وقال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة.
وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن.
وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار، ولا يرى بأسًا فيما سواه» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٧٢٥).
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٠٠٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا أَصَابَتِ الْبُنْدُقَةُ، وَالْحَجَرُ، وَالْمِعْرَاضُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٥ - وفيه جواز الاصطياد بالكلاب المعلمة.
قُلْتُ: كون الكلب معلمًا شرط من شروط حل الصيد، لهذا الحديث ولقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. وهذا مما لا نزاع فيه.
[ ١٤ / ١٤٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٩٠): «ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط؛ إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل.
ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلمًا في حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد.
ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات؛ لأنَّ التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، بل قدره بما يصير به في العرف معلمًا.
وحكي عن أبي حنيفة، أنَّه إذا تكرر مرتين، صار معلمًا؛ لأنَّ التكرار يحصل بمرتين.
وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب: يحصل ذلك بمرة، ولا يعتبر التكرار؛ لأنَّه تعلم صنعة، فلا يعتبر فيه التكرار، كسائر الصنائع.
ولنا أنَّ تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع، ويحتمل أنَّه لتعلم، فلا يتميز ذلك إلَّا بالتكرار، وما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثًا، كالمسح في الاستجمار، وعدد الإقرار والشهود في العدة، والغسلات في الوضوء.
[ ١٤ / ١٤٣ ]
ويفارق الصنائع، فإنَّها لا يتمكن من فعلها إلَّا من تعلمها، فإذا فعلها علم أنَّه قد تعلمها وعرفها، وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره، ويوجد من الصنفين جميعًا، فلا يتميز به أحدهما من الآخر حتى يتكرر» اهـ.
قُلْتُ: اعتبار عدد معين للتكرار مما لا دليل عليه والصواب أنَّ مرجع ذلك إلى عرف أهل الخبرة في ذلك. والله أعلم.
ويلحق بالكلاب المعلمة كل معلم للصيد من سباع الحيوان وجوارح الطير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٩٦): «فصل: وكل ما يقبل التعليم، ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم، كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده.
قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾: هي الكلاب المعلمة، وكل طير تعلم الصيد، والفهود والصقور وأشباهها.
وبمعنى هذا قال طاووس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأبو ثور.
وحكي عن ابن عمر، ومجاهد، أنَّه لا يجوز الصيد إلَّا بالكلب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يعني كلبتم من الكلاب.
[ ١٤ / ١٤٤ ]
ولنا، ما روي عن عدي، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "إذا أمسك عليك، فكل".
ولأنَّه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم فأشبه الكلب.
فأمَّا الآية، فإنَّ الجوارح الكواسب. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. أي كسبتم.
وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من التكليب وهو: الإغراء» اهـ.
قُلْتُ: حديث عدي في صيد البازي رواه الترمذي (١٤٦٧) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهَنَّادٌ، وَأَبُو عَمَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ البَازِي، فَقَالَ: «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ». لَا يَصِّحُ لضعف مجالد وهو بن سعيد.
قُلْتُ: وكثير من أهل العلم يرى أنَّ معنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مختص بالكلاب فالمكلب هو مغري الكلاب وليس هو المغري مطلقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٠٦): «وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد قاله مجاهد والحسن وهو رواية
[ ١٤ / ١٤٥ ]
عن ابن عباس، وقال أبو سليمان الدمشقي مكلبين معناه معلمين، وإنَّما قيل لهم مكلبين لأنَّ الغالب من صيدهم إنَّما يكون بالكلاب» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٢): «قُلْتُ: والمحكي عن الجمهور أنَّ صيد الطيور كصيد الكلاب؛ لأنَّها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣/ ٣٤): «أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلَّبات للصيد، وذلك أن تقتنصه الجوارح بمخالبها أو أظفارها فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أنَّ الجارحة إذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره أنَّه لا يحل، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ١٦): «والمكلِّب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضًا: مكلِّب، والكلاب: صاحب الكلاب، ويقال للصائد بها أيضًا كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنَّها أكثر وأعم، والمراد جميع جوارح الصيد» اهـ.
[ ١٤ / ١٤٦ ]
قُلْتُ: ونظير ذلك تسمية التشاؤم طيرة مع أنَّه غير مقتصر على الطير لكن لما كان أكثر تشاؤم العرب في الجاهلية من الطير قيل له طيرة، وهكذا هاهنا لما كان أكثر صيد الناس بالكلاب ذكرت الكلاب دون غيرها، والمراد بذلك اغراء سائر الجوارح على الصيد. والله أعلم.
٦ - وظاهره حل الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة ولو كان كلبًا أسود.
قُلْتُ: وفي الاصطياد بالكلب الأسود نزاع بين العلماء، فالأئمة الثلاثة على حله تمسكًا بعموم الحديث، وذهب الحسن وقتادة والنخعي وأحمد وإسحاق إلى المنع من ذلك لأنَّ الكلب الأسود شيطان.
قاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا فِي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوْيَه] (٨/ ٣٩٨٥) رقم (٢٨٣٦) لإسحاق بن منصور الكوسج: «ما أعرف أحدًا رخّص فيه، إذا كان بهيمًا.
قال إسحاق: كما قال» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول أصح للأمر بقتل الأسود البهيم، وما أمر بقتله لا يجوز اقتناؤه من أجل الصيد ولا غيره.
[ ١٤ / ١٤٧ ]
فقد روى مسلم (١٥٧٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٢٣):
«معنى البهيم الخالص السواد، وأمَّا النقطتان فهما نقطتان معروفتان بيضاوان فوق عينيه وهذا مشاهد معروف» اهـ.
٧ - وفيه اشتراط التسمية عند إرسال الكلب لحل الصيد، وهكذا عند الرمي بالسهم.
قُلْتُ: وإن ترك التسمية عمدًا أو سهوًا فلا يحل الصيد على الصحيح، وذلك لأنَّ النبي ﷺ علق حل أكل الصيد بالتسمية عند إرسال الكلب المعلم، ونظير ذلك قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [جَامِعِ الْمَسَائِلِ] (٦/ ٣٨١):
[ ١٤ / ١٤٨ ]
«وذِكرُ اسمِ الله على ما أمسكنَ هو ذِكرُه على الصيد حينَ الاصطياد، كما يقال: ذكر اسم الله على الذبيحة أي حينَ الذبح، وهو ذكر اسمه على الكلب حين الإرسال» اهـ.
قُلْتُ: وهو مذهب أحمد والشعبي وأبي ثور وداود.
وذهب الشافعي إلى الحل مطلقًا، وهي رواية عن أحمد، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى حل الصيد إذا تُركت التسمية سهوًا لا عمدًا.
وعن أحمد، أنَّ التسمية تشترط على إرسال الكلب في العمد والنسيان، ولا يلزم ذلك في إرسال السهم إليه، وذلك لأنَّ السهم ليس له اختيار، فهو بمنزلة السكين، بخلاف الحيوان، فإنَّه يفعل باختياره.
قُلْتُ: وأقوى ما احتج به من أحل الصيد الذي لم يسم عليه نسيانًا أدلة العفو عن الخطإ والنسيان، وهي لا تدل على ذلك بل غاية ما فيها أنَّها تقتضي نفي الإثم، لا جعل الشرط المعدوم كالموجود، بدليل ما لو نسي شرط الصلاة فإنَّها لا تصح وإن كان لا إثم عليه في ذلك.
قُلْتُ: التسمية تكون قبل الرمي وإرسال الجارح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَسَائِ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (٥/ ٤٩):
[ ١٤ / ١٤٩ ]
«وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا رَمَى صَيْدًا وَلَمْ يُسَمِّ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ سَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ مُتَعَمِّدًا فَلَمَّا مَضَى الْكَلْبُ فِي تَبَعِ الصَّيْدِ سَمَّى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ» اهـ.
قُلْتُ: ولو نصب مِنْجَلًا وسمى عليه عند نصبه فأصيب به صيد فانجرح ومات حلَّ عند الحنابلة، ولم يحل عند الحنفية والشافعية لأنَّ الإصابة من جهة الحيوان وليس من جهة الناصب. وهذا تعليل قوي.
وإذا سمى على سهمه ورمى به على به على صيد فوقع على غيره حل، وذلك أنَّ الشرط التسمية على السهم لا على الصيد لعدم إمكانها فيه فاعتبرت التسمية على الآلة، ولهذا لو سم على سهم ثم ألقاه وأخذ بغيره ورمى به فلا يحل الصيد، وأمَّا الذبح فإنَّ التسمية تكون على الحيوان فلا يضر أن يسمي عليه وفي يده سكين ثم يرمي بها ويأخذ غيرها، ولو سمى على شاة وذبح غيرها فلا يصح.
٨ - واحتج به من ذهب إلى اشتراط التسمية لحل الحيوان المأكول.
