٣٦٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ: اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٦٩): «أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنَّه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وأنَّ الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: "الأعمال بالنية"، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
[ ١٤ / ٢ ]
وقال أبو داود السختياني: يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقيل: حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس".
قال العلاء: وسبب عظم موقعه أنَّه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنَّه ينبغي ترك المشتبهات، فإنَّه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذرًا من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب فقال ﷺ: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة … إلى آخره" فبين ﷺ أنَّ بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه» اهـ.
وقد قال بعضهم:
عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية
أتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه.
وَقَولُهُ: «مُشْتَبِهَاتٌ». أي: اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِسُنَنِ النَّسَائِيِّ] (٦/ ١٣٦): «اعلم أنَّ الاشتباه هو الالتباس وإنَّما يطلق في مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر أشبه
[ ١٤ / ٣ ]
أصلًا ما وهو مع هذا يشبه أصلًا آخر يناقض الأصل الأول فكأنَّه كثر اشتباهه فقيل اشتبه بمعنى اختلط حتى كأنَّه شيء واحد من شيئين مختلفين» اهـ.
وَقَولُهُ: «يُوشِكُ». أي: يقرب.
وَقَولُهُ: «أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ». أصل الارتعاء أكل الماشية من الرِعْي بكسر العين وسكون العين وهو الكلأ.
والحمى: ما يحميه الملوك من الأرض لمواشيهم، أو لمواشي الصدقة.
والمضغة: القطعة من اللحم سميت بذلك لأنَّها تمضغ في الفم لصغرها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الحلال المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٢ - أنَّ الحرام المحض بيِّن لا اشتباه فيه.
٣ - أنَّ بين الحلال البيِّن والحرام البيِّن أمورًا مشتبهة على كثير من الناس هل هي من الحرام أم من الحلال، وهذا الاشتباه لا يكون على الراسخين في العلم على سبيل العموم، وقد يقع لبعضهم، ولهذا قال: «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
ويدخل في الأمور المشتبهة:
[ ١٤ / ٤ ]
- ما اختلف في حله وحرمته، وذلك يكون بتعارض الأدلة على حسب نظر الناظر لا في حقيقة الأمر.
- اختلاط الحلال بالحرام.
ويدخل في هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، والراجح حل معاملة من كان الحلال في ماله هو الغالب، واجتناب معاملة من غلب الحرام على ماله، وذلك أنَّ الحلال المحض نادر في أموال الناس، وإنَّما قيدنا ذلك بالغالب، لأنَّ الاعتبار بالغالب معمول به في كثير من الأصول، وذكر ذلك مما يطول.
وقد أجاز بعض العلماء الأكل ممن علم في ماله الحرام من غير تقييد ذلك بنسبة معينة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٧١): «ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنَّه من الحرام بعينه، كما تقدم عن مكحول والزهري. وروي مثله عن الفضيل بن عياض.
وروي في ذلك آثار عن السلف، فصح عن ابن مسعود أنَّه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعامه، قال:
[ ١٤ / ٥ ]
أجيبوه، فإنَّما المهنأ لكم والوزر عليه. وفي رواية أنَّه قال: لا أعلم له شيئًا إلَّا خبيثًا أو حرامًا، فقال: أجيبوه.
وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود، ولكنه عارضه بما روي عنه أنَّه قال: الإثم حواز القلوب.
وروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، ومورق العجلي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين وغيرهم، والآثار بذلك موجودة في كتاب "الأدب" لحميد بن زنجويه، وبعضها في كتاب "الجامع" للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.
ومتى علم أنَّ عين الشيء حرام، أخذ بوجه محرم، فإنَّه يحرم تناوله، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضى من الربا، قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضى من القمار قال: لا بأس به، خرجه الخلال بإسناد صحيح، وروي عن الحسن خلاف هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المكاسب قد فسدت، فخذوا منها شبه المضطر.
وعارض المروي عن ابن مسعود وسلمان، ما روي عن أبي بكر الصديق أنَّه أكل طعامًا ثم أخبر أنَّه من حرام، فاستقاءه» اهـ.
[ ١٤ / ٦ ]
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٥) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارًا يَأْكُلُ الرِّبَا، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: «مَهْنَؤُهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ»، قَالَ سُفْيَانُ: «فَإِنْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ فَلَا تُصِبْهُ».
ورواه أيضًا (١٤٦٧٦) فَقَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وَقَولُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀: «وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا إِلَّا خَبِيثًا أَوْ حَرَامًا، فَقَالَ: أَجِيبُوهُ». لم أقف على هذا اللفظ.
قُلْتُ: المتعامل بالربا الغالب في ماله الحل، وذلك أنَّ نسبة الربا إلى رأس المال قليلة غالبًا، وسيأتي ما يدل على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٤٠٤) - بعد ذكره لكلام سفيان -: «ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا» اهـ.
وأثر سلمان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٦٧٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «إِذَا كَانَ لَكَ صَدِيقٌ
[ ١٤ / ٧ ]
عَامِلٌ، أَوْ جَارٌ عَامِلٌ، أَوْ ذُو قَرَابَةٍ عَامِلٌ، فَأَهْدَى لَكَ هَدِيَّةَ أَوْ دَعَاكَ إِلَى طَعَامٍ، فَاقْبَلْهُ، فَإِنَّ مَهْنَأَهُ لَكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين الزبير وسلمان.
وأثر الحسن وابن سيرين رواهما أيضًا ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٣٦٢٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فِي الرَّجُلِ يَقْضِي مِنَ الْقِمَارِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ». وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الرَّجُلِ يَقْضِي مِنَ الرِّبَا: «لَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد جعل ابن رجب الأثرين لابن سيرين، فلعل ذلك من قبيل الوهم، وربما يكون الخلال روى ذلك على ما ذكره ابن رجب فينظر.
وأثر الصديق رواه البخاري (٣٨٤٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ».
[ ١٤ / ٨ ]
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ نزاعًا في مذهب الحنابلة في هذه المسألة في [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٤٨ - ٥٢) فقال:
«فصل: في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام.
هل تجب طاعة الوالدين في تناول المشتبه وهو ما بعضه حلال وبعضه حرام؟ ينبني على مسألة تحريم تناوله وفيها أقوال في المذهب:
أحدهما: التحريم مطلقًا قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب في كتابه "المنتخب" ذكره قبيل باب الصيد.
وعلل القاضي وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك لاختلاط الأموال لأخذه من غير جهته ووضعه في غير حقه قال الأزجي في "نهايته": هو قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة، وقدمه أبو الخطاب في "الانتصار" في مسألة اشتباه الأواني.
وقد قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده قال: لا، قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وقد أمر رسول الله ﷺ بالوقوف عند الشبهة.
[ ١٤ / ٩ ]
وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".
وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه.
وعن الحسن بن علي مرفوعًا: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلَّا فلا، قدمه في "الرعاية" لأنَّ الثلث ضابط في مواضع.
والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم وإلَّا فلا إقامة للأكثر مقام الكل؛ لأنَّ القليل تابع، قطع به ابن الجوزي في "المنهاج" وذكر الشيخ تقي الدين أنَّه أحد الوجهين.
وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالًا ينبغي إن عرف شيئًا بعينه أن يرده وإذا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا، ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالًا إن كان غالبه نهبًا أو ربًا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلَّا
[ ١٤ / ١٠ ]
أن يكون يسيرًا لا يعرف، ونقل عنه أيضًا هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالًا مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال: إن كان غالبه الحرام فلا.
والرابع: عدم التحريم مطلقًا قل الحرام أو كثر وهو ظاهر ما قطع به وقدمه غير واحد لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
قدمه الأزجي وغيره وجزم به في "المغني" وعن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعامًا فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه". رواه أحمد.
وروى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أنَّ رجلًا سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني. قال الثوري: إن عرفته بعينه فلا تأكله: ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا.
وروى جماعة من حديث معمر أيضًا عن أبي إسحاق عن الزبير بن الحارث عن سلمان قال: إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله فإنَّ مهنأه لك وإثمه عليه.
قال معمر: وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل منها ويطعم أصحابه.
[ ١٤ / ١١ ]
وبعث عدي إلى الشعبي وابن سيرين والحسن فقبل الحسن والشعبي ورد ابن سيرين قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال: قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنَّهم كانوا يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم.
وقال منصور: قلت لإبراهيم النخعي: عريف لنا يصيب من الظلم ويدعوني فلا أجيبه، فقال إبراهيم: للشيطان غرض بهذا ليوقع عداوة، قد كان العمال يهمطون ويصيبون، ثم يدعون فيجابون. قُلْتُ: نزلت بعامل فنزلني وأجازني قال: اقبل. قُلْتُ: فصاحب ربا قال: اقبل ما لم تره بعينه.
قال الجوهري: الهمط الظلم، والخبط يقال: همط الناس فلان يهمطهم حقهم، والهمط أيضًا الأخذ بغير تقدير، ولأنَّ الأصل الإباحة وكما لو لم يتيقن محرمًا فإنَّه لا يحرم بالاحتمال وإن كان تركه أولى، وقد احتج لهذا بحديث أنس أنَّ النبي ﷺ رأى تمرة في الطريق فقال: "لولا أنِّي أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" متفق عليه، وفي هذا الاحتجاج بهذا نظر، لكن إن قوي سبب التحريم فظنه فينبغي أن يكون حكم المسألة كآنية أهل الكتاب وثيابهم، وينبني على هذا الخلاف حكم معاملته وقبول ضيافته وهديته ونحو ذلك.
[ ١٤ / ١٢ ]
قال ابن الجوزي بناء على ما ذكره: إنَّه يحرم الأكثر ويجب السؤال وإن لم يكن أكثر فالورع التفتيش ولا يجب، فإن كان هو المسئول وعلمت أنَّ له غرضًا في حضورك وقبول هديته فلا تثق بقوله وينبغي أن تسأل غيره.
انتهى كلامه.
وقد يكون ذلك عذرًا في ترك الإجابة إلى الدعوة ولو قلنا بالكراهة كما صرح الشيخ موفق الدين أنَّ ستر الحيطان بستور لا صور فيها أو فيها غير صور الحيوان أن تكون عذرًا في ترك الإجابة على رواية الكراهة، وسبق هذا المعنى بعد فصول الأمر بالمعروف فيما للمسلم على المسلم، وقد كره معاملة الجندي وإجابة دعوته، وقد قال المروذي قلت لأبي عبد الله: هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: في مثل الأكل. قُلْتُ: نعم. قال ما أحب أن يقيم معهما عليها وما أحب أن يعصيهما، يداريهما، ولا ينبغي للرجل أن يقيم على الشبهة مع والديه.
وذكر المروذي له قول الفضيل: كل ما لم يعلم أنَّه حرام بعينه، فقال أبو عبد الله: وما يدريه أيهما الحرام؟ وذكر له المروذي قول بشر بن الحارث وسئل هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: لا. قال أبو عبد الله: هذا شديد. قلت لأبي عبد الله: فللوالدين طاعة في الشبهة؟ فقال: إنَّ للوالدين حقًا. قُلْتُ: فلهما طاعة فيها.
[ ١٤ / ١٣ ]
قال: أحب أن تعفيني، أخاف أن يكون الذي يدخل عليه أشد مما يأتي. قلت لأبي عبد الله: إنِّي سألت محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال لي: بر والديك.
فقال أبو عبد الله: هذا محمد بن مقاتل قد رأيت ما قال، وهذا بشر بن الحارث قد قال ما قال، ثم قال أبو عبد الله: ما أحسن أن يداريهم.
وروى المروذي عن علي بن عاصم أنَّه سئل عن الشبهة فقال: أطع والديك، وسئل عنها بشر بن الحارث فقال: لا تدخلني بينك وبين والديك.
وذكر الشيخ تقي الدين رواية المروذي ثم قال: وقال في رواية ابن إبراهيم فيما هو شبهة فتعرض عليه أن يأكل فقال: إذا علم أنَّه حرام بعينه فلا يأكل. قال الشيخ تقي الدين: مفهوم هذه الرواية أنَّهما قد يطاعان إذا لم يعلم أنَّه حرام، ورواية المروذي فيها أنَّهما لا يطاعان في الشبهة، وكلامه يدل على أنَّه لولا الشبهة لوجب الأكل لأنَّه لا ضرر عليه فيه وهو يطيب نفسهما. انتهى كلامه» اهـ.
قُلْتُ: أثر أنس رواه البخاري معلقًا في "باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول وهذا معي". ووصله ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٩١٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «إِذَا دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ لَا تَتَّهِمُهُ فِي بَطْنِهِ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ».
[ ١٤ / ١٤ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إن كان الأنصاري هو عمر بن الحكم بن رافع.
وأثر أنس هذا يدل على أنَّ الرجل إذا كان متهمًا في كسبه فلا يأكل من طعامه، ولا يشرب من شرابه.
