٣٤١ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَا: «إنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَم، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قُلْ"، فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ».
العَسيفُ: الأَجيرُ.
[ ١٢ / ٢٣١ ]
قَوْلُهُ: «أَنْشُدُك اللَّهَ» أي: أقسم عليك بالله، ذكره القرطبي، وذكر النووي وغيره في معناه: أسألك بالله رافعًا نشيدي، وهو صوتي.
وقَوْلُهُ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ». أي: امض وسر، وليس المراد به الذهاب أول النهار.
وقَوْلُهُ: «وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٣٨): «في رواية مالك فقال الآخر وهو أفقههما. قال شيخنا في شرح الترمذي: يحتمل أن يكون الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثاني بأنَّه أفقه من الأول إمَّا مطلقًا وإمَّا في هذه القصة الخاصة، أو استدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه وتأكيده السؤال على فقهه وقد ورد أنَّ حسن السؤال نصف العلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٣):
«إنَّما فضل الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ الثاني ترفق ولم يستعجل، ثم تلطف بالاستئذان في القول، بخلاف الأول، فإنَّه استعجل، وأقسم على النبي ﷺ في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزية، في الفهم والفقه. ويحتمل: أن يكون ذلك؛ لأنَّ الثاني وصف القضية بكمالها، وأجاد سياقتها» اهـ.
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
وقَوْلُهُ: «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ». أي بحكم الله، فإنَّه ليس للتغريب ذكر في القرآن.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الحلف في الحكم لتوكيده.
٢ - وفيه أنَّ الزاني البكر يجمع له بين الجلد والتغريب.
قُلْتُ: أمَّا الجلد فلا نزاع فيه، وأمَّا التغريب فقال به أكثر العلماء من الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من أئمة الإسلام، وذهب الإمام مالك والأوزاعي رحمهما الله تعالى إلى ثبوته في حق الرجل دون المرأة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٦ - ٣٧): «وقال مالك، والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأنَّ المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولأنَّها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم، لا يجوز التغريب بغير محرم؛ لقول النبي ﷺ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة، إلَّا مع ذي محرم".
ولأنَّ تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وإن غربت بمحرم، أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب إنَّما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة ﵃، والعام يجوز تخصيصه؛ لأنَّه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه، فإنَّه دل بمفهومه على أنَّه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك، وفوات حكمته؛ لأنَّ الحد وجب زجرًا عن الزنا، وفي تغريبها إغراء به، وتمكين منه، مع أنَّه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد، في قول الأكثرين، فتخصيصه هاهنا أولى».
إِلَى أَنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ (٢٠/ ٣٨): «وقول مالك فيما يقع لي، أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح؛ لأنَّه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها، بخلاف هذا الحد، ويمكن قلب هذا القياس، بأنَّه حد، فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل، كسائر الحدود» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي صحته والله أعلم.
وقد شذ أبو حنيفة فلم ير التغريب في حق الذكر ولا الأنثى.
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
٣ - وفيه أنَّ التغريب يكون عامًا كاملًا وظاهر ذلك أنَّه لا يجزئ أقل من ذلك، فلو غُرِّب وعاد إلى بلده قبل تمام العام، غُرِّب مرة أخرى، ويبني على ما سبق، ولا تحسب مدة إقامة من التغريب.
٤ - وليس في الحديث إلى أي مسافة يُغرَّب، وذلك محمول على مسافة القصر، فإنَّ ما دون ذلك يعد حاضرًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩): «فصل: ويغرب البكر الزاني حولًا كاملًا، فإن عاد قبل مضي الحول، أعيد تغريبه، حتى يكمل الحول مسافرًا، ويبني على ما مضى.
ويغرب الرجل إلى مسافة القصر؛ لأنَّ ما دونها في حكم الحضر، بدليل أنَّه لا يثبت في حقه أحكام المسافرين، ولا يستبيح شيئًا من رخصهم» اهـ.
٥ - ولا يحبس في البلد الذي غُرِّب إليها، لعدم ذكر ذلك في الحديث، وهذا مذهب الجمهور، وخالف الإمام مالك فذهب إلى حبسه في البلد التي غُرِّب إليها.
[ ١٢ / ٢٣٥ ]
٦ - وإذا زنا الغريب في غير بلده فلا ينفى إلى بلده؛ لأنَّ ذلك لا يعد تغريبًا، ولا ينفى مرة أخرى إن زنا إلى البلد الذي انتقل إليه في المرة السابقة، لأنَّه قد أنس به فشابه بلده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠): «فصل: وإذا زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه.
وإن زنى في البلد الذي غرب إليه، غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه؛ لأنَّ الأمر بالتغريب يتناوله حيث كان، ولأنَّه قد أنس بالبلد الذي سكنه، فيبعد عنه».
٧ - وفيه أنَّ ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده.
٨ - وفيه توكيل الإمام غيره في استيفاء الحد.
٩ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤): «لأنَّه ﷺ لم يجلد ماعزًا ولا الغامدية، ولم يأمر أنيسًا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها، وهذا قول الجمهور، وحديث عبادة: "خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلًا: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". منسوخ؛ فإنَّ هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزاني، ثم رجم ماعزًا والغامدية، ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
شك، وأمَّا حديث جابر في "السنن": أنَّ رجلًا زنى، فأمر به النبي ﷺ فجلد الحد، ثم أقر أنَّه محصن، فأمر به فرجم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: إنَّه لم يعلم بإحصانه، فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم. رواه أبو داود» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب أكثر العلماء، وذهب إليه من الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وذهب في رواية إلى الجمع بينهما.
ومذهب الجمهور الأرجح. والله أعلم.
قُلْتُ: حديث عبادة رواه مسلم (١٦٩٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ».
وحديث جابر الذي أورده العلامة ابن القيم ﵀ رواه أبو دود (٤٤٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ح وحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ الْمَعْنَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ».
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
قَالَ أَبُو دَاوْدَ: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنَحْوِ ابْنِ وَهْبٍ، لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا زَنَى فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ» اهـ.
ثم رواه (٤٤٣٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يَعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عَلِمَ بِإِحْصَانِهِ، فَرُجِمَ».
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٢١١) من طريق قتيبة به.
وقال بعد روايته له: «لا أعلم أنَّ أحدًا رفع هذا الحديث غير ابن وهب» اهـ.
ثم رواه (٧١٧٤) من طريق أبي عاصم به موقوفًا.
وقال: «هذا الصواب، والذي قبله خطأ» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصواب في الحديث الوقف، والموقوف حسن فقد صرح ابن جريج وأبو الزبير بالسماع في رواية النسائي.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ للحاكم أن يقضي بالإقرار في مجلسه وإن لم يوجد هنالك شهود.
[ ١٢ / ٢٣٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤): «وفيه: أنَّه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه شاهدان، نص عليه أحمد، فإنَّ النبي ﷺ لم يقل لأنيس: فإن اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٤٢): «واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه ولكنها واقعة عين فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها.
قال عياض: احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى.
قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار كما مضى وأنَّ قوله: "فارجمها" أي بعد إعلامي أو أنَّه فوض الأمر إليه فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم، وقد دل قَوْلُهُ: فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت أنَّ النبي ﷺ هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها، كذا قال،
[ ١٢ / ٢٣٩ ]
والذي يظهر أنَّ أنيسًا لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٥ - ٢٦): «وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه. وهو أحد قولي الشافعي، وأبي ثور. ولا يجوز ذلك عند مالك إلَّا بعد ضبط الشهادة عليه. وانفصل عن ذلك بأنَّه ليس في الحديث ما ينص على أنَّها لم يسمع إقرارها إلَّا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأنَّ مثل هذه القضية لا تكون في خلوة، ولا ينفرد بها الآحاد، بل لا بد من حضور جمع كثير تلك القضية، وشهرتها، لا سيما قضية مثل هذه ترفع إلى الإمام، ويبعث من يكشفها ويرجم فيها، ولا بد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال تعالى، مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان. وهذا كله مبني: على أنَّ أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا لها ليستفصلها، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث: "فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت"؛ فهذا يدل على أنَّ أنيسًا إنَّما سمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم؛ إنَّما كان من النبي - صلى الله
[ ١٢ / ٢٤٠ ]
عليه وسلم - بعد سماع إقرارها من أنيس، حين أبلغه إياه، وحينئذ يتوجه إشكال آخر. وهو: أن يقول: فكيف اكتفى في ذلك بشاهد واحد؟!
وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى. هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أو لا بد من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد.
والجواب: أنَّ هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزهري مالك، وقال فيه: فاعترفت، فرجمها. ولم يذكر: "فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت". وعند التعارض: فحديت مالك أولى لما يعلم من حال مالك، وحفظه، وضبطه، وخصوصًا في حديث الزهري، فإنَّه أعرف الناس به. وعلى رواية مالك فظاهرها: أنَّ أنيسًا كان حاكمًا، فيزول الإشكال، ولو سلمنا: أنَّه كان رسولًا؛ فليس في الحديث ما ينص على انفراد أنيس بالشهادة عليها، فيكون غيره شهد عند النبي ﷺ بذلك. ويعتضد هذا بما ذكرناه: من أنَّ القضية انتشرت، واشتهرت. فيبعد أن ينفرد بها واحد، سلمناه،
[ ١٢ / ٢٤١ ]
لكنه خبر، وليس بشهادة، فلا يشترط فيه العدد. وحينئذ يستدل به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدماء وغيرها. والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي جواز أن يحكم الحاكم بمجرد إقرار الشخص عنده من غير شهود فإنَّ هذا يفتح باب شر على الناس، وهو شبيه بمسألة حكم الحاكم بعلمه من غير بينه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٨٣): «فصل: ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنَّه يحكم به وإن لم نقل يحكم بعلمه فإنَّ مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات وقد جلس لذلك وقد أقر الخصم في مجلسه فوجب عليه الحكم به كما لو قامت بذلك البينة عنده وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما فإنَّ هذا محل وفاق.
قال القاضي: لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان دفعًا للتهمة عنه إلَّا أن يقضي بعلمه فإنَّه يجوز له الحكم حينئذ.
والتحقيق أنَّ هذا يشبه مسألة الحكم بعلمه من وجه ويفارقها من وجه:
فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه أنَّه ليس هناك بينة وهو في موضع تهمة.
[ ١٢ / ٢٤٢ ]
ووجه الفرق بينهما أنَّ الإقرار بينة قامت في مجلسه فإنَّ البينة اسم لما يبين به الحق فعلم الحق في مجلس القضاء الذي انتصب فيه للحكم به وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر شاهدين فكذلك لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه في غير مجلسه» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي فرق مؤثر بين ما إذا سمعه أو رآه في غير مجلسه ثم حكم في مجلسه بعلمه، وبين سماعه للإقرار في مجلسه من غير وجود شهود على ذلك، فالذي يظهر لي هو صحة مذهب الجمهور من منع ذلك لما في ذلك من التهمة. والله أعلم.
فإن قيل: يشكل على هذا أنَّ الحاكم له أن يحكم بشهادة العدلين وإن لم يسمع هذه الشهادة أحد في مجلسه.
فالجواب: أنَّ التهمة منفية في هذه الصورة لإمكانه أن يأتي بالشهود الذين شهدوا وهذا بخلاف الإقرار.
١١ - وفيه أنَّه لا يشترط أن يكون الإقرار أربعًا؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر بذلك.
قُلْتُ: وهذا مذهب مالك والشافعي، وذهب إلى اشتراط ذلك أحمد وأبي حنيفة.
[ ١٢ / ٢٤٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٤): «ولم يأمره بأن يستعيد إقرارها بذلك أربع مرات. وأمَّا تكرار اعتراف ماعز فإنَّما كان لأجل إعراضه عنه ﷺ في الثلاث المرات ليستر نفسه، وليتوب، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ذلك. وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح، للفرق بينهما من وجوه متعددة. وذلك: أنَّ إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع، إلَّا من شذ فقال: إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلَّا مرتين كالشهادة به، ولو كان الإقرار كالشهادة مطلقًا لاشترط فيه العدد مطلقًا، ولو كان كالشهادة لما قبل إقرار المرأة على نفسها بأنَّها جرحت أو أعتقت؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك، فظهر بطلان تمسكهم بالخبر والقياس. والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما قاله العلامة القرطبي، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ
[ ١٢ / ٢٤٤ ]
بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ»، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ» فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ: «آنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى
[ ١٢ / ٢٤٥ ]
النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ»، فَقَالَ: «إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا.
وفيه أنَّ النبي ﷺ أقام الحد على الغامدية من غير أن تقر أربعًا، فلو كان الإقرار أربعًا لا بد منه لأقرها على ذلك.
١٢ - وفيه أنَّ مقاربة الرجل للنساء وطول ملازمته مدعاة إلى الفاحشة.
١٣ - وفيه جواز استفتاء العالم مع وجود من هو أعلم منه.
١٤ - وفيه جواز إجارة الحر.
١٥ - وفيه جواز اليمين بما يدل على اسم من أسماء الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٦): «وفيه دليل: على جواز اليمين بالله تعالى، وإن لم يستحلف. وعلى أنَّ ما يفهم منه اسم الله تعالى يمين جائزة وإن لم يكن من أسمائه تعالى، فإنَّ قوله: "والذي نفسي بيده! " ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق. وما أشبه ذلك» اهـ.
١٦ - واحتج به من قال: إنَّ زنا المتزوجة لا يقتضي فسخ النكاح.
[ ١٢ / ٢٤٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٧): «وفيه ما يدل على أنَّ زنى المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها، ولا يوجب تفرقة بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرق بينهما قبل الرجم ولفسخ النكاح. ولم ينقل شيء من ذلك، ولو كان لنقل كما نقلت القضية، وكثير من تفاصيلها» اهـ.
قُلْتُ: إن أصرت على الزنا ولم تتب منه وجب فراقها، وذلك أنَّ إبقاءها على ذلك دياثة، وقد نهى الله ﷿ عن نكاح الزانيات، فقال الله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
١٧ - وفيه إثبات الحد بالإقرار.