وقد سبق الكلام في ذلك في العيدين عند شرح حديث جندب بن عبد الله البجلي.
[ ١٤ / ١٥٠ ]
٩ - وفيه أنَّ من صاد بكلبه غير المعلم فلا يحل له أكله إلَّا إذا أدرك ذكاته قبل موته فيحل.
قُلْتُ: وإدراك ذكاته يكون قبل موته، ويعرف ذلك بإنهار الدم عند ذبحه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨): «لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك. فمنهم من قال: ما تيقن موته لا يذكى كقول مالك ورواية عن أحمد. ومنهم من يقول: ما يعيش معظم اليوم ذكي. ومنهم من يقول ما كانت فيه حياة مستقرة ذكي كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد. ثم من هؤلاء من يقول: الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح. ومنهم من يقول: ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح. والصحيح: أنَّه إذا كان حيًا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح؛ فإنَّ حركات المذبوح لا تنضبط؛ بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته. وقد قال ﷺ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله. والناس يفرقون بين دم ما كان حيًا ودم ما كان ميتًا؛ فإنَّ الميت يجمد دمه ويسود؛ ولهذا حرم الله الميتة؛ لاحتقان الرطوبات فيها؛ فإذا جرى منها الدم الذي يخرج من المذبوح الذي ذبح وهو
[ ١٤ / ١٥١ ]
حي حل أكله؛ وإن تيقن أنَّه يموت؛ فإنَّ المقصود ذبح ما فيه حياة فهو حي وإن تيقن أنَّه يموت بعد ساعة. فعمر بن الخطاب ﵁ تيقن أنَّه يموت وكان حيًا جازت وصيته وصلاته وعهوده. وقد أفتى غير واحد من الصحابة ﵃ بأنَّها إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها أو ركضت برجلها بعد الذبح؛ حلت؛ ولم يشرطوا أن تكون حركتها قبل ذلك أكثر من حركة المذبوح. وهذا قاله الصحابة لأنَّ الحركة دليل على الحياة والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة؛ بل قد تكون حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك. والإنسان قد يكون نائمًا فيذبح وهو نائم ولا يضطرب وكذلك المغمى عليه يذبح ولا يضطرب وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية؛ ولكن خروج الدم الذي لا يخرج إلَّا من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة. والله أعلم» اهـ.
١٠ - الظاهر من ذكر اسم الله على الذبيحة أن يقول: "بسم الله"، وإذا ذكر اسم الله بالتحميد أو التكبير أو التهليل فلا يظهر إجزاء ذلك، وفي ذلك نزاع بين العلماء.
[ ١٤ / ١٥٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٨٦): «إذا ثبت هذا، فالتسمية المعتبرة قوله: "بسم الله".
لأنَّ إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك، وقد ثبت أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: "بسم الله، والله أكبر". وكان ابن عمر يقوله.
ولا خلاف في أنَّ قوله: "بسم الله" يجزئه. وإن قال: اللهم اغفر لي. لم يكف؛ لأنَّ ذلك طلب حاجة.
وإن هلل، أو سبح، أو كبر، أو حمد الله تعالى، احتمل الإجزاء؛ لأنَّه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم، واحتمل المنع؛ لأنَّ إطلاق التسمية لا يتناوله» اهـ.
١١ - وَفِي قَوْلِهِ: «وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ»، وَقَوْلِهِ: «وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ». إضافة الصيد إلى الصائد، وظاهره قصد الصيد من الصائد، فإمَّا إذا سمى على سهمه وأطلقه إلى غير الصيد فأصاب صيدًا، أو سمى على كلبه وأرسله إلى غير صيد فأمسك صيدًا فلا يحل ذلك لأنَّه لم يقصده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٩٥): «الشرط السابع، أن يرسله على صيد، فإن أرسله وهو لا يرى شيئًا، ولا يحس به، فأصاب صيدًا، لم يبح. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأنَّه لم يرسله على الصيد، وإنَّما استرسل بنفسه.
[ ١٤ / ١٥٣ ]
وهكذا إن رمى سهمًا إلى غرض، فأصاب صيدًا، أو رمى به إلى فوق رأسه فوقع على صيد فقتله، لم يبح؛ لأنَّه لم يقصد برميه عينًا، فأشبه من نصب سكينًا، فانذبحت بها شاة» اهـ.
١٢ - واحتج بالحديث على شرف العلم حيث أنَّ الله تعالى أباح صد الكلب المعلم دون غيره.
* * *
[ ١٤ / ١٥٤ ]
٣٨٠ - عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ».
قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا».
قُلْتُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: «إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ، فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْهُ».
وَحَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: «إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».
وَفِيهِ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ».
وَفِيهِ أَيْضًَا: «إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ».
وَفِيهِ: «وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٤ / ١٥٥ ]
قَوْلُهُ: «فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٠٧): «"المعراض" بكسر الميم وبالعين المهملة، وهي: خشبة ثقيلة، أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره، وقال الهروي: هو سهم لا ريش فيه ولا نصل، وقال ابن دريد: هو سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض، وقال الخليل كقول الهروي، ونحوه عن الأصمعي، وقيل: هو عود رقيق الطرفين غليظ الوسط إذا رمي به ذهب مستويًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَخَزَقَ». معناه: نفذ.
وَقَوْلُهُ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ». أي المعلم، وهو المسلط على الصيد المعود بالاصطياد.
قُلْتُ: قد مضت جل مسائل هذا الحديث في الحديث الماضي لكن نذكر هاهنا ما زاد عن ذلك من المسائل، أو ما كان فيه زيادة فائدة، فمن ذلك:
١ - أنَّه إذا شارك كلب الصيد كلبٌ آخر فلا يحل ذلك الصيد لأنَّه إنَّما سمى على كلبه ولم يسم على الآخر.
[ ١٤ / ١٥٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٠٣): «مسألة؛ قال: "وإذا أرسل كلبه، فأضاف معه غيره، لم يؤكل إلَّا أن يدرك الحياة، فيذكي".
معنى المسألة: أن يرسل كلبه على صيد، فيجد الصيد ميتًا، ويجد مع كلبه كلبًا لا يعرف، ولا يدري هل وجدت فيه شرائط صيده أو لا، ولا يعلم أيهما قتله؟ أو يعلم أنَّهما جميعًا قتلاه، أو أن قاتله الكلب المجهول، فإنَّه لا يباح، إلَّا أن يدركه حيًا فيذكيه.
وبهذا قال عطاء، والقاسم بن مخيمرة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
ولا نعلم لهم مخالفًا» اهـ.
قُلْتُ: لكن إذا كان الكلب الآخر من كلاب الصيد التي أرسلها صاحبه على الصيد أيضًا وسمَّ عليه فيحل الصيد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧): «وكان الأوزاعي يقول: إذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر فقتلاه فهو حلال، وإن كان غير معلم فقتلاه لم يؤكل. وقال لي بعض من لقيت: إن كان الكلب المعلم قد أرسله صاحبه فالمسألة إجماع جواز أكله، ولو أنَّ كلبًا معلمًا انطلق على
[ ١٤ / ١٥٧ ]
صيد، وأخذه لم يرسله أحد عليه أنَّه لا يجوز أكله لعدم الإرسال والنية، وهذا إجماع. قال ابن المنذر: وإذا اجتمع أصحاب كلاب وأطلقوا كلابهم على صيد وسمى كل واحد منهم، ثم وجدوا الصيد قتيلًا، ولا يدرى من قتله منهم فكان أبو ثور يقول: إذا مات الصيد بينهم فإنَّه يؤكل، وهذا إجماع، فإن اختلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به كان بينهم، وإن كان مع واحد منهم كان صاحبه أولى، وإن كان قتيلًا والكلاب ناحية أقرع بينهم، فمن أصابته القرعة كان له» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٠٩): «فصل: إذا أرسل جماعة كلابًا، وسموا، فوجدوا الصيد قتيلًا، لا يدرون من قتله، حل أكله.
فإن اختلفوا في قاتله، وكانت الكلاب متعلقة به، فهو بينهم على السواء؛ لأنَّ الجميع مشتركة في إمساكه، فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين أو عبيدهم.
وإن كان البعض متعلقًا به دون باقيها، فهو لمن كلبه متعلق به، وعلى من حكمنا له به اليمين في المسألتين؛ لأنَّ دعواه محتملة، فكانت اليمين عليه، كصاحب اليد.
وإن كان قتيلًا والكلاب ناحية وقف الأمر حتى يصطلحوا. ويحتمل أن يقرع بينهم، فمن قرع صاحبه حلف، وكان له. وهذا قول أبي ثور قياسًا على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما.
