٣٥١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٣٩): «والأيمان: جمع يمين وكل عقد فإنَّه يمين. قيل: سمي بذلك؛ لأنَّهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥٣): «النذور: جمع نذر، كفلس، وفلوس. وهو عبارة عن التزام فعل الطاعة بصيغ مخصوصة؛ كقوله: لله علي صوم، أو صلاة، أو صدقة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥١٦): «الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد واطلقت على الحلف لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأنَّ اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء
[ ١٣ / ٢ ]
فسمى الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمى المحلوف عليه يمينًا لتلبسه بها، ويجمع اليمين أيضًا على أيمن كرغيف وأرغف.
وعرفت شرعًا بأنَّها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله. وهذا أخصر التعاريف وأقربها.
والنذور: جمع نذر وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه الراغب بأنَّه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر» اهـ.
قُلْتُ: وتعريف النذر بذلك مبني على مذهب من يقول: إنَّ النذر لا يكون بما هو واجب بأصل الشرع، والتحقيق جواز ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٤٥ - ٣٤٧): «قد كتبت في "قاعدة العهود والعقود" القاعدة في العهود الدينية في القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية وفي "كتاب النذر" أيضًا أنَّ ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد الله عليه أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإنَّ هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه
[ ١٣ / ٣ ]
ناقض العهود والميثاق؛ وما يستحقه عاصي الله ورسوله. هذا هو التحقيق، ومن قال من أصحابنا: إنَّه إذا نذر واجبًا فهو بعد النذر كما كان قبل النذر؛ بخلاف نذر المستحب. فليس كما قال؛ بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب أولى؛ وليس هذا من باب تحصيل الحاصل؛ بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع حكم غير حكم الآخر؛ مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أم أب؛ فإنَّ فيها سببين كل منهما تستحق به السدس.
وكذلك من قال من أصحابنا: إنَّ الشروط التي هي من مقتضى العقد لا يصح اشتراطها؛ أو قال: تفسد حتى قال بعض أصحاب الشافعي إذا قال: زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسدًا لأنَّه شرط فيه الطلاق: فهذا كلام فاسد جدًا؛ فإنَّ العقود إنَّما وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ومطلق العقد له معنى مفهوم فإذا أطلق كانا قد أوجبا ما هو المفهوم منه؛ فإنَّ موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء وإنَّما أوجب الوفاء بالعقود كما أوجب الوفاء بالنذر. فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو بعرف وصرح المتعاقدان بإيجابه بلفظ خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام فيكون العاقد قد أوجبه مرتين أو جعل له
[ ١٣ / ٤ ]
إيجابًا خاصًا يستغنى به عن الإيجاب العام. وفي القرآن من هذا نظائر مثل قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن سؤال الإمارة، وهي الولاية. فيدخل فيها الولاية العامة، وما دونها من الولايات كولاية القضاء وغيرها.
وقد روى البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ﷿، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ».
وجاء في ذم الحرص على الإمارة ما رواه البخاري (٧١٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ».
[ ١٣ / ٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٢١٨): «قال المهلب: حرص الناس على الإمارة ظاهر العيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حين يصلون بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى السوء وبئس الحال؛ لأنَّه لا يخلو أن يقتل عليها أو يعزل عنها وتلحقه الذلة أو يموت عليها فيطالب في الآخرة فيندم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٢٦): «قوله: "فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". قال الداودي: "نعم المرضعة". أي: في الدنيا. "وبئست الفاطمة". أي: بعد الموت لأنَّه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: "نعم المرضعة". لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، "وبئست الفاطمة". عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى من ذلك من أخذ الإمارة أو طلبها لأنَّه لا يوجد من يقوم بها مثله، فطلبها لسد خلة في المسلمين، ولإصلاح ما ضاع من شؤونهم، أو لأنَّه لم يقم بها
[ ١٣ / ٦ ]
أحد فاضطر إلى أخذها، أو لم يوجد من يصلح لها غيره، ولهذا الاستثناء عدد حجج منها:
الحجة الأولى: طلب يوسف ﵊ لها كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ١١٤): «فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضًا للتوكل ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (٢/ ٢٧): «وأمَّا سؤال الولاية فقد ذمه ﷺ، وأمَّا سؤال يوسف وقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ فلأنَّه كان طريقًا إلى أن يدعوهم إلى الله ويعدل بين الناس ويرفع عنهم الظلم ويفعل من الخير مالم يكونوا يفعلوه مع أنَّهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتعبير الرؤيا ما يؤول إليه حال الناس ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه، وأيضًا فليست هذه إمارة محضة إنَّما هي أمانة، وقد يقال هذا شرع من قبلنا» اهـ.
[ ١٣ / ٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ٢١٥ - ٢١٧): «ودلت الآية أيضًا على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنَّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس". قال قُلْتُ: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني عمَّا في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، قال: وكأنِّي أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: " لن- أو لا نستعمل على عملنا من أراده". وذكر الحديث، خرجه مسلم أيضًا وغيره، فالجواب:
أولًا- أنَّ يوسف ﵇ إنَّما طلب الولاية لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أنَّ ذلك فرض متعين عليه فإنَّه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك
[ ١٣ / ٨ ]
عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف ﵇، فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب، لقول ﵇ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة".
وأيضًا فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنَّه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: "وكل إليها" ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: "أعين عليها".
الثاني- أنَّه لم يقل: إنِّي حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي ﷺ: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ولا قال: إنِّي جميل مليح، إنَّما قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال.
الثالث- إنَّما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
[ ١٣ / ٩ ]
الرابع- أنَّه رأى ذلك فرضًا متعينًا عليه، لأنَّه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (ص: ٤٠٧): «وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنَّه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنَّما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان موجودًا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٢١٥ - ٢١٧): «المناصب الدينية من القضاء والتعليم والفتوى والخطابة، مناصب شريفة ومهمة، والمسلمون في أشد الحاجة إليها، وإذا تخلى عنها العلماء تولاها الجهال، فضلوا وأضلوا.
فالواجب على من دعت الحاجة إليه من أهل العلم والفقه في الدين، أن يمتثل؛ لأنَّ هذه الأمور من القضاء والتدريس والخطابة والدعوة إلى الله، وأشباه ذلك من فروض الكفايات، فإذا تعينت على أحد من المؤهلين، وجبت عليه، ولم يجز له الاعتذار منها، والامتناع.
[ ١٣ / ١٠ ]
ثم لو قدر أنَّ هناك من يظهر أنَّه يكفي، وأنَّها لا تجب عليه هذه المسألة، فينبغي له أن ينظر الأصلح، كما ذكر الله سبحانه عن يوسف ﵊، أنَّه قال لملك مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ لما رأى المصلحة في توليه ذلك، طلب الولاية وهو نبي ورسول كريم، والأنبياء هم أفضل الناس، طلبها للإصلاح: يصلح أهل مصر، ويدعوهم إلى الحق.
فطالب العلم، إذا رأى المصلحة في ذلك، طلب الوظيفة ورضي بها: قضائية أو تدريسًا، أو وزارة أو غير ذلك. على أن يكون قصده الإصلاح والخير، وليس قصده الدنيا، وإنَّما يقصد وجه الله، وحسن المآب في الآخرة، وأن ينفع الناس، في دينهم أولًا، ثم في دنياهم، ولا يرضى أن يتولى المناصب الجهال، والفساق، فإذا دعي إلى منصب صالح يرى نفسه أهلًا له، وأنَّ فيه قوة عليه، فليجب إلى ذلك، وليحسن النية، وليبذل وسعه في ذلك، ولا يقل أخشى كذا، وأخشى كذا.
ومع النية الصالحة، والصدق في العمل، يوفق العبد، ويعان على ذلك، إذا أصلح لله نيته، وبذل وسعه في الخير، وفقه الله.
ومن هذا الباب حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنَّه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي. فقال النبي ﷺ: "أنت إمامهم، واقتد
[ ١٣ / ١١ ]
بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا، لا يأخذ على أذانه أجرًا". رواه الإمام أحمد. وأهل السنن، بإسناد صحيح.
فطلب ﵁ إمامة قومه للمصلحة الشرعية، ولتوجيههم للخير، وتعليمهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، مثلما فعل يوسف ﵊.
قال العلماء: إنَّما نهي عن طلب الإمرة والولاية، إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، لأنَّه خطر، كما جاء في الحديث: النهي عن ذلك، لكن متى دعت الحاجة والمصلحة الشرعية إلى طلبها جاز ذلك، لقصة يوسف عيه الصلاة والسلام، وحديث عثمان ﵁ المذكور» اهـ.
الحجة الثانية: أخذ خالد بن الوليد لها في يوم مؤتة من غير تأمير من قبل النبي ﷺ، وذلك فيما رواه البخاري (١٢٤٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ - ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ».
[ ١٣ / ١٢ ]
وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ (٣٠٦٣) على هذا الحديث فقال: «باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو».
الحجة الثالثة: ما رواه أحمد (١٦٣١٤، ١٦٣١٥، ١٦٣١٦، ١٧٩٣٦)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢) من طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٥٣): «فمن كان متعينًا للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض؛ لأنَّه فرض كفاية لا يتأدى إلَّا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين وكان أفضل من غيره ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل: فههنا يكره له أن يدخل في الولاية وأن يسألها، وحرم بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه» اهـ.
[ ١٣ / ١٣ ]
٢ - وفيه أنَّ من أعطي الولاية عن مسألة فلا يعان عليها ولكن يوكل إلى نفسه، وإن أعطيها من غير مسألة أعين عليها.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٥٧٥) حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ نَجْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ». فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة موسى بن نجدة.
٣ - وفيه مشروعية كفارة اليمين.
وهذا من رحمة الله تعالى، ولولا ذلك لكان من حلف على شيء يجب عليه فعله ولا بد ما لم يكن مما حرمه الله تعالى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥١ - ٢٥٢): «وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن تشرع الكفارة ولهذا قالت عائشة: كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين، وذلك لأنَّ اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به كما يجب بسائر العقود وأشد؛ لأنَّ قوله: أحلف بالله أو أقسم بالله ونحو ذلك: في معنى قوله أعقد بالله؛ ولهذا
[ ١٣ / ١٤ ]
عدي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في الربط والعقد فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة؛ ولهذا سماه الله عقدًا في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، فإذا كان قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضًا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة، ولهذا سمي حلها حنثًا. والحنث: هو الإثم في الأصل، فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية فإنَّما الكفارة منعته أن يوجب إثمًا.
ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضًا في كفارة الظهار بعد أن كان الظهار في الجاهلية وأول الإسلام طلاقًا، وكذلك الإيلاء كان عندهم طلاقًا، فإنَّ هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإنَّ الإيلاء إذا وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرمًا وتحريم الوطء تحريمًا مطلقًا مستلزم لزوال الملك الذي هو الطلاق، وكذلك الظهار إذا وجب التحريم فالتحريم مستلزم لزوال الملك؛ فإنَّ الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والتحلة: مصدر حللت الشيء أحله تحليلًا وتحلة كما يقال كرمته تكريمًا وتكرمة. وهذا مصدر يسمى به
[ ١٣ / ١٥ ]
المحلل نفسه الذي هو الكفارة، فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد. ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأنَّ التحلة لا تكون بعد الحنث؛ فإنَّه بالحنث تنحل اليمين؛ وإنَّما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين، وإنَّما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنَّها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله. فإذا تبين أنَّ ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلًا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار التي نبه عليها بقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ﴾» اهـ.
قُلْتُ: فإن قيل: قد جاء تسميتها كفارة وإن كانت قبل الحنث في قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم يقل: إذا حنثتم؟
فالجواب: أنَّه قدر كثير من العلماء إِضمارًا تقديره: إذا حلفتم وحنثتم.
لكن سيأتي حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وفيه تسمية الكفارة كفارة قبل الحنث، وذلك لأنَّها محلة لعقد اليمين ورافعة للإثم المترتب على نقض اليمين لولا الكفارة.
[ ١٣ / ١٦ ]
وسيأتي في كلام ابن القيم ﵀ ما يدل على تسميتها كفارة قبل الحنث وبعده وهو أظهر باعتبار الأدلة.
٤ - وفيه جواز الحنث في اليمين للانتقال إلى ما هو خير، مع كفارة اليمين.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وروى البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥) عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «وَاللهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللهُ».
قُلْتُ: يقال: لج في يمينه واستلج من اللجاج وهو الإصرار والاستمرار في حكم اليمين، وذلك كأن يلحف ألَّا يطأ زوجته، أو لا يكلمها، أو ألَّا يصل رحمه، ثم يلازم يمينه ويستمر عليها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٨): «فأخبر النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم من التكفير. "واللجاج" التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا "نذر اللجاج والغضب" فإنَّه يلج حتى يعقده
[ ١٣ / ١٧ ]
ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين أعظم إثمًا من الكفارة» اهـ.
٥ - وفيه مشروعية تقديم الكفارة على الحنث. وأصرح من هذه الرواية ما رواه أحمد (٢٠٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٧٨)، والنسائي (٣٧٨٣) من طريق الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، والحسن صرح بسماعة من عبد الرحمن بن سمرة عند النسائي.
وبهذا قال جمهور العلماء، وقالت الحنفية: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث؛ لأنَّه تكفير قبل وجود سببه، فأشبه ما لو كفر قبل اليمين، ودليل ذلك أنَّ سبب التكفير الحنث، إذ هو هتك الاسم المعظم المحترم، ولم يوجد.
ونازع الشافعي في الكفارة بالصيام فذهب إلى أنَّ الكفارة به لا تكون إلَّا بعد الحنث، لأنَّها عبادة بدنية، والأصل في العبادات البدنية أن لا تقدم على وقتها.
قُلْتُ: والجواب عن قول الحنفية، أنَّه رأي مخالف للحديث فلا يلتفت إليه، ويجاب من وجه آخر، وهو أنَّ السبب هو اليمين لا الحنث.
[ ١٣ / ١٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ١٤٥): «والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
وقول النبي ﷺ: "وكفرت عن يميني"، "وكفر عن يمينك".
وتسمية الكفارة كفارة اليمين، وبهذا ينفصل عمَّا ذكروه، فإنَّ الحنث شرط وليس بسبب، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه جائز، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق.
قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة، أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة، ويأبون تقديم الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها، والحجة في السنة، ومن خالفها محجوج بها» اهـ.
والجواب عن الشافعي: أنَّه تفريق بغير حجة.
قُلْتُ: ومن جملة الأدلة الدالة التي احتج بها بعض العلماء على مشروعية تقديم الكفارة على الحنث قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
[ ١٣ / ١٩ ]
وقد سبق قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀: «فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد. ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأنَّ التحلة لا تكون بعد الحنث؛ فإنَّه بالحنث تنحل اليمين؛ وإنَّما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين، وإنَّما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنَّها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤): «ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ ولم يذكر "من"، وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول، وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنَّما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم» اهـ.
وسيأتي قوله ﵀: «وأمَّا إذا حلف يمينًا مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على فعله باليمين وليس إيجابًا عليها فإنَّ اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنَّه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده
[ ١٣ / ٢٠ ]
بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحًا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلًا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعًا من عقدها» اهـ.
قُلْتُ: وعلى ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ فهي تحلة قبل الحنث وبعده.
وجاء في البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».
وفيه كما ترى ذكر التحلل بعد الحنث، ويمكن الخلوص من ذلك بأنَّ الواو لمطلق الجمع، والمراد بذلك الكفارة قبل الحنث، ويدل على ذلك أنَّ الحديث جاء عند البخاري (٦٧١٨)، مسلم (١٦٤٩) في رواية بتقديم الكفارة على الحنث، ولفظه: «إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». والله أعلم.
وَقَولُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀: «فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه
[ ١٣ / ٢١ ]
بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحًا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلًا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعًا من عقدها».
قُلْتُ: هذا الذي توهمه بعض الفقهاء قد ذكره أيضًا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، وقد يقال: كان الحال في أول الأمر من حلف على ترك واجب مثلًا فإنَّه يجب عليه فعله، ويجب عليه أن يحافظ على يمينه فإن فعل الواجب أثم، وإن نقض اليمين أثم فلا مفر له من الإثم فجاءت الكفارة فأسقطت عليه إثم نقض اليمين، وبقى عليه وجوب أداء الواجب، وبناء على هذا صح ما يذكره الفقهاء من أنَّ الكفارة رافعة لإثم الحنث، وتسميتها كفارة يدل على ذلك.
٦ - وقوله: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ» "يمين" نكرة في سياق الإثبات فتعم على سبيل البدل، فيدخل فيها أيمان النذر، والطلاق، والظهار، وغير ذلك.
وقد أوصلها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إلى ستة أنواع، فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٤٢):
«فالأيمان التي يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم ستة أنواع ليس لها سابع:
[ ١٣ / ٢٢ ]
أحدها: اليمين بالله وما في معناها مما فيه التزام كفر على تقدير الخبر كقوله هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا. على ما فيه من الخلاف بين الفقهاء.