١٨ - وقَوْلُهُ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». فيه إشكال، وذلك أنَّ البحث والتنقيب عن أمر الزنا لا يستحب، بل المستحب في ذلك الستر والأمر بالتوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٠): «واعلم أنَّ بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأنَّ هذا الرجل قذفها بابنه، فيعرفها بأنَّ لها عنده حد القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلَّا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه حد القذف، بل يجب عليها حد الزنا وهو الرجم؛ لأنَّها
[ ١٢ / ٢٤٧ ]
كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت بالزنا فأمر النبي ﷺ برجمها فرجمت، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنَّ ظاهره أنَّه بعث لإقامة حد الزنا وهذا غير مراد؛ لأنَّ حد الزنا لا يحتاج له بالتجسس والتفتيش عنه، بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع كما سبق، فحينئذ يتعين التأويل الذي ذكرناه» اهـ.
١٩ - وفيه أنَّ من قذف شخصًا عند القاضي فعلى القاضي أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من حد القذف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٠): «وقد اختلف أصحابنا في هذا البعث هل يجب على القاضي إذا قذف إنسان معين في مجلسه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من حد القذف أم لا يجب؟ والأصح وجوبه» اهـ.
٢٠ - مشروعية إذن القاضي لمن شاء من الخصمين في الابتداء بالكلام.
٢١ - وفيه أنَّه لا يشترط للإمام حضور الحد، خلافًا لأبي حنيفة.
٢٢ - وفيه أنَّ الزاني الثيب حده الرجم.
وهذا مما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولم يخالف في ذلك إلَّا من لا يعتد به من أهل البدع.
* * *
[ ١٢ / ٢٤٨ ]
٣٤٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، قَالَا:
«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"».
قالَ ابنُ شِهابٍ: «ولا أَدري، أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعةِ».
قَوْلُهُ: «وَلَوْ بِضَفِيرٍ». الضفير: الحبل المضفور.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر ببيع الأمة الزانية في الثالثة أو الرابعة من إقامة الحد عليها.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث من غير طريق الزهري وفيه أنَّ ذلك بعد الثالثة، كما سيأتي في الفقرة الثالثة.
وجاء ما يدل على أنَّ البيع يكون بعد الرابعة، وذلك فيما رواه الترمذي (١٥١١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي
[ ١٢ / ٢٤٩ ]
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا ثَلَاثًا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: فظاهر هذه الألفاظ أنَّ البيع يشرع بعد الثالثة، أو الرابعة. والله أعلم.
وظاهر الأمر وجوب بيع الأمة إذا تكرر زناها، وهو مذهب أبي ثور وأهل الظاهر، ولم يوجب ذلك الجمهور.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ١٠٦): «وأجمع الفقهاء أنَّ الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك، وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها إذا زنت في الرابعة منهم داود وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وفي بيع الرقيق الذي تكرر منه الزنا إشكال ذكره غير واحد من أهل العلم منهم الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٦٤):
«واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنى مع أنَّ كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه، وأجيب بأنَّ السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند
[ ١٢ / ٢٥٠ ]
المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنَّه متى عاد أخرج فإنَّ الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أنَّ للمجاورة تأثيرًا في الطاعة وفي المعصية» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ حد الأمة قبل التزويج هو الجلد.
قُلْتُ: وهكذا هو حدها بعد التزويج.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
ومقدار الحد في الصورتين خمسون جلدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩): «مسألة: قال: "وإذا زنى العبد والأمة، جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا". وجملته أنَّ حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين. في قول أكثر الفقهاء؛ منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة والشافعي، والبتي، والعنبري. وقال ابن عباس، وطاووس، وأبو عبيد: إن كانا
[ ١٢ / ٢٥١ ]
مزوجين فعليهما نصف الحد، ولا حد على غيرهما؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾.
فدليل خطابه أنَّه لا حد على غير المحصنات.
وقال داود: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعدما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال، وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان؛ إحداهما، لا حد عليها.
والأخرى، تجلد مائة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٠/ ٥٠): «وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن، وخمسين إذا كانت محصنة، خلاف ما شرع الله تعالى، فإنَّ الله ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها، فجعل الرجم على المحصنة، والجلد على البكر، وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة، واتباع شرع الله أولى» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد.
قُلْتُ: وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٢٢٣٤)، ومسلم (١٧٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
[ ١٢ / ٢٥٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٥): «فصل: وللسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن، في قول أكثر العلماء.
روي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين، وفاطمة ابنة النبي ﷺ وعلقمة، والأسود، والزهري، وهبيرة بن مريم، وأبي ميسرة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا.
وعن الحسن بن محمد، أنَّ فاطمة حدت جارية لها زنت.
وعن إبراهيم، أنَّ علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم.
روى ذلك سعيد، في "سننه".
وقال أصحاب الرأي: ليس له ذلك؛ لأنَّ الحدود إلى السلطان، ولأنَّ من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد، كالصبي، ولأنَّ الحد لا يجب إلَّا ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط، من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين، أو في مجلس
[ ١٢ / ٢٥٣ ]
واحد، وذكر حقيقة الزنى، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار، ولأنَّه حد هو حق لله تعالى، فيفوض إلى الإمام، كالقتل والقطع.
ولنا: ما روى سعيد، حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ …». وذكر الحديث.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٧ - ٦٠): «إذا ثبت هذا، فإنَّما يملك إقامة الحد بشروط أربعة؛ أحدها: أن يكون جلدًا كحد الزنى، والشرب، وحد القذف، فأمَّا القتل في الردة، والقطع في السرقة، فلا يملكها إلَّا الإمام. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وفيهما وجه آخر، أنَّ السيد يملكها. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لعموم قول النبي ﷺ: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". وروي أنَّ ابن عمر قطع عبدًا سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة أنَّها قتلت أمة لها سحرتها. ولأنَّ ذلك حد أشبه الجلد.
وقال القاضي: كلام أحمد يقتضي أنَّ في قطع السارق روايتين.
[ ١٢ / ٢٥٤ ]
ولنا، أنَّ الأصل تفويض الحد إلى الإمام؛ لأنَّه حق لله تعالى، فيفوض إلى نائبه، كما في حق الأحرار، ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة، وإنَّما فوض إلى السيد الجلد خاصة، لأنَّه تأديب، والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب، وهذا من جنسه، وإنَّما افترقا في أنَّ هذا مقدر، والتأديب غير مقدر، وهذا لا أثر له في منع السيد منه، بخلاف القطع والقتل، فإنَّهما إتلاف لجملته أو بعضه الصحيح، ولا يملك السيد هذا من عبده، ولا شيئًا من جنسه، والخبر الوارد في حد السيد عبده، إنَّما جاء في الزنى خاصة، وإنَّما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد. وقَوْلُهُ: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". إنَّما جاء في سياق الجلد في الزنى، فإنَّ أول الحديث عن علي قال: أخبر النبي ﷺ بأمة لهم فجرت، فأرسلني إليها، فقال: اجلدها الحد.
قال: فانطلقت، فوجدتها لم تجف من دمها، فرجعت إليه، فقال: أفرغت؟.
فقُلْتُ: وجدتها لم تجف من دمها. قال: "إذا جفت من دمها، فاجلدها الحد، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
فالظاهر أنَّه إنَّما أراد ذلك الحد وشبهه.
وأمَّا فعل حفصة، فقد أنكره عثمان عليها، وشق عليه، وقوله أولى من قولها.