[ ١٤ / ١٥٨ ]
وعلى الأول، إذا خيف فساده، قبل اصطلاحهم عليه، باعوه، ثم اصطلحوا على ثمنه» اهـ.
٢ - فيه حرمة الصيد بالمعراض، وذلك لدخوله في الوقيذ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٠٧): «ومذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجماهير: أنَّه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحده حل، وإن قتله بعرضه لم يحل لهذا الحديث. وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقًا، وكذا قال هؤلاء وابن أبي ليلى أنَّه يحل ما قتله بالبندقة، وحكي أيضًا عن سعيد بن المسيب، وقال الجماهير: لا يحل صيد البندقة مطلقًا: لحديث المعراض؛ لأنَّه كله رض ووقذ، وهو معنى الرواية الأخرى فإنَّه وقيذ أي مقتول بغير محدد، والموقوذة المقتولة بالعصا ونحوها، وأصله من الكسر والرض» اهـ.
٣ - واحتج بعمومه من قال بحل الصيد الذي قتله الكلب بثقله أو باصطدامه به.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية، ومنع من ذلك الجمهور.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوعِ] (١٠/ ٤١٦):
[ ١٤ / ١٥٩ ]
«وَيَحِلُّ مَا قَتَلَهُ جَارِحٌ مُعَلَّمٌ جُرْحًا، وَعَنْهُ: وَصَدْمًا أَوْ خَنْقًا: اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ» اهـ.
والذي يظهر لي عدم حل ذلك الصيد لأنَّه داخل في حكم النطيحة، وقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]، ولما رواه البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ».
وما قتله الكلب بثقله أو باصطدامه به لم يحصل منه إنهار الدم فلا يحل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ١٩ - ٢٠): «إذا تقرر هذا فما صدمه الكلب أو غَمَّه بثقله، ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث. فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنَّهم إنَّما سألوا عن الآلة التي يُذكَّى بها، ولم يسألوا عن الشيء الذي يذَكَّى؛ ولهذا استثنى من ذلك السن
[ ١٤ / ١٦٠ ]
والظفر، حيث قال: "ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أمَّا السن فعظم، وأمَّا الظفر فَمُدي الحبشة". والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلَّا لم يكن متصلًا فدل على أنَّ المسئول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم.
فالجواب عن هذا: بأنَّ في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". ولم يقل: "فاذبحوا به" فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المذكى، وأنَّه لا بد من إنهار دمه بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا. هذا مسلك.
والمسلك الثاني: طريقة المُزَني، وهي أنَّ السهم جاء التصريح فيه بأنَّه إن قتل بعَرْضِه فلا تأكل، وإن خَزَق فَكُل. والكلب جاء مطلقًا فيحمل على ما قيد هناك من الخَزْق؛ لأنَّهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب، كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى. وهذا يتوجه له على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بد لهم من جواب عن هذا. وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسًا على ما قتله السهم بعَرْضه والجامع أنَّ كلًا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما. ولا يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأنَّ
[ ١٤ / ١٦١ ]
القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا.
مسلك آخر، وهو: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو: إمَّا أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيًا ما كان فيجب تقديم حكم هذه الآية على تلك لوجوه:
أحدها: أنَّ الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعديّ بن حاتم: "وإن أصابه بعرضه فإنَّما هو وَقِيذ فلا تأكله". ولم نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إنَّ الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.
الثاني: أنَّ تلك الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ليست على عمومها بالإجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ.
[ ١٤ / ١٦٢ ]
المسلك الآخر: أنَّ هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء؛ لأنَّه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة.
المسلك الآخر: أنَّ آية التحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فينبغي ألا يكون بينهما تعارض أصلًا وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنَّه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خَزَقه المِعْرَاض فيكون حلالًا؛ لأنَّه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنَّه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء، إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل. وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالًا.
فإن قيل: فلم لا فَصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم: إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام؟.
[ ١٤ / ١٦٣ ]
فالجواب: أنَّ ذلك نادر؛ لأنَّ من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأمَّا اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأمَّا السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه أو للهواء أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته؛ فلهذا ذكر كلًا من حكميه مفصلًا والله أعلم» اهـ.
٤ - واحتج بقوله: «إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ، فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْهُ». من قال: إنَّ الصيد يحل بكل ما يخرق وإن لم يكن محددًا كالرصاص الموجود في هذه الأزمان المتأخرة، فإنَّها خارقة للبدن وإن لم تكن محددة.
٥ - وفيه أنَّ الكلب إذا أكل من الصيد فلا يحل أكله، لأنَّ أكله منه دليل على أنَّه أمسكه لنفسه.
وهذا مذهب أكثر العلماء، وذهب مالك والشافعي في القديم إلى حله، ويحكى ذلك عن بعض الصحابة كسعد، وسلمان، وأبي هريرة وابن عمر.
وحجة هؤلاء ما رواه أبو داود (٢٨٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي
[ ١٤ / ١٦٤ ]
ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدَاكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ من أجل داود بن عمرو وهو الأودي.
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي ترجمة داود بن عمرو من [مِيْزَانِ الاعْتِدَالِ] (٢/ ١٨) - بعد ذكره لهذا الحديث -: «وهذا حديث منكر» اهـ.
ورواه أحمد (٦٧٢٥)، وأبو داود (٢٨٥٧) من طريق حبيب عن عمرو عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنَّ أبا ثعلبة الخشني به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وحبيب هو المعلم، وعمرو هو ابن شعيب.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٩/ ٢٣٧): «هذا موافق لحديث داود بن عمرو إلَّا أنَّ حديث أبي ثعلبة ﵁ مخرج في الصحيحين من حديث ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة وليس فيه ذكر الأكل، وحديث الشعبي عن عدي أصح من حديث داود بن عمرو الدمشقي ومن حديث عمرو بن شعيب والله أعلم. وقد روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن رجل من هذيل أنَّه سأل النبي ﷺ عن الكلب يصطاد قال: "كل أكل أو لم يأكل". فصار حديث عمرو بهذا معلولًا» اهـ.
[ ١٤ / ١٦٥ ]
قُلْتُ: وقد حاول بعض العلماء الجمع بين ذلك، فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٩١):
«ويمكن أن يوفق بين الحديثين من الروايتين بأن يجعل حديث أبي ثعلبة أصلًا في الإباحة وأن يكون النهي في حديث عدي على معنى التنزيه دون التحريم.
ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم ويكون النهي على التحريم البات، ويكون المراد بقوله: "وإن أكل" فيما مضى من الزمان وتقدم منه لا في هذه الحال. وذلك لأنَّ من الفقهاء من ذهب إلى أنَّه إذا أكل الكلب المعلم من الصيد مدة بعد أن كان لا يأكل فإنَّه يحرم كل صيد كان اصطاده قبل فكأنَّه قال: كل منه وإن كان قد أكل فيما تقدم إذا لم يكن قد أكل في هذه الحالة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٢٠): «وقد رام بعض أصحابنا الجمع بين حديثي: عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة؛ بأن حملوا حديث النهي على التنزيه، والورع، وحديث الإباحة على الجواز. وقالوا: إنَّ عديًا كان موسعًا عليه، فأفتاه بالكف ورعًا، وأبو ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز، والله تعالى أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ١٦٦ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٠٢): «وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقًا منها للقائلين بالتحريم حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه» اهـ.
قُلْتُ: وممن سلك هذا الجمع الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤): «ولا يناقض هذا قوله لعدى بن حاتم: "وإن أكل منه فلا تأكل" فإنَّ حديث عدي فيما أكل منه حال صيده إذ يكون ممسكًا على نفسه وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك فإنَّه يكون قد أمسك على صاحبه ثم أكل منه بعد ذلك وهذا لا يحرم كما لو أكل مما ذكاه صاحبه» اهـ.
وَالْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ٦٢٧) حيث قال:
«وقد يقال: ليس بين حديث عمرو وداود، وبين حديث عديٍّ المخرَّج في "الصحيحين" منافاة، لأنَّه علل الأكل في حديث عديٍّ بكونه أمسك على نفسه، وفي هذا الحديث يحتمل أنَّه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه، والله أعلم» اهـ.
وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٩/ ٢٤٣) حيث قال: «ولقائل أن يقول: ليس بين حديث عمرو وداود وبين حديث عدي المخرج في "الصحيحين" منافاة؛ لأنَّه علل "ولا يأكل" في حديث عدي بكونه أمسك على
[ ١٤ / ١٦٧ ]
نفسه، وفي هذا الحديث يحتمل أنَّه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه فلا تنافي إذن» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن ما يجمع به بين الحديث على فرض صحة تلك اللفظة، وإلَّا فإنَّ النفس لا تطمئن لثبوتها. والله أعلم.
