ظهر في هذه الأزمان المتأخرة نوع من أنواع الأنكحة، وهو نكاح المسيار، فتنازع الناس عند حدوثه، فمنهم من أجازه بناءً على توفر أركان وشروط النكاح فيه، ومنهم من منعه لمخالفته لمعنى النكاح الشرعي وحقيقته.
وحقيقة هذا النكاح: أنَّه عقد زواج تُسقط المرأة فيه حقها من المبيت والسكنى والنفقة، فلا تنتقل المرأة إلى بيت زوجها، وفي الغالب تكون هذه الزوجة ثانية، وعنده زوجة أخرى هي التي تكون في بيته وينفق عليها.
وَقَدْ جَاءَ فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٠/ ٤٢٨):
«س ١٨٤: الأخت ص. م. ح. من طنطا في جمهورية مصر العربية تقول في سؤالها: نسمع عن الزواج السري، والزواج العرفي، وزواج المتعة وزواج المسيار، فما حكم الشرع في هذه الزواجات. نأمل الإفادة وشكرًا؟
[ ١٠ / ٣٦١ ]
ج: هذه الأنواع كلها لا تجوز؛ لكونها مخالفة للشرع المطهر، إنَّما النكاح الشرعي هو المعلن المشتمل على أركان النكاح وشروطه المعتبرة شرعًا. والله ولي التوفيق» اهـ.
وَجَاءَ أَيْضًا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٠/ ٤٣١ - ٤٣٢):
«س ١٨٨: سماحة الشيخ ما الفرق بين زواج المسيار والزواج الشرعي وما الشروط الواجب توافرها لزواج المسيار؟ جزاكم الله خيرًا.
ج: الواجب على كل مسلم أن يتزوج الزواج الشرعي وأن يحذر ما يخالف ذلك سواء سمي زواج مسيار أو غير ذلك. ومن شرط الزواج الشرعي الإعلان فإذا كتمه الزوجان لم يصح؛ لأنَّه والحال ما ذكر أشبه بالزنى، والله ولي التوفيق» اهـ.
وَقَالَ أَحْمَدُ الْقَاضِي فِي [ثَمَرَاتِ التَّدْوِيْنِ مِنْ مَسَائِلِ ابْنِ عَثَيْمِيْن] (ص: ١٠٩)
«مسألة (٤٥٢) (١٤/ ٧/ ١٤١٧ هـ)
سألت شيخنا ﵀: كنتم قد أفتيتم بجواز زواج "المسيار" ثم توقفتم، فما الأسباب التي دعتكم إلى التوقف؟
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
فأجاب: ظهر لنا حصول بعض المفاسد التي تنافي مقصود النكاح، وأنَّ الحامل له والله أعلم هو مجرد المتعة التي تنتهي بالطلاق، وربما يكون للزوج في كل بلدٍ زوجة، ويحصل تشتت» اهـ.
قُلْتُ: وقد أوقفني بعض الأخوة على فتوى بتحريم هذا النكاح للعلامة الألباني ﵀، والشيخ الفوزان.
والذي أذكره أنَّ العلامة الألباني ﵀ قال: "متعة عصرية".
وهذا النكاح ليس فيه مقاصد النكاح بل الغرض منه مجرد التمتع، فليس فيه السكن الذي هو من مقاصد النكاح، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وليس فيه مقصود القوامة الحاصلة بالنفقة، والله ﷿ يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
وفيه شبه بالسفاح من وجوه:
الأول: أنَّ كثيرًا منه إنَّما يكون عن طريق السر، والنكاح لا يجوز أن يكون سرًا لأنَّه حينئذ يشبه السفاح.
الثاني: أنَّه يراد به مجرد الوطء وقضاء الشهوة كما يراد بالسفاح.
والثالث: أنَّه لا سكنى فيه كالسفاح.
والرابع: أنَّ الزوج لا ينفق فيه على زوجه وهكذا السفاح.
الخامس: حرص الزوجين على عدم حصول الذرية بينهما باستعمال ما يمنع من ذلك كما يحرص على ذلك أهل السفاح.
فإذا تأملت فيه وجدته يشبه النكاح الشرعي من حيث الولي والشهود والمهر ويشبه السفاح في أكثر الصفات.
وفيه شبه بنكاح المتعة من حيث أنَّ العرض من النكاحين هو مجرد تمتع الجنسين بعضهم ببعض، ومن حيث أنَّ بقاءه لا يطول غالبًا كالنكاح الشرعي، بل يؤول إلى الطلاق غالبًا.
وفيه شبه بنكاح البهائم بعضها مع بعض.
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
وفيه تشبه بالكفار فإنَّ مثل هذا النكاح إنَّما جاء من جهة الكافرين، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وهو أيضًا نكاح محدث فيدخل فيما رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (٤٤٦٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ».
وفي لفظ لمسلم (٤٤٦٨): «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
فلأجل هذه المفاسد وغيرها فإنَّه يترجح لي عدم مشروعية هذا النكاح. والله أعلم.
وقد استنكر الإمام أحمد نكاح النهاريات لأنَّه ليس من أنكحة المسلمين فكيف بنكاح المسيار.
فَقَدْ جَاءَ فِي [مَسَائِل أَحْمَدَ لِابْنِ هَانِئِ] (١/ ٩٨١): سمعت أبا عبد الله، قيل له: «حديث الحسن في الليليات والنهاريات: الرجل يكون في السوق وبينه وبين منزله بُعد، فلا يستطيع أن يرجع فيقيل عندهم، فيتزوج عند سوقه امرأة يأتيها بالنهار، وإذا رجع إلى منزله بالليل له امرأة، فهذا شأن أهل البصرة، فقال أحمد: إيش هذا، وعجب منه، وقال: هذا شنيع جدًا» اهـ.
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
قُلْتُ: وقد أجازه الحسن وعطاء كما روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٥٩، ١٦٥٦١)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٦٨١، ٦٨٣).
وكرهه: ابن سيرين: كما روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٦٠) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ «يَكْرَهُ نِكَاحَ النَّهَارِيَّاتِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ابن إدريس هو عبد الله، وهشام هو ابن حسان.
وحماد بن أبي سليمان: كما روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٦٢)
حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، «أَنَّهُ كَرِهَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
والحكم بن عتيبة: كما روى ذلك (٦٨٤) [سُنَنِهِ] نا هُشَيْمٌ قَالَ: أنا مُطَرِّفٌ، عَنِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ «أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ومطرف هو ابن طريف.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٩٥):
«نَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوَزِيِّ فِي النَّهَارِيَّاتِ وَاللَّيْلِيَّاتِ: لَيْسَ هَذَا مِنْ نِكَاحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ كَرِهَ تَزْوِيجَ النَّهَارِيَّاتِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الشَّرْطُ
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
بَاطِلٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَعْدِلَ لَهَا، عَدَلَ. وَكَانَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ لَا يَرَيَانِ بِنِكَاحِ النَّهَارِيَّاتِ بَأْسًا» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ٣٦٧ ]