[ ١٢ / ٢٥٥ ]
وما روي عن ابن عمر، فلا نعلم ثبوته عنه.
الشرط الثاني: أن يختص السيد بالمملوك، فإن كان مشتركًا بين اثنين، أو كانت الأمة مزوجة، أو كان المملوك مكاتبًا، أو بعضه حرًا، لم يملك السيد إقامة الحد عليه.
وقال مالك والشافعي: يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة؛ لعموم الخبر، ولأنَّه مختص بملكها، وإنَّما يملك الزوج بعض نفعها، فأشبهت المستأجرة.
ولنا، ما روي عن ابن عمر، أنَّه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج، رفعت إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوج، جلدها سيدها نصف ما على المحصن.
ولم نعرف له مخالفًا في عصره، فكان إجماعًا.
ولأنَّ نفعها مملوك لغيره مطلقًا، أشبهت المشتركة، ولأنَّ المشترك إنَّما منع من إقامة الحد عليه، لأنَّه يقيمه في غير ملكه، فإنَّ الجزء الحر أو المملوك لغيره، ليس بمملوك له، وهو يقيم الحد عليه، وهذا يشبهه؛ لأنَّ محل الحد هو محل استمتاع الزوج، وهو بدنها فلا يملكه، والخبر مخصوص بالمشترك، فنقيس عليه، والمستأجرة إجارتها مؤقتة تنقضي.
[ ١٢ / ٢٥٦ ]
ويحتمل أن نقول: لا يملك إقامته عليها في حال إجارتها؛ لأنَّه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر، وكذلك الأمة المرهونة، يخرج فيها وجهان.
الشرط الثالث: أن يثبت الحد ببينة أو اعتراف، فإن ثبت باعتراف، فللسيد إقامته، إذا كان يعرف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة، اعتبر أن يثبت عند الحاكم؛ لأنَّ البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، ومعرفة شروط سماعها ولفظها، ولا يقوم بذلك إلَّا الحاكم.
وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة، ويعرف شروط العدالة، جاز أن يسمعها، ويقيم الحد بها، كما يقيمه بالإقرار.
وهذا ظاهر نص الشافعي؛ لأنَّها أحد ما يثبت به الحد، فأشبهت الإقرار.
ولا يقيم السيد الحد بعلمه. وهذا قول مالك؛ لأنَّه لا يقيمه الإمام بعلمه، فالسيد أولى، فإنَّ ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد؛ لكونها متفقًا عليها، وثابتة بالإجماع، فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم، فهاهنا أولى.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يقيمه بعلمه؛ لأنَّه قد ثبت عنده، فملك إقامته، كما لو أقر به، ويفارق الحاكم؛ لأنَّ الحاكم متهم، ولا يملك محل إقامته، وهذا بخلافه.
[ ١٢ / ٢٥٧ ]
الشرط الرابع، أن يكون السيد بالغًا عاقلًا عالمًا بالحدود وكيفية إقامتها؛ لأنَّ الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات، والجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي، فلا يفوض إليه.
وفي الفاسق وجهان؛ أحدهما، لا يملكه؛ لأنَّ هذه ولاية فنافاها الفسق، كولاية التزويج.
والثاني: يملكه؛ لأنَّ هذه ولاية استفادها بالملك، فلم ينافها الفسق كبيع العبد.
وإن كان مكاتبًا ففيه احتمالان؛ أحدهما، لا يملكه؛ لأنَّه ليس من أهل الولاية.
والثاني: يملكه؛ لأنَّه يستفاد بالملك، فأشبه سائر تصرفاته.
وفي المرأة أيضًا احتمالان؛ أحدهما، لا تملكه؛ لأنَّها ليست من أهل الولايات.
والثاني: تملكه؛ لأنَّ فاطمة جلدت أمة لها، وعائشة قطعت أمة لها سرقت، وحفصة قتلت أمة لها سحرتها.
ولأنَّها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل.
وفيه وجه ثالث، أنَّ الحد يفوض إلى وليها؛ لأنَّه يزوج أمتها ومولاتها، فملك إقامة الحد على مملوكتها» اهـ.
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
قُلْتُ: حديث علي رواه أحمد (٧٣٦، ١١٣٧، ١٢٣٠)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٢٦٨، ٧٢٦٩) من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، انْطَلِقْ فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ»، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا بِهَا دَمٌ يَسِيلُ لَمْ يَنْقَطِعْ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، أَفَرَغْتَ». قُلْتُ: أَتَيْتُهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ، فَقَالَ: «دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من هذا الوجه لضعف عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبي، وأبو جميلة لم يوثقه معتبر.
وأصل الحديث رواه مسلم (١٧٠٥) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ».
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٨٦٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، أنبأ
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا زَنَتْ إِمَاؤُكُمْ فَأَقِيمُوا عَلَيْهِنَّ الْحُدُودَ أُحْصِنَّ أَوْ لَمْ يُحْصِنَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ حديث عليٍّ وارد في شأن حد الزنا لا مطلقًا.
وقصة حفصة رواها عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٤٩١، ٢٩٥٨٣)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٨٢٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٢٧٦) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِهِ، فَأَمَرْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ، فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَأَنْكَرَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِهِ وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، فَكَأَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قُتِلَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٦٢) من وجه آخر منقطع.
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ مذهب عثمان ﵁ أرجح، لما في ذلك من الافتيات على ولي أمر المسلمين.
وأثر ابن عمر ذكره ابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ١٠٣ - ١٠٤)، و[الاسْتِذْكَارِ] (٧/ ٥٠٧) من طريق مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ بن عُمَرَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ قَالَ: «إِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ زَوْجٍ جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ يَضَعُ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
٤ - وفيه أنَّ الزاني إذا زنا ثم أقيم عليه الحد، وزنا مرة أخرى فإنَّه يقام عليه الحد مرة أخرى، وهكذا.
٥ - ويؤخذ منه فراق من أصر على المعصية.
٦ - وفيه أنَّ الأمة إذا زنت لا تغرب، ومثل ذلك العبد.
وبهذا قال الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في أحد القولين.
وقال الثوري، وأبو ثور، والشافعي في القول الآخر: تغرب نصف عام.
قُلْتُ: والصواب عدم تغريب العبد، أو الأمة للأثر والنظر، أمَّا الأثر فقد مضى، وأمَّا النظر فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٢): «ولأنَّ
[ ١٢ / ٢٦١ ]
التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه، فلم يجب في الزنى كالتغريم، بيان ذلك، أنَّ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنَّه غريب في موضعه، ويترفه بتغريبه من الخدمة، ويتضرر سيده بتفويت خدمته، والخطر بخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه، والإنفاق عليه مع بعده عنه، فيصير الحد مشروعًا في حق غير الزاني، والضرر على غير الجاني» اهـ.
٧ - واحتج به على أنَّ الأمة إذا تكرر زناها تباع بعد الثالثة أو الرابعة من غير إقامة حد.
لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٦٤): «ومحصل الاختلاف هل يجلدها في الرابعة قبل البيع أو يبيعها بلا جلد والراجح الأول ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأنَّ الجلد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه» اهـ.
* * *
[ ١٢ / ٢٦٢ ]
٣٤٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّيْ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ».
الرَّجُلُ هو ماعزُ بنُ مالِكٍ، ورَوَى قِصَّتَهُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ وعَبْدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وأَبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ.