٦ - وفيه أنَّه إذا أدرك ذكاة الصيد قبل موته فلا يحل إلَّا بالذكاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤١٢): «قوله ﷺ: "فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه". هذا تصريح بأنَّه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه، ولم يحل إلَّا بالذكاة، وهو مجمع عليه، وما نقل عن الحسن والنخعي خلافه فباطل، لا أظنه يصح عنهما. وأمَّا إذا أدركه ولم تبق فيه حياة مستقرة بأن كان قد قطع حلقومه ومريه، أو أجافه أو خرق أمعاءه، أو أخرج حشوته. فيحل من غير ذكاة بالإجماع. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب إمرار السكين على حلقه ليريحه» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الصيد إذا تغيب بعد إصابته يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام، وليس هناك أمر آخر يحتمل أن يكون مات بسببه كأثر سبع أو غرق أو سقوط من شاهق فيحل أكله.
[ ١٤ / ١٦٨ ]
قُلْتُ: وقد جاء تقييد ذلك في بعض الروايات بما لم ينتن، وذلك فيما رواه مسلم (١٩٣١) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١١٩): «وقوله: "ما لم ينتن"؛ اختلف العلماء في تعليل هذا المنع، فمنهم من قال: إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع، فيكره أكلها تنزيها، فلو أكلها لجاز، كما قد أكل النبي ﷺ الإهالة السنخة، وهي المنتنة. ومنهم من قال: بل هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله. وعلى هذا التعليل يكون أصله محرمًا؛ إن كان الخوف محققًا. وقيل: إنَّ ذلك النتن يمكن أن يكون من نهش ذوات السموم. قال ابن شهاب: كل مما قتل إلَّا أن ينعطن، فإذا انعطن فإنَّه نهش. وفسروا "ينعطن" بأنَّه إذا مد تمرط. قال ابن الأعرابي: إهاب معطون، وهو الذي تمرط شعره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤١٤): «هذا النهي عن أكله ولا يحرم إلَّا أن يخاف منها الضرر خوفًا معتمدًا، وقال بعض أصحابنا: يحرم اللحم المنتن، وهو ضعيف، والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ١٦٩ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (١/ ٤٨٤): «وأمَّا إذا أنتن فيكره أكله» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ النهي للتنزيه إلَّا إذا اشتد النتن وخشي منه الضرر لما رواه البخاري (٢٠٦٩) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ».
ورواه البخاري (٤١٠٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَعَلَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
قَالَ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ يُجِيبُهُمْ:
«اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ … فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ»
قَالَ: يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي مِنَ الشَّعِيرِ، فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ، وَالقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الحَلْقِ، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ.
قُلْتُ: والإهالة ما يؤتدم به من الأدهان، والسنخ المتغير الريح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢١٨):
[ ١٤ / ١٧٠ ]
«و"الإهالة" من الودك الذي يكون من الذبيحة من السمن ونحوه» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٩٣): «قُلْتُ: وهذا على معنى الاستحباب دون التحريم لأنَّ تغيير ريحه لا يحرم أكله، وقد روي أنَّ النبي ﷺ أكل إهالة سنخة وهي المتغيرة الريح» اهـ.
٨ - وظاهره حل الصيد ولو أهمل البحث عنه اليوم واليومين والثلاثة، لكن جاء تعليق ذلك باقتفاء الأثر فيما رواه البخاري (٥٤٨٥) عَنْ عَدِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ».
قُلْتُ: يقتفر بمعنى يقتفي أي أنَّه يتبع أثره.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦١١): «واستدل به على أنَّ الرامي لو آخر الصيد عقب الرمي إلى أن يجده أنَّه يحل بالشروط المتقدمة ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غيبته عنه أكان مع الطلب أو عدمه لكن يستدل للطلب بما وقع في الرواية الأخيرة حيث قال: "فيقتفي أثره" فدل على أنَّ الجواب خرج على حسب السؤال فاختصر بعض الرواة السؤال فلا يتمسك فيه بترك الاستفصال. واختلف في صفة الطلب فعن أبي حنيفة إن آخر ساعة فلم يطلب لم
[ ١٤ / ١٧١ ]
يحل، وإن اتبعه عقب الرمي فوجده ميتًا حل، وعن الشافعية لا بد أن يتبعه، وفي اشتراط العدو وجهان: أظهرهما يكفي المشي على عادته حتى لو أسرع وجده حيًا حل، وقال إمام الحرمين: لا بد من الإسراع قليلًا ليتحقق صورة الطلب وعند الحنفية نحو هذا الاختلاف» اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ [عَوْنِ الْمَعْبُودِ] (٨/ ٥٤): «وفي قوله "فيقتفي أثره" دليل على أنَّه إن أغفل تتبعه وأتى عليه شيء من الوقت ثم وجده ميتًا فإنَّه لا يأكله، وذلك لأنَّه إذا تتبعه فلم يلحقه إلَّا بعد اليوم واليومين فهو مقدور وكانت الذكاة واقعة بإصابة السهم في وقت كونه ممتنعًا غير مقدور عليه، فأمَّا إذا لم يتتبعه وتركه يتحامل بالجراحة حتى هلك فهذا غير مذكى لأنَّه لو اتبعه لأدركه قبل الموت فذكاه ذكاة المقدور عليه في الحلق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا كلام جيد، ويكفي في ذلك مجرد المشي في أثره واشتراط العدو مما يحتاج إلى دليل، ولا دليل أعلمه في اشتراط ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَينِ] (٤/ ١٤٥ - ١٤٦):
[ ١٤ / ١٧٢ ]
«اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أصَاب صيدًا بِالرَّمْي فَغَاب عَنهُ ثمَّ وجده مَيتًا، فالمنصور عندنَا أَنه يحل. وَعَنْ أَحْمد أَنه إِنْ وجده فِي يَوْمه حل وَإِنْ غَابَ عَنهُ لم يحل، وَعنهُ: إِنْ كَانَتْ الْإِصَابَة مُوجبَة حل وَإِلَّا فَلَا، وَهَكَذَا الحكم فِيهِ إِذا أرسل الْكَلْب عَلَيْهِ فَغَاب عَنهُ ثمَّ وجده قَتِيلًا، وَعَنْ مَالك كالروايتين الْأَوليين.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنْ اشْتغل بِطَلَبِهِ حل وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أحد قوليه: لَا يحل بِحَال، وَالْقَوْل الآخر كالرواية الأولى» اهـ.
قُلْتُ: والصواب ما دلت عليه السنة من حله إذا وجد عليه أثر سهمه ولم يوجد سبب آخر قد يكون مات به.
٩ - ويؤخذ من التعليل في قوله: «فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ». أنَّه إذا علم أنَّ الموت كان من سهمه لا من الماء فيحل أكله، وذلك كأن يكون الرمح قطع منه الحلقوم والودجين مثلًا.
وهذا مذهب مالك والشافعي، وخالف أحمد وأبو حنيفة.
وأكثر الحنابلة المتأخرين على ما قاله مالك والشافعي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٨٠):
[ ١٤ / ١٧٣ ]
«وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ" وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ» اهـ.
قُلْتُ: ومن اصطاد طائرًا في السماء أو على شجر أو جبل فسقط ميتًا فالأظهر حله، لأنَّ ذلك مما يتعسر التحرز منه، ولأنَّ الطير لا يصاد إلَّا هكذا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٨٠):
«فَصْلٌ: فَإِنْ رَمَى طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ، أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ، أَوْ جَبَلٍ، فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ، فَمَاتَ، حَلَّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ سُقُوطِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْحَاظِرُ، فَغُلِّبَ الْحَظْرُ، كَمَا لَوْ غَرِقَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَيْدٌ سَقَطَ بِالْإِصَابَةِ سُقُوطًا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازِ عَنْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ، كَمَا لَوْ أَصَابَ الصَّيْدَ فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ. وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَهُوَ قَاتِلٌ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ» اهـ.
[ ١٤ / ١٧٤ ]
تنبيه: لفظة: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ». ليست في أحد من الصحيحين، وهي في المسند (١٩٤١٢).
١٠ - وفيه أنَّه إذا شُك في الذكاة الشرعية المبيحة للحيوان فالأصل حرمة أكله لأنَّ الأصل تحريمه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (١٠/ ١٥١): «وهذا لا خلاف فيه» اهـ.
قُلْتُ: وبناء على ذلك فلا ينبغي التردد في حرمة اللحوم المستوردة من دول الكفار، فإنَّ أقل ما في ذلك هو الشك في الذكاة المبيحة للحيوان، كيف وقد نقل الثقات أنَّ كثيرًا من شركات اللحوم في بلاد الكفر لا يذبحون على الطرق الشرعية، وقد رجح حرمة اللحوم المستوردة من بلاد الكافرين جماعة من أهل العلم منهم:
١ - العلامة عبد الله بن حميد ﵀ وله رسالة بعنوان "اللحوم المستوردة".