وحديث أبي هريرة رواه أحمد (٩١٧٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ لضعف مسلم بن خالد الزنجي.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٩١٨)، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا دَخَلْتُ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَكَ طَعَامًا فَكُلْ وَلَا تَسْأَلْ، فَإِنْ سَقَاكَ شَرَابًا فَاشْرَبْ وَلَا تَسْأَلْ، فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَشُجَّهُ بِالْمَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٦١) مرفوعًا فقال: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أنبأ بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثنا الْحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ رِوَايَةً قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَكَ طَعَامًا فَكُلْ وَلَا تَسْأَلْهُ وَإِذَا سَقَاكَ شَرَابًا فَاشْرَبْهُ وَلَا تَسْأَلْهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لكن الموقوف أرجح. والله أعلم.
[ ١٤ / ١٥ ]
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣): «عن الذين غالب أموالهم حرام مثل المكاسين وأكلة الربا وأشباههم. ومثل أصحاب الحرف المحرمة كمصوري الصور والمنجمين ومثل أعوان الولاة. فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة؟ أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله، إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة؛ لا يحكم بالتحريم إلَّا إذا عرف أنَّه يعطيه ما يحرم إعطاؤه. ولا يحكم بالتحليل إلَّا إذا عرف أنَّه أعطاه من الحلال. فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب. قيل بحل المعاملة. وقيل: بل هي محرمة. فأمَّا المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال؛ إلَّا أن يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنَّه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال؛ بل له أن يأخذ قدر الحلال كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر فإنَّه يقسم بين الشريكين. وكذلك من اختلط بماله: الحلال والحرام أخرج قدر الحرام والباقي حلال له والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ١٦ ]
قُلْتُ: وقد أفتى كثير من العلماء بكراهة معاملة من أكثر ماله حرام، وقد بوَّب الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي [الْكُبْرَى] (٥/ ٣٣٤) فقال: «باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم».
ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٦٣٥): «فصل: وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال، كالسلطان الظالم، والمرابي؛ فإن علم أنَّ المبيع من حلال ماله، فهو حلال، وإن علم أنَّه حرام، فهو حرام، ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم؛ لأنَّ الظاهر أنَّ ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو، كرهناه لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر.
وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته، تكون كثرة الشبهة وقلتها.
قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه؛ لما روى النعمان بن بشير» اهـ. وذكر الحديث.
ومنهم الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٧/ ٣٣٧):
«فصل: دعاه من أكثر ماله حرام كرهت إجابته كما تكره معاملته» اهـ.
وهناك من ذهب إلى بطلان معاملة من أكثر ماله حرام، ويذكر ذلك عن الإمام مالك ﵀.
[ ١٤ / ١٧ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٨/ ٢٣١): «وعن مالك: أنَّ مبايعة من أكثر ماله حرام باطل» اهـ.
- ويدخل في المشتبهات ما وجد فيه أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه.
٤ - وفيه أنَّ تارك المشتبهات مستبرئ لدينه وعرضه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٧٢): «ومعنى استبرأ: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، والعرض: هو موضع المدح والذم من الإنسان، وما يحصل له بذكره بالجميل مدح، وبذكره بالقبيح قدح، وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها، فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها، وفي هذا دليل على أنَّ من ارتكب الشبهات، فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن، كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم، فلا يلومن من أساء به الظن» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في حكم الأمور المشتبهات:
فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٢٧):
[ ١٤ / ١٨ ]
«واختلف في حكم الشبهات فقيل التحريم وهو مردود، وقيل الكراهة، وقيل الوقف» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «فقيل التحريم وهو مردود». وذلك لأنَّ النبي ﷺ جعلها مرتبة بين الحلال البين والحرام البين، ولأنَّ النبي ﷺ بين أنَّها قد توقع من لم يتقها في الحرام، وهذا دليل على أنَّها ليست من الحرام البين، وذلك لأنَّ المشتبهات لو كانت من الحرام لكان الواقع فيها واقع في الحرام ولا بد، والحديث باعتبار المثال المضروب فيه ما يدل على أنَّ المشتبهات قد توقع في الحرام، لا أنَّها من الحرام.
والأقرب والله أعلم أن يكون الولوج في المشتبهات من المكروهات.
٥ - وفيه أنَّ من الأمور المطلوبة السعي في براءة العرض والدين.
٦ - وفيه أنَّ الواقع في المشتبهات يتدرج به الأمر حتى يقع في الحرام.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٢٠٧): «ومعنى هذا: أنَّ من وقع في الشبهات كان جديرًا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنَّه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في
[ ١٤ / ١٩ ]
رواية: "ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر". يعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه.
ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزًا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال ولم يتعدوه، وأمَّا من وقع في المشتبه فإنَّه لا يبقى له إلَّا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر.
وقوله: "ألا وإنَّ لكل ملك حمى، وإنَّ حمى الله في الأرض محارمه"، وفي رواية: "ألا وإنَّ حمى الله محارمه": ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته؛ لأنَّه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يحمل الحديث على معنىً آخر وهو أنَّ من أكثر من تعاطي الشبهات فإنَّه يصادف الحرام وإن كان لا يشعر بذلك ولا يتعمده.
٧ - وفي الحديث سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات.
٨ - وفيه ضرب الأمثال لإيضاح المسائل.
[ ١٤ / ٢٠ ]
٩ - واحتج به على أنَّ المصيب من المجتهدين واحد.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٢٠٨): «وفيه دليل على أنَّ المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنَّه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أنَّ من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ صلاح الجوارح بصلاح القلب، وفسادها بفساده.
١١ - واحتج بالحديث على أنَّ العقل في القلب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٦٩): «واحتج بهذا الحديث على أنَّ العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور. ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنَّه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ، وقد يقال في الرأس، وحكوا الأول أيضًا عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء: قال المازري: واحتج القائلون؛ بأنَّه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾ وبهذا الحديث، فإنَّه ﷺ جعل صلاح الجسد وفساده
[ ١٤ / ٢١ ]
تابعًا للقلب، مع أنَّ الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب، فعلم أنَّه ليس محلًا للعقل. واحتج القائلون بأنَّه في الدماغ بأنَّه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنَّ الله ﷾ أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أنَّ العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. قال المازري: لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين الرأس والمعدة والدماغ اشتراكًا. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد حرر ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «وأمَّا قوله: أين مسكن العقل فيه؟ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل وأمَّا من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: "بلسان سؤول وقلب عقول". لكن لفظ "القلب" قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: "إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد". وقد يراد بالقلب باطن
[ ١٤ / ٢٢ ]
الإنسان مطلقًا فإنَّ قلب الشيء باطنه كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك ومنه سمي القليب قليبًا لأنَّه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إنَّ العقل في الدماغ. كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: إنَّ أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ. والتحقيق أنَّ الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة وأصل الإرادة في القلب والمريد لا يكون مريدًا إلَّا بعد تصور المراد فلا بد أن يكون القلب متصورًا فيكون منه هذا وهذا ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء وكلا القولين له وجه صحيح. وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [التِّبْيَانِ] (ص: ٢٥١): «والتحقيق أنَّ منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس، وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ على قولين: حكي روايتين عن الإمام أحمد، والتحقيق أنَّ أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال
[ ١٤ / ٢٣ ]
تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾، قال غير واحد من السلف: لمن كان له عقل.
واحتج آخرون: بأنَّ الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أنَّ العقل في الرأس لما زال فإنَّ السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما.
وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنَّه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنَّه محلها وارتباطه بها والله أعلم» اهـ.
١٢ - والحديث أصل في الورع.
١٣ - وفيه أنَّه ليس من الورع ترك المباح البين.
[ ١٤ / ٢٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٢/ ١٠): «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٢٥ ]
٣٧٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ، فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ».
لغبوا: أعيوا اهـ.
قَوْلُهُ: «أَنْفَجْنَا». أي: أثرناه عن موضعه.
قَوْلُهُ: «أَرْنَبًا». قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٦ - ٣٧):
«الأرنب: واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى.
وقال الجاحظ: فإذا قلت أرنب، فليس إلَّا الأنثى كما أنَّ العقاب لا يكون إلَّا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب وهذه الأرنب. وقال المبرد في الكامل: إنَّ العقاب يقع على الذكر والأنثى وإنَّما يميز باسم الإشارة كالأرنب، وذكر الأرنب يقال له
[ ١٤ / ٢٦ ]
الخُزَز بالخاء المعجمة المضمومة وبعدها زايان وجمعه خزان كصرد وصردان. ويقال للأنثى عِكْرِشةٌ، والخرنق ولد الأرنب، فهو أولًا خرنق ثم سخلة ثم أرنب.
وقضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق، وتسافد وهي حبلى، وتكون عامًا ذكرًا، وعامًا أنثى فسبحان القادر على كل شيء.
غريبة: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، أنَّ صديقًا له اصطاد أرنبًا، له أنثيان وذكر وفرج أنثى. فلما شقُّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.
قال: وأعجب من ذلك، أنَّه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، ونبت لها لحية، وصار لها فرج رجل وفرج امرأة. وسيأتي إن شاء الله في الضبع نظير ذلك.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.
[ ١٤ / ٢٧ ]
ويقال إنَّها إذا رأت البحر ماتت، ولذا لا توجد في السواحل. وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب، في أكاذيبها، أنَّ الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفا … كمثل دم الحرب يوم اللقا
فائدة: الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكره من أنَّ الأرنب تكون عامًا ذكرًا، وعامًا أنثى مما لا أصل له.
وَقَوْلُهُ: «بِمَرِّ الظَّهْرَانِ». مكان على مرحلة من مكة، والمرحلة مقدار يوم أو ليلة.
وَقَوْلُهُ: «فَلَغَبُوا». أي: تعبوا وزنًا ومعنىً.
والورك: ما فوق الفخذ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل أكل الأرنب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٢): «وهو قول العلماء كافة إلَّا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء» اهـ.
[ ١٤ / ٢٨ ]
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٧٩٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي خَالِدَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ، يَقُولُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ بِالصِّفَاحِ قَالَ: مُحَمَّدٌ مَكَانٌ بِمَكَّةَ وَإِنَّ رَجُلًا جَاءَ بِأَرْنَبٍ قَدْ صَادَهَا فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَا تَقُولُ: قَالَ: «قَدْ جِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أَكْلِهَا، وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحِيضُ».
فَحَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ لجهالة حال محمد بن خالد بن الحويرث، وجهالة حال أبيه.
٢ - وفيه مشروعية العدو وراء الصيد.
وأمَّا ما رواه أحمد (٣٣٦٢)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي (٤٣٠٩) من طريق سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ». فيه أبو موسى وهو اليماني مجهول.
ويقويه ما رواه أحمد (٨٨٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ،
[ ١٤ / ٢٩ ]
وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ، ومحمد هو ابن الصباح؛ لكن اختلف في إسناد الحديث على الحسن بن الحكم، فرواه أحمد (٩٦٨١) حَدَّثَنَا يَعْلَى، وَمُحَمَّدٌ، ابْنَا عُبَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنْ تَبِعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ ﷿ بُعْدًا».
وفيه إبهام الراوي عن أبي هريرة.
ورواه أحمد (١٨٦٤٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَدَا جَفَا».
قُلْتُ: الْمَحْفُوظُ حديث يعلى ومحمد ابنا عبيد بن أبي أمية، وقد تابعهما جماعة منهم سليمان بن داود العتكي، أبو الربيع الزهراني، وحديثه في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ]
[ ١٤ / ٣٠ ]
(٨٩٥٦) للبيهقي، وعيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٩).
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٤٦): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل".
قال أبي: كذا رواه، ورواه غيره، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وهو أشبه» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عباس حَسَنٌ بهذا الشاهد. والله أعلم.
قُلْتُ: وهذا محمول على الإكثار من ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٢): «فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها» اهـ.
قُلْتُ: وقد أقرَّ النبي ﷺ أصحابه على الصيد، وأكل منه.
وكان نبي الله إسماعيل ﵊ يصاد، وكان قوتهم منه.
[ ١٤ / ٣١ ]
فروى البخاري (٣٣٦٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
«وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ». قَالَ: «فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (١٥/ ٢٥٨):
«قَوْله: "فهما لَا يخلوان عَلَيْهِمَا" أَي: فاللحم وَالْمَاء لَا يعْتَمد عَلَيْهِمَا أحد بِغَيْر مَكَّة إلاَّ لم يوافقاه، وَالْغَرَض: أَنْ المداومة على اللَّحْم وَالْمَاء لَا يُوَافق الأمزجة وينحرف المزاج عَنْهُمَا إلَّا فِي مَكَّة فَإِنَّهُمَا يوافقانه، وَهَذَا من جملَة بركاتها وَأثر دُعَاء إِبْرَاهِيم، ﵊» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الصيد يملك بأخذه، ولا يشارك الآخذ في ملكه من أثاره معه.
٤ - وفيه الهدية بالشيء اليسير.
* * *
[ ١٤ / ٣٢ ]
٣٧١ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂، قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَنَحْنُ بِالْمَدِيْنَةِ».
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (٢/ ٢٨٥): «الفرس: واحد الخيل، والجمع أفراس الذكر والأنثى في ذلك سواء، وأصله التأنيث، وحكى ابن جني والفراء فرسة. وقال الجوهري: هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلَّا فريسه بالهاء، ولفظها مشتق من الافتراس، لأنَّها تفترس الأرض بسرعة مشيها.