قَوْلُهُ: «أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ» أي: أصابته بحدها فأوجعته، وذلق الشيء حده، ومنه قولهم: لسان ذَلْقٌ أي: حاد.
وقال بعضهم: أي: أزعجته وأقلقته، فإنَّ الذلق بالتحريك القلق.
[ ١٢ / ٢٦٣ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ إقرار المجنون والسكران لا يؤخذ به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ١١٧):
«فدل على أنَّ إقرار السكران باطل وقضية ماعز متأخرة بعد تحريم الخمر فإنَّ الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أحد باتفاق الناس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٣) - عند كلامه على قصة ماعز- «وأنَّ إقرار زائل العقل بجنون، أو سكر ملغى لا عبرة به، وكذلك طلاقه وعتقه، وأيمانه ووصيته» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ حد الثيب الرجم.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ المعترف بالفاحشة لا يرجم حتى يقر أربع مرات. وقد مضى القول في هذه المسألة في شرح الحديث السابق.
٤ - أنَّ للإمام أن يُعرض عمن جاء مقرًا بالزنا حتى ينصرف فيتوب إلى الله ﷿.
٥ - وفيه استفسار المقر هل أحصن أو لا؛ وذلك لاختلاف الحد في الإحصان وعدمه.
[ ١٢ / ٢٦٤ ]
٦ - وفيه أنَّ الزاني المحصن لا يحفر له عند إقامة الحد عليه، وذلك أنَّ ماعزًا لو حفر له لما تمكن من الفرار.
وقد جاء التصريح بذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ، وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ - يَعْنِي الْحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا مِنَ الْعَشِيِّ، فَقَالَ: «أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ»، قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ.
لكن يشكل على هذا ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ
[ ١٢ / ٢٦٥ ]
ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا، تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟» فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٢٦): «ويمكن الجمع بأنَّ المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه أو أنَّهم في أول الأمر لم يحفروا له ثم لما فرَّ فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، وعند الشافعية: لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخير الإمام وهو أرجح لثبوته في قصة ماعز فالمثبت مقدم على النافي، وقد جمع بينهما بما دل على وجود حفر في الجملة، وفي المرأة أوجه ثالثها الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يحفر، وقال أبو يوسف وأبو ثور يحفر للرجل وللمرأة» اهـ.
[ ١٢ / ٢٦٦ ]
قُلْتُ: ومما احتج به من لم ير الحفر ما رواه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ». فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ.
وسيأتي الكلام عليه بعد هذا الحديث.
قُلْتُ: ولو حُفر لهما لما أمكنه أن يحني عليها ليقيها من الحجارة.
وفي رواية للبخاري (٦٨١٩): «فَرُجِمَا عِنْدَ البَلَاطِ، فَرَأَيْتُ اليَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا».
والبلاط لا يتأتي فيه الحفر.
وجاء في الحفر حديث بريدة السابق في شأن الغامدية: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا». رواه مسلم (١٦٩٥).
[ ١٢ / ٢٦٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٠): «فصل: وإذا كان الزاني رجلًا أقيم قائمًا، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنى ببينة أو إقرار. لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يحفر لماعز.
قال أبو سعيد: لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فو الله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود.
ولأنَّ الحفر له، ودفن بعضه، عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب أن لا تثبت.
وإن كان امرأة، فظاهر كلام أحمد، أنَّها لا يحفر لها أيضًا.
وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف"، وذكر في "المجرد" أنَّه إن ثبت الحد بالإقرار، لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة، حفر لها إلى الصدر.
قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بكر وبريدة، أنَّ النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة. رواه أبو داود.
ولأنَّه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب، لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإقرار، فإنَّها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه؛ لأنَّ رجوعها عن إقرارها مقبول.
[ ١٢ / ٢٦٨ ]
ولنا، أنَّ أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإنَّ النبي ﷺ لم يحفر للجهنية، ولا لماعز، ولا لليهوديين، والحديث الذي احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإنَّ التي نقل عنه الحفر لها، ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له» اهـ.
قُلْتُ: حديث الحفر إلى الثندوة رواه أحمد (٢٠٣٩٤)، وأبو داود (٤٤٤٣) من طريق وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ زَكَرِيَّا أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل الشيخ المبهم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٤٠٢): «قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أقوى الأقوال المذكورة دليلًا بحسب صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث: أنَّ المرجوم يحفر له مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى، ثبت زناه ببينة أو بإقرار، ووجه ذلك أنَّ قول أبي سعيد في صحيح مسلم: فما أوثقناه ولا حفرنا له، يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: فلما كان الرابعة
[ ١٢ / ٢٦٩ ]
حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، اهـ، وهو نص صحيح صريح في أنَّ ماعزًا حفر له.
وظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ هو الحافر له، أي بأمره بذلك فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد ناف له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث: أنَّ المثبت مقدم على النافي، وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته أيضًا في صحيح مسلم بنفس الإسناد: أنَّ النبي ﷺ أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها، وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معًا، أمَّا الأنثى فلم يرد ما يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأمَّا الرجل فرواية الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم بعدم الحفر; لأنَّ المثبت مقدم على النافي. وقول ابن قدامة في "المغني": والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر السقوط; لأنَّه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه ﷺ كما ترى، وبالرواية الصحيحة التي في صحيح مسلم من حديث بريدة: أنَّه ﷺ حفر للغامدية، وزناها ثبت بإقرارها، لا ببينة تعلم
[ ١٢ / ٢٧٠ ]
أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا يحفر للزاني، وذكر الحفر في حديث بريده وهمٌ في الحديث وذلك أنَّ فرار ماعز يدل على أنَّه لم يحفر له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٩): «وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث مالك تدل على خلافهما:
أحدهما: أنَّ الإقرار منه وترديد النبي ﷺ كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أنَّ ذلك كان في مجلس واحد.
الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنَّه لم يحفر له، والحفر وهم، ويدل عليه أنَّه هرب وتبعوه. وهذا والله أعلم من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إنَّ ترديده إنَّما كان في مجلس واحد، إلَّا ذلك الشيخ ابن مهاجر» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الحفر للمرأة فقد جاء أيضًا في حديث بريدة، وظاهر حديث عمران أنَّه لم يحفر لها، وذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ
[ ١٢ / ٢٧١ ]
اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟».
قُلْتُ: الجهنية هي الغامدية فغامد قبيلة من جهينة.
وقوله في الحديث: «فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا». دليل على عدم الحفر لها، وذلك أنَّه لو حفر لها لما احتيج إلى أن يُشك عليها ثيابها.
قُلْتُ: وهذا مبني على أنَّ الحفر يكون مع الدفن كما هو ظاهر كلام ابن قدامة الماضي، وأمَّا إذا قلنا إنَّ الحفر يكون من غير دفن، إذ الغرض منه أن لا يفر المرجوم وهذا يكون في الحفرة العميقة، فقد يقال: إنَّ شك ثياب الجهنية لا ينافي الحفر لها، وذلك أنَّها تحتاج إلى أن يُشك ثيابها وإن كانت في حفرة حتى لا تتكشف.