٢ - العلامة السعدي ﵀.
٣ - العلامة عبد العزيز بن ناصر الرشيد ﵀.
٤ - العلامة الفوزان سدده الله.
[ ١٤ / ١٧٥ ]
قُلْتُ: وقد احتج الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِي ﵀ بقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [سورة المائدة: آية ٥]. على حل ذبائحهم مطلقًا ولو كانت على غير الطريقة الشرعية.
فَقَالَ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ٨٢): «المسألة السابعة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ دليل قاطع على أنَّ الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله ﷿، وهو الحلال المطلق، وإنَّما كرره الله سبحانه ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات ولكن الخواطر الفاسدة هي التي توجب الاعتراضات، ويخرج إلى تطويل القول.
ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل يؤكل معه أو تؤخذ طعامًا منه؟ وهي: المسألة الثامنة: فقُلْتُ: تؤكل؛ لأنَّها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا، وكل ما يرون في دينهم فإنَّه حلال لنا في ديننا، إلَّا ما كذبهم الله سبحانه فيه» اهـ.
[ ١٤ / ١٧٦ ]
وقد رد عليه الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ سدده الله بكلام نفيس في كتابه [الْأَطْعِمَةِ] ص (١٦٠ - ١٦١) فقال: «ويرد على هذه الفتوى من وجوه:
الأول: أنَّ ابن العربي قد نقض فتواه هذه بما جاء في موضع آخر من "تفسيره" حيث قال (٢/ ٥٥٣):
"فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس.
فالجواب: أنَّ هذا ميتة وهي حرام بالنص وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنَّه حلال لهم (كذا قال) ومن طعامهم وهو حرام علينا".
فكلامه هنا واضح في أنَّه يرى تحريم ما ذكاه أهل الكتاب على غير الصفة المشروعة في الذكاة كالخنق وحطم الرأس ولا شك أنَّ فتل العنق خنق فهو يرى تحريمه علينا وإن أكلوه هم واعتبروه طعامًا لهم.
الوجه الثاني: أنَّ المراد بطعام أهل الكتاب ما ذكوه من الذبائح على الصفة المشروعة فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته لأنَّ غاية الكتابي أن تكون ذكاته كذكاة المسلم.
[ ١٤ / ١٧٧ ]
والمسلم لو ذكي على غير الصفة المشروعة لم تبح ذبيحته فالكتابي من باب أولى وكيف يتشدد في ذبيحة المسلم ويتساهل في ذبيحة الكافر الكتابي والمسلم أعلى من الكافر.
الوجه الثالث: أنَّ طعام أهل الكتاب قد خص منه ما استباحوه كالخنزير فيخص منه ما ذبحوه على غير الصفة المشروعة في الذكاة.
الوجه الرابع: أنَّ ما ذبح بفتل عنقه يدخل في المنخنقة وما ذبح بضربة بالبلطة ونحوها موقوذ وقد حرم الله المنخنقة والموقوذة بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ الآية فيكون ذلك مخصصًا لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
الوجه الخامس: أنَّ ما ذكي على غير الصفة المشروعة يفتقد فوائد الذكاة من استخراج دمه وتطييب لحمه والذكاة لا ينظر فيها إلى وصف المذكى فقط بل ينظر فيها إلى وصف المذكي وصفة الذكاة معًا.
[ ١٤ / ١٧٨ ]
فلو وجد أمامنا ذبيحتان كل منهما ذكي على غير الصفة المشروعة إحداهما ذكاها مسلم والأخرى ذكاها كتابي فكيف نحرم ذبيحة المسلم ونبيح ذبيحة الكافر في هذه الحالة إنَّ في هذا رفعًا لشأن الكافر على المسلم» اهـ.
قُلْتُ: ومما يؤيد كلام العلامة الفوزان في الوجه الثاني قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (٢/ ٦٠): «فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأنَّ غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٨٣):
«وهم بذلك ليسوا أعلى من المسلمين بل هم في هذا الباب كالمسلمين، فإذا علم أنَّهم يذبحون ذبحًا يجعل البهيمة في حكم الميتة حرمت، كما لو فعل ذلك المسلم، لقول الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ الآية. فكل ذبح من مسلم أو كتابي يجعل الذبيحة في حكم المنخنقة أو الموقوذة أو المتردية أو النطيحة فهو ذبح يحرم البهيمة ويجعلها في عداد الميتات لهذه الآية الكريمة، وهذه الآية يخص بها عموم قوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ كما يخص بها الأدلة
[ ١٤ / ١٧٩ ]
الدالة على حل ذبيحة المسلم إذا وقع منه الذبح على وجه يجعل ذبيحته في حكم الميتة» اهـ.
١١ - وفيه أنَّه تشترط التسمية عند إرسال الكلب المعلم لحل صيده.
والتسمية تكون عند الإرسال لكن، إن انطلق من غير تسمية ولا إغراء من صاحبه ثم سمى عليه وأغراه فازداد في عدوه فيحل ما صاده لأنَّ الإغراء أثر عليه وزاد في تهييجه، وإن لم يحصل منه بسبب الإغراء والتهييج زيادة في العدو فلا يحل.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ٤١٨):
«وَكَذَا إنْ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ وَغَيْرُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ زَجَرَهُ فَزَادَ فِي طَلَبِهِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ الْمُضَافِ إلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ، كَمَا لَوْ عَدَا عَلَى آدَمِيٍّ فَأَغْرَاهُ عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ ضَمِنَ، وعنه: أو أَرْسَلَهُ بِلَا تَسْمِيَةٍ ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ فَزَادَ، قَطَعَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ، حَلَّ» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ١٨٠ ]
٣٨١ - عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ»، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة اقتناء الكلاب إلَّا ما استثناه الدليل.
قُلْتُ: وذكر الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ تعليلًا غريبًا حيث قال في [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢٢١ - ٢٢٢): «وفي قوله ﷺ في هذا الحديث "نقص من عمله أو من أجره - يريد من أجر عمله - كل يوم قيراطان" دليل على أنَّ اتخاذها ليس بمحرم لأنَّ ما كان محرمًا اتخاذه لم يجز اتخاذه ولا اقتناؤه على حال نقص من الأجر أو لم ينقص؛ وليس هذا سبيل النهي عن المحرمات أن يقال فيها من فعل كذا ولكن هذا اللفظ يدل والله أعلم على كراهية لا على تحريم.
ووجه قوله ﵇ في هذا الحديث من نقصان الأجر محمول عندي والله أعلم على أنَّ المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعًا إذا ولغت فيه لا
[ ١٤ / ١٨١ ]
يكاد يقام بها ولا يكاد يتحفظ منها لأنَّ متخذها لا يسلم من ولوغها في إنائه ولا يكاد يؤدي حق الله في عبادة الغسلات من ذلك الولوغ فيدخل عليه الإثم والعصيان فيكون ذلك نقصًا في أجره بدخول السيئات عليه وقد يكون ذلك من أجل أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ونحو ذلك، وقد يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إلى الكلاب لأنَّ معلومًا أنَّ في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجرًا لكن الإحسان إلى الكلب ينقص الأجر فيه أو يبلغه ما يلحق مقتنيه ومتخذه من السيئات بترك أدبه لتلك العبادات في التحفظ من ولوغه والتهاون بالغسلات منه ونحو ذلك مثل ترويع المسلم وشبهه والله أعلم بما أراد رسول الله ﷺ من قوله ذلك» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الحديث حرمة اقتناء الكلاب إلَّا ما استثني، فإنَّ نقصان مثل هذا الأجر العظيم من أجر العبد من أشد العقوبات وذلك أنَّ العقوبات بذهاب الحسنات أشد من العقوبات بذهاب شيء من المال أو الصحة أو نحو ذلك، وهكذا فإنَّ إبطال الحسنات إنَّما يكون بالسيئات.
وقد روى مسلم (٢٨٠) عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟» ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ
[ ١٤ / ١٨٢ ]
وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ».
قُلْتُ: وهو يدل على أنَّ ما سوى ذلك لم يرخص فيه، وإذا لم يرخص فيه فهو باقٍ على التحريم. والله أعلم.
ثم رأيت الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٧٣) يقول - متعقبًا على الحافظ ابن عبد البر -:
«وهو عجيب؛ لأنَّ استدلالنا على التحريم بالنقصان من الأجر؛ لأنَّ ذلك يدل على ارتكاب محرم أحبط ثواب بعض الأعمال كما كان عدم قبول صلاة شارب الخمر والعبد الآبق وآتي العراف والكاهن يدل على تحريم هذه الأعمال فإنَّ تحريمها هو الذي أحبط ثوابها بخلاف عدم قبول صلاة المحدث فإنَّه ليس لاقتران معصية؛ لأنَّ الحدث ليس بمعصية وإنَّما هو لفقد شرط وهو الطهارة، وقد تقدم هذا المعنى والله أعلم» اهـ.