وراكب الفرس فارس، وهو مثل لابن وتامر أي: صاحب لبن وصاحب تمر، وفارس أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٦٧): «واسم الخيل يقع على البرذون والهجين».
إِلِى أَنْ قَالَ: «والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيًا والآخر غير عربي، وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأمَّا الذي أمه فقط عربية فيسمى المُقْرِفُ» اهـ.
[ ١٤ / ٣٣ ]
قُلْتُ: والبرذون هو الخيل التركي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل أكل الفرس.
وهذا مأخوذ من إقرار النبي ﷺ لهم، واحتمال عدم علم النبي ﷺ بذلك فيه بعد، ولو سلم فالزمن زمن وحي، ولو كان ذلك مما لا يحل لجاء الوحي بإنكار ذلك، كما جاء عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ». رواه مسلم (١٤٤٠).
وفي الباب ما رواه البخاري (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩٥): «فصل: وتباح لحوم الخيل كلها عرابها وبراذينها.
نص عليه أحمد، وبه قال ابن سيرين.
وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد. وبه قال حماد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور.
[ ١٤ / ٣٤ ]
قال سعيد بن جبير: ما أكلت شيئًا أطيب من معرفة برذون.
وحرمها أبو حنيفة.
وكرهه مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٢٦): «اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل؛ فمذهب الشافعي، والجمهور من السلف والخلف أنَّه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن سليمان، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وجماهير المحدثين وغيرهم، وكرهها طائفة منهم ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله ولا يسمى حرامًا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾ ولم يذكر الأكل، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع"، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية بقية بن الوليد عن صالح بن يحيى.
[ ١٤ / ٣٥ ]
واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أنَّه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، روى الدارقطني والبيهقي بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال "بالحاء" الحافظ قال: هذا حديث ضعيف، قال: ولا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه، وقال البخاري: هذا الحديث فيه نظر، وقال البيهقي: هذا إسناد مضطرب، وقال الخطابي: في إسناده نظر، قال: وصالح بن يحيى عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: حديث الإباحة أصح، قال: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا. واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أخر صحيحة جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث. وأمَّا الآية فأجابوا عنها بأنَّ ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنَّ منفعتهما مختصة بذلك، فإنَّما خص هذان بالذكر لأنَّهما معظم المقصود من الخيل كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير﴾ فذكر اللحم لأنَّه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ﴾ ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ٣٦ ]
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٥٠): «وأمَّا ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين» اهـ.
قُلْتُ: رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٠٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَكْلِ الْفَرَسِ، - وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ أَكْلِ الْخَيْلِ -، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الْآيَةَ قَالَ: فَكَرِهَهَا.
قُلْتُ: وفيه ابن أبي ليلى واسمه محمد سيء الحفظ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٠٥) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَكَانَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، فَهَذِهِ لِلْأَكْلِ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا، فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ».
قُلْتُ: وهو منقطع بين مولى نافع، واسمه قيس بن سعد وبين ابن عباس.
ولم أقف على الأثر في مصنف عبد الرزاق.
[ ١٤ / ٣٧ ]
ومما يقوي ضعف هذا الأثر ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٦٤٩)، و[الْأَوْسَطِ] (٥٧٦٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٧٨٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ أَنْ تُؤْكَلَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وما رواه البخاري (٥٥٢٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟» فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ، عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٥٠): «فإنَّ هذا إن صلح مستمسكًا لحل الحمر صلح للخيل ولا فرق» اهـ.
قُلْتُ: وَلِلْعَلَّامَةِ الشِّنْقِيْطِي ﵀ كلام نفيس في ذلك حيث قال في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٢٦ - ٥٢٩): «اعلم أنَّ من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث:
[ ١٤ / ٣٨ ]
أمَّا الآية: فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾، فقال: قد قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، فهذه للأكل، وقال: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا﴾، فهذه للركوب لا للأكل، وهذا تفصيل من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور:
أحدها: أنَّ اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة، لأنَّ العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم.
ثالثها: أنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة.
وأمَّا الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير".
[ ١٤ / ٣٩ ]
ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة، بأنَّ آية النحل نزلت في مكة اتفاقًا، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضًا آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما، كلاهما صريح في جواز أكل الخيل، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.
وأيضًا: فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة، فهي إنَّما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز.
وأيضًا: فلو سلمنا أنَّ اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة. فإنَّه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقًا، وإنَّما ذكر الركوب والزينة; لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل.
ونظيره حديث البقرة المذكور في "الصحيحين" حين خاطبت راكبها فقالت: "إنَّا لم نخلق لهذا، إنَّا خلقنا للحرث"، فإنَّه مع كونه أصرح في الحصر، لم يقصد به إلَّا الأغلب، وإلَّا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقًا.
[ ١٤ / ٤٠ ]
وأيضًا: فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة، ولا قائل بذلك.
وأمَّا الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها، فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول، كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله:
أمَّا قران اللفظ في المشهور … فلا يساوي في سوى المذكور.
وأمَّا الاستدلال بأنَّ الآية الكريمة سيقت للامتنان: فيجاب عنه بأنَّه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب، فخوطبوا بما عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام: فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل; فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه.
فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا.
وأمَّا الاستدلال بأنَّ الإذن في أكلها، سبب لفنائها وانقراضها:
فيجاب عنه: بأنَّه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل، قاله ابن حجر.
[ ١٤ / ٤١ ]
وأمَّا الاستدلال بحديث خالد بن الوليد ﵁: فهو مردود من وجهين:
الأول: أنَّه ضعفه علماء الحديث، فقد قال ابن حجر في "فتح الباري" في باب "لحوم الخيل" ما نصه: "وقد ضعف حديث خالد أحمد، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون".
وقال النووي في "شرح المهذب": "واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم، على أنَّ حديث خالد المذكور حديث ضعيف"، وذكر أسانيد بعضهم بذلك، وحديث خالد المذكور مع أنَّه مضطرب، في إسناده صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لين، وفيه أيضًا: والده يحيى المذكور، الذي هو شيخه في هذا الحديث، قال فيه في "التقريب": مستور.
الوجه الثاني: أنَّا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد، فإنَّه معارض بما هو أقوى منه، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"، وفي لفظ في "الصحيح": "وأذن في لحوم الخيل"، وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق
[ ١٤ / ٤٢ ]
﵂ قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه" متفق عليهما.
ولا شك في أنَّهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أنَّ الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
٢ - واحتج به على حل نحر ما يذبح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٦٣): «مسألة؛ قال: "فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح فجائز" هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والزهري، وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وحكي عن داود، أنَّ الإبل لا تباح إلَّا بالنحر، ولا يباح غيرها إلَّا بالذبح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
ولأنَّ النبي ﷺ نحر البدن، وذبح الغنم، وإنَّما تؤخذ الأحكام من جهته.
[ ١٤ / ٤٣ ]
وحكي عن مالك، أنَّه لا يجزئ في الإبل إلَّا النحر؛ لأنَّ أعناقها طويلة، فإذا ذبح تعذب بخروج روحه.
قال ابن المنذر: إنَّما كرهه، ولم يحرمه.
ولنا، قول النبي ﷺ: "امرر الدم بما شئت".
وقالت أسماء: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة.
وعن عائشة، قالت: نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة.
ولأنَّه ذكاة في محل الذكاة، فجاز أكله، كالحيوان الآخر» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ». رواه أحمد (١٨٢٧٦، ١٨٢٨٨، ١٩٣٩٣)، وأبو داود (٢٨٢٤)، والنسائي (٤٣٠٤، ٤٤٠١)، وابن ماجه (٣١٧٧) من طريق سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُرَيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: «أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ﷿».
[ ١٤ / ٤٤ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ومري بن قطري وثقه ابن معين كما في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْنٍ رِوَايَةِ الدَّارِمِي] برقم (٧٦٦)، وهذا مما فات كلًا من الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى فلم يذكرا توثيق ابن معين في ترجمته.
لكن الحديث وارد في آلة الذبح، ولم يرد في موضع الذبح.
وحديث عائشة رواه أبو داود (١٧٥٠)، وابن ماجه (٣١٣٥) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
ورواه مسلم (١٣١٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، عَنْ نِسَائِهِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ.
وجاء فيه أيضًا (١٣١٩) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ».
وحديث أسماء جاء في رواية عند البخاري (٥٥١١) بلفظ: «ذَبَحْنَا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٢): «وهذا الاختلاف كله عن هشام وفيه اشعار بأنَّه كان تارة يرويه بلفظ ذبحنا وتارة بلفظ نحرنا وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى وأنَّ النحر يطلق عليه ذبح والذبح يطلق عليه نحر ولا يتعين مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٤٥ ]
٣٧٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ».
وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ قَالَ: «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ».
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩): «الحمار جمعه حمير وحمر وأحمرة. وربما قالوا للأتان: حمارة وتصغيره حُمَيِّر، ومنه توبة بن الحُمَيِّر صاحب ليلى الأخيلية الذي تقدم ذكره. وكنية الحمار أبو صابر وأبو زياد قال الشاعر:
زياد لست أدري من أبوه … ولكنَّ الحمار أبو زياد
ويقال للحمارة: أم محمود وأم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب. وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه ويلقح إلَّا الحمار والفرس. وهو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرًا ومنه نوع يصلح لحمل الأثقال ونوع لين الأعطاف سريع العدو، ويسبق براذين الخيل. ومن عجيب أمره أنَّه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه
[ ١٤ / ٤٦ ]
من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي، يخاطب عبد الصمد بن المعذل وقد هجاه:
أقدمت ويحك من هجوي على خطر … والعير يقدم من خوف على الأسد.
ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض» اهـ.
والخيل: اسم جنس لا واحد من لفظه، وسميت بذلك لاختيالها في مشيها. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل لحم الخيل، وقد سبق الكلام في ذلك في حديث أسماء الماضي قبل هذا.
٢ - حرمة لحوم الحمر الأهلية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨١): «مسألة؛ قال: "وبسنة رسول الله ﷺ الحمر الأهلية". أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية.
قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي ﷺ كرهوها.
[ ١٤ / ٤٧ ]
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها وحكي عن ابن عباس، وعائشة ﵄، أنَّهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وتلاها ابن عباس، وقال: ما خلا هذا، فهو حلال.
وسئلت عائشة ﵂ عن الفأرة، فقالت: ما هي بحرام. وتلت هذه الآية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٢١): «اختلف العلماء في المسألة؛ فقال الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بتحريم لحومها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقال ابن عباس: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنَّها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة: مباحة، والصواب التحريم كما قاله الجماهير للأحاديث الصريحة. وأمَّا الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال: "أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلَّا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ فقُلْتُ: يا رسول الله أصابتنا السنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلَّا سمان حمر، وإنَّك
[ ١٤ / ٤٨ ]
حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنَّما حرمتها من أجل جوال القرية" يعني بالجوال التي تأكل الجلة، وهي العذرة. فهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف، ولو صح حمل على الأكل منها في حال الاضطرار والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث رواه أبو داود (٣٨٠٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ، قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا شَيْءٌ مِنْ حُمُرٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا سِمَانُ الْحُمُرِ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ».
قُلْتُ: ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ الصِّحَةِ، فعبد الله هو عبد الله بن الحكم بن أبي زياد ثقة، وعبيد الله هو ابن موسى بن أبي المختار ثقة، إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، ومنصور هو ابن المعتمر ثقة ثبت، وعبيد هو ابن الحسن
[ ١٤ / ٤٩ ]
المزني أبو الحسن الكوفي ثقة، وعبد الرحمن هو ابن معقل بن مقرن المزني ثقة، غالب بن أبجر صحابي.
لكن قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ نَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَنَّ سَيِّدَ مُزَيْنَةَ أَبْجَرَ أَوِ ابْنَ أَبْجَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ» اهـ.
وهكذا رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٢٦)، والطيالسي في [مُسْنَدِهِ] (١٤٠٢)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٥٠٧٠) عن شعبة به.
وفيه عبد الرحمن بن بشر مجهول، وفيه أيضًا إبهام الناس من مزينة، وإبهامهم لا يضر لأنَّهم من الصحابة، ويدل على ذلك ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦٣٧١) دَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ رِجَالٍ، مِنْ مُزَيْنَةَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الظَّاهِرَةِ، عَنْ أَبْجَرَ، أَوِ ابْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَهُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرًا لِي. قَالَ لِي: «فَأَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكِ فَإِنَّمَا كَرِهْتُ لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ».
[ ١٤ / ٥٠ ]
وهكذا جاء في رواية محمد بن جعفر غندر في روايته عن شعبة عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (١٠٣٠).
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٦ - ٧): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن أبي العميس، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن غالب بن أبجر، قال: سألت النبي ﷺ، فقُلْتُ: يا رسول الله، إنَّه لم يبق من مالي شيء أطعمه أهلي إلَّا أحمرة عندي، فقال رسول الله ﷺ: "أطعم أهلك من سمين مالك، فإنَّما قذرت لكم جوال القرية".
