذي يظهر لي أنَّ هذا التعليق ليس من تمام الحد وإنَّما هو من التعزيز يفعل عند المصلحة لذلك. والله أعلم.
* * *
[ ١٢ / ٣٥٢ ]
٣٤٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ"، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"».
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا».
قَوْلُهَا: «أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ». أي: أقلقهم.
وَقَوْلُهَا: «فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ». الجرأة هي: الاقدام بإدلال.
ومعنى: «حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». أي: محبوب رسول الله ﷺ.
[ ١٢ / ٣٥٣ ]
وقَوْلُهُ: «وَايْمُ اللَّهِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ١١٥): «هي كلمة محذوفة من "أيمن الله" تستعملها العرب اسمًا مرفوعًا في القسم على الابتداء» اهـ.
وَقَالَ (١٧/ ٤٦): «"وايم الله": قسم بيمن الله، وبركته، وألفه ألف وصل، وفيه لغات قد ذكرت، وهذا قول سيبويه. وقال الفراء: ألفه ألف قطع، وهي عنده: جمع يمين. والذي قاله سيبويه أولى سماعًا، وقياسًا بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي روي فيها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٩١): «واشتقاقها عند سيبويه من اليمن والبركة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فضل أسامة ﵁.
٢ - حرمة الشفاعة في الحدود بعد رفعها إلى السلطان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٣): «وهذا لا يختلف فيه» اهـ.
٣ - خطبة الناس في النوازل الحادثة.
٤ - أنَّ الحدود إذا بلغت إلى السلطان وجب عليه إقامة الحد.
[ ١٢ / ٣٥٤ ]
٥ - وفيه أنَّ حد القطع في السرقة يكون على النساء كما يكون على الرجال.
٦ - وفيه أنَّ إقامة الحد على الضعفاء دون الشرفاء من أسباب هلاك من قبلنا.
وقد روى معمر كما في أواخر [مُصَّنَفِ عَبْدِ الرَّزَاقِ] (٢٠٧١٣) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ - أَوْ قَالَ: جَمَعَ - فَقَالَ: «إِنِّي نَهَيْتُ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا، وَإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ النَّاسَ، إِلَّا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ لِمَكَانِهِ مِنِّي، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأَخَّرْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٧ - وفيه بيان لعظيم منزلة فاطمة ﵂ من أبيها.
٨ - وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من إقامة العدل وعدم المحاباة لأحد، ولو كان ذلك من أحب الناس إليه.
٩ - وفيه الحلف من غير استحلاف لتوكيد الخبر.
١٠ - وفيه الاعتبار بمن مضى من الأمم السابقة.
[ ١٢ / ٣٥٥ ]
١١ - وفيه جواز استعمال لو في الخبر الصادق، وإنَّما المنهي عن ذلك استعمالها في الأمر الفائت للتحسر، أو استعمالها فيما لا يجوز كالاعتراض على الشرع، أو لتمني ما لا يجوز، ونحو ذلك.
١٢ - واحتج باللفظ الآخر أحمد في إحدى الروايتين وإسحاق على القطع في جحد العارية، والذي عليه أكثر العلماء عدم القطع في ذلك.
وذهب أحمد في الرواية الأخرى إلى عدم القطع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨٧): «وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -» اهـ.
واختار الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ القطع في جحد العارية فَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠): «وأمَّا جاحد العارية، فيدخل في اسم السارق شرعًا، لأنَّ النبي ﷺ لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطعها، وقال: "والذي نفسى بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
فإدخاله ﷺ جاحد العارية في اسم السارق، كإدخاله سائر أنواع المسكر في اسم الخمر، فتأمله، وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه» اهـ.
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
قُلْتُ: أكثر من روى الحديث عن الزهري لم يذكر في حديثه استعارة المتاع وجحده، وإنَّما ذكروا في حديثهم السرقة، وهي الرواية التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وهذه الرواية هي الراجحة لعدة أوجه:
الوجه الأول: أنَّه رواها كذلك أكثر الحفاظ الأثبات من أصحاب الزهري.
الوجه الثاني: اتفاق البخاري ومسلم عليها، والأخرى انفرد بها مسلم.
الوجه الثالث: أنَّ القطع في السرقة قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأمَّا القطع في جحد العارية فلم يدل عليه غير هذه الرواية المختلف فيها.
الوجه الرابع: أنَّه جاء في آخر حديث جحد العارية: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وذكر السرقة في هذين الموضعين يدل على أنَّ القطع كان في السرقة لا في جحد العارية، وتأويل ذلك بأنَّ جحد العارية داخل في مسمى السرقة شرعًا فيه بعد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٣): «وهذا يدل دلالة قاطعة: على أنَّ المرأة قطعت في السرقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
السرقة هنا لاغيًا، لا فائدة له، وإنَّما كان يقول: لو أنَّ فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها» اهـ.
الوجه الخامس: أنَّ الحديث جاء في مسلم (١٦٨٩) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، فَقُطِعَتْ.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٤٣٩٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ - قَالَ مَخْلَدٌ: عَنْ مَعْمَرٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، زَادَ فِيهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: «هَلْ مِنَ امْرَأَةٍ تَائِبَةٍ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَرَسُولِهِ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَتِلْكَ شَاهِدَةٌ، فَلَمْ تَقُمْ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ» وَرَوَاهُ ابْنُ غَنَجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: فِيهِ فَشَهِدَ عَلَيْهَا اهـ.
قُلْتُ: الصَّحِيْحُ فِيهِ الإِرْسَالُ.
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٥٣): «وسمعت أبي، وذكر الحديث الذي: رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت المخزومية تستعير المتاع، وتجحدها، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها.
قال أبي: روى هذا الحديث الليث بن سعد، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج، عن نافع: أنَّ صفية بنت أبي عبيد، أخبرته أنَّ امرأة كانت تستعير المتاع في عهد رسول الله ﷺ، ثم تجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، في قصة طويلة مرسلًا، وهذا أشبه ولم يرو عن أيوب إلَّا معمر» اهـ.
وروى الحديث النسائي (٤٨٨٩) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا».
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عمرو بن هاشم الجنبي أبي مالك، والصحيح فيه الإرسال، كما رواه النسائي (٤٨٩٠) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيلِ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَعَارَتْ مِنْ ذَلِكَ حُلِيًّا، فَجَمَعَتْهُ ثُمَّ أَمْسَكَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَتُؤَدِّي مَا عِنْدَهَا مِرَارًا»، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ.
وجاء الحديث عند النسائي (٤٨٩٢، ٤٨٩٣) من مرسل ابن المسيب.
قُلْتُ: ومثل هذه المراسيل لا تقوى على معارضة المرفوع.
ومن أهل العلم من جمع بين أحاديث الباب بحصول الأمرين من الجهنية غير أنَّ القطع إنَّما كان من أجل السرقة، ومنهم من قال: إنَّ الراوي ذكر استعارة المتاع في الحديث لأنَّها عرفت بذلك لا لأنَّ القطع حصل من أجل ذلك. وفي هذا شيء من الضعف والمعتمد في ذلك ما ذكرناه. والله أعلم.
* * *
[ ١٢ / ٣٦٠ ]