٢ - جواز اقتناء الكلاب من أجل الصيد أو الماشية أو الحرث.
وليس المراد مجرد اقتناء كلب الصيد لمن لا يريد أن يصيد به فإنَّ ذلك لا يحل وكذلك القول في كلب الحرث والماشية.
[ ١٤ / ١٨٣ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٧٠): «استدل به على جواز اقتناء كلب الصيد ونحوه وإن لم يرد الاصطياد به في الحال ولا فيما بعد؛ لأنَّه صدق أنَّه اقتنى كلب صيد، وقد حكى بعض أصحابنا فيه وجهين لكن الأصح تحريمه وظاهر كلام الجمهور القطع به؛ لأنَّه اقتناه لغير حاجة فأشبه غيره من الكلاب، ومعنى الحديث إلَّا كلبًا يصطاد به» اهـ.
ويدخل في ذلك اقتناء الكلب الكبير الذي لا يحسن الصيد من أجل تعليمه، وهكذا اقتناء الجرو الصغير من أجل أن يربى ويعلم الاصطياد.
٣ - وقد توسع جماعة من العلماء في ذلك فأباحوا اقتناءها لكل ما فيه نفع أو دفع ضر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢١٩): «وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك إلَّا أنَّه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار لنقصان أجر مقتنيها والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ١٨٤ ]
قُلْتُ: إذا كان مثل هذا النقصان يشمل سائر الكلاب المستخدمة في جلب المنافع ودفع المضار إلَّا ما استثناه الدليل فهي داخلة في النهي عن اقتناء الكلاب ولا معنى حينئذ من استثنائها وقد شاركتها في المفسدة.
وَقَالَ ﵀ (١٤/ ٢٢٠): «وإنَّما كره من ذلك اقتناؤها لغير منفعة وحاجة وكيدة فيكون حينئذ فيه ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة في البيت والموضع الذي فيه الكلب فمن ههنا والله أعلم كره اتخاذها، وأمَّا اتخاذها للمنافع فما أظن شيئًا من ذلك مكروهًا لأنَّ الناس يستعملون اتخاذها للمنافع ودفع المضرة قرنًا بعد قرن في كل مصر وبادية فيما بلغنا والله أعلم وبالأمصار علماء ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف ويسمع السلطان منهم فما بلغنا عنهم تغيير ذلك إلَّا عند أذى يحدث من عقر الكلب ونحوه وإن كنت ما أحب لأحد أن يتخذ كلبًا ولا يقتنيه إلَّا لصيد أو ماشية في بادية أو ما يجري مجرى البادية من المواضع المخوف فيها الطرق والسرق فيجوز حينئذ اتخاذ الكلاب فيها للزرع وغيره لما يخشى من عادية الوحش وغيره والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٩٠): «ويدخل في معنى الزرع والكرم منافع البادية كلها من الطارق وغيره. وقد سئل هشام بن
[ ١٤ / ١٨٥ ]
عروة عن اتخاذ الكلب للدار، فقال: لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة. فأمَّا ما روى عنه ﷺ في حديث سفيان بن أبي زهير: "قيراط" وفى حديث ابن عمر: "قيراطان" فيحتمل والله أعلم أنَّه ﷺ غلظ عليهم في اتخاذ الكلاب، لأنَّها تروع الناس، فلم ينتهوا؛ فزاد في التغليظ فجعل مكان القيراط قيراطين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٢١): «وأمَّا اقتناء الكلاب فمذهبنا أنَّه يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة، ويجوز اقتناؤه للصيد وللزرع وللماشية.
وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لظواهر الأحاديث فإنَّها مصرحة بالنهي إلَّا لزرع أو صيد أو ماشية، وأصحها يجوز قياسًا على الثلاثة عملًا بالعلة المفهومة من الأحاديث وهي الحاجة» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح الاقتصار على ما ورد به الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٧٠): «فصل: ولا يجوز اقتناء الكلب، إلَّا كلب الصيد، أو كلب ماشية، أو حرث؛ لما روي عن أبي هريرة، عن
[ ١٤ / ١٨٦ ]
النبي ﷺ أنَّه قال: "من اتخذ كلبًا إلَّا كلب صيد أو ماشية أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط".
وعن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا إلَّا كلب صيد أو ماشية، فإنَّه ينقص من أجره كل يوم قيراطان".
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: "أو كلب حرث". متفق عليه.
وإن اقتناه لحفظ البيوت، لم يجز؛ للخبر. ويحتمل الإباحة. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنَّه في معنى الثلاثة، فيقاس عليها.
والأول أصح؛ لأنَّ قياس غير الثلاثة عليها، يبيح ما يتناول الخبر تحريمه» اهـ.
٤ - ويدخل في الحرث الزرع وسائر الثمار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٩٠): «ويدخل في معنى الزرع الكرم والثمار وغير ذلك، ولم يختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ أنَّه كان كرمًا، وروى عبد الله بن مغفل أنَّ النبي ﷺ قال: "من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث … "» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ المحتاج إلى الشيء أكثر اهتمامًا بمعرفة حكمه من غيره.
[ ١٤ / ١٨٧ ]
وهو مأخوذ من قول سالم: «وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ» يعني أبا هريرة.
وروى مسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ».
قُلْتُ: أثر ابن عمر منقطع، وليس المراد به الطعن في رواية أبي هريرة لهذه الزيادة، وإنَّما المراد بذلك الإخبار بمزيد تثبته فإنَّ صاحب الشأن أولى بحفظ الحديث فيه من غيره. ويدل على ذلك أنَّ هذه الزيادة قد جاءت أيضًا في حديث ابن عمر فروى مسلم (١٥٧٤) عَنِ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».
وجاءت أيضًا في حديث سفيان بن أبي زهير في البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦). وجاء في حديث عبد الله بن مغفل في مسلم (٢٨٠، ١٥٧٣).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرٍ ﵀ فِي [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٧/ ٣٤٨): «قول ابن عمر هذا لم يرد به التهمة لأبي هريرة وإنَّما أراد أن أبا هريرة حفظ ذلك لأنَّه كان صاحب زرع وصاحب الحاجة أحفظ لها من غيره» اهـ.
[ ١٤ / ١٨٨ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (٢/ ٤٣٩ - ٤٠): «قد زعم بعض من لم يسدد في قوله ولم يوفق لحسن الظن بسلفه أنَّ ابن عمر إنَّما أخرج قوله هذا مخرج الطعن على أبي هريرة وأنَّه ظن به التزيد في الرواية لحاجته كانت إلى حراسة الزرع قال وكان ابن عمر يرويه ولا يذكر فيه كلب الزرع.
قال أبو سليمان: والأمر فيما زعمه بخلاف ما توهمه وإنَّما ذكر ابن عمر هذا تصديقًا لقول أبي هريرة وتحقيقًا له ودل به على صحة روايته وثبوتها إذ كان كل من صدقت حاجته إلى شيء كثرت عنايته به وكثر سؤاله عنه، يقول: إنَّ أبا هريرة جدير بأن يكون عنده هذا العلم وأن يكون قد سأل رسول الله ﷺ عنه لحاجته كانت إليه إذا كان صاحب زرع يدل على صحة ذلك فتيا ابن عمر بإباحة اقتناء كلب الزرع بعد ما بلغه خبر أبي هرير …» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٨٠): «وقول ابن عمر: "كان لأبي هريرة زرع"؛ لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة. وإنَّما أراد ابن عمر: أنَّ أبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجًا لما يحفظ به زرعه سأل النبي ﷺ عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا تهمم» اهـ.
[ ١٤ / ١٨٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٢٢): «قال العلماء: ليس هذا توهينا لرواية أبي هريرة، ولا شكًا فيها، بل معناه أنَّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أنَّ المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٧٩):
«وقوله: "وكان صاحب حرث" محمول على أنَّه أراد ذكر سبب العناية بهذا الحكم حتى عرف منه ما جهل غيره والمحتاج إلى الشيء أكثر اهتماما بمعرفة حكمه من غيره» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ من اقتنى كلبًا لغير ما ذكر في الحديث نقص من أجره كل يوم قيراطان.
والقيراط مثقال من المثاقيل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٦٥٦ - ٦٥٧): «لم أزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث وإلى أي شيء نسبته حتى رأيت لابن عقيل فيه كلامًا قال: القيراط نصف سدس درهم مثلًا، أو نصف عشر دينار ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر لأنَّ ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان
[ ١٤ / ١٩٠ ]
وأعماله كالصلاة والحج وغيره وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا فلم يبق إلَّا أن يرجع إلى المعهود وهو الأجر العائد إلى الميت ويتعلق بالميت أجر الصبر على المصاب فيه وأجر تجهيز وغسله ودفنه والتعزية به وحمل الطعام إلى أهله وتسليتهم وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت فكان للمصلى والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك أو نصف سدسه إن صلى وانصرف.