ورواه شريك، عن منصور، عن عبيد بن حسن، عن غالب بن ذريح، قال: قيل للنبي ﷺ، في أكل الحمر.
ورواه شعبة، عن عبيد بن حسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، عن رجال من مزينة من أصحاب النبي ﷺ.
ورواه مسعر، عن عبيد بن حسن، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة، أحدهما عن الآخر، عبد الله بن عمرو بن لؤي، والآخر غالب بن أبجر، قال مسعر: أرى غالبًا الذي أتى النبي ﷺ.
[ ١٤ / ٥١ ]
قال أبي: شعبة أحفظ من أبي العميس، لم يضبط أبو العميس.
وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث؟.
فقال: الصحيح: حديث شعبة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٦): «واتفق الحفاظ على تضعيفه» اهـ.
قُلْتُ: في الحديث اختلاف كثير، وأصح الطرق طريق شعبة، وفيها عبد الرحمن بن بشر مجهول، وهو علة الحديث. والله أعلم.
وقد تأول بعض العلماء نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، بأنَّه لأجل أنَّها لم تخمس بعد، كما روى ذلك البخاري (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧) من طريق الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄، يَقُولُ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتِ القُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَكْفِئُوا القُدُورَ، فَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْنَا: «إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ» قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: «حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ».
[ ١٤ / ٥٢ ]
وقال بعضهم حرمها لأنَّها كانت جلالة، أو منهوبة، أو لخشية قلة الظهر، ويحتج لهذا الأخير ما رواه مسلم (٥٦١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ النَّاسُ احْتَاجُوا إِلَيْهَا».
ويرد ذلك كله تعليل النبي ﷺ للتحريم بكونها رجس، وذلك فيما رواه البخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً، فَخَرَجَ أَهْلُهَا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا بَصُرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» فَأَصَبْنَا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٩): «وهذا أصح العلل فإنَّها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه كما في الصحيحين عن أنس قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر أصبنا حمرًا خارجة من القرية وطبخناها فنادى منادي رسول الله ﷺ:
[ ١٤ / ٥٣ ]
"ألا إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنَّها رجس من عمل الشيطان" فهذا نص في سبب التحريم وما عدا هذه من العلل فإنَّما هي حدس وظن ممن قاله» اهـ.
قُلْتُ: زيادة: «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ». انفرد بها مسلم (١٩٤٠)
والتعليل بقلة الظهر يرده أيضًا إذن النبي ﷺ لهم بأكل الخيل، وهم أحوج إليه من الحمر.
قُلْتُ: ولابن عباس في لحوم الحمر الأهلية ثلاثة أقوال:
القول الأول: الحل، ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٥٢٩) من طريق عَمْرو بْنِ دِيْنَارٍ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؟» فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ، عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ البَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
القول: الثاني: التوقف. ويدل عليه ما رواه البخاري (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ».
[ ١٤ / ٥٤ ]
القول: الثالث: الجزم بالتحريم، ويدل عليه ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٩١٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٦١٣)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٠٩٠٤) من طريق الأَعْمَشِ، عَنْ مُجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وعَن السَّبَايَا الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ، وعَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٧): «وهذا يدل على أنَّ ابن عباس أباحها أولًا حيث لم يبلغه النهي فسمع ذلك منه جماعة منهم أبو الشعثاء وغيره فرووا ما سمعوه، ثم بلغه النهي عنها فتوقف هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة؟ فروى ذلك عنه الشعبي وغيره، ثم لما ناظره علي بن أبي طالب جزم بالتحريم كما رواه عنه مجاهد» اهـ.
قُلْتُ: ومناظرة علي له رواها البخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) عن عَلِيٍّ ﵁، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، زَمَنَ خَيْبَرَ».
[ ١٤ / ٥٥ ]
وراها مسلم (١٤٠٧) عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ».
٣ - وفيه حل لحم حمر الوحش.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩٣): «فصل: وما عدا ما ذكرناه، فهو مباح؛ لعموم النصوص الدالة على الإباحة، من ذلك بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم. قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
ومن الصيود الظباء، وحمر الوحش.
وقد أمر النبي ﷺ أبا قتادة وأصحابه بأكل الحمار الذي صاده.
وكذلك بقر الوحش كلها مباحة، على اختلاف أنواعها، من الأيل، والتيتل، والوعل، والمها، وغيرها من الصيود، كلها مباحة، وتفدى في الإحرام.
ويباح النعام، وقد قضى الصحابة، ﵃، في النعامة ببدنة.
وهذا كله مجمع عليه، لا نعلم فيه خلافًا، إلَّا ما يروى عن طلحة بن مصرف قال: إنَّ الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف، فهو بمنزلة الأهلي.
قال أحمد: وما ظننت أنَّه روي في هذا شيء، وليس الأمر عندي كما قال.
[ ١٤ / ٥٦ ]
وأهل العلم على خلافه؛ لأنَّ الظباء إذا تأنست لم تحرم، والأهلي إذا توحش لم يحل، ولا يتغير منها شيء عن أصله وما كان عليه.
قال عطاء، في حمار الوحش: إذا تناسل في البيوت، لا تزول عنه أسماء الوحش» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٣٢): «ولا خلاف في جواز كلها فيما علمته؛ لأنَّها من جملة الصيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله الله ﷺ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٥): «ولا خلاف في إباحتها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجَرَّارِ] (ص: ٧٢٦): «وأمَّا الحمر الوحشية فالإجماع على حلها ثابت وقد صادها الصحابة وأكلوها وأكلها رسول الله ﷺ والأمر أواضح من أن يحتاج إلى التنبيه عليه» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٥٧ ]
٣٧٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: «أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتِ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: "أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ، وَرُبَّمَا قَالَ: وَلا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة لحوم الحمر الأهلية. وقد سبق القول في ذلك.
٢ - جواز نحر ما يذبح.
٣ - إتلاف الشيء المحرم.
٤ - أنَّ المجاعة التي لم تصل إلى حد الاضطرار لا تبيح المحرمات.
٥ - إرسال الأمير من يبلغ عنه إنكار المنكر.
والمنادي هو أبو طلحة كما روى ذلك مسلم (١٩٤٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ،
[ ١٤ / ٥٨ ]
فَنَادَى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أَوْ «نَجِسٌ»، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا.
٦ - وفيه أنَّ لحم ما لا يؤكل لا يطهر بالذكاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٥): «وهو صريح في أنَّ ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وأنَّها لا تعمل فيه شيئًا» اهـ.
وَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٣٠٧):
«وَمِنْهَا: أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ، وَأَنَّ ذَبِيحَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَأَنَّ الذَّكَاةَ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٥٩ ]
٣٧٤ - عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، ﵁ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ».
الحديث كسابقيه فيه حرمة لحوم الحمر الأهلية، وهو صريح بتحريم ذلك، وقاطع لمن أراد أن يتأول النهي في الأحاديث السابقة على الكراهة.
وذكر اللحم باعتبار أنَّه غالب ما ينتفع به وإلَّا فإنَّ جميعه حرام ومن ذلك ألبانها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٠٨):
«فَصْلٌ: وَأَلْبَانُ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَرَخَّصَ فِيهَا عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَلْبَانِ حُكْمُ اللُّحْمَانِ» اهـ.
ومن العجائب أنَّ الحليب الوطني في تركيا هو "حليب العَير" وهو الحمار، وهو غالي الثمن عندهم وقد يبلغ سعر اللتر في بعض الأوقات إلى ثلاثين دولارًا.
* * *
[ ١٤ / ٦٠ ]
٣٧٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ والنَّبيُّ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ.
المَحْنوذُ: المَشْويُّ بالرَّصْفِ وهِيَ الحِجارةُ المُحْمَاة.
هذا الحديث متفق عليه من مسند خالد بن الوليد من رواية ابن عباس عنه، وانفرد به الإمام مسلم من مسند ابن عباس ﵂.
قَوْلُهُ: «فَأُتِيَ بِضَبٍّ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٣): «هو دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر من الجرذون ويكنى أبا حِسْل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة، وبالخيف من مني جبل يقال له ضب، والضب داء في خف البعير، ويقال أنَّ لأصل ذكر الضب فرعين
[ ١٤ / ٦١ ]
ولهذا يقال له ذكران، وذكر بن خالويه أنَّ الضب يعيش سبعمائة سنة وأنَّه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يومًا قطره ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أنَّ أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال لا أفعل كذا حتى يرد الضب. يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأنَّ الضب لا يرد بل يكتفى بالنسيم وبرد الهواء ولا يخرج من جحره في الشتاء» اهـ.
وَقَالَ الدَّمِيْرِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٤٥):
«قال عبد اللطيف البغدادي: الورل والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ، كلها متناسبة في الخلق. وللضب ذكران وللأنثى فرجان، كالورل والحرذون. وقال عبد القاهر: الضب دويبة على حد فرخ التمساح الصغير وذنبه كذنبه وهو يتلون ألوانًا بحر الشمس كما تتلون الحرباء انتهى» اهـ.
قُلْتُ: الضب يأكل النباتات والأعشاب، والقول بأنَّ الضب يعيش سبعمائة سنة دعوى ليس عليها برهان، وهكذا القول بأنَّ أنثى الضب لها فرجان فغير صحيح، وأمَّا ذكر الضب فله عضوان لكن لا يستعملهما معًا في كل نزو، وإنَّما يستعمل واحدًا منهما.
وَقَوْلُهُ: «فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». أي: أكره أكله.
[ ١٤ / ٦٢ ]
وَقَوْلُهُ: «فَاجْتَرَرْتُهُ». أي: قطعته.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل أكل الضب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٥): «وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل الضب وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله.
قُلْتُ: قد نقله ابن المنذر عن علي فأي إجماع يكون مع مخالفته، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم. وقال الطحاوي في "معاني الآثار" كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن» اهـ.
قُلْتُ: أثر علي رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٤٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ كَرِهَ الضَّبَّ».
قُلْتُ: الحارث وهو الأعور كذبه غير واحد.
[ ١٤ / ٦٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٠): «وقال أبو حنيفة: هو حرام. وبهذا قال الثوري؛ لما روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن أكل لحم الضب. وروي نحوه عن علي؛ ولأنَّه ينهش، فأشبه ابن عرس» اهـ.
وقال فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١٢٢): «قُلْتُ: الكراهة قول الحنفية بلا شك كما هو في كتبهم واختلفوا في المكروه والمروي عن محمد بن الحسن أنَّ كل مكروه حرام إلَّا أنَّه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنَّه إلى الحرام أقرب فظهر بذلك وجود الخلاف في تحريمه أيضًا عند الحنفية ولهذا نقل العمراني في "البيان" عن أبي حنيفة تحريمه، وهو ظاهر قول ابن حزم: ولم ير أبو حنيفة أكله، والخلاف عند المالكية أيضًا فحكى ابن شاس وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل إنَّه منسوخ ثلاثة أقوال التحريم، والكراهة، والجواز» اهـ.
وقد جاء ما يدل على النهي عنه وهو ما رواه أبو داود (٣٧٩٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ، حَدَّثَهُمْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ».
[ ١٤ / ٦٤ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو راشد الحبراني لم يوثقه معتبر، وهو مع ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة في الباب.
وروى أحمد (١٧٧٩٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، قَالَ: فَأَصَبْنَا مِنْهَا وَذَبَحْنَا، قَالَ: فَبَيْنَا الْقُدُورُ تَغْلِي بِهَا، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُقِدَتْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ هِيَ فَأَكْفِئُوهَا» فَأَكْفَأْنَاهَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وهو محمول على أنَّ النبي ﷺ قال ذلك ورعًا قبل علمه بأنَّ الممسوخ لا نسل له كما سيأتي بيان ذلك. والله أعلم.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٨٤٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «ضَبٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دَجَاجَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وفي سماع سعيد بن المسيب من عمر كلام لكن قال الإمام أحمد ﵀: «وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٦٧٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ رَاعِيًا فَشَكَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْجُوعَ بِأَرْضِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَسْتَ
[ ١٤ / ٦٥ ]
بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِالضِّبَابِ حُمْرَ النَّعَمِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
٢ - وفيه أنَّ معافاة الشيء لا يقتضي تحريمه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٢٥١): «فيه دليل على أنَّ التحليل والتحريم ليس مردودًا إلى الطباع ولا إلى ما يقع في النفس وإنَّما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة أو يكون في معنى ما حرمه أحدهما ونص عليه» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ ذكر الرجل معافاته من الطعام من أجل نوعه لا يدخل في عيب الطعام المكروه، وإنَّما تختص الكراهة بعيب الطعام من أجل طبخه حتى لا ينكسر خاطره وينسب بالتقصير في طبخه. والله أعلم.
وقد ورد سبب آخر في كراهة النبي ﷺ لأكل الضب، وهو خشية أن يكون من المسخ، فروى مسلم (١٩٤٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ».
[ ١٤ / ٦٦ ]
وروى مسلم (١٩٥١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ، يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا».