الثاني: اليمين بالنذر الذي يسمى "نذر اللجاج والغضب" كقوله: علي الحج لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة إن فعلت كذا، ونحو ذلك.
الثالث: اليمين بالطلاق.
الرابع: اليمين بالعتاق.
الخامس: اليمين بالحرام كقوله علي الحرام لا أفعل كذا.
السادس: الظهار؛ كقوله: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فهذا مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم» اهـ.
وهذه الأيمان منها ما هو بصيغة القسم ومنها ما هي بصيغة الجزاء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٤٤): «"المقدمة الثانية": أنَّ هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة بصيغة الجزاء؛ لا يتصور أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين.
فالأول كقوله: والله لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني أن أفعل كذا، أو علي الحرام لا أفعل كذا؛ أو علي الحج لا أفعل.
[ ١٣ / ٢٣ ]
والثاني كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو إن فعلت كذا فامرأتي حرام، أو فهي علي كظهر أمي، أو إن فعلت كذا فعلي الحج أو فمالي صدقة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٥/ ٢٤٥): «وإذا تبين أنَّ لليمين صيغتين: صيغة القسم وصيغة الجزاء. فالمقدم في صيغة القسم مؤخر في صيغة الجزاء والمؤخر في صيغة الجزاء مقدم في صيغة القسم، والشرط المثبت في صيغة الجزاء منفي في صيغة القسم، فإنَّه إذا قال: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل فالطلاق مقدم مثبت؛ والفعل مؤخر منفي: فلو حلف بصيغة الجزاء فقال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق كان يقدم الفعل مثبتًا ويؤخر الطلاق منفيًا كما أنَّه في القسم قدم الحكم وأخر الفعل. وبهذه القاعدة تنحل مسائل من مسائل الأيمان» اهـ.
قُلْتُ: والذي يدخل في اليمين من صيغة الجزاء هو ما أريد به الحث على الفعل أو المنع منه، أو التصديق لخبر، أو تكذيبه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥٠): «إذا ثبتت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق فقد علمت أنَّ بعضها معناه معنى
[ ١٣ / ٢٤ ]
اليمين بصيغة القسم؛ وبعضها ليس معناه ذلك. فمتى كان الشرط المقصود حضًا على فعل أو منعًا منه أو تصديقًا لخبر؛ أو تكذيبًا: كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه؛ كنذر اللجاج؛ والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا اليمين بالله تعالى، فالأدلة فيه كثيرة، ومنها: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ، يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (٤٢٣٣).
وأمَّا إدخال قول القائل: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا في الحلف بالله، فقد أوضح ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٥) قال: «ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي، أو نصراني إن لم يفعل ذلك. فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلنَّ؛ لأنَّه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف بالله» اهـ.
قُلْتُ: وذلك أنَّ من قال في يمينه: والله لأفعلنَّ كذا فقد ربط الفعل بإيمانه بالله الذي هو تعظيمه وتجليله ونحو ذلك، وربط عدم الفعل ببراءته من الله، فهذا هو
[ ١٣ / ٢٥ ]
حقيقة اليمين، وإن كان ذلك لا يخطر في قلب الحالف فلهذا لم يؤاخذ به، وإذا قال شخص: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا فإنَّه بمعنى ما سبق، غير أنَّه هناك لم يصرح بلفظ البراءة من الله إذا لم يفعل، وهنا صرَّح بذلك، وهذا التصريح لا يخرجها عن حقيقة اليمين، وقد اعتبر ذلك أصحاب النبي ﷺ ذلك يمينًا، كما سيأتي في حديث أبي رافع.
وأمَّا الحلف بالنذر، وهو الذي يسميه العلماء بنذر اللجاج والغضب، فآثار الصحابة تدل على اعتباره يمينًا، فمن ذلك:
ما رواه أبو داود (٣٢٧٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ورواية ابن المسيب عن عمر مقبولة على الصحيح.
[ ١٣ / ٢٦ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٤/ ٦١): «نا محمد بن حمويه بن الحسن قال سمعت أبا طالب قال قلت لأحمد بن حنبل: سعيد بن المسيب؟ فقال ومن كان مثل سعيد بن المسيب؟ ثقة من أهل الخير، قلت سعيد عن عمر حجة قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟» اهـ.
قُلْتُ: رتاج الكعبة بابها من حيث الأصل لكن ليس المراد ها هنا الباب نفسه وإنَّما المراد أن يكون مالها هديًا إلى الكعبة.
وقول عمر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ». أي على من قال: مثل قولك، والمعنى لا يجب عليه التزام هذه اليمين، ولا يصير ما حلفت به واجبًا ولازمًا، وليس المعنى لا تنعقد يمينه، ولهذا أمره بالكفارة، ولو كانت لا تنعقد لم يأمره بها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٨١):
«وَمَقْصُودُ النَّبِيِّ ﷺ: إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيَهُ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْقَطِيعَةِ فَقَطْ أَوْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ مَا فِي الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِاسْتِدْلَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِهِ؛
[ ١٣ / ٢٧ ]
فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ السَّائِلَ مِنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ إخْرَاجِ الْمَالِ فِي كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ؛ وَلِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ» اهـ.
وما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٠٢٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٤٧٩)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٨٨) من طريق مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «يُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ به، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ أيضًا.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٠٥٣٠) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، فِي رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً؟ قَالَتْ: «كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ١٣ / ٢٨ ]
وروى البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (١٣٩٨)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٠٠٠، ١٦٠٠١)، والدارقطني (٤٣٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٨٢٩) من طريق بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ مَوْلَاتَهُ أَرَادَتْ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْهَا الْمَشْي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَحَفْصَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي مِثْلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَأَمَرُوهَا أَنْ تُكَفِّرَ يَمِينَهَا وَتُخَلِّي بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨): «وأيضًا: فإنَّ الاعتبار في الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه؛ وهذا الحالف ليس مقصوده قربة لله وإنَّما مقصوده الحض على فعل أو المنع منه وهذا معنى اليمين. فإنَّ الحالف يقصد الحض على فعل أو المنع منه ثم إذا علق ذلك الفعل بالله تعالى أجزأته الكفارة فلأن تجزئه إذا علق به وجوب عبادة أو تحريم مباح بطريق الأولى؛ لأنَّه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب حنثه أنَّه قد هتك إيمانه بالله حيث لم يف بعهده، وإذا علق به وجوب فعل أو تحريمه فإنَّما يكون موجب
[ ١٣ / ٢٩ ]
حنثه ترك واجب أو فعل محرم ومعلوم أنَّ الحنث الذي موجبه خلل في التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصي؛ فإذا كان الله قد شرع الكفارة لإصلاح ما اقتضى الحنث في التوحيد فساده ونحو ذلك وجبره فلأن يشرع لإصلاح ما اقتضى الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى.
وأيضًا: فإنَّا نقول: إنَّ موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق. والنذر نوع من اليمين، وكل نذر فهو يمين فقول الناذر: لله علي أن أفعل. بمنزلة قوله: أحلف بالله لأفعلنَّ؛ موجب هذين القولين التزام الفعل معلقًا بالله. والدليل على هذا قول النبي ﷺ: "النذر حلف". فقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج لله. بمنزلة قوله: إن فعلت كذا فو الله لأحجنَّ. وطرد هذا أنَّه إذا حلف ليفعلن برًا لزمه فعله ولم يكن له أن يكفر فإنَّ حلفه ليفعلنَّه نذر لفعله. وكذلك طرد هذا أنَّه إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحًا فقد حلف على فعلها بمنزلة ما لو قال: والله لأفعلن كذا: ولو حلف بالله ليفعلنَّ معصية أو مباحًا لزمته كفارة يمين فكذلك لو قال: آلله علي أن أفعل كذا. ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين» اهـ.
[ ١٣ / ٣٠ ]
قُلْتُ: وممن فرق بين البابين الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣١ - ١٣٣): «وأمَّا قوله: وأوجب على من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله فهذا السؤال يورد على وجهين:
أحدهما: أن يحلف ليفعلنها نحو أن يقول والله لأصومنَّ الاثنين والخميس ولأتصدقنَّ، كما يقول: لله على أن أفعل ذلك.
والثاني: أن يحلف بها كما يقول: إن كلمت فلانًا فلله علي صوم سنة وصدقة ألف.
فإن أورد على الوجه الأول فجوابه أنَّ الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام:
أحدها: التزام بيمين مجردة.
الثاني: التزام بنذر مجرد.
الثالث: التزام بيمين مؤكدة بنذر.
الرابع: التزام بنذر مؤكد بيمين.
فالأول: نحو قوله: والله لأتصدقنَّ، والثاني: نحو: لله علي أن أتصدق، والثالث: نحو: والله إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا، والرابع: نحو: إن شفى الله
[ ١٣ / ٣١ ]
مريضي فو الله لأتصدقنَّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فهذا نذر مؤكد بيمين وإن لم يقل فيه فعلي إذ ليس ذلك من شرط النذر بل إذا قال: إن سلمني الله تصدقت أو لأتصدقنَّ فهو وعد وعده الله فعليه أن يفي به وإلَّا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، فوعد العبد ربه نذر يجب عليه أن يفي له به فإنَّه جعله جزاء وشكرًا له على نعمته عليه فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء لله علي كذا، فإنَّ هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليق بشرط وقد وجد فيجب فعل المشروط عنده لالتزامه له بوعده، فإنَّ الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب وتارة يكون بالوعد وتارة يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة والالتزام بالوعد آكد من الالتزام بالشروع وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب فإنَّ الله سبحانه ذم من خالف ما التزمه له بالوعد وعاقبه بالنفاق في قلبه ومدح من وفي بما نذره له وأمر بإتمام ما شرع فيه له من الحج والعمرة فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة وإخلافه يعقب النفاق في القلب، وأمَّا إذا حلف يمينًا مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على
[ ١٣ / ٣٢ ]
فعله باليمين وليس إيجابًا عليها فإنَّ اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنَّه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحًا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلًا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعًا من عقدها فظهر الفرق بين ما التزم لله وبين ما التزم بالله، فالأول ليس فيه إلَّا الوفاء، والثاني يخير فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك، وسر هذا أنَّ ما التزم له آكد مما التزم به فإنَّ الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته، فالأول من أحكام إياك نعبد، والثاني من أحكام إياك نستعين، وإياك نعبد قسم الله من هاتين الكلمتين وإياك نستعين قسم العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي هذه بيني وبين عبدي نصفين، وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني وأنَّ ما نذره لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخير بين الوفاء به وبين التفكير لأنَّ الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته فوجب الوفاء بالقسم الأول ويخير الحالف في القسم الثاني، وهذا من أسرار الشريعة وكمالها وعظمها» اهـ.
[ ١٣ / ٣٣ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الالتزام بنذر مجرد، والالتزام بيمين مؤكدة بنذر، والالتزام بنذر مؤكد بيمين بابه واحد من حيث وجوب الوفاء به إن كان طاعة، وأمَّا الالتزام بيمين مجردة فمحل تردد، والأظهر ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ من عدم حصول الوجوب بذلك. والله أعلم.
وأمَّا الحلف بالطلاق والعتاق، فلا يظهر لي فرق بينهما وبين الحلف بالنذر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١٢٦ - ١٢٧): «فالذين قالوا: هذا يمين منعقدة. منهم من ألزم الحالف بما التزمه فألزمه إذا حنث بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق وبين غيرهما، وهو المعروف عن الشافعي، ومنهم من فرق بين النذر وغيره وهو المشهور عن أحمد، ومنهم من فرق بين الطلاق وغيره وهو أبو ثور. والصحيح أنَّ هذه الأيمان كلها فيها كفارة إذا حنث ولا يلزمه إذا حنث لا نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام. وهذا معنى أقوال الصحابة فقد ثبت النقل عنهم صريح بذلك في الحلف بالعتق والنذر. وتعليلهم وعموم كلامهم يتناول الحلف بالطلاق، وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنَّه لا يلزم الحلف بالطلاق طلاقًا كما ثبت عن طاووس
[ ١٣ / ٣٤ ]
وعكرمة وعن أبي جعفر وجعفر ابن محمد. ومن هؤلاء من ألزم الكفارة وهو الصحيح. ومنهم من لم يلزمه الكفارة.
فللعلماء في الحلف بالطلاق أكثر من أربعة أقوال:
قيل: يلزمه مطلقًا؛ كقول الأربعة.
وقيل: لا يلزمه مطلقًا؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم وغيرهما.
وقيل: إن قصد به اليمين لم يلزمه وهو أصح الأقوال؛ وهو معنى قول الصحابة» اهـ.
قُلْتُ: وعمدة المفرقين بين الطلاق والعتق وغيرهما ما ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣) حيث قال: «وفرقوا بين قوله: إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فعلي الحج؛ وبين قوله: فامرأتي طالق؛ أو فعبدي حر: بأنَّه هناك موجب القول وجوب الصدقة والحج لا وجود الصدقة والحج فإذا اقتضى الشرط وجوب ذلك كانت الكفارة بدلًا عن هذا الواجب كما يكون بدلًا عن غيره من الواجبات كما كانت في أول الإسلام بدلًا عن الصوم الواجب وبقيت بدلًا عن الصوم على العاجز عنه وكما يكون بدلًا عن الصوم الواجب في ذمة الميت؛ فإنَّ الواجب إذا كان في الذمة أمكن أن يخير بين
[ ١٣ / ٣٥ ]
أدائه وبين أداء غيره. وأمَّا العتق والطلاق فإنَّ موجب الكلام وجودهما فإذا وجد الشرط وجد العتق والطلاق وإذا وقعا لم يرتفعا بعد وقوعهما؛ لأنَّهما لا يقبلان الفسخ؛ بخلاف ما لو قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أعتق؛ فإنَّه هنا لم يعلق العتق؛ وإنَّما علق وجوبه بالشرط فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذي أوجبه على نفسه وبين الكفارة التي هي بدل عنه؛ ولهذا لو قال: إذا مت فعبدي حر. عتق بموته من غير حاجة إلى الإعتاق؛ ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور؛ إلَّا قولًا للشافعي ورواية عن أحمد، وفي بيعه الخلاف المشهور، ولو وصى بعتقه فقال: إذا مت فاعتقوه كان له الرجوع في ذلك كسائر الوصايا وكان له بيعه هنا وإن لم يجز بيع المدبر» اهـ.
وقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٠٢ - ٣٠٥):
«وجواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء المفرقون من وجهين:
أحدهما: منع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها وفي بعض صور الفروع المقيس عليها.
والثاني: بيان عدم التأثير.
[ ١٣ / ٣٦ ]
أمَّا الأول: فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فأنا محرم أو فبعيري هدي. فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والإحرام والهدي لا وجوبهما كما أنَّ المعلق في قوله: فعبدي حر وامرأتي طالق. وجود الطلاق والعتق لا وجوبهما؛ ولهذا اختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم فيما إذا قال هذا: هدي وهذا صدقة لله: هل يخرج عن ملكه أو لا يخرج؟ فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجته وعبده عن ملكه. وأكثر ما في الباب أنَّ الصدقة والهدي يتملكهما الناس بخلاف الزوجة والعبد. وهذا لا تأثير له، وكذلك لو قال: عليَّ الطلاق لأفعلنَّ كذا أو الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا فهو كقوله: علي الحج لأفعلنَّ كذا فهو جعل المحلوف به هاهنا وجوب الطلاق؛ لا وجوده كأنَّه قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق. فبعض صور الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب. كما أنَّ بعض صور الحلف بالنذر يكون المحلوف به صيغة وجود.
وأمَّا الجواب الثاني فنقول: هب أنَّ المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق والعتق والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء أليس موجب الشرط ثبوت هذا الوجوب؟ بل يجزئه كفارة يمين كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجوب بل يجزيه كفارة يمين عند وجوب الشرط فإن كان عند الشرط لا يثبت
[ ١٣ / ٣٧ ]
ذلك الوجوب كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجود؛ بل كما لو قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا؛ فإنَّ المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط؛ ثم إذا وجد الشرط لم يوجد الكفر بالاتفاق؛ بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء. ولو قال ابتداء: هو يهودي أو نصراني أو كافر يلزمه الكفر؛ بمنزلة قوله ابتداء: عبدي حر؛ وامرأتي طالق؛ وهذه البدنة هدي وعلي هدي؛ وعلي صوم يوم الخميس.
ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده كقوله: إذا هل الهلال فقد برئت من دين الإسلام لكان الواجب أنَّه يحكم بكفره؛ لكن لا يناجز الكفر؛ لأنَّ توقيته دليل على فساد عقيدته.
قيل: فالحلف بالنذر إنَّما عليه فيه الكفارة فقط. قيل: مثله في الحلف بالعتق؛ وكذلك الحلف بالطلاق كما لو قال فعلي أن أطلق امرأتي.
