٣٨٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
ثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَا عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا».
قَوْلُهُ: «وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ». أي غطاه، ومنه سمى الخمار خمارًا لتغطيته للرأس والوجه، ومنه تخمير الآنية أي تغطيتها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٨ - ٤٩): «لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرًا لأنَّها تخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه. وقيل: لأنَّها تخمر العقل أي تستره ومنه الحديث الآتي قريبًا "خمروا آنيتكم". ومنه خمار المرأة لأنَّه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنَّه لا يلزم من المخالطة التغطية.
[ ١٤ / ٢٢٤ ]
وقيل: سميت خمرًا لأنَّها تخمر حتى تدرك كما يقال خمرت العجين فتخمر أي تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي أي تركته حتى ظهر وتحرر.
وقيل: سميت خمرًا لأنَّها تغطى حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل قلت لأنس الخمر من العنب أو من غيرها قال: ما خمرت من ذلك فهو الخمر. أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان.
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة لأنَّها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «الْجَدُّ». أي ميراث الجد مع الإخوة هل يرثون معه أو لا.
وَقَوْلُهُ: «وَالْكَلالَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٥٠٠): «واختلفوا في اشتقاق الكلالة، فقال الأكثرون: مشتقة من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلًا يقال له: كلالة؛ لأنَّه ليس على عمود النسب بل على طرفه، وقيل: من الإحاطة، ومنه الإكليل وهو شبه عصابة تزين بالجوهر، فسموا كلالة لإحاطتهم بالميت من جوانبه، وقيل: مشتقة من كل الشيء إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم:
[ ١٤ / ٢٢٥ ]
كلت الرحم إذا بعدت، وطال انتسابها، ومنه كل في مشيه إذا انقطع لبعد مسافته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٤): «وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنَّها ما عدا الوالد والولد» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٣٠): «الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢/ ٤٨٢): «وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنَّها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي مات ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾» اهـ.
قُلْتُ: شرط انتفاء الوالد مأخوذ من إجماع العلماء على اعتباره في آية الكلالة الأولى وهي الواردة في ميراث أولاد الأم، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
[ ١٤ / ٢٢٦ ]
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٤): «وقد اختلف الناس في الكلالة والكتاب يدل على قول الصديق أنَّها ما عدا الوالد والولد فإنَّه سبحانه قال في ميراث ولد الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فسوى بين ميراث الإخوة في الكلالة وإن فرق بينهم في جهة الإرث ومقداره فإذا كان وجود الجد مع الإخوة للأم لا يدخلهم في الكلالة بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجوده صدق اسمها وهل هذا إلَّا تفريق محض بين ما جمع الله بينه» اهـ.
وقد سأل عنها عمر ﵁ كما روى ذلك مسلم (٥٦٧، ١٦١٧) عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
النِّسَاءِ؟» وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مِنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٥٠٠): «وإنَّما أخر القضاء فيها؛ لأنَّه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهورًا يحكم به، فأخره حتى يتم اجتهاده فيه، ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه، ثم يقضي به، ويشيعه بين الناس، ولعل النبي ﷺ إنَّما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحًا، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأنَّ النصوص الصريحة لا تفي إلَّا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها. والله أعلم» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا». أي بعض ما أشكل من مسائله.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٧١٠): «وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: "ثلاث وددت أنَّ رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدًا
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا"، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة الخمر، وهذا مما علم من دين المسلمين بالضرورة.
٢ - فيه رد على أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم في قولهم: إنَّ اسم الخمر مختص بما كان من عصير العنب.
وقد روى مسلم (٢٠٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «والكوفيون لا خمر عندهم إلَّا ما اشتد من عصير العنب فإن طبخ قبل الاشتداد حتى ذهب ثلثاه حلَّ، ونبيذ التمر والزبيب محرم إذا كان مسكرًا نيئًا فإن طبخ أدنى طبخ حلَّ وإن أسكر، وسائر الأنبذة تحل وإن أسكرت لكن يحرمون المسكر منها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦): «وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس ليست الخمر عندهم إلَّا من العنب
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
ولا يحرمون القليل من المسكر إلَّا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٨٦ - ١٨٧): «أمَّا "الأشربة المسكرة" فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أنَّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام. وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ: مثل أبي الليث السمرقندي وغيره. وهذا قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين.
وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أنَّ ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فإنَّما يحرم منه القدر الذي يسكر.