[ ١٢ / ٢٧٢ ]
لكن الذي يظهر لي أنَّا إذا قلنا بالحفر فإنَّه يكون مع الدفن لأنَّه أتم في الاستيثاق وعدم التكشف، وأمَّا الحفر من غير دفن ففيه كلفة يُغني عنه الاستيثاق بالقيد والربط.
وخلاصة القول أنَّ الأحاديث التي ليس فيها الحفر للزاني أكثر وأصح، وما جاء من الحديث في ذكر الحفر فمما لا تطمئن إليه النفس في ثبوته. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٨٤): «قال أحمد: أكثر الأحاديث على أنَّه لا يحفر للمرجوم» اهـ.
٧ - وفيه المبالغة في الاستثبات قبل إقامة الحد، وفي هذا الحديث من أوجه الاستثبات السؤال عن عقله وعن إحصانه، وجاء في طرق الحديث وألفاظه زيادة على ذلك منها:
ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٦٨٢٤)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ،
[ ١٢ / ٢٧٣ ]
أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَنِكْتَهَا». لَا يَكْنِي، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وجاءت أوجه أخرى أعرضت عنها لضعفها.
٨ - وفيه أنَّ للإمام أن يفوض غيره بإقامة الحد، ولا يلزمه حضوره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١٩): «قوله في بعض الروايات: "فأمر بها فرجمت"، وفي بعضها: "وأمر الناس فرجموها". وفي حديث ماعز: "أمرنا أن نرجمه"، ونحو ذلك فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنَّه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببينة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعي أنَّ النبي ﷺ لم يحضر أحدًا ممن رجم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: النقل عن أحمد من لزوم حضور الإمام فيه نظر فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٠٦):
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
«ولا يلزم الإمام حضور إقامته لأنَّ النبي ﷺ قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" وأمر برجم ماعز ولم يحضر، وأتي بسارق، فقال: "اذهبوا فاقطعوه"» اهـ.
٩ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، وقد سبق الكلام في ذلك.
١٠ - وفيه إقامة الحدود في المصلى.
قُلْتُ: والمراد بالمصلى مصلى الجنائز، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٩٤) عن أبي سعيد قال: «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ». الحديث. وبقيع الغرقد موضع مصلى الجنائز بالمدينة، وهنالك قبور المسلمين.
١١ - وفيه أنَّ المصلى لا يأخذ أحكام المسجد في كل شيء.
* * *
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
٣٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ».
الرجلُ الَّذِي وَضَعَ يدَهُ عَلَى آيةِ الرَّجْمِ عَبْدُ اللهِ بنُ صُورِيَا.
قَوْلُهُ: «فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ». جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. الحديث.
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
قَوْلُهُ: «فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ». أي: يكب عليها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - رجوع اليهود إلى النبي ﷺ للتحاكم عنده يدل على تصديقهم بنبوته في قلوبهم وإن جحدوا ذلك بأفواههم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
٢ - وفيه أنَّ من خلق اليهود كتمان الحق، والحكم بالباطل.
٣ - وفيه إقامة الحد على المعاهدين إذا تحاكموا إلى المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٢٩ - ١٣٠): «مسألة: قال: "وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، حكمنا عليهم بحكم الله تعالى علينا". وجملة ذلك أنَّه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخير بين إحضارهم والحكم بينهم، وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحد، أو من أهل أديان.
هذا المنصوص عن أحمد. وهو قول النخعي، وأحد قولي الشافعي.
[ ١٢ / ٢٧٧ ]
وحكى أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يجب الحكم بينهم. وهذا القول الثاني للشافعي، واختيار المزني، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ولأنَّه يلزمه دفع من قصد واحدًا منهما بغير حق، فلزمه الحكم بينهما، كالمسلمين.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
فخيره بين الأمرين، ولا خلاف في أنَّ هذه الآية نزلت فيمن وادعه رسول الله ﷺ من يهود المدينة؛ ولأنَّهما كافران، فلا يجب الحكم بينهما كالمعاهدين، والآية التي احتجوا بها محمولة على من اختار الحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
جمعًا بين الآيتين، فإنَّه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع.
فإذا ثبت هذا، فإنَّه إذا حكم بينهم، لم يجز له الحكم إلَّا بحكم الإسلام؛ للآيتين؛ ولأنَّه لا يجوز له الحكم، إلَّا بالقسط، كما في حق المسلمين، ومتى حكم بينهما، ألزمهما حكمه، ومن امتنع منهما، أجبره على قبول حكمه، وأخذه به؛ لأنَّه إنَّما دخل في العهد بشرط التزام أحكام الإسلام.
[ ١٢ / ٢٧٨ ]
قال أحمد: لا يبحث عن أمرهم، ولا يسأل عن أمرهم، إلَّا أن يأتوا هم، فإن ارتفعوا إلينا، أقمنا عليهم الحد، على ما فعل النبي ﷺ.
وقال أيضًا: حكمنا يلزمهم، وحكمنا جائز على جميع الملل، ولا يدعوهما الحاكم، فإن جاءوا، حكمنا بحكمنا» اهـ.
٤ - واحتج به من قال بمشروعية أن يحكم الشخص بين اليهود بما في التوراة، ولا حجة في ذلك، وبيان ذلك أنَّ النبي ﷺ إنَّما دعا بالتوراة من أجل فضحهم، وبيان كذبهم، ثم إنَّ الحكم برجم المحصن من الأحكام المتفق عليه في الشريعتين، وكيف يسوغ للشخص أن يحكم على اليهود بما في التوراة من الأحكام المخالفة لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ، والله ﷿ يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
٥ - وفيه أنَّه لا يشترط في الإحصان الإسلام. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن مسعود أول أحاديث كتاب القصاص.
[ ١٢ / ٢٧٩ ]
٦ - وفيه أنَّ حد المحصن الرجم.
٧ - وفيه أنَّ الكفار مخاطبون بسائر أحكام الإسلام.
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور وقالت الحنفية: إنَّهم غير مخاطبين بها، وقال بعضهم: هم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
٨ - وفيه أنَّه لا يحفر للمرجوم سواء كان ذكرًا أو أنثى. وقد تكلمت على ذلك في شرح الحديث الماضي قبل هذا.
٩ - واحتج به من قال بقبول شهادة أهل الذمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٦٢): «والذي في الصحيح مرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي قد حمم فقال: "ما شأن هذا". فقالوا: زنى. فقال: "ما تجدون في كتابكم". وذكر الحديث فأقام الحد بقولهم ولم يسأل اليهودي واليهودية ولا طلب اعترافهما وإقرارهما وذلك ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها ليس في شيء منها ألبتة أنَّه رجمهما بإقرارهما» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح قبول شهادة الكفار بعضهم لبعض لهذا الحديث؛ ولأنَّ الشرع أباح لنا أن نتعامل معهم بالبيع والشراء، وأباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب المحصنات، ولا يتم ذلك إلَّا بقبول أخبارهم في تملكهم لما يبيعون ونحوه،
[ ١٢ / ٢٨٠ ]
وهكذا في معرفة ولي المرأة ونحو ذلك، فإذا أبيح لنا أن نرجع إلى أخبارهم فيما يتعلق بنا من حل وحرمة، فمن باب أولى أن نرجع إلى أخبارهم فيما يتعلق ببعضهم البعض. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ٢٩٧): «فلا تقبل شهادة الكفار على المسلمين وهذا لا نزاع فيه وإنَّما النزاع في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض وفيه قولان عند أحمد:
أشهرهما عنده وعند أصحابه: أنَّها لا تقبل كمذهب مالك والشافعي.
