٣٤٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْلٍ - أَوْ عُرَيْنَةَ - فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا. فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ. فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ: فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلا يُسْقَوْنَ».
قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ.
اجْتَوَيْتَ البِلادَ إِذا كرهْتَها وإِنْ كانتْ مُوافِقَةً. واسْتَوْبَأْتَها إِذا لم تُوَافِقْكَ.
الحدود لغة: جمع حد، وأصله في اللغة المنع، ومنه الحديد لأنَّه يصنع منه ما يحصل به المنع كالأسلحة التي تمنع من الأعداء، والأبواب التي تمنع من دخول المنازل، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها من الزينة والخروج من بيت زوجها.
[ ١٢ / ٢١٤ ]
وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات: حدودًا؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني إلى مثل ذلك الفعل.
وهي في الشرع: كل عقوبة مقدرة من الشرع على معصية لتمنع من الوقوع في مثلها وتكفر ذنب صاحبها.
قَوْلُهُ: «فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٣٣٧): «قال ابن فارس: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة.
وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة.
وقال القزاز: اجتووا أي لم يوافقهم طعامها.
وقال ابن العربي: الجوى داء يأخذ من الوباء. وفي رواية أخرى يعني رواية أبي رجاء المذكورة استوخموا قال: وهو بمعناه.
وقال غيره: الجوى داء يصيب الجوف» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «بِلِقَاحٍ». جمع: لِقْحَةٍ. وهي: الناقة ذات اللبن.
وَقَوْلُهُ: «وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ». مأخوذ من السوق وهو السير العنيف.
[ ١٢ / ٢١٥ ]
وَقَوْلُهُ: «وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ». جاء بيان ذلك فيما رواه البخاري (٣٠١٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا، قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ»، فَانْطَلَقُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى مَاتُوا.
وَقَوْلُهُ: «وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ». هي: أرض ذات حجارة سود.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الاستشفاء بأبوال الإبل وألبانها.
٢ - وفيه معاملة الجاني بمثل ما جنى، وقد روى مسلم (١٦٧١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ».
٣ - وفيه مقاصصة الجماعة بالواحد، بالنفس وما دون ذلك.
٤ - واحتج به من قال باجتماع الحد مع القصاص.
[ ١٢ / ٢١٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٨): «وعلى أنَّه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معًا، فإنَّ النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم حدًا لله على حرابهم، وقتلهم لقتلهم الراعي» اهـ.
قُلْتُ: في اجتماع الحد مع القتل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تجتمع على شخص حدود كلها خالصة لله تعالى، ومن هذه الحدود حد القتل، فالذي عليه جمهور العلماء أنَّ القتل يُسقط سائر الحدود، ونازع في ذلك الإمام الشافعي فذهب إلى استيفاء سائر الحدود مع القتل.
الصورة الثانية: أن تجتمع على شخص حدود وقصاص كلها خالصة للأدمي، كحد القذف، وقطع عضو من الأعضاء، والقتل قصاصًا، فالذي عليه جمهور العلماء استيفاء جميع ذلك مع القتل ويبدأ بالأخف منها؛ لأنَّ ذلك حق من حقوق الآدميين فلا تسقط كسائر حقوقهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى سقوط جميع ذلك بالقتل.
الصورة الثالثة: أن تجتمع على شخص حدود الله وحدود الآدميين مع القتل، فتدخل حدود الله تعالى في القتل، -سواء كان القتل من حدود الله تعالى،
[ ١٢ / ٢١٧ ]
كالرجم في الزنا، والقتل للمحاربة، أو الردة، أو كان القتل حقًا لآدمي، كالقصاص-، وأمَّا حقوق الآدميين فتستوفى كلها. وهذا مذهب الجمهور.
قُلْتُ: ولا أعلم حجة قوية على سقوط الحدود التي هي خالصة لله مع القتل، والأصل هو استيفاؤها كما هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم، والحدود كفارات فيحتاج إلى استيفائها.
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٧٠٩) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ أَتَى الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرِ». فَهُوَ أَثَرٌ ضَعِيْفٌ لِضَعْفِ مجالد وهو ابن سعيد.
ويدخل في هذا: المحارب إذا أخذ المال وقتل فإنَّه يقتل وتقطع يده ورجله من خلاف كما يدل عليه الحديث، وهو مذهب أحمد في رواية، والرواية الأخرى له وهو مذهب الشافعي أن يقتلوا ثم يصلبوا.
وأمَّا ما رواه الشافعي في [الْأُمِّ] (٦/ ١٥١ - ١٥٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٩٠)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٥٤٣٨)، و[الصُّغْرَى] (٢٦٥٢)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٢٥٧٠) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: «إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ
[ ١٢ / ٢١٨ ]
يَأْخُذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا، قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا هَرَبُوا طُلِبُوا حَتَّى يُوجَدُوا فَتُقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنْ الْأَرْضِ».