قُلْتُ: وهذا محمول على أنَّه كان قبل أن يعلم النبي ﷺ أنَّ المسخ لا نسل له، فقد روى مسلم (٢٦٦٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ، هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ».
وفي لفظ له: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ».
٤ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٧): «ويؤخذ منه أنَّ من خشي أن يتقذر شيئًا لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرر به وقد شوهد ذلك من بعض الناس» اهـ.
[ ١٤ / ٦٧ ]
٥ - وفيه أنَّ النبي ﷺ لا يعلم الغيب.
٦ - وفيه دخول الرجل على أقاربه من النساء والأكل عندهم إذا كان الزوج لا يكره ذلك.
وأبعد الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فَقَالَ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٢٥٢): «وأمَّا دخول خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس بيت رسول الله ﷺ وفيه ميمونة مع النسوة اللاتي قال بعضهن أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه فإنَّما كان ذلك قبل نزول الحجاب والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٦٧) - متعقبًا له -:
«وغفل عمَّا ذكره هو أنَّ إسلام خالد كان بين عمرة القضية والفتح وكان الحجاب قبل ذلك اتفاقًا» اهـ.
قُلْتُ: وميمونة هي بنت حارث خالة خالد بن الوليد وابن عباس ﵄، وقد جاء في رواية لمسلم (١٩٤٦) عن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ، وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ
[ ١٤ / ٦٨ ]
الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيَّ.
قُلْتُ: وأمَّا سائر النسوة فلم يسمين.
* * *
[ ١٤ / ٦٩ ]
٣٧٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ».
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٢٦٨): «الجراد: معروف الواحدة جرادة الذكر والأنثى فيه سواء. يقال: هذا جرادة ذكر وهذه جرادة أنثى كنملة وحمامة.
قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجرد. قال: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدًا. يقال ثوب جرد أي أملس. وثوب جرد إذا ذهب زئيره» اهـ.
وَقَالَ: (١/ ٢٧٠): «وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حية» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢٠): «ويقال أنَّه مشتق من الجرد لأنَّه لا ينزل على شيء إلَّا جرده» اهـ.
وفي الحديث حل أكل الجراد، وهذا مما لا نزاع فيه.
[ ١٤ / ٧٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٣٧): «ولم يختلف في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج؟ فعامة الفقهاء: على أنَّه لا يحتاج إلى ذلك. فيجوز أكل الميت منه. وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرف من أصحابنا. وذهب مالك: إلى أنَّه لا بد من سبب يموت به، كقطع رؤوسه، أو أرجله، أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يشوى، أو يصلق. وقال الليث: يكره أكل ميت الجراد إلَّا ما أخذ حيًا ثم مات، فإن أخذه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والجمهور تمسكًا بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٤١): «فيه إباحة الجراد، وأجمع المسلمون على إباحته، ثم قال الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد والجماهير: يحل، سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه أو أحدث فيه سبب، وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلَّا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى في النار حيًا أو يشوى، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل. والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ٧١ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٢١): «وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلَّا أنَّ المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها فقيل بقطع رأسه، وقيل إن وقع في قدر أو نار حل، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنَّه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال". أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعًا وقال: إنَّ الموقوف أصح ورجح البيهقي أيضًا الموقوف إلَّا أنَّه قال: إنَّ له حكم الرفع» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٧٢ ]
٣٧٧ - عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَدَعَا بِمَائِدَةٍ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٥) - عند كلامه على الدجاج -: «هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما ولم يحك النووي الضم والواحدة دجاجة مثلث أيضًا، وقيل أنَّ الضم فيه ضعيف. قال الجوهري: دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة، وأفاد إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" أنَّ الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضًا. قال: وسمي لإسراعه في الإقبال والادبار من دج يدج إذا أسرع.
قُلْتُ: ودجاجة اسم امرأة وهي بالفتح فقط ويسمى بها الكبة من الغزل» اهـ.
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٥٨): «الدجاج: مثلث الدال حكاه ابن معن الدمشقي وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه كبطة وحمامة، وقال
[ ١٤ / ٧٣ ]
ابن سيده: سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وادبارها يقال: دج القوم يدجون دجيجًا إذا مشوا مشيًا رويدًا في تقارب خطو.
وقيل: هو أن يقبلوا ويدبروا.
وقال الأصمعي: الدجاجة بالفتح الواحدة من الدجاج، وبالكسر الكبة من الغزل.
وقال غيره: الكبة من الغزل دجاجة بفتح الدال أيضًا. قاله الإمام ابن بيدار في شرح الفصيح.
وكنية الدجاجة أم الوليد وأم حفصة وأم جعفر وأم عقبة وأم إحدى وعشرين وأم قوب وأم نافع.
وإذا هرمت الدجاجة لم يكن لبيضها مخ، وإذا كانت كذلك لم يخلق منها فرخ، ومن عجيب أمرها أنَّه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن آوى وهي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه.
وتوصف الدجاجة بقلة النوم، وسرعة الانتباه. يقال إنَّ نومها واستيقاظها إنَّما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال إنَّها تفعل ذلك من شدة الجبن، وأكثر ما عندها من الحيلة أنَّها لا تنام على الأرض، بل ترتفع على رف أو على جذع، أو
[ ١٤ / ٧٤ ]
جدار أو ما قارب ذلك، وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها.
والفرخ يخرج من البيضة كاسيًا، ظريفًا مقبولًا، سريع الحركة يدعى فيجيب، ثم هو كلما مرت عليه الأيام، حمق ونقص حسنه وكيسه وزاد قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى أن يصير إلى حالة لا يصلح فيها إلَّا للذبح أو الصياح أو البيض. والدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم والذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويأكل الخبز ويلتقط الحب، وذلك من طباع البهائم والطير. ويعرف الديك من الدجاجة وهو في البيضة وذلك أنَّ البيضة إذا كانت مستطيلة محدودة الأطراف فهي مخرج الإناث، وإذا كانت مستديرة عريضة الأطراف، فهي مخرج الذكور. والفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن وتارة بأن يدفن في الزبل ونحوه» اهـ.
قُلْتُ: كتاب الدَّميري هذا كتاب جيد في معرفة أحوال الحيوان وبعض الأحكام المتعلقة به، وهو يأخذ كثيرًا من كتاب الحيوان للجاحظ، ويؤخذ عليه أنَّه يذكر في خواص الحيوان غالبًا ما يدخل في الشرك من تعليق الحروز والتمائم، وغير ذلك من الأباطيل الممقوتة التي لا يقبلها شرع ولا عقل وهذا أعظم ما شان به كتابه،
[ ١٤ / ٧٥ ]
ومما يؤخذ عليه عدم تحريه للأحاديث الصحيحة، فإنَّه يذكر في كتابه الموضوع وما لا أصل له، وإنَّما نبهت على ذلك لأنَّي قد أكثرت من النقل عنه في هذا الباب فأخشى أن يغتر بكتابه من لم يعرف حقيقة أمره. والله المستعان.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حل لحم الدجاج.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٨): «وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو بالاتفاق إلَّا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع إلَّا أن بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الاقذار وظاهر صنيع أبي موسى أنَّه لم يبال بذلك. والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الجلة بكسر الجيم والتشديد وهي البعر، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع والمعروف التعميم، وقد اخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنَّه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا. وقال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره وإنَّما جاء النهي عنها للتقذر» اهـ.
[ ١٤ / ٧٦ ]
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٠٩٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ كما ذكر الحافظ ﵀.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٧١٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ ثَلَاثَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ بَيْضَهَا».
قُلْتُ: فيه عبد الله وهو ابن عمر العمري ضعيف الحديث، ويقويه ما سبق.
قُلْتُ: وإنَّما امتنع زهدم من أكلها لأنَّه رآها تأكل نتنًا، فقد جاء عند البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩): «فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٧): «وكأنَّه ظنَّ أنَّها أكثرت من ذلك بحيث صارت جلالة فبين له أبو موسى أنَّها ليست كذلك، أو أنَّه لا يلزم من كون تلك الدجاجة التي رآها كذلك أن يكون كل الدجاج كذلك» اهـ.
[ ١٤ / ٧٧ ]
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩/ ٣٣٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى ﵁ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ فَدَعَانِي فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ نَتِنًا، قَالَ: ادْنُهْ فَكُلْ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفيه أنَّ الممتنع هو زهدم، وفي رواية الباب كنى عن نفسه.
ورواه أحمد (١٩٦٠٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ: زَهْدَمٌ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ». فذكره. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٧): «ولا يعكر عليه إلَّا ما وقع في الصحيحين مما ظاهره المغايرة بين زهدم والممتنع من أكل الدجاج ففي رواية عن زهدم: كنا عند أبي موسى فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال هلم فتلكأ. الحديث. فإنَّ ظاهره أنَّ الداخل دخل وزهدم جالس عند أبي موسى لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله: كنا قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى وهذا مجاز قد استعمل غيره مثله كقول ثابت البناني: خطبنا عمران
[ ١٤ / ٧٨ ]
بن حصين، أي خطب أهل البصرة ولم يدرك ثابت خطبة عمران المذكورة فيحتمل أن يكون زهدم دخل فجرى له ما ذكر وغاية ما فيه أنَّه أبهم نفسه ولا عجب فيه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن أكل الجلالة ما رواه أحمد (٧٠٣٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧) من طريق وُهَيْبٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالَةِ، عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وابن نجيح وهما مدلسان، ويشهد له ما سبق، وما سيأتي.
وروى أبو داود (٣٧٨٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
[ ١٤ / ٧٩ ]
عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أحمد (١٩٨٩، ٢٦٧١، ٢٩٥٢، ٣١٤٢، ٣١٤٣)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٤٨) من طرق عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ويحيى هو القطان، وهشام هو الدستوائي.
قُلْتُ: والجلالة إذا حبست حتى طاب لحمها جاز أكلها اتفاقًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٨):
«فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين؛ لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها» اهـ.
وقد اختلف العلماء في مقدار حبسها:
[ ١٤ / ٨٠ ]
فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٠٠) «فصل: وتزول الكراهة بحبسها اتفاقًا.
واختلف في قدره، فروي عن أحمد؛ أنَّها تحبس ثلاثًا، سواء كانت طائرًا أو بهيمة.
وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا.
وهذا قول أبي ثور، لأنَّ ما طهر حيوانًا طهر الآخر، كالذي نجس ظاهره.
والأخرى، تحبس الدجاجة ثلاثًا، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين.
وهذا قول عطاء، في الناقة والبقرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو، لأنَّهما أعظم جسمًا، وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولأبي حنيفة روايتان: الأولى أنَّ حبسها غير مؤقت، والأخرى تحبس ثلاثًا.
واستثنى الحنفية الدجاج قالوا: لأنَّها تختلط النجاسة بغيرها، ولأنَّه لا يظهر فيها النتن.
وعند الشافعية تحبس الإبل أربعين، والبقر ثلاثين، والشاة سبعة، والدجاج ثلاثًا، وإن زال الأثر بأقل من ذلك زالت الكراهة.
والأظهر أنَّها تحبس حتى يظهر زوال أثر النجاسة منها من غير تقييد.
[ ١٤ / ٨١ ]
وظاهر الأحاديث تحريم أكل الجلالة وشرب لبنها، وهي رواية عن أحمد، وذهب ﵀ في الرواية الأخرى إلى كراهة ذلك، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
ولم يكره الإمام أكلها، ورأى النهي للتقذر.
٢ - وفيه استدعاء صاحب الطعام للداخل أن يأكل معه.
* * *
[ ١٤ / ٨٢ ]
فرع: في ذكر قواعد مهمة حول المحرمات من الحيوان.
القاعدة الأولى: كل ما نص على تحريمه من الحيوان فهو حرام.
كالميته ولحم الخنزير، والمقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وما ذبح لغير الله كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
ومن ذلك أيضًا لحم الحمر الأهلية كما سبق.
القاعدة الثانية: حرمة كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٩٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ».
[ ١٤ / ٨٣ ]
وروى البخاري (٥٧٨٠)، ومسلم (١٩٣٢) عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».
وروى مسلم (١٩٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤١٦): «المخلب: بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان. في هذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنَّه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وقال مالك: يكره ولا يحرم، قال أصحابنا: المراد بذي الناب ما يتقوى به ويصطاد» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه أحمد (١٤١٩٨، ١٤٤٨٩)، وأبو داود (٣٨٠١)، والنسائي (٢٨٣٦، ٤٣٢٣)، وابن ماجه (٣٢٣٦) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: عَنِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ»، وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، ووجه الاشكال أنَّ النبي ﷺ جعل الضبع صيدًا، وهذا يدل على حل أكله مع أنَّه ذو ناب.
[ ١٤ / ٨٤ ]
وقد جمع العلماء بين الحديثين بعدة أقوال:
الأول: أنَّ حديث جابر يخصص أحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٤٨): «قُلْتُ: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة وخبر جابر خاص وخبر تحريم السباع عام» اهـ.
وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥): «والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلَّا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلًا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعنى شريعة التنزيل لا شريعة التأويل» اهـ.