والثانية: أنَّها تقبل اختارها أبو الخطاب من أصحاب أحمد وهو قول أبي حنيفة وهو أشبه بالكتاب والسنة» اهـ.
وقد أطال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي "الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ" الكلام في تقرير ذلك فارجع إليه.
١٠ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الرجم والجلد.
١١ - وفيه صحة أنكحة الكفار، وذلك أنَّ الإحصان مبني على نكاح صحيح.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ التوراة التي بأيدي اليهود صحيحة وليست محرفة، وإنَّما التحريف حصل من جهة المعاني دون الألفاظ.
[ ١٢ / ٢٨١ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٣٨٦): «وفي ذلك دليل على أنَّ التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﷺ عنها، ولا دعا بها، وفيما ذكرنا دليل على أنَّ الكتاب الذين كانوا يكتبونه بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله هي كتب أحبارهم وفقهائهم ورهبانهم كانوا يصنعون لهم كتبًا من آرائهم وأهوائهم ويضيفونها إلى الله ﷿» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٨/ ١٦٢ - ١٦٣): «استدل به بعضهم على أنَّ أهل الكتاب لم يسقطوا شيئًا من التوراة ولا غيروا شيئًا من ألفاظها وإنَّما كان تحريفهم لمعانيها وكذبهم في أن يضعوا من عند أنفسهم أشياء وينسبونها إلى أنَّها من التوراة من غير أن يضعوها فيها كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والذاهبون إلى تحريفهم لألفاظها قالوا: لم يكن هذا مما حرفوه وقد حرفوا غيره وقد سمعت أنَّ في التوراة الموجودة بأيديهم الآن شيئًا يدل على نبوة نبينا ﵊ ونسخ شريعتهم لم يغيروه فهم يتكاتمونه وكأنَّ الله تعالى منع سلفهم من تغييره إقامة للحجة على خلفهم فلعنة الله على الضالين.
[ ١٢ / ٢٨٢ ]
وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﷺ عنها ولا دعا بها.
قُلْتُ: لا يدل سؤاله عنها ولا دعاؤه لها على صحة جميع ما فيها، وإنَّما يدل على صحة المسئول عنه منها، علم ذلك النبي ﷺ بوحي أو بإخبار من أسلم منهم فأراد بذلك تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم في مخالفتهم كتابهم وكذبهم عليه واختلاقهم ما ليس فيه وإنكارهم ما هو فيه والله أعلم» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ١٠٤):
«ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ بَاطِلٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ قَلِيلٌ. وَقِيلَ لَمْ يُحَرِّفْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِ الْكُتُبِ وَإِنَّمَا حَرَّفُوا مَعَانِيَهَا بِالتَّأْوِيلِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَرْضِ نُسَخًا صَحِيحَةً وَبَقِيَتْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُسَخًا كَثِيرَةً مُحَرَّفَةً، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ شَيْءٌ مِنْ النُّسَخِ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ، وَمَنْ قَالَ جَمِيعُ النُّسَخِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حُرِّفَتْ فَقَدْ قَالَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَطَأٌ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي
[ ١٢ / ٢٨٣ ]
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَيُخْبِرُ أَنَّ فِيهِمَا حُكْمَهُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خَبَرٌ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جَمِيعَ النُّسَخِ» اهـ.
١٣ - وفيه الحث على إظهار العلم وعدم كتمانه.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤، ١٧٥].
وروى أحمد (٧٥٦١، ٨٠٣٥، ٨٥١٤، ٨٦٢٣، ١٠٤٢٥)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) من طريق عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
[ ١٢ / ٢٨٤ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وله شواهد.
١٤ - وفيه إقامة الحجة على الشخص من جهة ما يدعي تعظيمه والعمل به، وشبيه بهذا محاججة المقلدة بأقوال من يتظاهرون بالانتساب إليهم.
* * *
[ ١٢ / ٢٨٥ ]
٣٤٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَوْ أَنَّ رَجُلًا - أَوْ قَالَ: امْرَأً - اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ: مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاحٌ».
قَوْلُهُ: «فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ». الحذف هو: الرمي بحصاة إمَّا بين الإبهام والسبابة، وإمَّا بين السبابتين.
وقَوْلُهُ: «فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ». أي: شققت عينه.
وفي رواية لمسلم (٢١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ».
وفي الباب ما رواه البخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ حُجْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، «فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ بِمَشَاقِصَ، وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ».
وما رواه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٦) عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ».
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ البَصَرِ».
وفي رواية للبخاري (٥٩٢٤): «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الأَبْصَارِ».
وتنتظرني بمعنى تنظر إلي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة النظر إلى عورات المسلمين.
٢ - أنَّه يجوز للمرء أن يفقأ عين من اطلع في بيته.
وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، ومنع من ذلك أبو حنيفة ورأى ضمان من فعل ذلك، وهذا مذهب أكثر المالكية. والسنة أولى بالاتباع.
وقد روى أحمد (٨٩٨٥)، والنسائي (٤٨٦٠) من طريق مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ».
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣ - وفيه إباحة الحذف في هذا الموضع. وهذا مخصوص من عموم ما رواه البخاري (٦٢٢٠)، ومسلم (١٩٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ».
٤ - جواز فقء عين المطلع ابتداءً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٨٦): «ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب، أو شق باب، أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يضمنها؛ لأنَّه لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى.
ولنا، ما روى أبو هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو أنَّ امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح".
وعن سهل بن سعد، أنَّ رجلًا اطلع في حجر من باب النبي ﷺ، ورسول الله ﷺ يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله
[ ١٢ / ٢٨٨ ]
ﷺ: "لو علمت أنَّك تنظرني لطمت، أو لطعنت بها في عينك". متفق عليهما.
ويفارق ما قاسوا عليه؛ لأنَّ من دخل المنزل يعلم به، فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب، فإنَّه يرى من غير علم به، ثم الخبر أولى من القياس.
وظاهر كلام أحمد، أنَّه لا يعتبر في هذا أنَّه لا يمكنه دفعه إلَّا بذلك، لظاهر الخبر.
وقال ابن حامد: يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به، فيقول له أولًا: انصرف. فإن لم يفعل، أشار إليه يوهمه أنَّه يحذفه، فإن لم ينصرف، فله حذفه حينئذ. واتباع السنة أولى» اهـ.
قُلْتُ: ومذهب مالك في ذك كمذهب أبي حنيفة فقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١١٢٧):
«ومن اطلع على قوم أو على رجل في بيته ففقأ عينه بحصاة أو عود فعليه القود عند مالك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ١٢٢): «وهذا كما لو اطلع رجل في بيته فإنَّه يجوز له أن يفقأ عينه ابتداء وليس عليه أن ينذره هذا أصح القولين» اهـ. واحتج بهذا الحديث.
[ ١٢ / ٢٨٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٥ - ٤٠٦): «وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب، أو شق في الباب بغير إذنهم، فنظر حرمة أو عورة، فلهم خذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه، فلا ضمان عليهم.
قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهر كلام أحمد أنَّهم يدفعونه، ولا ضمان عليهم من غير تفصيل.
وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرف واذهب، وإلَّا نفعل بك كذا.
قُلْتُ: وليس في كلام أحمد، ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي هذا التفصيل بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه، فإنَّ في "الصحيحين" عن أنس، أنَّ رجلا أطلع من جحر في بعض حجر النبي ﷺ، فقام إليه بمشقص أو بمشاقص، وجعل يختله ليطعنه، فأين الدفع بالأسهل وهو ﷺ يختله، أو يختبئ له، ويختفى ليطعنه.
وفى "الصحيحين" أيضًا من حديث سهل بن سعد، أنَّ رجلًا اطلع في جحر في باب النبي ﷺ، وفى يد النبي ﷺ مدرى يحك به
[ ١٢ / ٢٩٠ ]
رأسه، فلما رآه قال: "لو أعلم أنَّك تنظرني لطعنت به في عينك، إنَّما جعل الإذن من أجل البصر".
وفيهما أيضًا عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أنَّ امرءا اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح".
وفيهما أيضا: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص".
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: ليس هذا من باب دفع الصائل، بل من باب عقوبة المعتدى المؤذي» اهـ.
٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٤٤): «ويفيد أيضًا أنَّ هذا الحكم جار فيمن اطلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب. فإنَّ قوله: "اطلع عليك"، يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان. بل: يتعين أن يقال: إنَّ الشرع إذا علق هذا الحكم على الاطلاع في البيت؛ لأنَّه مظنة الاطلاع على العورة، فلأن يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظر راجح، غير أنَّ أصحابنا حكوا الإجماع على أنَّ من المطلع على عورة رجل بغير
[ ١٢ / ٢٩١ ]
إذنه، ففقأ عينه: أنَّه لا يسقط عنه الضمان، كما ذكرناه. فإن صح هذا الإجماع، فهو واجب الاتباع. وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يفرَّق بين المسألتين بأنَّ ستر العورة عن المطلع من ثقب يعسر، بعكس غيره فناسب أن يبالغ في زجره. والله أعلم. وشبيه بهذا قطع يد السارق دون المنتهب، مع أنَّ المنتهب أشد جرأة من السارق غير أنَّ السارق أمره أخفى من المنتهب فناسب المبالغة في زجره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨١):
«فإن نظر إلى حريمه من باب مفتوح أو كوة واسعة، فإن نظر وهو على اجتيازه لم يكن لصاحب الدار رميه؛ لأنَّ المفرط هو صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة، وإن وقف وجعل ينظر ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له رميه؛ لأنَّه مفرط في الاطلاع والنظر، فهو كما لو قصد إلى النظر من حجر.
والثاني: لا يجوز له رميه؛ لأن صاحب الدار فرط في فتح الباب وتوسعة الكوة» اهـ.
قُلْتُ: القول الثاني أظهر.
[ ١٢ / ٢٩٢ ]
٦ - والمرأة في ذلك كالرجل، وأمَّا الأعمى فلا يحل فقؤ عينه، وإن كان المطلع محرمًا فإن كان ممن لا يحل له النظر إلى العورة وكنَّ في البيت متجردات فيحل فقؤ عين المطلع وإلَّا فلا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٠ - ٨١):
«وإن كان الناظر امرأة. قال المسعودي في "الإبانة": فلصاحب الدار فقؤ عينها؛ لأنَّ الإنسان قد يستر حريمه عن نظر الرجال والنساء.
وإن كان المطلع أعمى لم يكن له رميه؛ لأنَّه لا ينظر.
وإن كان المطلع على داره ذا رحم محرم لحريمه، فإن كان حريمه مستترات لم يكن له رميه؛ لأنَّه غير ممنوع من نظرهن، وإن كن متجردات فله رميه؛ لأنَّه ممنوع من نظرهن متجردات.
وسواء وقف الناظر في ملك نفسه، أو في ملك صاحب الدار، أو في قارعة الطريق، وجعل ينظر فله رميه؛ لأنَّ الأذى يحصل بنظره، وذلك يحصل منه، ولا اعتبار بالموضع الذي هو واقف فيه» اهـ.
[ ١٢ / ٢٩٣ ]
٧ - ويدخل في عموم الحديث إذا لم يكن في البيت أحد من حريم الشخص، وذلك أنَّ الشخص يستتر في بيته ولا يحب أحدًا يطلع عليه وقد تكون عورته مكشوفة وهو آمن من نظر الناس إليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨١):
«ولو لم يكن في الدار المنظور فيها حريم لصاحب الدار، ففقأ عين من ينظر فيها. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي "الإبانة".
أحدهما: وهو قول البغداديين من أصحابنا: أنَّه يضمن؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يستضر بنظر غيره إلى حريمه، وإلى حريم غيره.
الثاني: لا يضمن؛ لأنَّ الرجل قد يستتر أيضًا عن أبصار الناس» اهـ.
٨ - ولا يدخل في الحديث رمي الناظر بشيء كبير أو شديد يتعدى ضرره إلى غير العين، فإن فعل ذلك ضمن ما زاد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٢):
«وإذا اطلع رجل على داره، ونظر حريمه فليس له رمي عينه إلَّا بشيء خفيف يفقأ عينه، فإن رمى عينه بشيء خفيف، ففقأها وسرى إلى نفسه لم يجب عليه الضمان؛
[ ١٢ / ٢٩٤ ]
لأنَّه مات من جناية مباحة، إن رماه بشيء ثقيل، فهشم وجهة وسرى إلى نفسه لزمه الضمان؛ لأنَّه ليس له رميه بما يودي إلى إتلاف نفسه.
إن رمى غير عينه، فأصابه وجب عليه الضمان؛ لأن المتعدي هي العين، فلم يجز له إتلاف غيرها.
قال المسعودي في "الإبانة": إلَّا أن يكون الناظر بعيدًا، فرمى عينه وقصدها، فأصابت موضعًا آخر، فحينئذ لا يضمن» اهـ.
٩ - وليس له أن يفقع عينه بعد انصرافه، وذلك أنَّ الغرض دفع شره عند اطلاعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٢) «فإن اطلع رجل على حريم غيره في داره، فقبل أن يرميه صاحب الدار، انصرف المطلع لم يكن لصاحب الدار أن يتبعه ويرميه؛ لأنَّه إنَّما يجوز ليصرفه، فإذا انصرف لم يكن له رميه بعد ذلك.
فإن رمى المطلع على داره، فلم ينصرف استغاث عليه بالناس، فإن انصرف عنه بالغوث فلا كلام، وإن لم ينصرف بذلك كان له أن يصرفه بما يصرف به من قصد نفسه أو ماله، حتى لو لم ينصرف إلا بقتله، فقتله .. فلا شيء عليه؛ لأنه تلف بدفع جائز» اهـ.
[ ١٢ / ٢٩٥ ]
١٠ - ومنهم من ألحق بالبصر السمع، وليس هذا بسديد فليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات.
تَنْبِيْهٌ: لعل المؤلف أورد هذا الحديث بعد أحاديث حد الزنا من أجل أنَّ سبب الزنا هو النظر المحرم، أو أراد أن يبين عقوبة زنا النظر بعد ذكره لعقوبة زنا الفرج. والله أعلم.
* * *
[ ١٢ / ٢٩٦ ]