قُلْتُ: كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلًا فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار والذي يتعارفه الناس من القيراط أنَّه نصف سدس فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه وهما سدسه وعلى هذا فيكون نسبه القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه فهذا بين ههنا.
وأمَّا قوله: "من اقتنى كلبًا إلَّا كلب ماشية أو زرع نقص من أجره أو من عمله كل يوم قيراط". فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضًا بعينه وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قلة عمله وكثرته فإذا
[ ١٤ / ١٩١ ]
كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلًا نقص منها كل يوم ألفا حسنة وعلى هذا الحساب والله أعلم بمراد رسوله وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في بعض الروايات في حديث ابن عمر في مسلم (١٥٧٤) ذكر القيراط، وروى البخاري (٣٣٢٤)، ومسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ».
وجاء أيضًا في حديث سفيان بن أبي زهير في البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦).
وقد خاض العلماء في الجمع بين هذه الألفاظ.
فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٨١): «وجاء في إحدى الروايتين: "قيراطان". وفي أخرى: "قيراط". وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب. أحدهما أشد أذى من الآخر، كالأسود المتقدم الذكر. ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلًا، أو بمكة ينقصه قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ١٩٢ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧): «واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط فقيل الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنَّه ﷺ أخبر أولًا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك فسمعه الراوي الثاني، وقيل ينزل على حالين فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الاضرار باتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها، وقيل يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذي وقلته، وكذا من قال يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب ففيما لابسه آدمي قيراطان وفيما دونه قيراط» اهـ.
٧ - الحديث حجة لمن منع من أكل الكلاب إذ لو جاز أكلها لجاز اقتناؤها من أجل أكلها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٣٠): «وهذا أوضح دليل على أنَّ الكلب لا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل، وهو ظاهر» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ١٩٣ ]
٣٨٢ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ. فَقَالَ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّا لاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً. أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
قَوْلُهُ: «بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٥): «وذو الحليفة هذا مكان غير ميقات المدينة لأنَّ الميقات في طريق الذاهب من المدينة ومن الشام إلى مكة وهذه بالقرب من ذات عرق بين الطائف
[ ١٤ / ١٩٤ ]
ومكة كذا جزم به أبو بكر الحازمي وياقوت ووقع للقابسي أنَّها الميقات المشهور وكذا ذكر النووي قالوا: وكان ذلك عند رجوعهم من الطائف سنة ثمان وتهامة اسم لكل ما نزل من بلاد الحجاز سميت بذلك من التهم بفتح المثناة والهاء وهو شدة الحر وركود الريح وقيل تغير الهواء» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ». أي: شرد.
وَقَوْلُهُ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ». أي توحشًا كتوحش الوحش.
وَقَوْلُهُ: «وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً». المدية هي السكين سميت بذلك لأنَّها تقطع مدى الحيوان أي عمره.
وَقَوْلُهُ: «أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟». القصب: كل نبات ذي أنابيب.
وَقَوْلُهُ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ أي: أسأله وصبه بكثرة، شبهه بجري الماء في النهر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إقامة عذر المخطئ قبل ذكر ما أخطأ فيه، وهو مأخوذ من قوله: «فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ» فقد قال ذلك الصحابي تمهيدًا لبيان عذرهم في نحرهم للإبل وذبحهم للغنم.
[ ١٤ / ١٩٥ ]
٢ - وفيه أنَّه ينبغي أن يكون أمير الجيش في أخريات الجيش يتفقد ضعفاء الجيش، وحتى لا ينقطع ضعفاء الجيش عن اللحاق بسائر الجيش، فإنَّه لو كان في مقدمة الجيش ربما تقدم الجيش فانقطع الضعفاء عن اللحاق به.
٣ - وفيه حرمة أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٤٠٦): «وقد مضى من سنن المسلمين في الغنائم وأكلهم منها ما لا خلاف فيه. وكانوا في هذه القسمة بذي الحليفة قريبًا من المدينة، ولم يكونوا مضطرين إلى أكل الغنيمة فأراهم النبي ﷺ أنَّ هذا ليس لهم، فمنعهم مما فعلوه بغير إذنه ﷺ فكان في باب الخوف من الغلول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٦١): «وإنَّما أمر بإراقتها لأنَّهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة، فإنَّ الأكل من الغنائم قبل القسمة إنَّما يباح في دار الحرب» اهـ.
٤ - وفيه مشروعية العقوبة بالمال.
وروى أبو داود (٢٧٠٥) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ يَعْنِي ابْنَ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ
[ ١٤ / ١٩٦ ]
اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ النَّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، وَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ، فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ» أَوْ «إِنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ» الشَّكُّ مِنْ هَنَّادٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وترميل اللحم هو تلطيخه بالتراب.
والذي يظهر لي أنَّ هذا الأخذ سمي نهبة ولم يسم غلولًا لأنَّه أخذ مجاهرة، والغلول ما أخذ سرًا على وجه الخيانة، والله أعلم.
ورواه ابن ماجه (٣٩٣٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَصَبْنَا غَنَمًا لِلْعَدُوِّ فَانْتَهَبْنَاهَا، فَنَصَبْنَا قُدُورَنَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وأبو الأحوص هو سلام بن سُليم، والظاهر أنَّ الحديث ثابت من الطريقين معًا.
وروى أحمد (٢٣١١٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَالَ: أَسَرَنِي نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
[ ١٤ / ١٩٧ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنْتُ مَعَهُمْ، فَأَصَابُوا غَنَمًا، فَانْتَهَبُوهَا فَطَبَخُوهَا، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النُّهْبَى - أَوِ النُّهْبَةَ - لَا تَصْلُحُ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والرجل من بني ليث هو ثعلبة فإنَّه ليثي.
قُلْتٌ: وإفساد النبي ﷺ للحم من قبيل التعزير، وليس ما يدعيه أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين، وهو ظاهر مذهب البخاري من أنَّ الذبيحة لا تحل وتصير بذلك في حكم الميتة، ويدل على صحة قول الجمهور ما رواه أبو داود (٣٣٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ: «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ»، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا»، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً، أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا
[ ١٤ / ١٩٨ ]
بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ولو كانت ميتة لما حلَّ أن تطعم الأسارى.
٥ - وفيه أنَّ العشر من الغنم تعدل ببعير، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ في الهدي والأضاحي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٧): «فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أنَّ البعير يجزئ عن سبع شياه لأنَّ ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين وأمَّا هذه القسمة فكانت واقعة عين فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة. والبدنة تطلق على الناقة والبقرة».
إِلَى أَنْ قَالَ: «والذي يتحرر في هذا أنَّ الأصل أنَّ البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك» اهـ.
[ ١٤ / ١٩٩ ]
٦ - وفيه أنَّ الإبل إذا توحشت فعل بها كما يفعل بالصيد من رميها في أي موضع كان، فإن أدرك نحرها نحرت، وإن أدركها وقد ماتت حلت كما يحل الصيد. وإلى هذا ذهب الجمهور، وقال سعيد بن المسيب وربيعة والليث ومالك: لا تحل إلَّا بذكاة في حلقه أو لبدته كغيره، والحجة مع الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٤٢): «مسألة؛ قال: "وإذا ند بعير، فلم يقدر عليه، فرماه بسهم أو نحوه، مما يسيل به دمه، فقتله، أكل" وكذلك إن تردى في بئر، فلم يقدر على تذكيته، فجرحه في أي موضع قدر عليه، فقتله، أكل، إلَّا أن يكون رأسه في الماء، فلا يؤكل؛ لأنَّ الماء يعين على قتله. هذا قول أكثر الفقهاء.
روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃ وبه قال مسروق، والأسود، والحسن، وعطاء، وطاووس، وإسحاق، والشعبي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك: لا يجوز أكله إلَّا أن يذكى. وهو قول ربيعة، والليث. قال أحمد: لعل مالكًا لم يسمع حديث رافع بن خديج» اهـ.
[ ١٤ / ٢٠٠ ]
٧ - وفيه اشتراط التسمية والإنهار لحل الذبيحة والصيد.
ويستثنى من إنهار الدم الجنين في بطن أمه فإنَّ ذكاته ذكاة أمه، وهكذا ما حلَّت ميتته وهما السمك والجراد.
٨ - وفيه جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلَّا ما ورد استثناؤه في الحديث. ولعلهم لم يذبحوا بسيوفهم حتى لا يذهب حدها، وهم محتاجون لبقاء حدها في جهادهم.