الثاني: حمل حديث النهي على العادي من السباع غالبًا دون من لا يعدوا غالبًا كالضبع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٢): «اختلف الفقهاء في معنى قول رسول الله ﷺ أكل كل ذي ناب من السباع حرام
[ ١٤ / ٨٥ ]
فقال منهم قائلون إنَّما أراد رسول الله ﷺ بقوله هذا ما كان يعدو على الناس مثل الأسد والذيب والنمر والكلب العادي وما أشبه ذلك مما الأغلب في طبعه أن يعدو وما كان الأغلب من طبعه أنَّه لا يعدو فليس مما عناه رسول الله ﷺ بقوله هذا وإذا لم يكن يعدو فلا بأس بأكله واحتجوا بحديث الضبع في إباحة أكله وهي سبع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٢١): «تنبيه: هذا الخلاف إنَّما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب، وأمَّا ما ليس كذلك فجل أقوال الناس فيه: الكراهة. وحيث صار أحد من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع؟ فإنَّما ذلك لأنَّه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عاد، وذلك كاختلافهم في الضبع، والثعلب، والهر وشبهها. فرآها قوم من السباع فحكموا بتحريمها، وأجاز أكلها: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول علي، وجماعة من الصحابة، وكرهها مالك. حكى ذلك القاضي عياض» اهـ.
الثالث: أنَّ الضبع خارج عن مسمى السباع فلا يدخل في أحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
[ ١٤ / ٨٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٦): «ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال فإنَّه إنَّما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد وأمَّا الضبع فإنَّما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أنَّ السباع أخص من ذوات الأنياب والسبع إنَّما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها فإنَّ الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أنَّ القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفًا والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ] (١/ ٢٣٥): «ولم يحرم عليهم الضبع وإن كان ذا ناب فإنَّه ليس من السباع عند أحد من الأمم والتحريم إنَّما كان لما تضمن الوصفين أن يكون ذا ناب وأن يكون من السباع، ولا يقال هذا ينتقض بالسبع إذا لم يكن له ناب لأنَّ هذا لم يوجد أبدًا فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم فأوضح الأحكام وبين الحلال والحرام» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن الأجوبة. والله أعلم.
[ ١٤ / ٨٧ ]
الرابع: أنَّ حديث جابر غاية ما فيه أنَّ الضبع صيد فيه الجزاء وليس فيه أنَّه يحل أكله، فالجمع بين الحديثين أن يقال: الضبع صيد لحديث جابر، ولا يجوز أكله لأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥) - متكلمًا على لسان المحرمين لأكل الضبع -:
«قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله ﷺ ذوات الأنياب والضبع لا يخرج عن هذا وهذا، وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنَّها صيد يفدي في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلبًا فقال: عليه الجزاء هي صيد، ولكن لا يؤكل، وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن ثعلب فقال: الثعلب سبع، فقد نص على أنَّه سبع وأنَّه يفدي في الإحرام ولما جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا ظن جابر أنَّه يؤكل فأفتى به» اهـ.
[ ١٤ / ٨٨ ]
قُلْتُ: وسلك الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ مسلك الترجيح فقال في [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٥): «والحجة لمالك وأصحابه في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع عموم النهي عن ذلك ولم يخص رسول الله ﷺ سبعًا من سبع فكل ما وقع عليه اسم سبع فهو داخل تحت النهي على ما يوجبه الخطاب وتعرفه العرب من لسانها في مخاطباتها وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع لأنَّه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار وليس بمشهور بنقل العلم ولا من يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه وقد روى النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة عن أبي هريرة وأبي ثعلبة وغيرهما عن النبي ﷺ روى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الذين تسكن النفس إلى ما نقلوه ومحال أن يعارضوا بحديث ابن أبي عمار» اهـ.
قُلْتُ: عبد الرحمن بن أبي عمار وثقه ابن المديني، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، ولا أعلم أحدًا طعن فيه، غير أنَّ أبا حاتم قال فيه: صالح الحديث. ثم إنَّ الجمع مقدم على الترجيح عند أهل العلم، والجمع بين ذلك ممكن كما سبق بيان ذلك.
[ ١٤ / ٨٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢١): «قال ابن عبد البر: هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع؛ لأنَّه أقوى منه.
قلنا: هذا تخصيص لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص؛ بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد» اهـ.
قُلْتُ: وقد نقل الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢١) - نزاع العلماء في أكل الضبع - فقال:
«فصل: فأمَّا الضبع: فرويت الرخصة فيها عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق.
وقال عروة: مازالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسًا.
وقال أبو حنيفة والثوري ومالك: هو حرام.
وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأنَّها من السباع، وقد نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وهي من السباع، فتدخل في عموم النهي» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عند المالكية أنَّ الإمام مالك يكره ذلك ولا يحرمه.
[ ١٤ / ٩٠ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٩): «الضبع والثعلب مباحان عندنا وعند أحمد وداود، وحرمهما أبو حنيفة، وقال مالك يكرهان، وممن قال بإباحة الضبع علي بن أبي طالب وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وخلائق من الصحابة والتابعين، وممن أباح الثعلب طاووس وقتادة وأبو ثور» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح حل الثعلب لأنَّه لا يعد من السباع. والله أعلم.
وتنازع العلماء في الفيل، فذهب بعض العلماء إلى حرمته لأنَّه ذو ناب، ولأنَّه مسخ، ولاستخباثه، ولأنَّه ليس من طعام المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٩): «فصل: والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين.
وقال الحسن: هو مسخ. وكرهه أبو حنيفة، والشافعي. ورخص في أكله الشعبي.
ولنا، نهي النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع.
وهو من أعظمها نابًا، ولأنَّه مستخبث، فيدخل في عموم الآية المحرمة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ١٧): «ومنها الفيل وهو حرام عندنا وعند أبي حنيفة والكوفيين والحسن، وأباحه الشعبي وابن شهاب ومالك في رواية» اهـ.
[ ١٤ / ٩١ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو حل أكل الفيل لأنَّ الأصل الأشياء الحل، والقول بأنَّه ذو ناب لا يكفي في حرمته وذلك لأنَّ النبي ﷺ نهي عن كل ذي ناب من السباع، والفيل لا يعد من السباع، والقول بأنَّه مسخ مما لا دليل عليه، وتحريمه من أجل الاستخباث ليس بصحيح وهذا مما لا ينضبط فقد يستخبث الشخص ما لا يستخبثه غيره، وقد كره النبي ﷺ الضب ولم يحرمه، والخبيث الذي حرمه الله تعالى ما فيه ضرر مساوٍ أو راجح إمَّا على الدين أو البدن، وتحريمه باعتبار أنَّه ليس من طعام المسلمين فليست من الحجج المستقيمة في التحريم، ولا أعلم ما يدل على حرمة الطعام إذا لم يكن من طعام المسلمين. والله أعلم.
قُلْتُ: وفي سباع البحر نزاع بين العلماء، فذهب بعض العلماء إلى حرمة سباع البحر أخذًا بعموم الأدلة السابقة، وذهب بعض العلماء إلى حل ذلك، واحتجوا بعموم قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وبما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤١)، ومن طريقه أحمد (٧٢٣٢، ٨٧٢٠)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩، ٣٣٢، ٤٣٥٠)، وابن ماجه
[ ١٤ / ٩٢ ]
(٣٨٦، ٣٢٤٦) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ - أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٧ - ٤٢٨): «فأمَّا التمساح: فقد نقل عنه ما يدل على أنَّه لا يؤكل.
وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه.
وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح ولا الكوسج؛ لأنَّهما يأكلان الناس.
وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنَّه قال: كانوا يكرهون سباع البحر، كما يكرهون سباع البر. وذلك لنهي النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.
وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر، فهو حرام في البحر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه.
وهو قول الليث، إلَّا في كلب الماء، فإنَّه يرى إباحة كلب البر والبحر.
[ ١٤ / ٩٣ ]
وقال أبو حنيفة: لا يباح إلَّا السمك.
قال مالك: كل ما في البحر مباح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٣٢): «وأمَّا التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والأكثرون وفيه وجه» اهـ.
وألحق الشافعية بالتمساح سمك القرش والدلفين وكل ما له ناب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦١٩): «ومن المستثنى أيضًا التمساح لكونه يعدو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله القرش في البحر الملح خلافًا لما أفتي به المحب الطبري» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٦/ ٣٢٠): «ولا يؤكل عنده - يعني الشافعي - التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما له ناب لنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب» اهـ.
القاعدة الثالثة: ما دل الدليل على نجاسته فهو حرام.
ومن ذلك الحمر الأهلية. ويدل عليه ما رواه البخاري (٤١٩٨)، مسلم (١٩٤٠) واللفظ له عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
[ ١٤ / ٩٤ ]
اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أَوْ «نَجِسٌ»، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا.
ومن ذلك الكلاب، ويدل على نجاسته ما رواه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». وغيره من أحاديث الباب.
قُلْتُ: وقد حرَّم لحم الكلب عامة العلماء إلَّا قول ضعيف للإمام مالك ذهب فيه إلى الكراهة.
القاعدة الرابعة: أنَّ كل ما نهي عن بيعه فيحرم أكله.
وذلك أنَّه لو حل أكله لحل بيعه من أجل ذلك كسائر ما يحل أكله من الطعام.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ».
ورواه البخاري (٢٠٨٦) عن أبي جحيفة.
[ ١٤ / ٩٥ ]
ومن ذلك السنور، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٦٩) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ».
القاعدة الخامسة: كل ما حرم اقتناؤه حرم أكله.
وذلك أنَّه لو حل أكله لجاز اقتناؤه من أجل ذلك.
ومن أمثلة ذلك الكلاب، وقد جاء في حرمة اقتناؤها في غير ما استثناه الدليل ما رواه البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ».
وروى البخاري (٥٤٨١)، ومسلم (١٥٧٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
القاعدة السادسة: يحرم المسخ، ويحرم من الحيوان ما مسخ بعض الخلق إليه، أو ما توعد بالمسخ على صورته.
وذلك أنَّ المسخ يكون إلى حيوان خبيث، ولا يكون إلى حيوان طيب.
[ ١٤ / ٩٦ ]
ومن ذلك القردة والخنازير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
وروى البخاري (٥٥٩٠) عَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
ومما توعد بالمسخ إليه ما رواه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
[ ١٤ / ٩٧ ]
«أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
ومما يدل على حرمة المسخ ما رواه مسلم (١٩٤٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ».
وروى مسلم (١٩٥١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ، يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي، لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا، وَلَا أَنْهَى عَنْهَا».
قُلْتُ: وهذا وإن كان محمولًا على أنَّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أنَّ الله ﷿ لم يجعل لمسخ نسلًا، لكنه يدل أنَّ ما علم أنَّه من المسخ فلا يحل أكله.
[ ١٤ / ٩٨ ]
قُلْتُ: وأمَّا القرد فقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٧): «لا أعلم بين علماء المسلمين خلافًا أنَّ القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه لأنَّه مما لا منفعة فيه وما علمنا أحدًا أرخص في أكله» اهـ.
وقد جاء في ذلك ما لا يثبت وهو ما رواه ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٥٧) معلقًا عَنِ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْقِرْدِ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفي إسناده إبهام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٦): «وهو مسخ أيضًا، فيكون من الخبائث المحرمة» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ٤٢٩): «والقرد حرام أكله لأنَّ الله تعالى مسخ ناسًا عصاة عقوبة لهم» اهـ.
القاعدة السابعة: يحرم كل ما فيه ضرر على الدين، أو البدن.
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٨٠):
[ ١٤ / ٩٩ ]
«فالطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق» اهـ.
وَقَالَ (٧/ ٦٥٤): «وحرم عليهم الخبائث وهي ما يضرهم» اهـ.
وَقَال ﵀ (٢١/ ١٠): «ولما كان الله ﷾ إنَّما حرم الخبائث لما فيها من الفساد: إمَّا في العقول؛ أو الأخلاق؛ أو غيرها: ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة ولولا التأويل لاستحقوا العقوبة» اهـ.
وَقَال ﵀ (٢١/ ٥٣٦): «وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث؛ لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم أو معادهم» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو الصحيح في تفسير الخبائث، وقد ذهب بعض العلماء إلى خلاف ذلك فعند الحنابلة أنَّ الخبائث هي ما استخبثه أهل الحجاز من أهل الأمصار، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٧٨): «والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز، من أهل الأمصار؛ لأنَّهم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون
[ ١٤ / ١٠٠ ]
غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنَّهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دب ودرج، إلَّا أم حبين.
فقال: لتهن أم حبين العافية.
وما وجد في أمصار المسلمين، مما لا يعرفه أهل الحجاز، رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز، فإن لم يشبه شيئًا منها، فهو مباح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. الآية، ولقول النبي ﷺ: "وما سكت الله عنه، فهو مما عفا عنه"» اهـ.