ومن قال: إنَّه إذا قال: فعلي أن أطلق امرأتي. لا يلزمه شيء. فقياس قوله في الطلاق لا يلزمه شيء؛ ولهذا توقف طاووس في كونه يمينًا.
وإن قيل: إنَّه يخير بين الوفاء به والتكفير فكذلك هنا يخير بين الطلاق والعتق وبين التكفير فإن وطئ امرأته كان اختيارًا للتكفير؛ كما أنَّه في الظهار يكون مخيرًا بين
[ ١٣ / ٣٨ ]
التكفير وبين تطليقها؛ فإن وطئها لزمته الكفارة؛ لكن في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر لأنَّ الظهار منكر من القول وزور حرمها عليه. وأمَّا هنا فقوله: إن فعلت فهي طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقها. أو قال والله لأطلقنها. إن لم يطلقها فلا شيء عليه؛ وإن طلقها فعليه كفارة يمين.
يبقى أن يقال: هل تجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ؟ كما لو قال: والله لأطلقنها الساعة ولم يطلقها؟ أو لا تجب إلَّا إذا عزم على إمساكها؟ أو لا تجب حتى يوجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل كالذي يخير بين فراقها وإمساكها لعيب ونحوه وكالمعتقة تحت عبده؟ أو لا تجب بحال حتى يفوت الطلاق؟.
قيل: الحكم في ذلك كما لو قال: فثلث مالي صدقة أو هدي ونحو ذلك والأقيس في ذلك أنَّه مخير بينهما على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا بأحدهما كسائر أنواع الخيار» اهـ.
قُلْتُ: وقد مضت فتوى عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، في المرأة التي جعلت كل مملوك لها حر، فأفتوها جميعًا بكفارة اليمين، وأمَّا ما ذكره
[ ١٣ / ٣٩ ]
الإمام أحمد ﵀ من أنَّ التيمي انفرد بذكر العتق ليس بصحيح فقد تابعه في ذلك أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني وغيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٨٩): «وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق ويرونه يمينًا ولا يرون الحلف بالطلاق يمينًا ويلزمون الحانث بوقوعه فإنَّه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقًا بوجه من الوجوه.
وإنَّما لم يأخذ به أحمد لأنَّه لم يصح عنده إلَّا من طريق سليمان التيمي واعتقد أنَّه تفرد به، وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري وأشعث الحمراني، ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه فلم يقل به» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥): «ولو لم ينقل في الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق؛ فإنَّه إذا كان نذر العتق الذي هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة: فالحلف بالطلاق ليس بقربة إمَّا أن تجزئ فيه الكفارة أو لا يجب فيه شيء على قول
[ ١٣ / ٤٠ ]
من يقول نذر غير الطاعة لا شيء فيه. ويكون قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقك كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله: فعبيدي أحرار. بمنزلة قوله: فعلي أن أعتقهم. على أنِّي إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق وذلك - والله أعلم - لأنَّ الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم وإنَّما ابتدعه الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم. فأحد القولين أنَّه يقع به كما تقدم. والقول الثاني أنَّه لا يلزم الوقوع. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: "أنَّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا. قُلْتُ: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري". فقد أخبر ابن طاووس عن أبيه أنَّه كان لا يراه موقعًا للطلاق وتوقف في كونه يمينًا يوجب الكفارة؛ لأنَّه من باب نذر ما لا قربة فيه. وفي كون مثل هذا يمينًا خلاف مشهور، وهذا قول أهل الظاهر: كداود وأبي محمد بن حزم؛ لكن بناء على أنَّه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق. واختلفوا في المؤجل وهو بناء على ما تقدم من أنَّ العقود لا يصح منها إلَّا ما دل نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه» اهـ.
[ ١٣ / ٤١ ]
قُلْتُ: أثر طاووس رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٤٠١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ بَاطِلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ»، قُلْتُ: أكَانَ يَرَاهُ يَمِينًا؟ قَالَ: «لَا أَدْرِي».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء عن الصحابة ما يدل على عدم وقوع الطلاق بالحلف به، وهو ما ذكره ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٩/ ٤٧٧) فَقَالَ:
«وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَرَادَ سَفَرًا فَأَخَذَهُ أَهْلُ امْرَأَتِهِ، فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ، فَجَاءَ الْأَجَلُ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: لكن رواية الحسن عن علي مرسلة كما ذهب إليه أبو زرعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٢٥ - ٢٦):
«وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ
[ ١٣ / ٤٢ ]
الْيَمِينَ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ، فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ، وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ» اهـ.
وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عدة أدلة تدل على أنَّ الحلف بالطلاق والعتق من الأيمان المكفرة فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٧ - ٣٠٧): «والدليل على هذا القول: الكتاب والسنة والأثر والاعتبار.
أمَّا الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فوجه الدلالة
[ ١٣ / ٤٣ ]
أنَّ الله قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أنَّ الله قد فرض لها تحلة، وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي ﷺ مع علمه سبحانه بأنَّ الأمة يحلفون بأيمان شتى، فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفًا للآية، كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عمومًا معنويًا مع عمومه اللفظي؛ فإنَّ اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب.
فإنَّ الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلنَّ النفس أو ليقطعنَّ رحمه أو ليمنعنَّ الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها: فإنَّه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه؛ ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه، وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضًا من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه.
[ ١٣ / ٤٤ ]
أمَّا الدين فإنَّه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين: إمَّا كراهة تنزيه أو كراهة تحريم، فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد والعشرة ما يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم، وكذلك ضرر الدنيا كما يشهد به الواقع؛ بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق، وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس؛ ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء: إنَّها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنَّها لا تحج صارت محصرة وجاز لها التحلل؛ لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه، وهذا ظاهر فيما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي؛ فإنَّ هذا في نذر اللجاج والغضب بالاتفاق كما لو قال: والله لأطلقنك أو لأعتقنَّ عبيدي؛ وإنَّما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون. وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وأيضًا: فإنَّ الله قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك يقتضي أنَّه ما من تحريم لما أحل الله إلَّا والله غفور لفاعله رحيم به، وأنَّه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم؛ لأنَّ قوله: ﴿لِمَ﴾ لأي شيء.
[ ١٣ / ٤٥ ]
استفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم، فلو كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنَّه لا يفعل شيئًا لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل.
وأيضًا: قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى؛ فإنَّه قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهذا عام لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها؛ ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا عام؛ ثم قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ وهذا عام كعموم قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. ومما يوضح عمومه أنَّهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله ﷺ: "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك". فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله. وإنَّما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز الطلاق موافقة لابن عباس لأنَّ إيقاع الطلاق ليس بحلف؛ وإنَّما
[ ١٣ / ٤٦ ]
الحلف المنعقد ما تضمن محلوفًا به ومحلوفًا عليه: إمَّا بصيغة القسم وإمَّا بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة "نذر اللجاج والغضب" فإنَّهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ عامًا في اليمين بالله واليمين بالنذر، ومعلوم أنَّ شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء.
فإن قيل: المراد في الآية اليمين بالله فقط فإنَّ هذا هو المفهوم من مطلق اليمين، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ منصرفًا إلى اليمين المعهودة عندهم وهي اليمين بالله وحينئذ فلا يعم اللفظ إلَّا المعروف عندهم. والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفًا عندهم، ولو كان اللفظ عامًا فقد علمنا أنَّه لم يدخل فيه اليمين التي ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه؛ لأنَّه ليس من اليمين المشروعة؛ لقوله: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو فليصمت". وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث.
[ ١٣ / ٤٧ ]
فيقال: لفظ "اليمين" شمل هذا كله بدليل استعمال النبي ﷺ والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله كقوله ﷺ: "النذر حلف" وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق: كفر يمينك. وكذلك فهمه الصحابة من كلام النبي ﷺ كما سنذكره. ولإدخال العلماء لذلك في قوله ﷺ: "من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك". ويدل على عمومه في الآية أنَّه سبحانه قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فاقتضى هذا أنَّ نفس تحريم الحلال يمين كما استدل به ابن عباس وغيره. وسبب نزول الآية: إمَّا تحريمه العسل، وإمَّا تحريمه مارية القبطية. وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية؛ وليس يمينًا بالله؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم - أنَّ تحريم الحلال يمين مكفرة: إمَّا كفارة كبرى كالظهار، وإمَّا كفارة صغرى كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينًا.
وأيضًا: فإنَّ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إمَّا أن يراد به: لم تحرم بلفظ الحرام؟ وإمَّا: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ وإمَّا: لم تحرمه مطلقًا؟ فإن
[ ١٣ / ٤٨ ]
أريد الأول والثالث فقد ثبت أنَّ تحريمه بغير الحلف بالله يمين فيعم. وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريمًا للحلال ومعلوم أنَّ اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية؛ لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريمًا شرطيًا لا شرعيًا فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وحينئذ فقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال لأنَّ هذا حكم ذلك الفعل فلا بد أن يطابق صوره؛ لأنَّ تحريم الحلال هو سبب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وسبب الجواب إذا كان عامًا كان الجواب عامًا لئلا يكون جوابًا عن البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم، وهذا التقدير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾.
وأيضًا: فإنَّ الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها.
وأيضًا: فنقول: على الرأس. سلمنا أنَّ اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله تعالى، وأنَّ ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم أنَّ الحلف
[ ١٣ / ٤٩ ]
بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو: والقرآن العظيم فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي ﷺ والصحابة؛ ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله في مثل قول النبي ﷺ: "أعوذ بوجهك"، و"أعوذ بكلمات الله التامات"، و"أعوذ برضاك من سخطك"، ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء. وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله؛ فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته. وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حر. فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته؛ لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإنَّ قوله: علي الحج والصوم. عقد لله؛ ولكن إذا كان حالفًا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله كما أنَّه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده لله.
[ ١٣ / ٥٠ ]
يوضح ذلك أنَّه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنَّما حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به لأنَّه يعظمه في قلبه إذا ربط به شيئًا لم يحله؛ فإذا حلَّ ما ربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه وقطع السبب الذي بينه وبينه. وكما قال بعضهم: اليمين العقد على نفسه لحق من له حق، ولهذا إذا كانت اليمين غموسًا كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وذكرها النبي ﷺ في عد الكبائر؛ وذلك أنَّه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدًا به فقد نقص الصلة التي بينه وبين ربه بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله؛ بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنَّه عقد بالله فعلًا قاصدًا لعقده على وجه التعظيم لله؛ لكن الله أباح له حل هذا العقد الذي عقده؛ كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة أو يزيل عنه وجوبها.
ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي. أو نصراني إن لم يفعل ذلك. فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلنَّ؛ لأنَّه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف بالله.
[ ١٣ / ٥١ ]
فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم أدنى حالًا من ربطه بالله. يوضح ذلك أنَّه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله وهو ما في قلبه من جلال الله وإكرامه الذي هو جد الله ومثله الأعلى في السموات والأرض، كما أنَّه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح لله وذاكر له بقدر ما في قلبه من معرفته وعبادته؛ ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله كما في قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ مع قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة به فهو مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علمًا وفضلًا وإجلالًا وإكرامًا وحكم الإيمان والكفر إنَّما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك كما قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وكما في موضع آخر: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالأيمان وارتباطه به دون قصد الحلف لكان موجبه أنَّه إذا حنث بغير أيمانه تزول حقيقته كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وكما أنَّه إذا حلف على ذلك يمينًا فاجرة كانت من الكبائر، وإذا اشترى بها مالًا معصومًا فلا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم؛ لكن الشارع
[ ١٣ / ٥٢ ]
علم أنَّ الحالف بها ليفعلنَّ أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق به لغرض الحالف باليمين الغموس فشرع له الكفارة وحل هذا العقد وأسقطها عن لغو اليمين؛ لأنَّه لم يعقد قلبه شيئًا من الجناية على إيمانه فلا حاجة إلى الكفارة.
وإذا ظهر أنَّ موجب لفظ اليمين انعقاد الفعل بهذا اليمين الذي هو إيمانه بالله فإذا عدم الفعل كان مقتضى لفظه عدم إيمانه. هذا لولا ما شرع الله من الكفارة كما أنَّ مقتضى قوله: إن فعلت كذا أوجب علي كذا. أنَّه عند الفعل يجب ذلك الفعل لولا ما شرع الله من الكفارة.
يوضح ذلك أنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال" أخرجاه في الصحيحين. فجعل اليمين الغموس في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله: والله ما فعلت كذا؛ إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على المستقبل. وطرد هذا المعنى أنَّ اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء. وبهذا يحصل الجواب عن قولهم: المراد به اليمين المشروعة.
[ ١٣ / ٥٣ ]
وأيضًا: قوله ﷾: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإنَّ السلف مجمعون أو كالمجمعين على أنَّ معناها أنَّكم لا تجعلوا الله مانعًا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفًا مستحبًا أو واجبًا، أو ليفعلنَّ مكروهًا أو حرامًا ونحوه فإذا قيل له: افعل ذلك أو لا تفعل هذا. قال: قد حلفت بالله: فيجعل الله عرضة ليمينه. فإذا كان قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعًا لهم في الحلف من البر والتقوى. والحلف بهذه الأيمان إن كان داخلًا في عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعًا من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنَّه إذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا، وإذا تبين أننا منهيون عن أن نجعل شيئًا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس فمعلوم أنَّ ذلك إنَّما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح فهو بين أمرين: إن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس، وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور؛ فقد يكون خروج أهله منه أبعد عن البر
[ ١٣ / ٥٤ ]
والتقوى من الأمر المحلوف عليه فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي فلا يخرج عن ذلك إلَّا بالكفارة.
وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة: ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه". ورواه البخاري أيضًا من حديث عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من استلج في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا" فأخبر النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم من التكفير. واللجاج التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا نذر اللجاج والغضب فإنَّه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين أعظم إثمًا من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان.
وأيضًا: فإنَّ النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك". أخرجاه في الصحيحين، وفي رواية في الصحيحين: "فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير". .
[ ١٣ / ٥٥ ]
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير" وفي رواية: "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه". وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنًا ما كان الحلف؛ فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرًا منها وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركًا لخير فيرى فعله خيرًا من تركه، أو يكون فعلًا لشر فيرى تركه خيرًا من فعله فقد أمر النبي ﷺ أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه.
وقوله هنا: "على يمين" هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمي الأمر المحلوف عليه يمينًا كما يسمى المخلوق خلقًا والمضروب ضربًا والمبيع بيعًا ونحو ذلك، وكذلك أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري في قصته وقصة أصحابه؛ لما جاءوا إلى النبي ﷺ ليستحملوه فقال: "والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه"، ثم قال: "إنِّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلاَّ أتيت الذي هو خير وتحللتها". وفي رواية في الصحيحين: "إلَّا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا
[ ١٣ / ٥٦ ]
حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير". وفي رواية لمسلم أيضًا: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير". وقد رويت هذه السنة عن النبي ﷺ من غير هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي.
فهذه نصوص رسول الله ﷺ المتواترة أنَّه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه.
وروى النسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا أتيته". وهذا صريح بأنَّه قصد تعميم كل يمين في الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أنَّ أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إنَّ الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله ﷺ يقول:
[ ١٣ / ٥٧ ]
"لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك". فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور واحتج بما سمعه من النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك". ففهم من هذا أنَّ من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنَّه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنَّما عليه الكفارة؛ كما أفتاه عمر. ولولا أنَّ هذا النذر كان عنده يمينًا لم يقل له كفر عن يمينك. وإنَّما قال ﷺ: "لا يمين ولا نذر" لأنَّ اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما قصد به التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة. وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهو أنَّ قول النبي ﷺ: "لا يمين ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم" يعم جميع ما يسمى يمينًا أو نذرًا سواء كانت اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق.
ومقصود النبي ﷺ إمَّا أن يكون نهيه عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط، أو يكون مقصوده مع ذلك لا يلزمه ما في اليمين والنذر
[ ١٣ / ٥٨ ]
من الإيجاب والتحريم، وهذا الثاني هو الظاهر؛ لاستدلال عمر بن الخطاب به؛ فإنَّه لولا أنَّ الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب ﵁ على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة؛ ولأنَّ لفظ النبي ﷺ يعم ذلك كله.
وأيضًا: فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه". رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وأبو داود ولفظه: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان؛ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر يبلغ به النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى". ورواه أيضًا من طريق عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ولفظه "فله ثنياه". والنسائي وقال: "فقد استثنى".