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
وأمَّا القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأمَّا عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين.
وأصحاب القول الثاني قالوا: لا يسمى خمرًا إلَّا ما كان من العنب. وقالوا: إنَّ نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئًا مسكرًا حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمرًا فإن طبخ أدنى طبخ حل. وأمَّا عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلَّا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فأمَّا بعد أن يصير خمرًا فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكرًا بلا نزاع» اهـ.
وأمَّا ما رواه مسلم (١٩٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ». فإنَّه محمول على الغالب أي أكثر ما يتخذ الخمر من العنب والتمر، وهذا محمول على غالب الخمر في البلدان وليس في المدينة فقط، وذلك أنَّ الخمر من العنب كان قليلًا في المدينة، أو على معنى أنفس الخمر وأعلاه عند أهلها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٣): «وإنَّما خص في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر لأنَّ أكثر الخمر منهما، أو أعلى الخمر عند أهلها. والله أعلم. وهذا نحو قولهم: المال الإبل؛ أي: أكثرها وأعمها» اهـ.
[ ١٤ / ٢٣١ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٦٣): «هذا غير مخالف لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير وإنَّما وجهه ومعناه أنَّ معظم ما يتخذ من الخمر إنَّما هو من النخلة والعنبة وإن كانت الخمر قتد تتخذ أيضًا من غيرهما وإنَّما هو من باب التأكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين لضراوته وشدة سورته وهذا كما يقال: الشبع في اللحم والدفء في الوَبَر ونحو ذلك من الكلام. وليس فيه نفي الشبع عن غير اللحم ولا نفي الدفء عن غير الوبر ولكن فيه التوكيد لأمرهما والتقديم لهما على غيرهما في نفس ذلك المعنى والله أعلم» اهـ.
وأمَّا ما رواه البخاري (٥٥٧٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ». يعني: العنب. ورواه البخاري (٤٦١٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإِنَّ فِي المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ». فهو محمول على إرادة المبالغة من أجل قلتها حينئذ بالمدينة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٥٥٨٠) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ - يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ - خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ».
٣ - استحباب قول الخطيب في خطبته: أمَّا بعد.
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
٤ - صعود المنبر لتعليم الناس أحكام دينهم.
٥ - وفيه تمني الخير.
٦ - وفيه حرص الإسلام على المحافظة على العقل.
٧ - وفيه أنَّ العالم قد يفوته بعض العلم.
* * *
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
٣٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
الْبِتْعُ: نَبِيذُ الْعَسَلِ.
قَوْلُهُ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ». أي فيه صلاحية الإسكار، وليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، فإنَّ مقتضى ذلك حل القليل الذي لا يسكر وإن كان الكثير منه مسكرًا، وهذا خلاف ما رواه أحمد (١٤٧٤٤)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣) من طريق إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَالْحَدِيْثُ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ.
ورواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٣٨٢) أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَرَّكِينَ الْحَافِظُ بِدِمَشْقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رزق الله بن أبي مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ به.
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لكن رواه ابن ماجه (٣٣٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
فرواه عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الثقة الحافظ المتقن عن أنس بن عياض عن داود بن بكر، وليس عن موسى بن عقبة، وحديثه أصح من حديث رزق الله.
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد (٦٦٧٤)، والنسائي (٥٦٠٧)، وابن ماجه (٣٣٩٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
ومن حديث سعد بن أبي وقاص عند النسائي (٥٦٠٨، ٥٦٠٩) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وروى أحمد (٢٤٤٦٨، ٢٤٤٧٦، ٢٥٠٣٦)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦) من طريق مَهْدِيٍّ يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: مُوسَى وَهُوَ عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٨٣٧): «الفَرَق بالتحريك: مِكْيَال يسع سِتَّةَ عشر رِطْلًا وهي اثنا عشر مُدًّا أو ثلاثة آصُع عند أهْل الحجاز. وقيل: الفَرَق خمسة أقْسَاط والقِسْط: نصف صاع فأمّا الفَرْق بالسكون فمائةٌ وعشرون رِطْلًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٨٣):
«والكوفيون يحملونه على القدر المسكر، وعلى قول الأولين: يكون المراد بقوله: "أسكر" أنَّه مسكر بالقوة أي فيه صلاحية ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٢): «ويؤخذ من لفظ السؤال أنَّه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه لأنَّه لو أراد السائل ذلك لقال: أخبرني عمَّا يحل منه وما يحرم وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا نافع أو ضار مثلًا، وإذا سألوا عن القدر قالوا: كم يؤخذ منه» اهـ.