وذهب علماء الشافعية إلى ما هو أوسع من ذلك فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٢٦ - ٢٧):
«قال أصحابنا وغيرهم: وليس المراد بالطيب هنا الحلال لأنَّه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال وليس فيه بيان وإنَّما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب وبالخبائث ما تستخبثه. قال أصحابنا: ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يسخبثونه لأنَّه يؤدى إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها وذلك يخالف قواعد الشرع. قالوا: فيجب اعتبار العرب فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنَّهم
[ ١٤ / ١٠١ ]
المخاطبون أولًا وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس. قالوا: وإنَّما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة.
قال الرافعي: وذكر جماعة أنَّ الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ لأنَّ الخطاب لهم. قال: ويشبه أن يقال يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه. قال أصحابنا: فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي: يتبع قريش لأنَّهم قطب العرب فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أوشكوا ولم يحكموا بشيء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبهًا والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان وتارة في طعم اللحم فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما: الحل. قال إمام الحرمين: وإليه ميل الشافعي.
[ ١٤ / ١٠٢ ]
والثاني: التحريم. قال أصحابنا: وإنَّما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهي عن قتله فإن وجد شيء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم قطعًا فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق والله تعالى أعلم» اهـ.
وقد رد ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٧٨ - ١٧٩):
«فلو كان معنى الطيب هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه. فعلم أنَّ الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان. وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإنَّ الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم وما يحميه الطبيب منه، ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب ولا كون العرب تعودته؛ فإنَّ مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها أو كرهته لكونه ليس في بلادها لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه. كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى. وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج إلَّا أم حبين. فقال: ليهن أم حبين العافية. ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله وكانوا يعافون
[ ١٤ / ١٠٣ ]
مطاعم لم يحرمها الله. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". فعلم أنَّ كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجبًا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم.
وأيضًا فإنَّ النبي ﷺ وأصحابه لم يحرم أحد منهم ما كرهته العرب ولم يبح كل ما أكلته العرب. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ إخبار عنه أنَّه سيفعل ذلك فأحل النبي ﷺ الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنَّها عادية باغية فإذا أكلها الناس - والغاذي شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنَّه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في هذه القاعدة السباع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٥٨٥):
«وأسباب التحريم: إمَّا القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة فأكلها يورث نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع، أو لما الله أعلم به» اهـ.
[ ١٤ / ١٠٤ ]
وَقَالَ ﵀ (١٧/ ١٧٩): «وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنَّها عادية باغية فإذا أكلها الناس - والغاذي شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان كما حرم الدم المسفوح لأنَّه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية وزيادته توجب طغيان هذه القوى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٦): «والسبع إنَّما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها فإنَّ الغاذي شبيه بالمغتذي» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك ما ثبت ضرره على البدن، كذوات السموم من حشرات الأرض كالحيات، والعقارب، وسام أبرص، والحرباء.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٧٩٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا غَالِبُ بْنُ حَجْرَةَ، حَدَّثَنِي مِلْقَامُ بْنُ التَّلِبِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَةِ الْأَرْضِ تَحْرِيمًا». فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حال غالب، وملقام.
[ ١٤ / ١٠٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ١٦): «فرع في مذاهب العلماء في حشرات الأرض كالحيات والعقارب والجعلان وبنات وردان والفار ونحوها. مذهبنا أنَّها حرام وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وقال مالك: حلال» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٧٩): «فمن المستخبثات الحشرات، كالديدان، والجعلان، وبنات وردان، والخنافس، والفأر، والأوزاغ، والحرباء، والعضاة، والجراذين، والعقارب، والحيات.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
ورخص مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، في هذا كله، إلَّا الأوزاغ، فإنَّ ابن عبد البر قال: هو مجمع على تحريمه.
وقال مالك: الحية حلال إذا ذكيت.
واحتجوا بعموم الآية المبيحة» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه لا يحرم من ذلك إلَّا ما دل الدليل على حرمته. والله أعلم.
وتنازع العلماء في القنفذ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٠): «فصل: والقنفذ حرام.
[ ١٤ / ١٠٦ ]
قال أبو هريرة: هو حرام. وكرهه مالك، وأبو حنيفة.
ورخص فيه الشافعي، والليث، وأبو ثور.
ولنا، أنَّ أبا هريرة قال: ذكر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: "هو خبيث من الخبائث". رواه أبو داود.
ولأنَّه يشبه المحرمات، ويأكل الحشرات، فأشبه الجرذ» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره ابن قدامة ﵀ رواه أحمد (٨٩٤١)، وأبو داود (٣٨٠١) من طريق سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ؟ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة عيسى بن نميلة الفزاري وجهالة أبيه، ولإبهام الراوي عن أبي هريرة.
وأثر أبي هريرة الذي ذكره المصنف لم أقف عليه، والأصل فيه الحل.
[ ١٤ / ١٠٧ ]
القاعدة الثامنة: كل ما أمر بقتله فأكله حرام.
وذلك أنَّ الأمر بالقتل على وجه الاتلاف لا الانتفاع دليل على أنَّه من الخبائث، إذ لو كان من الطيبات لما أمر بإتلافه.
ومن ذلك الفواسق، فقد روى البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».
وزاد مسلم (١١٩٨) في رواية: «الْحَيَّةُ» بدل العقرب. وفي لفظ له: «وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢): «وأمَّا "الغراب الأبقع" فهو الذي في ظهره وبطنه بياض» اهـ.
قُلْتُ: سائر أحاديث الباب عامة فيدخل فيها سائر الغربان، ويستثنى منها ما اتفق العلماء على حله وهو غراب الزرع.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨): «وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع» اهـ.
[ ١٤ / ١٠٨ ]
قُلْتُ: وليس في غراب الزرع معنىً يقتضي تحريمه فلا يأكل الخبائث ولا يعتدي على أمتعة الناس كغيره من الغربان، وقد سمى النبي ﷺ هذه الحيوانات فواسقًا لخروجها بطبعها عن سائر الحيوان بالبغي والعدوان، وهذا المعنى لا يوجد في غراب الزرع. والله أعلم.
وفي الباب ما رواه البخاري (١٨٢٨)، ومسلم (١٢٠٠) عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩١): «فهذه الخمس محرمة؛ لأنَّ النبي ﷺ أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، ولأنَّ ما يؤكل لا يحل قتله إذا قدر عليه، وإنَّما يذبح ويؤكل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٦٠٩ - ٦١٠): «فأمر النبي ﷺ بقتل ذلك في الحل والحرم وسماهن فواسق؛ لأنَّهن يفسقن: أي يخرجن على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز منهن كما لا يحترز من السباع العادية فيكون عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع وهنَّ أخبث وأحرم» اهـ.
[ ١٤ / ١٠٩ ]
ومن ذلك الأوزاغ، وقد جاء في قتلها ما رواه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ».
وفي لفظ للبخاري (٣٣٥٩) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ، وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇».
وروى أحمد (٢٥٨٦٩) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَإِذَا رُمْحٌ مَنْصُوبٌ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا الرُّمْحُ؟ فَقَالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ الْأَوْزَاغَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، جَعَلَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطْفِئُ عَنْهُ، إِلَّا الْوَزَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَنْفُخُهَا عَلَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى مسلم (٢٢٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا».
وروى البخاري (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لِلْوَزَغِ الفُوَيْسِقُ» وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
[ ١٤ / ١١٠ ]
قُلْتُ: وقد أخذت ﵂ بحديث سعد كما يدل عليه الحديث الماضي في المسند.
وروى مسلم (٢٢٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ».
وفي رواية عنده أنَّه قَالَ: «فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً».
القاعدة التاسعة: كل ما نهي عن قتله فإنَّه يحرم أكله.
وذلك أنَّه لو أبيح أكله لأبيح قتله من أجل أكله.
ومن ذلك النملة والنحلة والهدهد والصرد، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤١٥)، ومن طريقه أحمد (٣٠٦٧)، وأبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ من حيث الأصل، وإن كانت رواية عبد الرزاق معلولة.
[ ١٤ / ١١١ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ٣٠٢): «قلت لأبي زرعة: فما وجه هذا الحديث عندك؟ قال: أخطأ فيه عبد الرازق، والصحيح من حديث معمر، عن الزهري، أنَّ النبي ﷺ، مرسلًا. وأمَّا نفس الحديث فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج: عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.
قُلْتُ: أليس هشام وأبان العطار رويا عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري: أنَّ النبي ﷺ؟ قال: بلى، ولكن زيادة الحافظ على الحافظ تقبل» اهـ.
ومن ذلك الضفدع فروى أحمد (١٥٧٩٥، ١٦١١٣)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وسعيد بن خالد الذي يظهر لي أنَّه ثقة. والله علم.
[ ١٤ / ١١٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٢١): «في هذا دليل على أنَّ الضفدع محرم الأكل وأنَّه غير داخل في ما أبيح من دواب الماء فكل منهي عن قتله من الحيوان فإنَّما هو لأحد أمرين إمَّا لحرمته في نفسه كالآدمي، وإمَّا لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما، وإذا كان الضفدع ليس بمحترم كالآدمي كان النهي فيه منصرفًا إلى الوجه الآخر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان إلَّا لمأكله» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٢٧): «فصل: وكل صيد البحر مباح، إلَّا الضفدع.
وهذا قول الشافعي.
وقال الشعبي: لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٣٣): «قد ذكرنا أنَّ الصحيح من مذهبنا حل جميع ميتات البحر إلَّا الضفدع وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃.
قال: وقال مالك: يحل الجميع سواء الضفدع وغيره.
وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك» اهـ.
[ ١٤ / ١١٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٨٠): «فالحرام: ذو المخلب، كالصقر والبازي والشاهين، وما يأكل الجيف كالنسر، والرخم، واللقلق، والعقعق، والغراب الأبقع، والأسود الكبير، وما نهى عن قتله كالهدهد، والصرد، وما أمر بقتله كالحدأة والغراب» اهـ.
القاعدة العاشرة: كل ما يتغذى على الميتات والنجاسات فيحرم أكله.
وقد سبق أنَّ ذكرنا ما رواه أحمد (٧٠٣٩)، وأبو داود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧) من طريق وُهَيْبٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالَةِ، عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وابن نجيح وهما مدلسان، ويشهد له ما سبق، وما سيأتي.
[ ١٤ / ١١٤ ]
وروى أبو داود (٣٧٨٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أحمد (١٩٨٩، ٢٦٧١، ٢٩٥٢، ٣١٤٢، ٣١٤٣)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٤٨) من طرق عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ويحيى هو القطان، وهشام هو الدستوائي.
قُلْتُ: وإذا كان هذا في الجلالة الذي أكل النجاسة طارئ عليها فما كان أصل غذائه من الخبائث أولى بحرمة أكله كالنسور، والرخم، وغراب البين، وهو الأبقع، والْغُدَافُ، وهو الأسود الكبير أو الجبلي لأنَّه يسكن الجبال، والكلب، والسنور، وسائر السباع، وغير ذلك من الحيوان.
[ ١٤ / ١١٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٩١): «فصل: ويحرم منها ما يأكل الجيف، كالنسور والرخم، وغراب البين، وهو أكبر الغربان، والأبقع.
قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله ﷺ فاسقًا، والله ما هو من الطيبات» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٩/ ٢): «ولا يحل السنور لما روي أنَّ النبي ﷺ قال: "الهرة سبع" ولأنَّه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٩/ ١٨): «ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنَّه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٨٠): «فالحرام: ذو المخلب، كالصقر والبازي والشاهين، وما يأكل الجيف كالنسر، والرخم، واللقلق، والعقعق، والغراب الأبقع، والأسود الكبير» اهـ.
تنبيه: حديث: «الْهِرُّ سَبُعٌ». رواه أحمد (٨٣٢٤، ٩٧٠٦) من طريق عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْهِرُّ سَبُعٌ».
[ ١٤ / ١١٦ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عيسى بن يونس فقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود وغيرهم.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٤): «فقال أبو زرعة: لم يرفعه أبو نعيم، وهو أصح، وعيسى ليس بالقوي» اهـ.
القاعدة الحادية عشرة: كل متولد من الحيوان بين ما يحل أكله وما يحرم أكله فإنَّه حرام.
قُلْتُ: وذلك تغليبًا لجانب الحرمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣٨٣): «فصل: والبغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية؛ لأنَّها متولدة منها، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم.
وهكذا إن تولد من بين الإنسي والوحشي ولد، فهو محرم، تغليبًا للتحريم، وَالسِّمْعُ المتولد من بين الذئب والضبع، محرم.
قال قتادة: ما البغل إلَّا شيء من الحمار.
وعن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٠٨):
[ ١٤ / ١١٧ ]
«إذا تولد البغل بين فرس وحمار وحش، أو بين أتان وحصان جاز أكله وهكذا كل متولد بين أصلين مباحين؛ وإنَّما حرم ما تولد من بين حلال وحرام "كالبغل" الذي أحد أبويه حمار أهلي و"كالسِّمْع" المتولد بين الضبع والذئب "والإسبار" المتولد من بين الذئب والضبعان والله أعلم» اهـ.
وقد جاء في البغال ما رواه أحمد (١٤٨٨٣، ١٤٩٤٥)، وأبو داود (٣٧٨٩) من طريق أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، «فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو من المدلسين.