[ ١٣ / ٥٩ ]
ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث وقالوا: ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة؛ بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه وإنَّما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء. وإنَّما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر. وسنذكر إن شاء الله "قاعدة الاستثناء" فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". فكذلك يدخل في قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله؛ فإنَّ قوله ﷺ: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". العموم فيه مثله في قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي خير وليكفر عن يمينه". وإذا كان لفظ رسول الله ﷺ في حكم الاستثناء هو لفظه في حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير، وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء كما نص عليه أحمد في غير موضع. ومن قال: إنَّ رسول الله ﷺ قصد بقوله: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". جميع الأيمان التي
[ ١٣ / ٦٠ ]
يحلف بها من اليمين بالله وبالنذر وبالطلاق وبالعتاق وبقوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها" إنَّما قصد به اليمين بالله أو اليمين بالله والنذر. فقوله ضعيف فإنَّ حضور موجب أحد اللفظين بقلب النبي ﷺ مثل حضور موجب اللفظ الآخر إذ كلاهما لفظ واحد؛ والحكم فيهما من جنس واحد وهو رفع اليمين. إمَّا بالاستثناء وإمَّا بالتكفير».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره: الطلاق والعتاق لا يكفران. كقوله وقول غيره: لا استثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق. وأمَّا الحلف بهما فليس تكفيرًا لهما؛ وإنَّما هو تكفير للحلف بهما كما أنَّه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنَّه لم يكفر الصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي وإنَّما يكفر الحلف بهم وإلَّا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها، وكما أنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق. فإنَّ عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج والغضب؛ وليس ذلك تكفيرًا للعتق وإنَّما هو تكفير للحلف به. فلازم قول أحمد هذا أنَّه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه
[ ١٣ / ٦١ ]
الاستثناء كان الحلف بهما تصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله ﷺ كما قدمناه.
وأمَّا من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنَّما نتكلم بتقدير تسليمه وسنتكلم إن شاء الله في "مسألة الاستثناء" على حدة.
وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء: إنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه لأنَّه لا استثناء فيه لزم من هذا القول أنَّ الاستثناء في الحلف بهما. وأمَّا من فرق من أصحاب أحمد فقال: يصح في الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة. فهذا الفرق لم أعلمه منصوصًا عليه عن أحمد؛ ولكنَّهم معذورون فيه من قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين كما نص في الاستثناء في الحلف بهما على روايتين؛ لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها. ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو تفطن لكان إمَّا أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه ويعتقد أنَّها غير لوازم. والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه. فإمَّا أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات، أو نص على نفيه. وإذا نص
[ ١٣ / ٦٢ ]
على نفيه فإمَّا أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص، فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه في الاستثناء روايتان. فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهبًا؟ أو لا يسمى؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور.
فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهبًا له، والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهبًا له. والتحقيق أنَّ هذا قياس قوله ولازم قوله؛ فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه؛ ولا أيضًا بمنزلة ما ليس بلازم قوله؛ بل هو منزلة بين منزلتين. هذا حيث أمكن أن لا يلازمه.
وأيضًا: فإنَّ الله شرع الطلاق مبيحًا له أو آمرًا به أو ملزمًا له إذا أوقعه صاحبه وكذلك العتق وكذلك النذر. وهذه العقود من النذور والطلاق والعتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد أو تحريم أشياء عليه. والوجوب والتحريم إنَّما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه؛ فإنَّه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق ولو تكلم بهذه الكلمات مكرهًا لم يلزمه حكمها عندنا وعند
[ ١٣ / ٦٣ ]
الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة؛ لأنَّ مقصوده إنَّما هو دفع المكروه عنه؛ لم يقصد حكمها؛ ولا قصد التكلم بها ابتداء. فكذلك الحالف إذا قال: إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق ولا تكلم بما يوجبه ابتداء؛ وإنَّما قصده الحض على ذلك الفعل. أو منع نفسه منه كما أنَّ قصد المكره دفع المكروه عنه؛ ثم قال على طريق المبالغة في الحض والمنع: إن فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا علي حرام؛ لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما جميعًا لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه. وإذا لم يكن قاصدًا للحكم ولا لسببه وإنَّما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم.
وأيضًا: فإنَّ اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة لم يبلغني أنَّه كان يحلف بها على عهد قدماء الصحابة؛ ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي رتبها الحجاج بن يوسف وهي تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال والطلاق والعتاق. ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق وإنَّما الذي بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم.
ثم هذه البدعة قد شاعت في الأمة وانتشرت انتشارًا عظيمًا؛ ثم لما اعتقد من اعتقد أنَّ الطلاق يقع بها لا محالة: صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على الأمة ما
[ ١٣ / ٦٤ ]
هو شبيه بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل ونشأ عن ذلك خمسة أنواع من الحيل والمفاسد في الأيمان حتى اتخذوا آيات الله هزوًا، وذلك أنَّهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لا بد لهم من فعلها إمَّا شرعًا وإمَّا طبعًا، وعلى فعل أمور يصلح فعلها إمَّا شرعًا وإمَّا طبعًا، وغالب ما يحلفون بذلك في حال اللجاج والغضب. ثم فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما يزيد على كثير من أغلال اليهود، وقد قيل إنَّ الله إنَّما حرم المطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره لئلا يسارع الناس إلى الطلاق؛ لما فيه من المفسدة.
فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى فعل تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم أربعة أنواع من الحيل أخذت عن الكوفيين وغيرهم.
الحيلة الأولى في المحلوف عليه: فيتأول لهم خلاف ما قصدوه وخلاف ما يدل عليه الكلام في عرف الناس وعاداتهم. وهذا هو الذي وصفه بعض المتكلمين في الفقه ويسمونه "باب المعاياة" و"باب الحيل في الأيمان" وأكثره مما يعلم بالاضطرار من الدين أنَّه لا يسوغ في الدين ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه؛ ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان.
[ ١٣ / ٦٥ ]
الحيلة الثانية إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه احتالوا للفعل المحلوف عليه؛ بأن يأمروه بمخالعة امرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن البينونة وهذه الحيلة أحدث من التي قبلها وأظنها حدثت في حدود المائة الثالثة؛ فإنَّ عامة الحيل إنَّما نشأت عن بعض أهل الكوفة وحيلة الخلع لا تمشي على أصلهم؛ لأنَّهم يقولون: إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع به الطلاق لأنَّ المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم فيحتاج المحتال بهذه الحيلة أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه بعد انقضائها وهذا فيه ضرر عليه من جهة طول المدة. فصار يفتي بها بعض أصحاب الشافعي. وربما ركبوا معها أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من: أنَّ الخلع فسخ؛ وليس بطلاق. فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل المحلوف عليه ثم تزوجها؛ فإمَّا أن يفتوه بنقص عدد الطلاق؛ أو يفتوه بعدمه وهذا الخلع الذي هو "خلع الأيمان" شبيه بنكاح المحلل سواء؛ فإنَّ ذلك عقد عقدًا لم يقصده وإنَّما قصد إزالته وهذا فسخ فسخًا لم يقصده وإنَّما قصد إزالته وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله ابن بطة جزءًا في إبطالها وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في غير هذا الموضع.
[ ١٣ / ٦٦ ]
الحيلة الثالثة إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه احتالوا في المحلوف به فيبطلونه بالبحث عن شروطه. فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي يبحثون عن صفة عقد النكاح لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدًا؛ ليرتبوا على ذلك أنَّ الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع ومذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى روايتيه أنَّ الولي الفاسق لا يصح نكاحه والفسوق غالب على كثير من الناس فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق حتى رأيت من صنف في هذه المسألة مصنفًا مقصوده به الاحتيال لرفع الطلاق. ثم تجد هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنَّما ينظرون في صفة عقد النكاح وكون ولاية الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم إلى أنَّه يقع في الفاسد في الجملة وأمَّا عند الوطء والاستمتاع الذي أجمع المسلمون على أنَّه لا يباح في النكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك ولا ينظرون في ذلك أيضًا عند الميراث وغيره من أحكام النكاح الصحيح؛ بل عند وقوع الطلاق خاصة. وهذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوا ومن المكر في آيات الله؛ إنَّما أوجبه الحلف بالطلاق والضرورة إلى عدم وقوعه.
[ ١٣ / ٦٧ ]
الحيلة الرابعة الشرعية في إفساد المحلوف به أيضًا؛ لكن لوجود مانع؛ لا لفوات شرط؛ فإنَّ أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا أنَّه إذا قال لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي وإذا طلقتك فأنت طالق قبل ثلاثًا فإنَّه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبدًا؛ لأنَّه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق وإذا وقع المعلق امتنع وقوع المنجز فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع، وأمَّا عامة فقهاء الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك؛ بل رأوه من الزلات التي يعلم بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام؛ حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن عبد الله ﷺ أنَّ الطلاق أمر مشروع في كل نكاح وأنَّه ما من نكاح إلَّا ويمكن فيه الطلاق: وسبب الغلط أنَّهم اعتقدوا صحة هذا الكلام فقالوا: إذا وقع المنجز وقع المعلق. وهذا الكلام ليس بصحيح فإنَّه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع في الشريعة. فالكلام المشتمل على ذلك باطل؛ وإذا كان باطلًا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ لأنَّه إنَّما يلزم إذا كان التعليق صحيحًا. ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث؟ أم يبطل التعليق ولا يقع إلَّا المنجز؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على رفع الطلاق؟ أم قاله طردًا لقياس
[ ١٣ / ٦٨ ]
اعتقد صحته واحتال بها من بعده؟ لكنِّي رأيت مصنفًا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة ومقصوده بها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق. ولهذا صاغوها بقوله: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا. لأنَّه لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا لم تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان كلاهما في الدور سواء. وذلك لأنَّ الرجل إذا قال لامرأته إذا طلقتك فعبدي حر أو فأنت طالق: لم يحنث إلَّا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين؛ أو يعلقه بعدها على شرط فيوجد. فإن كل واحد من التنجيز والتعليق الذي وجد شرطه تطليق. أمَّا إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقًا؛ لأنَّ التطليق لا بد أن يصدر عن المطلق ووقوع الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلًا منه. فأمَّا إذا قال: إذا وقع عليك طلاقي. فهذا يعم المنجز والمعلق بعد هذا بشرط والواقع بعد هذا بشرط تقدم تعليقه. فصوروا المسألة بصورة قوله: إذا وقع عليك طلاقي. حتى إذا حلف الرجل بالطلاق لا يفعل شيئًا قالوا له: قل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا. فيقول ذلك فيقولون له: افعل الآن ما حلفت عليه؛ فإنَّه لا يقع عليك طلاق فهذا "التسريج" المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينًا أنَّه ليس
[ ١٣ / ٦٩ ]
من الشريعة التي بعث الله بها محمدًا ﷺ إنَّما نفقه في الغالب وأحوج كثيرًا من الناس إلَّا الحلف بالطلاق وإلَّا فلولا ذلك لم يدخل فيه أحد؛ لأنَّ العاقل لا يكاد يقصد انسداد باب الطلاق عليه إلَّا نادرًا.
الحيلة الخامسة إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال لا في المحلوف عليه قولًا ولا فعلًا ولا في المحلوف به إبطالًا ولا منعًا احتالوا لإعادة النكاح "بنكاح المحلل" الذي دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد الأصول على تحريمه وفساده ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله كما قد نبهنا على بعضه في كتاب "إقامة الدليل على بطلان التحليل" وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق؛ وإلَّا فالطلاق الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلَّا إذا قصده ومن قصده لم يترتب عليه من الندم والفساد ما يترتب على من اضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث. فهذه "المفاسد الخمس" التي هي الاحتيال على نقض الأيمان وإخراجها من مفهومها ومقصودها ثم الاحتيال بالخلع وإعادة النكاح ثم الاحتيال بالبحث عن فساد النكاح ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق ثم الاحتيال بنكاح المحلل: في هذه الأمور من المكر والخداع والاستهزاء بآيات الله واللعب الذي ينفر العقلاء عن دين الإسلام ويوجب
[ ١٣ / ٧٠ ]
طعن الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أنَّ دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات التي تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان.
وأكثر ما أوقع الناس فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها واستخراجهم لها هو حلف الناس بالطلاق واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة؛ حتى لقد فرع الكوفيون وغيرهم من فروع الأيمان شيئًا كثيرًا مبناه على هذا الأصل وكثير من الفروع الضعيفة التي يفرعها هؤلاء ونحوهم هي كما كان الشيخ أبو محمد المقدسي ﵀ يقول: مثالها مثال رجل بنى دارًا حسنة على حجارة مغصوبة فإذا نوزع في استحقاق تلك الحجارة التي هي الأساس فاستحقها غيره انهدم بناؤه؛ فإنَّ الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة وإلَّا لم يكن لها منفعة. فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه المفاسد العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار في هؤلاء شبه من أهل الكتاب كما أخبر به النبي ﷺ مع أنَّ لزوم الطلاق عند الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا اتفق عليه التابعون لهم
[ ١٣ / ٧١ ]
بإحسان والعلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول الشريعة ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة وهم ولله الحمد فوق ما يظن بهم؛ لكن لم نؤمر عند التنازع إلَّا بالرد إلى الله وإلى الرسول وقد خالفهم من ليس دونهم؛ بل مثلهم أو فوقهم. فإنَّا قد ذكرنا عن أعيان من الصحابة كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ودينه وأخته حفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة رسول الله ﷺ وهي من أمثل فقيهات الصحابة الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق والطلاق أولى منه. وذكرنا عن طاووس وهو من أفاضل علماء التابعين علمًا وفقهًا ودينًا: أنَّه لم يكن يرى اليمين بالطلاق موقعة له.
فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيًا لهذه المفاسد وحاله في الشريعة هذه الحال: كان هذا دليلًا على أنَّ ما أفضى إلى هذا الفساد لم يشرعه الله ولا رسوله كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق من يزدرعها ويستثمرها ويبيع الخضر ونحوها.
وذلك أنَّ الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه وليعقن أباه وليقتلن عدوه المسلم المعصوم وليأتين الفاحشة وليشربن الخمر وليفرقن بين المرء وزوجه ونحو
[ ١٣ / ٧٢ ]
ذلك من كبائر الإثم والفواحش فهو بين "ثلاثة أمور" إمَّا أن يفعل هذا المحلوف عليه: فهذا لا يقوله مسلم؛ لما فيه من ضرر الدنيا والآخرة مع أنَّ كثيرًا من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك سببًا لتخفيف الأمر عليه وإقامة عذره.
وإمَّا أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما استخرجه قوم من المفتين: ففي ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر في دينه والكيد له وضعف العقل والدين والاعتداء لحدوده والانتهاك لمحارمه والإلحاد في آياته: ما لا خفاء به؛ وإن كان في إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك فقد دخل من الغلط في ذلك - وإن كان مغفورًا لصاحبه المجتهد المتقي لله - ما فساده ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين.
وإمَّا أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه؛ بل يطلق امرأته كما يفعله من يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق. ففي ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما لا يأذن الله به ولا رسوله.
أمَّا "فساد الدين" فإنَّ الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء حتى قال النبي ﷺ: "إنَّ المختلعات والمنتزعات هنَّ المنافقات"
[ ١٣ / ٧٣ ]
وقال: "أيَّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". وقد اختلف العلماء هل هو محرم؟ أو مكروه؟ وفيه روايتان عن أحمد. وقد استحسنوا جواب أحمد ﵁ لما سئل عمن حلف بالطلاق وحرم ليطأن امرأته وهي حائض. فقال: يطلقها ولا يطؤها قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض. وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين: إمَّا على قوله إنَّ الطلاق ليس بحرام. وإمَّا أن يكون تحريمه دون تحريم الوطء. وإلَّا فإذا كان كلاهما حرامًا لم يخرج من حرام إلَّا إلى حرام.
وأمَّا "ضرر الدنيا" فأبين من أن يوصف؛ فإنَّ لزوم الطلاق والمحلوف به في كثير من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة في مثل هذا قط فإنَّ المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة وهي متاعه الذي قال فيها رسول الله ﷺ: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة المؤمنة إن نظرت إليها أعجبتك؛ وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك". وهي التي أمر بها النبي ﷺ في قوله: لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ؟ فقال: "لسانا ذاكرًا؛ وقلبًا شاكرًا أو امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه". رواه الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان،
[ ١٣ / ٧٤ ]
ويكون منها من المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانًا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان؛ خصوصًا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم ثم يفضي ذلك إلى القطيعة بين أقاربها ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله تعالى بها في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ ومعلوم أنَّ هذا من الحرج الداخل في عموم قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ومن العسر المنفي بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وأيضًا: فإذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان: من صدقة أو عتاقة وتعليم علم؛ وصلة رحم وجهاد في سبيل الله وإصلاح بين الناس ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها؛ فإنَّه لما عليه من الضرر العظيم في الطلاق أعظم ألَّا يفعل ذلك؛ بل ولا يؤمر به شرعًا؛ لأنَّه قد يكون الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال. وهذه المفسدة هي التي أزالها الله ورسوله بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقوله ﷺ: "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي الكفارة". فإن قيل: فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه الضرائر الثلاث فلا ينبغي
[ ١٣ / ٧٥ ]
له أن يحلف؟ قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلَّا بضرر عظيم؛ فإنَّ الله لم يحمل علينا إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا. فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجًا وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فإنَّه لا يفعل ذلك إلَّا وهو مريد الطلاق: إمَّا لكراهة المرأة أو غضب عليها ونحو ذلك. وقد جعل الله الطلاق ثلاثة فإذا كان إنَّما يتكلم بالطلاق باختياره وله ذلك ثلاث مرات: كان وقوع الضرر بمثل هذا نادرًا؛ بخلاف الأول؛ فإنَّ مقصوده لم يكن الطلاق؛ إنَّما كان أن يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى فعله أو تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه.