وجاء الحديث الباب عند إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٨٠٧)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٣٤٥) «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
١ - تحريم شرب المسكر.
٢ - وفيه إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه إذا كان مما يحتاج السائل إلى معرفته.
٣ - وفيه ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم.
* * *
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
٣٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ فُلانًا بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا».
قَوْلُهُ: «أَنَّ فُلانًا بَاعَ خَمْرًا». هو سمرة، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١٤ - ٤١٥): «قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما: اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك، وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يوليهم بيعها فلا يدخل في محظور وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك لأنَّه لم يتعاط محرمًا ويكون شبيهًا بقصة بريرة حيث قال: "هو عليها صدقة ولنا هدية".
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
والثاني: قال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا والعصير يسمى خمرًا كما قد يسمى العنب به لأنَّه يؤول إليه قاله الخطابي. قال: ولا يظن بسمرة أنَّه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها وإنَّما باع العصير.
والثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها وكان عمر يعتقد أنَّ ذلك لا يحلها كما هو قول أكثر العلماء واعتقد سمرة الجواز كما تأوله غيره أنَّه يحل التخليل ولا ينحصر الحل في تخليلها بنفسها. قال القرطبي تبعًا لابن الجوزي: والأشبه الأول.
قُلْتُ: ولا يتعين على الوجه الأول أخذها عن الجزية بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها.
وقد أبدى الإسماعيلي في "المدخل" فيه احتمالًا آخر وهو: أنَّ سمرة علم تحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته وهذا هو الظن به» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «فَجَمَلُوهَا». أي باعوها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة بيع الخمر.
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
قُلْتُ: ويحرم بيع الخمر ولو كان لأهل الذمة، وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٨٦، ١٠٠٤٤، ١٤٨٥٣، ١٩٣٩٦)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٨، ١٢٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٩٨)، والخطيب في [الْفَقِيْهِ وَالْمُتَفَقِهِ] (٧٢٣) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَّالَهَ، يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَمْرِ، فَنَاشَدَهُمْ ثَلَاثًا، فَقَالَ بِلَالٌ: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٦٥):
«وهذا ثابت عن عمر وهو مذهب الأئمة» اهـ.
٢ - واحتج به على لعن المعين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١٥): «ولكن يحتمل أن يقال: إنَّ قول عمر قاتل الله سمرة لم يرد به ظاهره بل هي كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر فقالها في حقه تغليظًا عليه» اهـ.
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
قُلْتُ: وهي في حق اليهود بمعنى اللعن كقول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]، وقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، وقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]، والقتل في هذه الآيات بمعنى اللعن.
قُلْتُ: وقد تستعمل على معنى التعجب نحو: قاتله الله ما أحسنَه، أو ما أحسنَ قوله، أو ما أشعره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقْرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٨/ ١٢٦):
«وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ: قَاتَلَهُ الله ما أشعره! فيضعونه مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ» اهـ.
٣ - وفيه تحريم الحيل الموصلة إلى انتهاك المحرمات.
٤ - وفيه أنَّ ما حرم شربه أو أكله حرم بيعه وأكل ثمنه.
وقد روى أحمد (٢٩٦٤)، وأبو داود (٣٤٨٨) من طريق بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ، قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، ثَلَاثًا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ».
[ ١٤ / ٢٤١ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦٢): «وفي قوله: "إنَّ الله إذا حرم شيئًا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه"، يراد به أمران:
أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك، فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت.
والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنَّما يحرم أكله، كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية، والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع به، فهذا قد يقال: إنَّه لا يدخل في الحديث، وإنَّما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق. وقد يقال: إنَّه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما، حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به، حل ثمنه. وإذا بيع لأكله، حرم ثمنه، وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء، كأحمد، ومالك وأتباعهما: إنَّه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرًا، حرم أكل ثمنه. بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلمًا، حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله، فثمنه من الطيبات،
[ ١٤ / ٢٤٢ ]
وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه، حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها» اهـ.
٥ - وفيه استعمال القياس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٠٩): «وهذا محض القياس من عمر ﵁ فإنَّ تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين وكما ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام» اهـ.
قُلْتُ: وقد مرت بعض مسائل هذا الحديث عند شرحنا لحديث جابر في كتاب البيوع.
* * *
[ ١٤ / ٢٤٣ ]