فَهَذَا الْأَثَرُ إَسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ فإبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى متروك الحديث، وصالح مولى التوأمة مختلط.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٥٤٤)، ومن طريقه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٢٦٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٩١) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُحَارِبِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إِذَا عَدَا فَقَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ فَإِنْ هَرَبَ وَأَعْجَزَهَمْ فَذَلِكَ نَفْيُهُ».
قُلْتُ: وَهَذَا الْإِسْنَادُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ أيضًا فإبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى متروك الحديث كما سبق، وداود هو ابن حصين ضعيف الحديث في عكرمة.
٥ - وفيه أنَّ المحارب إذا أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف.
٦ - وفيه أنَّ حكم الردء كالمباشر.
[ ١٢ / ٢١٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٩): «فإنَّه من المعلوم أنَّ كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك» اهـ.
٧ - واحتج به من قال: إنَّ قتل الغيلة يوجب القتل حدًا فلا يسقطه عفو بعض الأولياء. وقد مضى القول في قتل الغيلة في شرح حديث أنس في شأن قتل اليهودي للجارية.
٨ - وفيه تغليظ العقوبة بتغلظ الجرائم.
٩ - واحتج به من قال بطهارة أبوال وأرواث مأكول اللحم، وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن عباس من كتاب الطهارة.
١٠ - وفيه نفي المدينة لخبثها.
وقد روى البخاري (١٨٨٣)، ومسلم (١٣٨٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا».
وروى مسلم (١٣٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
[ ١٢ / ٢٢٠ ]
«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
وروى البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١): «وشبه رسول الله ﷺ المدينة في ذلك الوقت بالكير والنار الذي لا يبقى على عمله إلَّا طيبه ويدفع الخبث، وكذلك كانت المدينة لا يبقى فيها ولا يثبت إلَّا الطيب من الناس لصحبته ﷺ وللفهم عنه فلما مات خرج عنها كثير من جلة أصحابه لنشر علمه والتبليغ لدينه ﷺ.
[ ١٢ / ٢٢١ ]
فإن قيل: إنَّ عمر بن عبد العزيز قد خشي أن يكون ممن نفت المدينة وليس ذلك في المعنى الذي ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ والأخذ عنه بل ذلك لفضل المدينة الباقي إلى يوم القيامة.
قيل له لا ينكر فضل المدينة عالم ولكن قوله "تنفي خبثها وينصع طيبها" ليس إلَّا على ما قلنا بدليل خروج الفضلاء الصحابة الطيبين منها إلى الشام والعراق ولا يجوز أن يقال في واحد منهم إنَّهم كانوا خبثاء ﵃.
وقد يقول العالم القول على الإشفاق على نفسه فلا يكون في ذلك حجة على غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٥): «الأظهر أنَّ هذا مختص بزمن النبي ﷺ لأنَّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلَّا من ثبت إيمانه، وأمَّا المنافقون وجهلة الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك: أقلني بيعتي. هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادعى أنَّه الأظهر ليس بالأظهر؛ لأنَّ هذا الحديث الأول في صحيح مسلم أنَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد". وهذا والله أعلم في زمن
[ ١٢ / ٢٢٢ ]
الدجال، كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال: "أنَّه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله بها منها كل كافر ومنافق". فيحتمل أنَّه مختص بزمن الدجال، ويحتمل أنَّه في أزمان متفرقة والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: حديث جابر عام في لفظه فالأصل هو إبقاؤه على عمومه، وليس في الحديث أنَّه لا يخرج منها إلَّا من كان خبيثًا، وإنَّما فيه أنَّها تنفي خبثها، وفرق بين الأمرين، والذي يظهر لي أنَّ النفي التام إنَّما يكون في زمن الدجال، وأمَّا قبل ذلك فلا تنفي جميع خبثها؛ وذلك أنَّ المنافقين ما زالوا في المدينة منذ فجر الإسلام وإلى هذه الأيام.
١١ - ويدل على جواز التعذيب بالنار قصاصًا.
وقد بوَّب الإمام البخاري على هذا الحديث بقَوْلِهِ: «باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٧٩): «استدل منه البخاري أنَّه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء، أنَّه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم» اهـ.
[ ١٢ / ٢٢٣ ]
قُلْتُ: وهذا مذهب الجمهور، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٠٨): «ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك» اهـ.
وذهبت الحنفية والنخعي والشعبي إلى أنَّه لا يقتل إلَّا بالسيف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٥٠١): «وقال ابن الماجشون: يقتل بالعصا وبالخنق وبالحجر ولا يقتل بالنار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأي وجه قتل؛ فلا يقتل إلاَّ بالسيف. وهو قول النخعي والشعبي» اهـ.