وأيضًا: فإنَّ الذي بعث الله تعالى به محمدًا ﷺ في "باب الأيمان" تخفيفها بالكفارة؛ لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم. فإنَّهم كانوا في الجاهلية يرون الظهار طلاقًا واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته.
[ ١٣ / ٧٦ ]
وأيضًا: فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فإنَّه ليس بينهما من الفرق إلَّا ما ذكرناه وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس بإلغاء الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين؛ وذلك أنَّ الرجل إذا قال: إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي أو فعلي أن أطلق امرأتي أو فعلي الحج أو فأنا محرم بالحج أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة فإنَّه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه؛ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق. أو فالطلاق لي لازم. أو فامرأتي طالق. أو: فعبيدي أحرار؛ فإنَّ قوله علي الطلاق لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا: فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا أو الحج لي لازم لا أفعل كذا. وكلاهما يمينان محدثان ليستا مأثورتين عن العرب ولا معروفتين عن الصحابة؛ وإنَّما المتأخرون صاغوا من هذه المعاني أيمانًا وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب تحلف بها؛ لا فرق بين هذا وهذا إلَّا أنَّ قوله: إن فعلت فمالي صدقة. يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل. وقوله: فامرأتي طالق. يقتضي وجود الطلاق. فالكلام يقتضي وقوع الطلاق بنفس الشرط وإن لم يحدث بعد هذا طلاقًا ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة» اهـ.
[ ١٣ / ٧٧ ]
قُلْتُ: وقد سبق أن نقلت كلامه على ذلك فيما مضى.
وَقَالَ -بعد ذلك- ﵀: «فصل: موجب "نذر اللجاج والغضب" عندنا أحد شيئين على المشهور إمَّا التكفير وإمَّا فعل المعلق. ولا ريب أنَّ موجب اللفظ في مثل قوله: إن فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر: هو الوجوب عند الفعل. فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم الآخر؛ كما في الواجب المخير.
وكذلك إن قال: إن فعلت كذا فعلي عتق هذا العبد؛ أو تطليق هذه المرأة أو علي أن أتصدق أو أهدي. فإنَّ ذلك يوجب استحقاق العبد للإعتاق؛ والمال للتصدق والبدنة للهدي. ولو أنَّه نجز ذلك فقال: هذا المال صدقة وهذه البدنة هدي وعلي عتق هذا العبد: فهل يخرج عن ملكه بذلك؟ أو يستحق الإخراج؟ فيه خلاف وهو يشبه قوله: هذا وقف. فأمَّا إذا قال: هذا العبد حر، وهذه المرأة طالق. فهو إسقاط؛ بمنزلة قوله: ذمة فلان بريئة من كذا، أو من دم فلان، أو من قذفي، فإنَّ إسقاط حق الدم والمال والعرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع وملك اليمين.
[ ١٣ / ٧٨ ]
فإن قال: إن فعلت فعلي الطلاق، أو فعلي العتق، أو فامرأتي طالق، أو فعبيدي أحرار. وقلنا: إنَّ موجبه أحد الأمرين؛ فإنَّه يكون مخيرًا بين وقوع ذلك وبين وجوب الكفارة كما لو قال: فهذا المال صدقة أو هذه البدنة هدي، ونظير ذلك ما لو قال: إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار، أو نسائي طوالق. وقلنا التخيير إليه؛ فإنَّه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الأمرين من الوقوع أو وجوب الكفارة. ومثال ذلك أيضًا إذا أسلم وتحته أكثر من أربع؛ أو أختان فاختار إحداهما. فهذه المواضع التي تكون الفرقة أحد اللازمين: إمَّا فرقة معين أو نوع الفرقة؛ لا يحتاج إنشاء طلاق؛ لكن لا يتعين الطلاق إلَّا بما يوجب تعيينه كما في النظائر المذكورة. ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار؟ أو من حين الحنث؟ يخرج على نظير ذلك. فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج والغضب: اخترت التكفير أو اخترت فعل المنذور: هل يتعين بالقول؟ أو لا يتعين إلَّا بالفعل؟ إن كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين الإنشاء وبين الطلاق والعتق، وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلَّا بالفعل كالتخيير بين خصال الكفارة، وإن كان بين الفعل والحكم كما في قوله: إن فعلت كذا فعبدي
[ ١٣ / ٧٩ ]
حر، أو امرأتي طالق، أو دمي هدر، أو مالي صدقة، أو بدنتي هدي: تعين الحكم بالقول ولم يتعين الفعل إلَّا بالفعل. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس للغاية قد لا تجد نظيره في كلام غيره ﵀.
وقسَّم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ صيغ الطلاق إلى ثلاثة أقسام فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٣ - ١٤):
«والصيغ ثلاثة:
صيغة إيقاع كقوله: أنت طالق: فهذه ليست يمينًا باتفاق الناس.
وصيغة قسم كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا فهذه صيغة يمين باتفاق الناس. وصيغة تعليق كقوله: إن زنيت فأنت طالق، فهذا إن قصد به الإيقاع عند وجود الصفة. بأن يكون يريد إذا زنت إيقاع الطلاق ولا يقيم مع زانية؛ فهذا إيقاع وليس بيمين، وإن قصد منعها وزجرها ولا يريد طلاقها إذا زنت فهذا يمين باتفاق الناس» اهـ.
وذكر ﵀ أنَّه لا نزاع بين العلماء في عدم وقوع العتق بمجرد الفعل فيما إذا حلف بالعتق على صيغة الإيجاب دون الإيجاد فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٨٥): «وأمَّا إذا قال: إن فعلته فعلي إذًا عتق عبدي. فاتفقوا على أنَّه لا يقع
[ ١٣ / ٨٠ ]
العتق بمجرد الفعل؛ لكن يجب عليه العتق. وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. وقيل: لا يجب عليه شيء وهو قول طائفة من التابعين وقول داود وابن حزم. وقيل: عليه كفارة يمين وهو قول الصحابة وجمهور التابعين ومذهب الشافعي وأحمد وهو مخير بين التكفير والإعتاق على المشهور عنهما» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٣/ ١٤٠ - ١٤٤):
«وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
صِيغَةُ التَّنْجِيزِ. وَالْإِرْسَالُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: صِيغَةُ قَسَمٍ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَن كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا. فَهَذَا يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّفَاقِ الْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ. الثَّالِثُ: صِيغَةُ تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ. فَهَذِهِ إنْ كَانَ قَصْدُهُ بِهِ الْيَمِينَ - وَهُوَ الَّذِي يَكْرَهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا كَمَا يَكْرَهُ الِانْتِقَالَ عَنْ دِينِهِ - إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ. أَوْ يَقُولُ الْيَهُودِيُّ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ: فَهُوَ يَمِينٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِنَّ الْيَمِينَ هِيَ مَا تَضَمَّنَتْ حَضًّا أَوْ مَنْعًا أَوْ تَصْدِيقًا أَوْ تَكْذِيبًا بِالْتِزَامِ مَا يَكْرَهُ الْحَالِفُ وُقُوعَهُ عِنْدَ
[ ١٣ / ٨١ ]
الْمُخَالَفَةِ. فَالْحَالِفُ لَا يَكُونُ حَالِفًا إلَّا إذَا كَرِهَ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ. فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ الشَّرْطَ وَحْدَهُ وَلَا يَكْرَهُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُقُوعِهِ أَوْ كَانَ يُرِيدُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُقُوعِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ أَوْ كَانَ مُرِيدًا لَهُمَا. فَأَمَّا إذَا كَانَ كَارِهًا لِلشَّرْطِ وَكَارِهًا لِلْجَزَاءِ مُطْلَقًا - يَكْرَهُ وُقُوعَهُ؛ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الشَّرْطِ؛ أَوْ لِيَحُضَّ بِذَلِكَ - فَهَذَا يَمِينٌ. وَإِنْ قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ؛ إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا زَنَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَقَصْدُهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ؛ لَا مُجَرَّدُ الْحَلِفِ عَلَيْهَا: فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينِ؛ وَلَا كَفَارَّةٍ فِي هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ؛ بَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا وَجَدَ الشَّرْطَ عِنْدَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
فَالْيَمِينُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا الْحَضَّ أَوْ الْمَنْعَ أَوْ التَّصْدِيقَ؛ أَوْ التَّكْذِيبَ - بِالْتِزَامِهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ - سَوَاءٌ كَانَتْ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ؛ أَوْ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ: يَمِينٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ يَمِينًا مِثْلَ كَوْنِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَخَبَرًا. وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ: الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا تَتَنَوَّعُ اللُّغَاتُ فِي الْأَلْفَاظِ؛ لَا فِي الْمَعَانِي؛ بَلْ مَا كَانَ مَعْنَاهُ يَمِينًا أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا عِنْدَ الْعَجَمِ فَكَذَلِكَ
[ ١٣ / ٨٢ ]
مَعْنَاهُ يَمِينٌ أَوْ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَهَذَا أَيْضًا يَمِينُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَمِينٌ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ وَيَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ. وَإِذَا كَانَ " يَمِينًا " فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْيَمِينِ إلَّا حُكْمَانِ. إمَّا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً - كَالْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ: مِثْلَ الْكَعْبَةِ وَالْمَلَائِكَةِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. فَأَمَّا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ؛ مُحْتَرَمَةٌ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ: فَهَذَا حُكْمٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا يَقُومُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَامِ. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ؛ بَلْ كَانَتْ مِنْ الْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ: فَلَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ لَا كَفَّارَةَ وَلَا غَيْرَهَا فَتَكُونُ مَهْدَرَةً.
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِلْزَامَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لِلْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ حَكَمٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَحَسَبُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ. فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ الْعَمَلُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ: فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّزَاعِ وَالْأَدِلَّةِ. وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ
[ ١٣ / ٨٣ ]
الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَانَ حَسْبُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سَائِغًا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ وَالْفُتْيَا بِهِ. أَمَّا إلْزَامُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَمَنْعُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: فَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. فَمَنْ مَنَعَ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَتَقْلِيدِ مَنْ نَفَى بِذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَهَذَا حَسْبُهُ أَنْ يُعْذَرَ؛ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَمُعَانِدٌ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إذَا ظَهَرَ لَهُ وَلَا يُصْغِي لِمَنْ يَقُولُهُ لِيَعْرِفَ مَا قَالَ؛ بَلْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ فَإِنَّهُ: إمَّا مُقَلِّدٌ وَإِمَّا مُجْتَهِدٌ. فَالْمُقَلِّدُ لَا يُنْكِرُ الْقَوْلَ الَّذِي يُخَالِفُ مَتْبُوعُهُ إنْكَارَ مَنْ يَقُولُ هُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُحْرَمَ الْقَوْلَ بِهِ وَيُوجِبَ الْقَوْلَ بِقَوْلِ سَلَفِهِ. وَالْمُجْتَهِدُ يَنْظُرُ وَيُنَاظِرُ وَهُوَ مَعَ ظُهُورِ قَوْلِهِ لَا يُسَوِّغُ قَوْلَ مُنَازِعِيهِ الَّذِي سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّهُ خَالَفَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ اتَّبَعَ هَذِهِ الْفُتْيَا فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ وَلَدُ زِنًا: كَانَ هَذَا الْقَائِلُ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْمُشَاقَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
[ ١٣ / ٨٤ ]
وَعَلَى الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى يَقْصِدُ بِهِ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: لَزِمَهُ فِعْلُهُ أَوْ الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ: كَالتَّطْلِيقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَمِثْلِ ذَلِكَ: لَمْ يَلْزَمْهُ؛ بَلْ يَجْزِيه كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ يُكْرَهُ وُقُوعُهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ كَمَا يُكْرَهُ وُقُوعُ الْكُفْرِ: فَلَا يَقَعُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وعلى ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية من أنَّ الحلف بالطلاق يعتبر يمينًا مكفرة سار أكثر كبار علماء العصر، فقد جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٠/ ١٢٧ - ١٢٨): «س ٧: رجل قدم إليه أحد أقاربه بعد أدائه عملية جراحية، فحلف عليه بالطلاق أن تموت ذبيحته، فما كان من الضيف إلاَّ أن حلف أيضًا بالطلاق أنَّه ما يذوقها. فهل يقوم الرجل الأول - الذي حلف أن تموت ذبيحة الضيف- بذبحها وتقسيمها على الضعفاء والمساكين، أم هناك كفارة لحلفه الذي حلف به؟.
ج ٧: الذي حلف بالطلاق أن يذبح شاة لإكرام قريبه ولم يذبحها- عليه أن يكفر كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم لكل مسكين ثوب، أو يعتق
[ ١٣ / ٨٥ ]
رقبة، فإن لم يجد شيئًا من هذه الثلاث صام ثلاثة أيام؛ لأنَّ الحلف بالطلاق إذا لم ينو إيقاع الطلاق يأخذ حكم اليمين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٠/ ١٢٨ - ١٢٩): «س: أنا رجل متزوج بامرأة ولي منها طفلة، وموجود هنا بالمملكة وعلي ديون وتأخرت عنها، وبسبب هذا التأخير تشاجر معي بعض إخواني في الله في التأخير، فوقع مني حلف ألا أنفق عليها، حلف بالطلاق، وبعد فترة أرسلت إليها، علما أن هذا الحلف كان وقت غضب، فهل يقع علي هذا الطلاق؟ مع العلم أنني رجعت إلى الله في هذا الحلف، واعتقدت أن هذا الحلف شرك فما رأيكم؟.
ج: الحلف بالطلاق ليس من الأيمان المشروعة، وعلى من حلف بالطلاق لإلزام نفسه بعدم فعل الواجب: أن يكفر كفارة يمين، فإن كان قصدك من حلفك
[ ١٣ / ٨٦ ]
بالطلاق منع نفسك من إرسال النفقة- وجب عليك أن تفعل الواجب، وأن تكفر كفارة يمين عن حلفك، والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام، وإن كان قصدك من الحلف بالطلاق وقوع الطلاق إن حنثت في حلفك ثم حنثت في حلفك- وقع طلقة واحدة، وجاز لك مراجعتها ما زالت في العدة، إن لم تكن هذه هي الطلقة الثالثة. ولا يسمى مثل هذا الحلف شركًا، وإنَّما هو يمين في المعنى: إذا قصد صاحبه الامتناع من الشيء، وحث نفسه على فعله. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر بن عبد الله أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٧/ ١٤): «وأمَّا "مسألة الحلف بالطلاق" وما إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا وكان حلفه بالطلاق.
[ ١٣ / ٨٧ ]
فالذي يترجح في ذلك عندنا الرواية الثانية عن أحمد ﵀ وهي عدم الوقوع، وصوب ذلك في "الإنصاف"، قال في "الفروع": وهو أظهر، وهو قول اسحاق، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀، وقال: إنَّ رواتها بقدر رواة التفريق.
وقال: إنَّه أظهر قولي الشافعي. أملاه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم. "ص - م في ٩/ ٧/ ١٣٧٣ هـ وهي بخط مدير مكتبه الخاص"» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢١/ ٢٨١): «أمَّا الحلف بالطلاق فقد كنت فيما مضى أفتي بالوقوع، ثم ظهر لي أخيرًا من نحو سنة أو أكثر قليلًا عدم الوقوع، وأفتيت بذلك مرات كثيرة إذا كان المطلق لم يرد إيقاع الطلاق عند وقوع الشرط، وإنَّما أراد معنى آخر من حث، أو منع، أو تصديق، أو تكذيب، ولا يخفى أنَّ هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٣/ ١٢٦ - ١٢٧): «واعلم أنَّه لم يرد عن الصحابة ﵃ شيء في حكم الحلف بالطلاق؛ لأنَّه غير موجود في عصرهم، لكن ورد عنهم الحلف بالنذر، بأن يقول الإنسان:
[ ١٣ / ٨٨ ]
لله علي نذر أن لا ألبس هذا الثوب، أو يقول: إن لبست هذا الثوب فللّه عليَّ نذر أن أصوم سنة، وهذا النذر عند الصحابة جعلوا حكمه حكم اليمين، فإذا كانوا جعلوا النذر الذي يقصد به المنع حكمه حكم اليمين، مع أنَّ الوفاء بالنذر واجب، فلأن يجعلوا الطلاق الذي هو مكروه حكمه حكم اليمين - إذا قصد به المنع - من باب أولى، وهذا قياس بعدم الفارق فهو من القياس الجلي؛ لأنَّ القياس الجلي هو الذي نُصَّ على علته، أو ثبتت علته بإجماع أو قُطِعَ فيه بنفي الفارق» اهـ.