٩ - وفيه أنَّه يجزئ في الذبح ما أنهر الدم، ويكون ذلك بقطع الودجين من البهيمة وهما العرقان في جانبي الحلقوم فإنَّه بقطعهما يحصل إنهار الدم، وأمَّا اشتراط قطع الحلقوم أو المريء فمما لا أعلم دليلًا على اشتراطه، وقد تنازع العلماء في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٥٩ - ٣٦٠): «وأمَّا الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء. وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يعتبر مع هذا قطع الودجين. وبه قال مالك، وأبو يوسف؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان. وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود.
وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
[ ١٤ / ٢٠١ ]
ولا خلاف في أنَّ الأكمل قطع الأربعة؛ الحلقوم، والمريء والودجين، فالحلقوم مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛ لأنَّه أسرع لخروج روح الحيوان، فيخف عليه، ويخرج من الخلاف، فيكون أولى.
والأول يجزئ؛ لأنَّه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه، فأشبه ما لو قطع الأربعة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤١): «فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية وهما الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب، وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ فإن قطع أقل فلا خير فيها، وقال الشافعي: يكفي ولو لم يقطع من الودجين شيئًا لأنَّهما قد يسلان من الإنسان وغيره فيعيش، وعن الثوري إن قطع الودجين أجزأ ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج له بما في حديث رافع: "ما انهر الدم". وانهاره اجراؤه وذلك يكون بقطع الأوداج لأنَّها
[ ١٤ / ٢٠٢ ]
مجرى الدم، وأمَّا المريء فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهار كذا قال» اهـ.
قُلْتُ: ومثل ذلك أيضًا في إنهار الدم الطعن في اللَّبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
١٠ - وعموم الحديث يشمل حل المذبوحة من القفا إذا وصل الذبح إلى الودجين قبل موتها، وأمَّا إذا وصل إلى الودجين بعد موتها فلا تحل.
وهذا مما تنازع فيه العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٦٥ - ٣٦٦): «فصل: فإن ذبحها من قفاها اختيارًا، فقد ذكرنا عن أحمد، أنَّها لا تؤكل. وهو مفهوم كلام الخرقي.
وحكي هذا عن علي، وسعيد بن المسيب، ومالك، وإسحاق.
قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة الْقَفِينَةُ.
وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت، وإلَّا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية.
وهذا مذهب الشافعي.
[ ١٤ / ٢٠٣ ]
وهذا أصح؛ لأنَّ الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة، أحله، كأكيلة السبع، والمتردية والنطيحة.
ولو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها، حلت بذلك. نص عليه أحمد، فقال: لو أنَّ رجلًا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف، يريد بذلك الذبيحة، كان له أن يأكله. وروي عن علي، ﵁، أنَّه قال: تلك ذكاة وَحْيَّة.
وأفتى بأكلها عمران بن حصين. وبه قال الشعبي، وأبو حنيفة، والثوري.
وقال أبو بكر لأبي عبد الله فيها قولان. والصحيح أنَّها مباحة؛ لأنَّه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح، فأبيح، كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف.
فصل: فإن ذبحها من قفاها، فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا؟ نظرت؛ فإن كان الغالب بقاء ذلك، لحدة الآلة، وسرعة القتل، فالأولى إباحته؛ لأنَّه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه، لم يبح؛ لأنَّه مشكوك في وجود ما يحله، فيحرم، كما لو أرسل كلبه على الصيد، فوجد معه كلبًا آخر لا يعرفه» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى قول علي ﵁: «ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ» أي سريعة.
[ ١٤ / ٢٠٤ ]
وقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٧٩) عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَ بَعِيرٍ بِالسَّيْفِ فَأَبَانَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ».
قُلْتُ: جَعْفَرُ هو ابْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، وعَوْفُ هو ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ لم يدرك عليًا.
ومذهب الحنفية في الذبح من القفا ذكره الْعَلَّامَةُ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوطِ] (١١/ ٢٢٨):
«وَإِنْ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ الشَّاةُ حَلَّتْ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْأَوْدَاجَ لَمْ تُؤْكَلْ» اهـ.
قُلْتُ: ولم يفرق المالكية بين الذبح من القفا بالسكين، أو ضرب العنق بالسيف ورأوا كل أنَّ كل ذلك لا يحل به الذبيحة.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٢/ ٤٧١): «… وإن كان الذبح من القفا، فإن كان قطع الحلقوم والمريء، وهي بها حياة مستقرة لحدة الآلة وسرعة القطع، فإنَّها تجزئ، ويحل أكلها …
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
[ ١٤ / ٢٠٥ ]
بكر أبو زيد … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
١١ - وفيه حرمة الذبح بالعظم أو الظفر، والنهي يقتضي التحريم والفساد فالذبيحة التي ذبحت بذلك ميتة في مذهب الجمهور.
وليس في الحديث ذكر السبب في نهيهم عن الذبح بالعظم، وقد قيل في ذلك من أجل أنَّه زاد إخواننا من الجن، وفي الذبح بها تنجيسها عليهم. وقد روى مسلم (٤٥٠) عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ، أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ. فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ. قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ. قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَقَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ
[ ١٤ / ٢٠٦ ]
لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».
لكن يشكل على ذلك أنَّ السن لا لحم فيه إلَّا إذا كان متصلًا بعظم أحد الفكين.
قُلْتُ: وبناء على هذا التعليل فلا يحل الذبح بسائر العظام وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية عنهما، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك في رواية وأبو حنيفة على حل ذلك. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩): «نهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللًا بأنَّها مدى الحبشة، كما علل السن: بأنَّه عظم. وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أنَّ علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا: الذبح بالسن والظفر المنزوعين؛ لأنَّ التذكية بالآلات المنفصلة المحددة لا خنق فيه. والجمهور منعوا من ذلك مطلقًا؛ لأنَّ النبي ﷺ استثنى السن والظفر مما أنهر الدم فعلم أنَّه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقًا، لم يستثنه، والمظنة إنَّما تقام
[ ١٤ / ٢٠٧ ]
مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأمَّا مع ظهورها وانضباطها فلا.
وأيضًا، فإنَّه مخالف لتعليل رسول الله ﷺ المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء: هل يمنع من التذكية بسائر العظام، عملًا بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره.
وعلى الأقوال الثلاثة فقوله ﷺ: "وأمَّا الظفر، فمدى الحبشة". بعد قوله: "سأحدثكم عن ذلك" يقتضي أنَّ هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إمَّا أن يكون علة، أو دليلًا على العلة؛ أو وصفًا من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى عن ذلك؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به.
وأمَّا العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به كنهيه عن الاستنجاء به؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها فإنَّ فيها كلامًا ليس هذا موضعه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٦٢): «فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظمًا، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إمَّا
[ ١٤ / ٢٠٨ ]
لنجاسة بعضها وإمَّا لتنجيسه على مؤمني الجن ولكون الآخر مدى الحبشة ففي التذكية بها تشبه بالكفار» اهـ.
قُلْتُ: وعموم الحديث يشمل سائر الأظفار، ويشمل سائر السن المنفصل والمتصل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٦١): «أمَّا الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات، وسواء المتصل والمنفصل، الطاهر والنجس. فكله لا تجوز الذكاة به للحديث. وأمَّا السن فيدخل فيه سن الآدمي وغيره الطاهر والنجس، والمتصل والمنفصل، ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل. الطاهر والنجس، فكله لا تجوز الذكاة بشيء منه. قال أصحابنا: وفهمنا العظام من بيان النبي ﷺ العلة في قوله: "أمَّا السن فعظم" أي: نهيتكم عنه لكونه عظمًا، فهذا تصريح بأنَّ العلة كونه عظمًا، فكل ما صدق عليه اسم العظم لا تجوز الذكاة به. وقد قال الشافعي وأصحابه بهذا الحديث في كل ما تضمنه على ما شرحته، وبهذا قال النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وفقهاء الحديث وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين.
[ ١٤ / ٢٠٩ ]
وعن مالك روايات أشهرها: جوازه بالعظم دون السن كيف كانا، والثانية: كمذهب الجمهور، والثالثة: كأبي حنيفة، والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر يجوز بكل شيء حتى بالسن والظفر، وعن ابن جريج جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وهذا مع ما قبله باطلان منابذان للسنة» اهـ.
١٢ - وفيه اشتراط أن تكون آلة الذبح محددة، وذلك أنَّ إنهار الدم يكون بذلك.
١٣ - وفيه حرمة التشبه بالكافرين.
١٤ - وفيه تحريم التصرف بالأموال المشتركة قبل قسمتها من غير إذن.
١٥ - أنَّه يجوز في قسمة الغنيمة التعديل ولا يجب قسمة كل شيء على حدة.
* * *
[ ١٤ / ٢١٠ ]