وروى ابن ماجه (٣١٩٧) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ». قُلْتُ: فَالْبِغَالُ، قَالَ: «لَا».
ورواه النسائي (٤٣٣٣) من طريق سفيان به.
قُلْتُ: رواية عبد الكريم عن عكرمة ضعيفة.
[ ١٤ / ١١٨ ]
وروى الترمذي (١٤٧٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ - الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ».
قُلْتُ: عكرمة ضعيف في روايته عن ابن أبي كثير.
قُلْتُ: حديث جابر ثابت في الصحيحين من دون ذكر البغال، فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث جابر. والله أعلم.
وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٤٨٤٤)، و[الْمُجْتَبَى] (٤٣٣١)، وابن ماجه (٣١٩٨) من طريق بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب قال فيه البخاري: «فيه نظر». وأبوه مجهول.
[ ١٤ / ١١٩ ]
وأمَّا ما رواه البزار (٤٢٦٩) حَدَّثنا أَبُو كَامِلٍ، قَال: حَدَّثنا أَبُو عَوَانة، عَنْ سِمَاك عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرة، ﵁، «أَنَّ قَوْمًا مَاتَ لَهُمْ بَغْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (٢٠٨٢٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: مَاتَ بَغْلٌ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: نَاقَةٌ، عِنْدَ رَجُلٍ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ، فَزَعَمَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِصَاحِبِهَا: «أَمَا لَكَ مَا يُغْنِيكَ عَنْهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اذْهَبْ فَكُلْهَا»، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «الصَّوَابُ نَاقَةٌ» اهـ.
قُلْتُ: تابع عفان على ذكر البغل أبو كامل الجحدري فضيل بن حسين كما سبق، وأبو الوليد الطيالسي عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٩٧٧)، ومسدد عنده وعند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٦٣٤)، و[الصُّغْرَى] (٣١١١).
وحديث حماد رواه أيضًا أبو داود (٣٨١٦) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا، نَزَلَ الْحَرَّةَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ نَاقَةً لِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدْتَهَا فَأَمْسِكْهَا فَوَجَدَهَا، فَلَمْ يَجِدْ
[ ١٤ / ١٢٠ ]
صَاحِبَهَا فَمَرِضَتْ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْحَرْهَا فَأَبَى فَنَفَقَتْ فَقَالَتْ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا، وَلَحْمَهَا، وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟»، قَالَ: لَا قَالَ: «فَكُلُوهَا» قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: هَلَّا كُنْتَ نَحَرْتَهَا قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ.
فهذا الحديث محمول على أنَّهم بلغوا إلى حال الاضطرار.
القاعدة الثانية عشرة: كل ما لا يقدر على ذكاته لا يحل أكله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ٤٠٥): «مسألة: ولا يحل أكل الحلزون البري، ولا شيء من الحشرات كلها كالوزغ والخنافس، والنمل، والنحل، والذباب، والدبر، والدود كله طيارة وغير طيارة والقمل، والبراغيث، والبق، والبعوض وكل ما كان من أنواعها لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. وقد صح البرهان على أنَّ الذكاة في المقدور عليه لا تكون إلَّا في الحلق أو الصدر، فما لم يقدر فيه على ذكاة فلا سبيل إلى أكله: فهو حرام، لامتناع أكله إلَّا ميتة غير مذكى.
وبرهان آخر: في كل ما ذكرنا أنَّهما قسمان: قسم مباح قتله: كالوزغ، والخنافس، والبراغيث، والبق، والدبر; وقسم محرم قتله: كالنمل، والنحل، فالمباح قتله لا
[ ١٤ / ١٢١ ]
ذكاة فيه، لأنَّ قتل ما تجوز فيه الذكاة إضاعة للمال، وما لا يحل قتله لا تجوز فيه الذكاة» اهـ.
قلت: وهذا قول قوي فما لا يذكى لا يحل أكله إلَّا حيوان البحر والجراد، وبناء على هذا فما يسميه الناس في هذه البلاد بـ"الشظو" وهي حشرات طائرة تخرج بعد المطر فالأظهر حرمتها، وهو ظاهر مذهب الجمهور، وظاهر مذهب الإمام مالك حلها.
وقد أجاز أكلها بعض المعاصرين ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيَن ﵀ فَقَدَ قَالَ فِي [الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ] (١٥/ ٥٧):
«ولو وجدنا غير الجراد مما أباح الله وليس فيه دم، فحكمه حكم الجراد.
ويوجد الآن أشياء تطير في المزارع شبيهة بالجراد، فهذه - أيضًا - إذا أخذ منها شيء وجمع، وأُكل بعد أن يشوى بالنار، أو يُغلى بالماء صار حلالًا» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ١٢٢ ]
٣٧٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا»، أَوْ «يُلْعِقَهَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - في استحباب لعق اليد قبل مسحها أو غسلها، والعلة في ذلك التماس البركة، فقد روى مسلم (٢٠٣٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».
وروى مسلم (٢٠٣٢) عَنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا».
وفي لفظ له: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا».
وفي حديث الباب ذكر لعق اليد، فقد يكون المراد باليد الأصابع، أو يحمل في حق من أكل بجميع كفه.
[ ١٤ / ١٢٣ ]
ولعق الأصابع قبل الانتهاء من الطعام خلاف الأدب.
قَالَ مُحَمَدُ الْعِزِّيُّ ﵀ فِي [آدَابِ الْمُوَاكَلةِ] (ص: ٢٣):
«اللطاع.
واللطاع: ويسمى اللحاس، وهو الذي يلحس أصابعه ليميط عنها ودك الطعام قبل أن يفرغ من الأكل، ثم يعيدها للطعام، أمَّا بعد الفراغ فلا بأس به، على أن لا يعاود، وأفضل الحالين تعهد الأصابع بما تمسح به كل وقت كمئزر المائدة» اهـ.
وهكذا مما لا يستحسن لحس الشفتين عند الأكل.
قَالَ مُحَمَدُ الْعِزِّيُّ ﵀ فِي [آدَابِ الْمُوَاكَلةِ] (ص: ٥٠):
«البقار.
والبقار: هو الذي يخرج لسانه كالبقرة وقتًا بعد وقت للحس شفتيه، خارج فمه» اهـ.
ويلحق باليد الإناء، وقد جاء فيه ما رواه مسلم (٢٠٣٤) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ»، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ».
[ ١٤ / ١٢٤ ]
وجاء بنحوه في مسلم (٢٠٣٥) من حديث أبي هريرة.
والسلت: تتبع ما بقي فيها من الطعام، يقال سلت الدم أي مسحه.
وروى البخاري (٥٤٥٧) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ: «لَا، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ».
٢ - وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا لذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٧٨): «نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنَّه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢٦٠): «وقد عابه قوم أفسدت عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أنَّ لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنَّهم لم يعلموا أنَّ الذي علق بالإصبع أو الصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي أكلوه وازدردوه فإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذرًا كذلك. وإذا ثبت هذا فليس بعده شيء أكثر من مسه أصابعه بباطن شفتيه وهو ما
[ ١٤ / ١٢٥ ]
لا يعلم عاقل به بأسًا إذا كان المساس والممسوس جميعًا طاهرين نظيفين. وقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنَّه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر حسٍّ ولا مخبر عقل» اهـ.
٣ - وفيه استحباب مسح اليد بعد الطعام، وهذا محمول على ما إذا كان المسح يغني عن الغسل، وإلَّا فالأحسن الغسل، وقد روى أحمد (٧٥٥٩)، وأبو داود (٣٨٥٢) من طريق زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والغمر هو: الدسم والزهومة من اللحم.
وغسل اليد قبل الطعام ليس فيه سنة ثابتة وقد تنازع العلماء في ذلك، فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ٢٧): «وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنَّه ﷺ قال: "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده". وروي عنه ﷺ
[ ١٤ / ١٢٦ ]
أنَّه قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم". ولا يصح شيء منهما. وكرهه قبله كثير من أهل العلم. منهم: سفيان، ومالك، والليث. وقال مالك: هو من فعل الأعاجم. واستحثوه بعده» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣١): «قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروزي قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء. فقال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده، وكان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ قبل ذلك (٢/ ٢٣٠): «في هذه المسألة قولان لأهل العلم أحدهما: يستحب غسل اليدين قبل الطعام، والثاني: لا يستحب. وهما في مذهب أحمد وغيره، والصحيح. أنَّه لا يستحب» اهـ.
قُلْتُ: حديث سلمان رواه أحمد (٢٣٧٨٣)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٦) من طريق قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف قيس بن الربيع.
[ ١٤ / ١٢٧ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ١٠): «قال أبي: هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحًا كان حديثًا، وأبو هاشم الرماني ليس هو.
قال: ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي، عمرو بن خالد عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة، عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٧/ ٢٧٥): «قيس بن الربيع غير قوي ولم يثبت في غسل اليد قبل الطعام حديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣١): «وقال الخلال في "الجامع": عن مهنا قال سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي ﷺ "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده"؟ فقال لي أبو عبد الله: هو منكر» اهـ.
قُلْتُ: وروى مسلم (٣٧٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَامٍ» فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟».
وفي لفظ له: «أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَتَوَضَّأَ؟». وفي لفظ له: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً».
[ ١٤ / ١٢٨ ]
قُلْتُ: بوَّب النسائي على هذه الرواية الأخيرة في [الْكُبْرَى] (٤/ ١٧٠): «ترك غسل اليدين قبل الطعام» اهـ.
وروى مسلم (٦٩٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
روى أبو داود (٢٢٣)، وابن ماجه (٥٩٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٧) من طريق عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد بَّوب عليه النسائي: «غسل الجنب يديه إذا طعم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ النسائي يرى التفصيل في هذه المسألة فيذهب إلى استحباب غسل اليدين لمن أراد الأكل وهو جنب، وترك الغسل فيما سوى ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٣٠): «وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب» اهـ.
[ ١٤ / ١٢٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْآدَابِ] (ص: ١٦٤): «قال الشافعي ﵀: أولى الآداب أن يؤخذ به ما فعل رسول الله ﷺ، فأكل المرء قبل أن يغسل يديه أحب إلي ما لم يكن مس يده قذرًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٤/ ٩١): «وقوله: "أأصلي فأتوضأ"، إنكار على من عرض عليه غسل اليدين قبل الطعام، وبه استدل مالك على كراهة ذلك، وقال: إنَّه من فعل الأعاجم، وقال مثله الثوري، وقال: لم يكن من فعل السلف. وحمله غيرهما على إنكار كونه واجبًا، محتجًا بحديث رواه أبو داود وغيره عنه ﵊: "الوضوء قبل الطعام وبعده بركة"» اهـ.
قُلْتُ: الحمل على الوضوء الشرعي أصح من حمله على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين، ويدل عليه قوله: «أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ». فإنَّ وضوء الصلاة هو الوضوء الشرعي، ولو كان المراد به غسل اليدين لما حسن أن يجيب بذلك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٢/ ٩٢): «ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي الآن والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي، وجعل المراد غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء في كراهته غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه،
[ ١٤ / ١٣٠ ]
وحكى الكراهة عن مالك والثوري رحمهما الله تعالى. والظاهر ما قدمناه أنَّ المراد الوضوء الشرعي. والله ﷾ أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في هذه المسألة ما دلت عليه السنة من ترك غسل اليد قبل الأكل إلَّا إذا كان جنبًا، وإن كان في اليد شيء من القذر فالذي يظهر لي هو القول بمشروعية غسلها لإزالة ذلك، ولا أظن حصول نزاع في ذلك، وقد صرح الشافعي بغسل اليد إذا كان فيها قذرًا كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] تحت رقم (١٩٨): «قُلْتُ: وينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على اليدين من الأوساخ ما يستدعي غسلهما، وإلَّا فالغسل والحالة هذه لا مسوغ للتوقف عن القول بمشروعيته، وعليه يحمل ما رواه الخلال عن أبي بكر المروذي قال: رأيت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء.
والخلاصة أنَّ الغسل المذكور ليس من الأمور التعبدية، لعدم صحة الحديث به، بل هو معقول المعنى، فحيث وجد المعنى شرع وإلَّا فلا» اهـ.
[ ١٤ / ١٣١ ]
٤ - وفيه أنَّ الآكل إذا انتهى من أكله له أن يُلعق - بضم الياء - أصابعه، واختلف في معنى إلعاقه، فقال بعض العلماء يلعقها من لا يستقذر ذلك منه كالشاة والصغير والزوجة والجارية إن كنَّ لا يستقذرن ذلك، وغيرهم.
وهناك احتمال آخر لمعنى ذلك ذكره الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فَقَالَ فِي [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨/ ٤١): «فإن لم يكن هذا شكًا منه، وكانا جميعًا محفوظين، فإنَّما أراد بلعقها صبيًا أو صبية أو من يعلم أنَّه لا يتقذرها ممن يحل له مس فمه، ويحتمل أن يكون أراد بلعق أصبعه فمه، فيكون بمعنى قوله: "يلعقها" والأخبار كلها تدل على أنَّ هذا اللعق، إنَّما هو عند الفراغ من الطعام والله أعلم» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ١٣٢ ]