وأمَّا الحلف بالحرام، فيدخل في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١، ٢].
وروى مسلم (١٤٧٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ: «يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».
ورواه البخاري (٤٩١١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فِي الحَرَامِ يُكَفَّرُ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».
[ ١٣ / ٨٩ ]
فإن قيل: الذي صدر من النبي ﷺ هو الحلف لا التحريم المحض، كما روى البخاري (٤٩١٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى، أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا».
فقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فيما مضى فقال: «وأيضًا: فإنَّ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إمَّا أن يراد به: لم تحرم بلفظ الحرام؟ وإمَّا: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ وإمَّا: لم تحرمه مطلقًا؟ فإن أريد الأول والثالث فقد ثبت أنَّ تحريمه بغير الحلف بالله يمين فيعم. وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريمًا للحلال ومعلوم أنَّ اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية؛ لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريمًا شرطيًا لا شرعيًا فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وحينئذ فقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال
[ ١٣ / ٩٠ ]
لأنَّ هذا حكم ذلك الفعل فلا بد أن يطابق صوره؛ لأنَّ تحريم الحلال هو سبب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وسبب الجواب إذا كان عامًا كان الجواب عامًا لئلا يكون جوابًا عن البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم، وهذا التقدير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾.
وأيضًا: فإنَّ الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها.
وأيضًا: فنقول: على الرأس. سلمنا أنَّ اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله تعالى، وأنَّ ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم أنَّ الحلف بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو: والقرآن العظيم فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي ﷺ والصحابة؛ ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله في مثل قول النبي ﷺ: "أعوذ بوجهك"، و"أعوذ بكلمات الله التامات"، و"أعوذ برضاك من سخطك"، ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء. وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف
[ ١٣ / ٩١ ]
بصفات الله؛ فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته. وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حر. فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته؛ لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإن قوله: علي الحج والصوم. عقد لله؛ ولكن إذا كان حالفًا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله كما أنَّه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده لله» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في سبب نزول الآية الماضية تحريم النبي ﷺ على نفسه مارية، وذلك فيما رواه النسائي (٣٩٥٩) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَرَمِيٌّ، هُوَ لَقَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
[ ١٣ / ٩٢ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وللحديث عدة طرق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٦٥٧): «فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٤): «إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا، أو نحو ذلك وله زوجة: ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف؛ ولكن القول الراجح أنَّ هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم الرجل لامرأته ففيها أكثر من عشرين مذهبًا كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀، وأحسن هذه المذاهب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٠٦):
«المذهب الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا أو معلقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول: ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاق، ولو وصله بقوله: أعنى به الطلاق.
[ ١٣ / ٩٣ ]
والثاني: يمين يلزمه به كفارة يمين، فإذا قال: أنت على حرام، أو إذا دخل رمضان، فأنت على حرام، فظهار. وإذا قال: إن سافرت، أو إن أكلت هذا الطعام أو كلمت فلانًا، فامرأتي على حرام، فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهبًا» اهـ.
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣١٣): «وأمَّا من قال: إنَّه يمين مكفرة بكل حال، فمأخذ قوله: أنَّ تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين تكفر بالنص، والمعنى، وآثار الصحابة، فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١، ٢]، ولابد أن يكون تحريم الحلال داخلًا تحت هذا الفرض، لأنَّه سببه، وتخصيص محل السبب من جملة العام ممتنع قطعًا، إذ هو المقصود بالبيان أولًا، فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان، وهو ممتنع، وهذا استدلال في غاية القوة، فسألت عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: نعم التحريم يمين كبرى في الزوجة كفارتها كفارة الظهار، ويمين صغرى فيما عداها كفارتها كفارة اليمين بالله. قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم، إنَّ التحريم يمين تكفر» اهـ.
[ ١٣ / ٩٤ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٩٢ - ٩٣): «وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله وهو أنَّه إن أوقع التحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وعليه يدل النص والقياس، فإنَّه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الايمان كما لو حلف بالتزام العتق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه ألا ترى أنَّه إذا قال: لله على أن أعتق أو أحج أو أصوم لزمه، ولو قال: إن كلمت فلانًا فالله على ذلك على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: هو يهودي او نصراني كفر بذلك، ولو قال: إن فعلت كذلك فهو يهودي أو نصراني كان يمينًا، وطرد هذا بل نظيره من كل وجه أنَّه إذا قال: أنت على كظهر أمي كان ظهارًا، فلو قال: إن فعلت كذا فأنت على كظهر أمي كان يمينًا، وطرد هذا أيضًا إذا قال: أنت طالق كان طلاقًا، وإن قال: إن فعلت كذا فانت طالق كان يمينًا فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان وبالله التوفيق» اهـ.
وأمَّا الحلف بالظهار، فهو داخل في الحلف بالحرام، وذلك أنَّ الظهار تحريم الرجل لزوجه، فإذا ظاهر الرجل من زوجه بصيغة التحريم كأن يقول: أنت علي كظهر
[ ١٣ / ٩٥ ]
أمي فهو ظهار فيه كفارة اليمين الكبرى، وإن كان بصيغة التعليق كأن يقول: إن فعلت كذا فأنت على كظهر أمي كان يمينًا فيه كفارة اليمين الصغرى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٢): «وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٨): «وقد سمى الله كل تحريم يمينًا بقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - إلى قوله - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ كما سمى الصحابة نذر اللجاج والغضب يمينًا، وهو جملة شرطية؛ نظرًا إلى المعنى. يوضح ذلك أنَّ الظهار لو كان إنشاءً محضًا لأوجب حكمه؛ ولم يكن فيه كفارة؛ إذ الكفارة لا تكون لرفع عقد أو فسخ؛ وإنَّما تكون لرفع إثم المخالفة التي تضمنها عقده؛ ولهذا لما كان كل من عقد اليمين وعقد الظهار لا يوجب الكفارة إلَّا إذا وجدت المخالفة علم أنَّه يمين» اهـ.
٧ - وفي الحديث إثبات الكفارة لمن حلف على نفسه بفعل شيء أو تركه، وهذا لا إشكال فيه، وأمَّا إذا حلف على غيره فلم يتعرض له الحديث، وفي ذلك تفصيل حرره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس سوف أذكره بطوله لكثرة فوائده.
[ ١٣ / ٩٦ ]
فَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٠٧ - ٣١٥): «فصل: جليل القدر:
اليمين المتضمنة حضًا أو منعًا لنفسه كقوله؛ لأفعلنَّ ولا أفعل. فيها معنى الطلب والخبر؛ وكذلك الوعد والوعيد بخلاف الخبر المحض كقوله: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا". أو والله ليقدمنَّ الركب. فإنَّ هذا إخبار محض بأمر سيكون كما يخبر عن الماضي بمثل ذلك؛ وبخلاف الطلب المحض؛ كقوله لغيره: افعل أو بالله افعل ونحو ذلك. إذا لم يكن منه إلَّا مجرد الطلب وهو لا يدري أيطيعه أم يعصيه؛ ولهذا لا يحسن الاستثناء في هذا الضرب ولا كفارة فيه لعدم المخالفة؛ فإنَّه طلب محض مؤكد بالله كقوله: سألتك بالله إلَّا ما فعلت أو سألتك بالله لا تفعل.
فأمَّا إذا كان المخصوص أو الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له - كعبده وزوجته وولده - فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر؛ فإنَّه لكونه مطيعًا له في العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه فطلب الفعل منهما طلبًا قرنه بالإخبار عن كونه. فقوله: لأقومنَّ غدًا. يتضمن أمرين:
أحدهما: أنِّي مريد القيام غدًا.
[ ١٣ / ٩٧ ]
والثاني: سيكون القيام غدًا؛ بخلاف القسم الخبري المحض فإنَّه بمعنى سيكون، وبخلاف القسم الطلبي المحض فإنَّه بمعنى أريد منك وأطلب منك أن تقوم، والحنث في اليمين لم يجئ لمخالفة المطلوب كما تقدم في الطلب المحض، وإنَّما جاء لمخالفة الخبر كما لو كان خبرًا محضًا عن مستقبل، والاستثناء يعلق الفعل بالمشيئة فيصير المعنى ليكونن هذا إن شاء الله فإن لم يشأ الله لم يكن مخبرًا بكونه فلا مخالفة فلا حنث؛ ولهذا يصح الاستثناء فالخبر المحض كقوله: "لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة فلتأتين كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله". والولادة ليست من فعله المقدور عليه، وكما تقول: والله ليجيء زيد إن شاء الله. فصار القائل: لأفعلنَّ كذا إن شاء الله ثلاث نيات:
تارة يكون غرضه تعليق الإرادة، والمعنى إن شاء الله كنت الساعة مريدًا له وطالبًا؛ وإلَّا فلا. فهذا لا يصح أن يكون مريدًا ولا ترتفع الكفارة بهذا وحده كما في قوله: أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شئت. أنَّ المشيئة لا يصح تعليقها فكذا هذا. فمتى قال هذا لم تكن إرادته حاصلة فهذا مثل الذي يطلب منه شيء فيقول: أعطيك إن شاء الله. فلا وعد له وإذا نوى هذا في اليمين صح لكن لا يرفع الكفارة؛ لأنَّ مخالفة الطلب لم توجب الكفارة وإنَّما أوجبه مخالفة الخبر فلو
[ ١٣ / ٩٨ ]
كان خبرًا لا طلب معه غير تعليق وجبت الكفارة. فأكثر ما في هذا انتفاء الطلب والحض من اليمين.
الثاني: أن يكون غرضه تعليق الإخبار. والمعنى أنَّ قيامي كائن إن شاء الله، أو أنَّ قيامك كائن إن شاء الله فأنا مخبر بوقوعه إن شاء الله وقوعه وإن لم يشأ فلا أخبر به. وإذا لم يخبر به فلا مخالفة فلا حنث وإن كنت مريدًا له الساعة جزمًا فهذا هو المعنى الذي يرفع الكفارة فكأنَّه قال: أنا شاك في الوقوع فلست أخبر بوقوعه جزمًا وإنَّما أخبر بوقوعه عند هذه الصفة. كقوله: لأقومنَّ إن قدم زيد وإن أعطيتني مائة ونحو ذلك وهو وعد أو وعيد معلق بشرط وإن كان الواعد أو المتواعد مريدًا في الحال لإنفاذه؛ ولهذا قلنا إنَّ قوله: لأصومنَّ غدًا إن شاء الله من رمضان لا يقدح؛ لأنَّ التعليق عاد إلى الإخبار لا إلى الإرادة. ومن الفقهاء من قال: هذا يقدح في إرادته. وهؤلاء يقولون: إنَّه إذا نوى عود الاستثناء إلى طلبه وإرادته نفعه في الكفارة أو لا ترتفع إلَّا بهذا الشرط. وعلى خاطري هنا قول لا أستثبته.
الثالث: أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنَّه جازم بإرادته وجازم بأنَّه سيكون كما لو كان خبرًا محضًا مثل قوله: لينزلنَّ ابن مريم، وليخرجنَّ الدجال،
[ ١٣ / ٩٩ ]
ولتقومنَّ الساعة. وهذه أيمان أمر الله رسوله بنوع منها كقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، فهذا ماض وحاضر وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فأمره أن يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا كقول النبي ﷺ لعمر: "لآتينه ولأطوفنَّ به". فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنَّما غرضه تحقيقه كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلَّا بمشيئة الله مثل ما لو قال: ليكوننَّ إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنَّه إن شاء الله وإن اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبرًا لهم بذلك كان متكلمًا بما لا يفيد.
فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت المخالفة، وبالنظر إلى لفظه وأنَّه إنَّما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنَّه لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله وأكد المشيئة
[ ١٣ / ١٠٠ ]
قاصدًا بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائدًا له في التألي لا معلقًا. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه، وأمَّا كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أن هذا يكون إن شاء الله وقال مع ذلك: أنا معتقد أنَّه يكون جازمًا به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنَّما وجبت لمخالفة الخبر فإنِّي لو قُلْتُ: إنِّي أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أنِّي جازم بأن هذا سيكون وأخبركم أنَّه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا اعتقادي وإلَّا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم بأنَّه سيكون إن شاء الله لم أكن جازمًا مطلقًا. وكذلك لو كان المعنى أنَّ اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنَّما المعنى أنَّ اعتقادي ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنَّه لا ينبغي لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلَّا معلقًا بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. وبهذا التقسيم يظهر قول من قال: إن نوى بالاستثناء معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ الرجل مأمور أن لا يقول لأفعلنَّه غدًا إلَّا أن يقول إن شاء الله. ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أنَّ الاستثناء الرافع للكفارة إنَّما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب؛ لا يعلق ما فيها
[ ١٣ / ١٠١ ]
من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنَّما يوجبها مخالفة الخبر وذلك لأنَّ الرفع إنَّما يكون إذا كان في المشيئة تعليق، والتعليق إنَّما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن هنا يعلم أنَّ الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره كما لا يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأنَّ الاستثناء فيها بأسرها استثناء تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله. ويخرج من هذا الاستثناء في الأيمان إن عاد إلى الموافاة فعلى بابه؛ لأنَّ إطلاق الاسم يقتضي استحقاق الجنة كما قاله ابن مسعود وخالفه فيه صاحب معاذ بتأويل صحيح وتركه جائز. وإن كان فعله أحسن من تركه. وهذا معنى كلام أحمد في … ومن أصحابنا من أوجبه كما أنَّ المرجئة تحظره ومن الناس من قد يرى تركه أحسن. فالإقسام فيه: إمَّا واجب أو مستحب أو ممنوع. حظرًا أو كراهة أو مسنونًا أو مستوي الحالتين. وبهذا الذي ذكرناه في اليمين يظهر معنى الوعد والوعيد من جواز نسخ ذلك أو الخلف فيه؛ فإنَّ من رآهما خبرًا: قال النسخ يقتضي الكذب والآخر يقول هو خبر متضمن معنى الطلب.
[ ١٣ / ١٠٢ ]
فإذا قال: إن فعلت هذا ضربتك. تضمن إنِّي مريد الساعة لضربك إذا فعلته ومخبرك به؛ فليس هو خبرًا محضًا فيكون النسخ عائدًا إلى ما فيه من الطلب تغليبًا للطلب على الخبر كما أنَّه في باب المشيئة والكفارة غلب الخبر على الطلب؛ لأنَّ الكلام إذا تضمن معنيان فقد يغلب أحدهما بحسب الضمائم؛ ولهذا فرق في الخلف بين الوعد والوعيد لأنَّ الواعد لما تضمن كلامه طلب الخبر الموعود به من نفسه في معرض المقابلة صار ذلك بمنزلة التزامه الأعواض من العقود؛ فإنَّه أمر وجب لغيره عليه فلا يجوز إبطاله والمتوعد تضمن كلامه طلب الشر المتوعد به في معرض المقابلة بمنزلة إلزامه لغيره عوضًا إذا بذل هو ما يجب عليه وما وجب له على الغير فله التزامه وله ترك التزامه.
فقولك: بعتك هذا بألف. في معنى المواعد بالألف عند حصول المبيع وفي معنى المطالب بالمبيع عند بذل الألف. فمطالبته بالوعيد الذي هو العقوبة ليس بأحسن حالًا من مطالبته بسائر الحقوق الواجبة له على سبيل المقابلة؛ فإنَّ أخذ الحقوق من الناس فيها شوب الألم فلا يخلص من نوع عقوبة وإن لم تسم بها فإنَّما الغرض تمثيل هذا بهذا فيما يجب للمتكلم وما يجب عليه فإذا كان الوعد والوعيد وإن تضمنا خبرًا فهما متضمنين طلبًا صيرهما ذلك بمنزلة الإنشاء الذي وإن كان
[ ١٣ / ١٠٣ ]
صيغته صيغة الخبر عن الماضي فهو إنشاء لأمر حاضر. وهذان وإن كان لفظهما لفظ الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب فإذا كان وعد وجب فسمي خلفه كذبًا كما قال لمن قال: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان وعيدًا لم يجب إنفاذه لتضمنه معنى بيان الاستحقاق. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد كما ذكره السلف في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وأمَّا الوعد بعد الاستحقاق فلا يجوز نسخه لأنَّه موجب المشروط.