١٢ - واحتج به من قال بجواز قتل المرتدين من غير استتابة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٠٣): «ولم يستتبهم من الردة، إمَّا لأنَّ الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة، وإمَّا لأنَّهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا بالقصاص، وإمَّا بالحرابة؛ فلا بد من قتلهم، فلا يظهر للاستتابة فائدة، فاستغنى عنها، والله تعالى أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ١٥٧): «وإنَّما ترك النبي ﷺ استتابة هؤلاء لما أحدثوا من القتل والمثلة والحرب؛
[ ١٢ / ٢٢٤ ]
وإنَّما يستتاب المرتد الذي يرتاب فيستريب به ويرشد، ويبين له المشكل، وتجلى له الشبهة» اهـ.
قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء هو استتابة المرتد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٤٤٧): «الفصل الثالث: أنَّه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا.
هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي.
وروي عن أحمد، رواية أخرى، أنَّه لا تجب استتابته، لكن تستحب.
وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عمير، وطاووس، ويروى ذلك عن الحسن» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من لم ير وجوب الاستتابة عموم ما رواه البخاري (٣٠١٧) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
وعموم ما رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا
[ ١٢ / ٢٢٥ ]
إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
فإنَّ النبي ﷺ لم يأمر بالاستتابة قبل القتل.
وهكذا ما رواه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: «لَنْ، أَوْ: لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى اليَمَنِ». ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي.
[ ١٢ / ٢٢٦ ]
قُلْتُ: وفي الاحتجاج بهذا نظر فإنَّه ليس فيه أنَّ أبا موسى لم يستتبه قبل مقدم معاذ بن جبل ﵄.
واحتج من قال باستتابة المرتد بما رواه الدارقطني ﵀ في [سُنَنِهِ] (٣٢١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَاتِمٍ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: «ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلَتْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيُدُ الضَّعْفِ فيه محمد بن عبد الملك الأنصاري قَالَ فِيْهِ ابْنْ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٨/ ٤): «سألت أبي عن محمد بن عبد الملك الأنصاري فقال: كان يكون بغداد ذاهب الحديث جدًا كذاب كان يضع الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ كَمَا فِي [الْعِلَلِ وَمَعْرِفَةِ الرَّجَالِ] (٣/ ٢١٢): «كان أعمى وكان يضع الحديث ويكذب» اهـ.
ومحمد بن إسماعيل فيه لين ولم يسمع من أبيه، وأبوه ضعيف الحديث في غير أهل بلده.
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
واحتجوا بما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤١٤)، ومن طريقه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٨٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٣٤١)، ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٨٥)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥١٠٧) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ»؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، والد عبد الرحمن لم يوثقه معتبر، وروايته عن عمر مرسلة.
ورواه أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٥٨٨، ٣٣٤٢٤، ٣٤٥٢١) حدثنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال. فذكره.
قُلْتُ: ومحمد لم يوثقه معتبر كما سبق.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٦٩٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٤٠٦)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٨٧) عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ:
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
ثنا عَامِرٌ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ فَقُتِلُوا فِي الْقِتَالِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِفَتْحِ تُسْتَرَ قَالَ: «مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ عَرَضْتُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَشْغَلَهُ عَنْ ذِكْرِهِمْ، قَالَ: «مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ؟» قَالَ: قُلْتُ: قُتِلُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُ أَخَذْتُهُمْ سَلْمًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ سَبِيلُهُمْ لَوْ أَخَذْتُهُمْ إِلَّا الْقَتْلَ، قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالشِّرْكِ، قَالَ: «كُنْتُ أَعْرِضُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوَا اسْتَوْدَعْتُهُمِ السِّجْنَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٤١١)، وأبو داود (٢٧٦٢) من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ يَطْرُقُ فَرَسًا لَهُ فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ فَصَلَّى فِيهِ فَقَرَأَ لَهُمْ إِمَامُهُمْ بِكَلَامِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَأَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَجَاءَهُمْ، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ النَّوَّاحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَسْتُ بِرَسُولٍ، يَا خَرَشَةُ قُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ"، فَقَامَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ».
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
والذي يظهر لي في استتابة المرتد أنَّ فيها تفصيلًا، فإن كانت الردة لشبة محتملة فلا يُقتل إلَّا بعد أن يُستتاب، وإن كانت لغير شبهة فلا يظهر لي وجوب الاستتابة وفعلها حسن، وذلك أنَّ النبي ﷺ كان يغزوا بعض الكافرين من غير أن يدعوهم للإسلام قبل قتالهم اكتفاء ببلوغ الدعوة إليهم، وهؤلاء المرتدون ردة لا شبهة لهم فيها قد بلغتهم الدعوة بأبلغ مما بلغت غيرهم من سائر الكافرين.
* * *
[ ١٢ / ٢٣٠ ]