وأمَّا قبل العمل فيتوجه جواز نسخه كفسخ التعليقات الجائزة غير اللازمة من الجعالة ونحوها؛ فإنَّه إذا قال: من رد عبدي الآبق فله درهم. فله فسخ ذلك قبل العمل. والفسخ كالنسخ. هذا فسخ لإنشاءات هي العقود المتضمنة التزام إرادة له أو عليه وهذا فسخ لطلب أيضًا. وكما أنَّ المتصور في الفسخ أنَّه رفع الحكم الذي هو الطلب أو الإذن فالفسخ رفع الحكم الذي هو الإرادة أو الإباحة وكذلك الوعد والوعيد رفع الحكم الذي هو إرادة الإعطاء أو الإباحة. فهذا كله إنَّما كان لأنَّ من الكلام ما تضمن معنى الطلب والخبر وهو الأيمان والنذور والوعد والوعيد والعقود. فهذا القسم الثالث المركب هو الذي اضطرب الناس
[ ١٣ / ١٠٤ ]
في أحكامه ولهذا قسم بعضهم الكلام إلى خبر وإنشاء ليكون الإنشاء أعم من الطلب؛ لأنَّه ينشئ طلبًا وإذنًا وما ثم غير الطلب والإذن؛ لأنَّه إمَّا أن يطلب من نفسه أو من غيره وجودًا أو عدمًا. وقد يقال: الإذن يتضمن معنى الطلب؛ لأنَّه طلب من نفسه تمكين المأذون له كما أنَّ الالتزام متضمن معنى الطلب لأنَّه جعل على نفسه حقًا يطلبه المستحق وجوبًا وهناك جعله له مباحًا. فهذا هذا. والله أعلم: فيعود الأمر إلى طلب أو خبر؛ أو مركب منهما. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين» اهـ.
فائدة: قسَّم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عقد اليمين إلى ثلاثة أقسام فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٤٧ - ٤٨):
«وأمَّا أنواع الأيمان الثلاثة:
فالأول: أن يعقد اليمين بالله.
والثاني: أن يعقدها لله.
والثالث: أن يعقدها بغير الله أو لغير الله.
فأمَّا الأول: فهو الحلف بالله. فهذه يمين منعقدة مكفرة بالكتاب والسنة والإجماع.
[ ١٣ / ١٠٥ ]
وأمَّا الثالث: وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل: أن يحلف بالطواغيت؛ أو بأبيه. أو الكعبة: أو غير ذلك من المخلوقات: فهذه يمين غير محترمة لا تنعقد ولا كفارة بالحنث فيها باتفاق العلماء».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٣/ ٤٨ - ٥٠):
«وأمَّا المعقود لله فعلى وجهين:
أحدهما: أن يكون قصده التقرب إلى الله؛ لا مجرد أن يحض أو يمنع. وهذا هو النذر فإنَّه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"كفارة النذر كفارة يمين" وثبت عنه أن قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر لله طاعة فعليه الوفاء به وإن نذر ما ليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به. وما كان محرمًا لا يجوز الوفاء به؛ لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين عند أكثر السلف وهو قول أحمد وهو قول أبي حنيفة. قيل: مطلقًا.
وقيل: إذا كان في معنى اليمين.
والثاني: أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج
[ ١٣ / ١٠٦ ]
وصوم سنة ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق. فهذا الصنف يدخل في مسائل " الأيمان " ويدخل في مسائل " الطلاق والعتاق والنذر والظهار ". وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه يلزمه ما حلف به إذا حنث؛ لأنَّه التزم الجزاء عند وجود الشرط وقد وجد الشرط فيلزمه: كنذر التبرر المعلق بالشرط.
والقول الثاني: هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث؛ لا كفارة ولا وقوع؛ لأن هذا حلف بغير الله وقد قال النبي ﷺ: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت" وفي رواية في الصحيح: "لا تحلفوا إلَّا بالله"
والقول الثالث: أنَّ هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان.
ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب - وهو الحلف بالنذر - وما عقده لله من تحريم - وهو الحلف بالطلاق والعتاق - فقالوا في الأول: عليه كفارة يمين إذا حنث. وقالوا في الثاني: يلزمه ما علقه وهو الذي حلف به إذا حنث؛ لأنَّ الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلَّا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك والملتزم في الثاني وقوع حرمة. وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة.
[ ١٣ / ١٠٧ ]
والقول الثالث: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة كما قد بسط في موضعه» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ١٠٨ ]
٣٥٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ-، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب الاستثناء في اليمين.
٢ - استحباب التحلل من اليمين والانتقال إلى ما هو خير.
٣ - وفيه مشروعية تقديم الكفارة على اليمين بناءً على أنَّ التحلل يكون في الكفارة قبل الحنث، وقد مضى القول في ذلك في شرح الحديث السابق، ويدل على ذلك أنَّ الحديث جاء عند البخاري (٦٧١٨)، مسلم (١٦٤٩) بتقديم الكفارة على الحنث، ولفظه: «إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
وقد يقال بحمل التحلل على التحلل من الإثم، كما في الحديث الذي رواه البخاري (٢٤٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ،
[ ١٣ / ١٠٩ ]
قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».
وسبق في شرح الحديث السابق قول الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٢): «فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحًا فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلًا لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعًا من عقدها» اهـ.
وسبق التعليق عليه.
قُلْتُ: وللحديث قصة، فقد رواه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَأُتِيَ - ذَكَرَ دَجَاجَةً -، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكُمْ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟
[ ١٣ / ١١٠ ]
لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، أَفَنَسِيتَ؟ قَالَ: «لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».
وروى البخاري (٤٤١٥)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ». وَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ القَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ -، فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ، أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ». فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا
[ ١٣ / ١١١ ]
أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى.
٤ - في الحديث إثبات الكفارة عند الحنث في اليمين.
ويستثنى من ذلك بعض الأيمان:
الأولى: ما يجري على اللسان من اليمين من غير قصد له.
وهو داخل في لغو اليمين والدليل على عدم لزوم الكفارة قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
[ ١٣ / ١١٢ ]
وروى البخاري (٤٦١٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ».
قُلْتُ: وفي الكفارة نزاع والصحيح عدم الكفارة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢١٢ - ٢١٥): «وأمَّا إذا سبق لسانه في المستقبل: ففيه روايتان. وهذه طريقة القاضي وابن عقيل في "الفصول"؛ واختار القاضي في "خلافه" أنَّ قوله في المستقبل لا والله بلى والله ليس بلغو وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما.
ومنهم من قال: ما يسبق على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء وفيما إذا حلف على شيء فتبين بخلافه روايتان. وهذه طريقة أبي محمد.
والصواب: أنَّ النزاع في الصورتين؛ فإنَّ الشافعي في رواية الربيع عنه يوجب الكفارة فيمن حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه؛ ولكن القول الآخر للشافعي أنَّ هذا لغو كقول الجمهور وهذا هو قول محمد بن الحسن وكذا هو ظاهر مذهب أحمد أنَّ كلا النوعين لغو لا كفارة فيه وهذا قول جمهور أهل العلم؛ ولهذا جزم أكثر أصحاب أحمد بأنَّه لا كفارة لا في هذا ولا في هذا. ولم
[ ١٣ / ١١٣ ]
يذكروا نزاعًا؛ لأنَّه نص على أنَّ كليهما لغو في جوابه كما ذكر ذلك الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما من المتقدمين. وذكر طائفة عنه في اللغو "روايتين" رواية كقول أبي حنيفة ومالك. ورواية كقول الشافعي كما ذكر ذلك طائفة: منهم ابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهما. وصرح بعض هؤلاء - كابن عقيل وغيره - بأنَّه إذا قيل: إنَّ اللغو هو أن يسبق على لسانه اليمين من غير قصد فإنَّه إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث. فلهذا صار في مذهبه عدة طرق. "طريقة القدماء" أنَّ كليهما لغو قولًا واحدًا.
"وطريقة القاضي" أنَّ الماضي لغو قولًا واحدًا وفي سبق اللسان في المستقبل روايتان وهذه الطريقة توافق مذهب أبي حنيفة ومالك.
"وطريقة أبي محمد" أنَّ سبق اللسان لغو قولًا واحدًا. وفي الماضي روايتان. وهذه الطريقة توافق مذهب الشافعي.
"والطريقة الرابعة" وهي أضعف الطرق: أنَّ اللغو في إحدى الروايتين هذا دون هذا وفي الأخرى هذا دون هذا.
[ ١٣ / ١١٤ ]
"والطريقة الخامسة" وهي الجامعة بين الطرق: أنَّ في مذهبه ثلاث روايات كما ذكر ذلك صاحب المحرر فإذا سبق على لسانه: لا والله بلى والله وهو يعتقد أنَّ الأمر كما حلف عليه: فهذا لغو باتفاق الأئمة الأربعة.
وإذا سبق على لسانه اليمين في المستقبل أو تعمد اليمين على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: ففي الصورتين أقوال ثلاثة؛ هي الروايات الثلاث عن أحمد.
"أحدها" أنَّ الجميع لغو كقول الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد وهي ومذهبه في إحدى الطريقتين بلا نزاع عنه.
وعلى هذه الطريقة فقد فسر اللغو بهذا. وهذا أحد قولي الشافعي.
"والثاني" أنَّه يحنث في الماضي دون ما سبق على لسانه وهو أحد قولي الشافعي أيضًا.
"والثالث" بالعكس كمذهب أبي حنيفة ومالك.
فقد تبين أنَّ المخطئ في عقد اليمين الذي حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه هو في إحدى الطريقتين كالناسي والجاهل وفي الأخرى لا يحنث قولًا واحدًا. والمعروفة عند أئمة أصحاب أحمد. وعلى هذا فالحالف بالطلاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه لا يحنث إذا لم يحنث الناسي والجاهل في
[ ١٣ / ١١٥ ]
المستقبل: إمَّا تسوية بينهما. وإمَّا بطريق الأولى على اختلاف الطريقتين. وهكذا ذكر المحققون من الفقهاء.
وقد ظن بعض متأخري الفقهاء كالسامري صاحب "المستوعب" أنَّه إذا حلف بالطلاق والعتاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنَّه يحنث قولًا واحدًا؛ لأنَّ الطلاق لا لغو فيه وهذا خطأ؛ فإنَّ الذي يقول: إنَّ الطلاق لا لغو فيه هو الذي يحنث الناسي والجاهل إذا حلف بالطلاق، وأمَّا من لم يحنث الناسي والجاهل فإنَّه لا يقول لا لغو في الطلاق - إذا فسر اللغو بأن يحلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه - فإن عدم الحنث في هذه الصورة: إمَّا أن يكون أولى بعدم الحنث في تلك الصورة أو يكون مساويًا لها؛ كما قد بيناه. ولا يمكن أحد أن يقول: إنَّه إذا حلف بالطلاق والعتاق على امرأته لا يفعله ففعله ناسيًا أو جاهلًا بأنَّه المحلوف عليه لم يحنث؛ ويقول إذا حلف على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنَّه يحنث؛ لأنَّ الجهل المقارن لعقد اليمين أخف من الجهل المقارن لفعل المحلوف عليه وغايته أن يكون مثله؛ ولأنَّ اليمين الأولى منعقدة اتفاقًا. وأمَّا الثانية ففي انعقادها نزاع بينهم. والله أعلم» اهـ.
الثانية: إذا حلف لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا ليمينه أو جاهلًا بأنَّه المحلوف عليه.
[ ١٣ / ١١٦ ]
وهذا أحد القولين للشافعي وأحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الآخر لزوم الكفارة بذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الرواية الثانية عنهما.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢٠٩ - ٢١٠): «والقول الأول أصح؛ لأنَّ الحض والمنع في اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهي؛ فإنَّ الحالف على نفسه أو عبده أو قرابته أو صديقه الذي يعتقد أنَّه يطيعه هو طالب لما حلف على فعله مانع لما حلف على تركه وقد وكد طلبه ومنعه باليمين فهو بمنزلة الأمر والنهي المؤكد. وقد استقر بدلالة الكتاب والسنة أنَّ من فعل المنهي عنه ناسيًا أو مخطئًا فلا إثم عليه ولا يكون عاصيًا مخالفًا: فكذلك من فعل المحلوف ناسيًا أو مخطئًا فإنَّه لا يكون حانثًا مخالفًا ليمينه.
ويدخل في ذلك من فعله متأولًا أو مقلدًا لمن أفتاه أو مقلدًا لعالم ميت أو مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا. فحيث لم يتعمد المخالفة؛ ولكن اعتقد أنَّ هذا الذي فعله ليس فيه مخالفة لليمين فإنَّه لا يكون حانثًا. ويدخل في هذا إذا خالع وفعل المحلوف عليه معتقدًا أنَّ الفعل بعد الخلع لم تتناوله يمينه فهذه الصورة تدخل في يمين
[ ١٣ / ١١٧ ]
الجاهل المتأول عند من يقول: إنَّ هذا الخلع خلع الأيمان باطل وهو أصح أقوال العلماء وأمَّا من جعله صحيحًا فذلك يقول: إنَّه فعل المحلوف عليه في زمن البينونة والمرأة لو فعلت المحلوف عليه بعد البينونة وانقضاء العدة لم يحنث الرجل بالاتفاق وكذلك إذا فعلته في عدة الطلاق البائن عند الجمهور: كمالك والشافعي وأحمد الذين يقولون: إنَّ المختلعة لا يلحقها طلاق. وأمَّا أبو حنيفة فإنَّه يقول: يلحقها الطلاق؛ فيحنث عنده إذا وجدت الصفة في زمن البينونة ولو كان الرجل عاميًا فقيل له: خالع امرأتك وافعل المحلوف عليه ولم يعرف معنى الخلع فظن أنَّه طلاق مجرد فطلقها ثم فعل المحلوف عليه يظن أنَّه لا يحنث بذلك: لم يقع به الطلاق عند من لا يحنث الجاهل المتأول وكذلك لو قيل له: زلها بطلقة. فأزالها بطلقة ثم فعل المحلوف عليه: لم يقع عليه بالفعل طلقة ثانية وإن كانت الطلقة الأولى رجعية؛ لكن في صورة النسيان والخطأ والجهل لا يحنث وتبقى اليمين معقودة عند جماهير العلماء؛ وليس فيه نزاع إلَّا وجه ضعيف لبعض المتأخرين» اهـ.
قُلْتُ: ما حرره شيخ الإسلام ها هنا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة التي تنفي المؤاخذة بالخطإ والنسيان.
[ ١٣ / ١١٨ ]
ومن هذا الباب مالوا حلف أن لا يكلم فلانًا من الناس فوجد إنسانًا في ظلام الليل وقال: من ذا؟ فتبين له أنَّه الذي حلف أن لا يكلمه فلا كفارة عليه لخطإه، والخطأ كالنسيان في عدم المؤاخذة به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٤١٦):
«فالصحيح أنَّه لا يحنث؛ لأنَّه لم يقصد تكليمه، فأشبه الناسي، ولأنَّه ظن المحلوف عليه غيره، فأشبه لغو اليمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٦٣ - ٦٤):
«الْمَخْرَجُ الْخَامِسُ: أَنْ يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ مُتَأَوِّلًا، أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ أَفْتَاهُ بِذَلِكَ، أَوْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَلُقَتْ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي طَلَاقِهَا شَيْئًا.
فَمِثَالُ الذُّهُولِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا هُوَ مُعْتَادٌ لِفِعْلِهِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ وَالْغَفْلَةُ فَيَفْعَلَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّاسِي أَنَّ النَّاسِيَ يَكُونُ قَدْ غَابَ عَنْهُ الْيَمِينُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذَاكِرًا لَهُ عَامِدًا لِفِعْلِهِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَأَمَّا
[ ١٣ / ١١٩ ]
الْغَافِلُ وَالذَّاهِلُ وَاللَّاهِي فَلَيْسَ بِنَاسٍ لِيَمِينِهِ، وَلَكِنَّهُ لَهَا عَنْهَا أَوْ ذَهَلَ كَمَا يَذْهَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ أَوْ حِجْرِهِ بِحَدِيثٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٨ - ١٠].
يُقَالُ: لَهِيَ عَنْ الشَّيْءِ يَلْهَى كَغَشِيَ يَغْشَى إذَا غَفَلَ، وَلَهَا بِهِ يَلْهُو، إذَا لَعِبَ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: "فَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ" أَيْ اشْتَغَلَ بِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ "إذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فَالْهُ عَنْهُ".
وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَمَّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْبِلَّةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَقَالَ "الْهَ عَنْهُ"، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهَا عَنْ حَدِيثِهِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِرَجُلٍ بَعَثَهُ بِمَالٍ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ: "تَلَهَّ عَنْهُ ثُمَّ اُنْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ بِهِ".
وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ … لَا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
أَيْ لَا أَشْغَلُك عَنْ شَأْنِك وَأَمْرِك، وَفِي الْمُسْنَدِ: "سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّاهِينَ مِنْ أُمَّتِي" وَهُمْ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: هُمْ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا.
[ ١٣ / ١٢٠ ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّاسِي فَهُوَ ضَرْبَانِ: نَاسٍ لِلْيَمِينِ، وَنَاسٍ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي: كَمَا إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَفَعَلَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِيَمِينِهِ، لَكِنْ نَسِيَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ كَذَا وَكَذَا، فَنَسِيَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِيَمِينِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ هُوَ فَهُوَ خَطَأٌ.
فَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ كَوْنَهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ فَهُوَ نِسْيَانٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرِهِ فَهُوَ نِسْيَانٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمُخْطِئِ أَنَّ الْجَاهِلَ قَصَدَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَظُنَّهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَالْمُخْطِئَ لَمْ يَقْصِدْهُ كَمَا لَوْ رَمَى طَائِرًا فَأَصَابَ إنْسَانًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٦٥ - ٦٨):
«وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ: إنَّ امْرَأَتَك قَدْ مُسِكَتْ تَشْرَبُ الْخَمْرَ مَعَ فُلَانٍ، فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُ الْمُخْبِرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ.
فَنَذْكُرُ أَقْوَالَ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي ذَلِكَ؛ إذْ هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ أَلْفَاظُهَا وَأَقْيِسَتُهَا وَاعْتِبَارُهَا، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ
[ ١٣ / ١٢١ ]
الْبِرَّ وَالْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ نَظِيرُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ فَعَلَ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الشَّارِعِ وَنَهْيِهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، فَأَوْلَى فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنْ لَا يَكُونَ حَانِثًا.
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يَمْلِكُهُ، وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ وَالْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَمَا فَعَلَهُ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ، فَإِلْزَامُهُ بِالْحِنْثِ أَعْظَمُ مُؤَاخَذَةً لَمَّا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَجَاوَزَ لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْأَحْكَامِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ النَّائِمِ فِي عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَلِهَذَا هُوَ عَفْوٌ لَا يَكُونُ بِهِ مُطِيعًا وَلَا عَاصِيًا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَلْفَاظِ؛ لِدَلَاتِهَا عَلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، وَإِرَادَتِهِ، فَإِذَا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ قَصَدَ كَلَامَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ مَعَانِيَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ مُخَالَفَةَ مَا الْتَزَمَهُ وَلَا الْحِنْثَ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَا يُلْزِمُهُ بِمَا لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقْصِدْهُ مِنْ ذَلِكَ.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ عَلَى الْقَصْدِ، فَاعْتُبِرَ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمْنَا يَقِينًا خِلَافَ الْمَدْلُولِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى مَا تَيَقَّنَّا خِلَافَهُ.
وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ بِيَدِهِ مُبَاشَرَةً إذَا لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ بَلْ قَتَلَهُ خَطَأً، وَلَمْ يُلْزِمْهُ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ، بَلْ حَمَلَهَا غَيْرُهُ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُهُ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ؟ هَذَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عَلَى الشَّارِعِ.
وَقَدْ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤَاخَذَةَ عَمَّنْ أَكَلَ وَشَرِبَ فِي نَهَارِ رَمَضَانِ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، مَعَ أَنَّ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُهُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا وَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَيُخَرِّبُ بَيْتَهُ وَيُشَتِّتُ شَمْلَهُ وَشَمْلَ أَوْلَادِهِ، وَأَهْلِهِ وَقَدْ عَفَا لَهُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ نَاسِيًا؟
وَقَدْ عَفَا عَمَّنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ عَمْدًا غَيْرَ نَاسٍ لَمَّا تَأَوَّلَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ بِالْحَبْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ حَتَّى تَبَيَّنَا لَهُ وَقَدْ طَلَعَ النَّهَارُ، وَعَفَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ، لِتَأْوِيلِهِ، فَمَا بَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ لَا يُعْفَى لَهُ عَنْ الْحِنْثِ بَلْ يُخَرِّبُ بَيْتَهُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَبِيبَتِهِ وَيُشَتِّتُ شَمْلَهُ كُلَّ مُشَتَّتٍ؟ وَقَدْ عَفَا عَنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ لَمَّا كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُخَالَفَةَ حُكْمِهِ، فَأَلْغَى كَلَامَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ، فَكَيْفَ
[ ١٣ / ١٢٣ ]
لَا يُقْتَدَى بِهِ وَيُلْغَى قَوْلُ الْجَاهِلِ وَفِعْلُهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَلَا يُحَنِّثُهُ كَمَا لَمْ يُؤَثِّمْهُ الشَّارِعُ؟ وَإِذَا كَانَ قَدْ عَفَا عَمَّنْ قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالنَّحْرِ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا فَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِتَرْكِ تَرْتِيبِهَا نِسْيَانًا، فَكَيْفَ يَحْنَثُ أَنْ قَدَّمَ مَا حَلَفَ عَلَى تَأْخِيرِهِ أَوْ أَخَّرَ مَا حَلَفَ عَلَى تَقْدِيمِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا؟، وَإِذَا كَانَ قَدْ عَفَا عَمَّنْ حَمَلَ الْقَذَرِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهِ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُ الْحَالِفَ وَيَحْنَثُ بِهِ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ أَوَامِرُ الرَّبِّ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ دُونَ مَا الْتَزَمَهُ الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؟ وَكَيْفَ يَحْنَثُ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا بِمَنْزِلَةِ تَأْثِيمِهِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْإِثْمَ وَتَكْفِيرِهِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكُفْرَ؟ وَكَيْفَ يُطَلِّقُ أَوْ يُعْتِقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، وَلَمْ يُطَلِّقْ عَلَى الْهَازِلِ إلَّا لِتَعَمُّدِهِ فَإِنَّهُ تَعَمَّدَ الْهَزْلَ، وَلَمْ يُرِدْ حُكْمَهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ بَلْ إلَى الشَّارِعِ، فَلَيْسَ الْهَازِلُ مَعْذُورًا، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولُهَا تَقْتَضِي أَلَّا يَحْنَثَ الْحَالِفُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَلَا يَطَّرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَيَسْلَمُ مِنْ التَّنَاقُضِ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ.
وَأَمَّا تَحْنِيثُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَهُ وَإِنْ سَلِمَ مِنْ التَّنَاقُضِ لَكِنَّ قَوْلَهُ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، وَأَدِلَّتِهَا.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
وَمَنْ حَنِثَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ تَنَاقَضَ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُ قَوْلٌ، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ دَلِيلٌ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ؛ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالنِّسْيَانِ وَلَا الْجَهْلِ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ النِّسْيَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَيْمَانِ الْمُكَفَّرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيَمِينُهُ بَاقِيَةٌ لَمْ تَنْحَلَّ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَمَا لَمْ يَتَنَاوَلْ حَالَةَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحِنْثِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِرِّ؛ إذْ لَوْ كَانَ فَاعِلًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِرِّ لَكَانَ فَاعِلًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحِنْثِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّالِثَةُ: يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الَّتِي لَا تُكَفَّرُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَةِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ. وَاَلَّذِينَ حَنَّثُوهُ مُطْلَقًا نَظَرُوا إلَى صُورَةِ الْفِعْلِ، وَقَالُوا: قَدْ وُجِدَتْ الْمُخَالَفَةُ. وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا قَالُوا: الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ، سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا لِوُجُودِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَهَلْ هُوَ كَالنَّائِمِ فَلَا يَحْنَثُ أَوْ كَالنَّاسِي فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ،، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالنَّائِمِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ كَعَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَجِيرِهِ فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، هُوَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ مَنْعَهُ لِمَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ كَمَنْعِهِ لِنَفْسِهِ؛ فَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ لَمْ نُحَنِّثْ النَّاسِيَ فَهَذَا أَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَالنَّاسِي قَدْ قَصَدَ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَنَّثْنَا النَّاسِيَ هَلْ يَحْنَثُ هَذَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي؛ إذْ هُوَ جَاهِلٌ بِكَوْنِهِ مَعَهُمْ.
وَالثَّانِيَةُ: - وَهِيَ أَصَحُّ - أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، قَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ أَعْذَرُ مِنْ النَّاسِي، وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ.
وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَيْمَانِ، وَلَكِنْ تَنَاقَضُوا كُلُّهُمْ فِي جَعْلِ النَّاسِي فِي الصَّوْمِ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ الْجَاهِلِ، فَفَطَّرُوا الْجَاهِلَ دُونَ النَّاسِي، وَسَوَّى شَيْخُنَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: الْجَاهِلُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْفِطْرِ مِنْ النَّاسِي، فَسَلِمَ مِنْ التَّنَاقُضِ.
[ ١٣ / ١٢٦ ]
وَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي فِيمَنْ حَمَلَ النَّجَاسَةَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَجَعَلُوا الرِّوَايَتَيْنِ وَالْقَوْلَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءً، وَقَدْ سَوَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» فَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
فَصْلٌ: وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُكْرَهًا فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَخَرَّجَ أَبُو الْبَرَكَاتِ رِوَايَةً ثَالِثَةً أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَيْمَانِ مِنْ نَصِّهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي صُورَةِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، فَإِنْ أُلْجِئَ أَوْ حَمَلَ أَوْ فَتَحَ فَمَهُ وَأُوجِرَ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَشْرَبَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَوَجْهَانِ، وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ فَاسْتَدَامَ مَا أُلْجِئَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أُلْجِئَ إلَى دُخُولِ دَارٍ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ مُلْجَأً فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَوَاءٌ» اهـ.
الثالثة: إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه.
وهذا مذهب الجمهور، وخالف الشافعي في رواية فألزم في ذلك الكفارة.
[ ١٣ / ١٢٧ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢١٠):
«فهذا أولى بعدم التحنيث من مسألة فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل هذا في لغو اليمين عند جماعة من العلماء.
الرابع: اليمين على أمر ماضٍ.
وليس فيها كفارة مطلقًا على الصحيح لعدم إمكان البر والحنث فيه.
وهذا مذهب جمهور العلماء، ونازع في ذلك الإمام الشافعي فأوجب الكفارة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٩٠):
«وفي الجملة، لا كفارة في يمين على ماض؛ لأنَّها تنقسم ثلاثة أقسام؛ ما هو صادق فيه، فلا كفارة فيه إجماعًا.
وما تعمد الكذب فيه، فهو يمين الغموس، لا كفارة فيها؛ لأنَّها أعظم من أن تكون فيها كفارة.
وما يظنه حقًا، فيتبين بخلافه، فلا كفارة فيه؛ لأنَّه من لغو اليمين» اهـ.
الخامس: أن يحلف على غيره على معنى توكيد الإرادة والطلب لا على معنى الخبر.
وقد سبق تفصيل القول في ذلك في شرح الحديث الماضي.
السادس: يمين الغضبان.
[ ١٣ / ١٢٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٥٢):
«ومن هذا رفعه ﷺ حكم الطلاق عمَّن طلق في إغلاق، وقال الامام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب وكذلك فسره أبو داود، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه، وهو ابن بزيزة الأندلسي قال: وهذا قول عليِّ وابن عباس وغيرهما من الصحابة أنَّ الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ] (ص: ٣١):
«وهذا أحد الأقوال في مذهب مالك أنَّ لغو اليمين هو اليمين في الغضب وهذا اختيار أجل المالكية وأفضلهم على الاطلاق وهو: القاضي إسماعيل بن إسحاق فإنَّه ذهب إلى أنَّ الغضبان لا تنعقد يمينه ولا تنافي بين هذا القول وبين قول ابن عباس وعائشة أنَّ لغو اليمين هو قول الرجل: لا والله وبلى والله، وقول عائشة وغيرها أيضًا: أنَّه يمين الرجل على الشيء يعتقده كما حلف عليه فيتبين بخلافه فإنَّ الجميع من لغو اليمين والذي فسر لغو اليمين بأنَّها يمين الغضب يقول بأنَّ
[ ١٣ / ١٢٩ ]
النوعين الآخرين من اللغو وهذا هو الصحيح فإنَّ الله سبحانه جعل لغو اليمين مقابلًا لكسب القلب ومعلوم أنَّ الغضبان والحالف على الشيء يظنه كما حلف عليه والقائل: لا والله وبلى والله من غير عقد اليمين لم يكسب قلبه عقد اليمين ولا قصدها والله سبحانه قد رفع المؤاخذة بلفظ جرى على اللسان لم يكسبه القلب ولا يقصده فلا تجوز المؤاخذة بما رفع الله المؤاحذة به بل قد يقال: لغو الغضبان أظهر من لغو القسمين الآخرين: لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في ذلك ما رواه ابن جرير في [تَفْسِيْرِهِ] (٤٤٦١)، وسعيد بن منصور في [تَفْسِيْرِهِ] (٧٨٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٧٢٤) كلهم من طريق خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ وَسِيمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَغْوُ الْيَمِينِ: أَنْ تَحْلِفَ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ».
ورواه ابن أبي حاتم في [تَفْسِيْرِهِ] (٢١٦١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا خَالِدٌ، ثنا عَطَاءٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به. ولم يذكر وسيمًا.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ عطاء بن السائب مختلط ورواية خالد عنه بعد الاختلاط، ووسيم فيه جهالة.
[ ١٣ / ١٣٠ ]
ويمين الغضب التي لا تنعقد هي اليمين في الغضب المستحكم على صاحبه، وأمَّا اليمين في مبدأ الغضب فهي منعقدة.
السابع: يمين غير المختار.
لا تنعقد يمين غير المختار كالمجنون والصبي والسكران والمكره والنائم وليس في يمينهم كفارة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٨٦):
«لا تنعقد اليمين إلَّا من مختار فأمَّا الصبي والمجنون والنائم فلا تنعقد أيمانهم لقول النبي ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة". الحديث.
وفي السكران وجهان بناء على طلاقه ولا تنعقد يمين المكره لأنَّه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٦٧):
«فصل: وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين، ولا تصح من غير مكلف، كالصبي والمجنون والنائم؛ لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث".
ولأنَّه قول يتعلق به وجوب حق، فلم يصح من غير مكلف، أو غير مكلف؟ ولا تنعقد يمين مكره.
[ ١٣ / ١٣١ ]
وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: تنعقد؛ لأنَّها يمين مكلف، فانعقدت، كيمين المختار» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١١/ ١٤):
«فائدة: لا تنعقد يمين النائم والطفل والمجنون ونحوهم.
وفي معناهم السكران وحكى المصنف فيه قولين.
ولا تنعقد يمين الصبي قبل البلوغ على الصحيح من المذهب.
جزم به الزركشي والرعايتين والحاوي وغيرهم.
قُلْتُ: ويتخرج انعقادها من مميز» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ يمين الصبي لا ينعد مطلقًا لعموم الحديث في رفع القلم عنه.
الثامن: الاستثناء في اليمين.
وهذا إذا كان المقصود به تعليق الخبر دون الطلب، وقد سبق تفصيل ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح الحديث الماضي.
وروى أحمد (٤٥١٠، ٥٠٩٣، ٦٤١٤) أبو داود (٣٢٦٤)، والنسائي (٣٧٩٣)، وابن ماجة (٢١٠٥)، والترمذي (١٥٣١) واللفظ له من طريق أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ،
[ ١٣ / ١٣٢ ]
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ».
قَالَ التِّرْمِذِيَّ: وَفِي البَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَكَانَ أَيُّوبُ أَحْيَانًا يَرْفَعُهُ، وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ إِذَا كَانَ مَوْصُولًا بِاليَمِينِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٤٦):
«وقد روي ذلك أيضًا عن موسى بن عقبة، وعبد الله بن عمر، وحسان بن عطية، وكثير بن فرقد عن نافع عن بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ولا يكاد يصح رفعه إلَّا من جهة أيوب السختياني، وأيوب يشك فيه أيضًا
[ ١٣ / ١٣٣ ]
ورواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع عن بن عمر ﵄ من قوله غير مرفوع والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في حديث حسان بن عطية الوقف.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ الاختلاف على الأوزاعي في حديثه فقال في [الْعِلَلِ] (١٣/ ١٠٤):
«ورواه الأوزاعي، واختلف عنه؛
فرواه عمرو بن هاشم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا» اهـ.
قُلْتُ: عمرو بن هاشم هو البيروتي لا بأس به لكن هقل بن زياد أوثق منه فحديثه هو المحفوظ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [شَرْحِ عِلَلِ التَّرمِذِي] (ص: ٢٤٨):
[ ١٣ / ١٣٤ ]
«ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث: "من حلف فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". رفعه أيوب، ووقفه مالك وعبيد الله، واختلف الحفاظ في الترجيح، وأكثرهم رجح قول مالك» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح فيه الوقف ويغني عنه ما رواه البخاري (٥٢٤٢)، ومسلم (١٦٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ».
التاسع: المتأول في الحنث والمقلد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٦٤):
«وَالْمُتَأَوِّلُ كَمَنْ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَكَاتَبَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُكَاتَبَتَهُ لَيْسَتْ تَكْلِيمًا، وَكَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا فَشَرِبَ نَبِيذًا مُخْتَلَفًا فِيهِ مُتَأَوِّلًا، وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يُرَابِي فَبَاعَ بِالْعِينَةِ، أَوْ لَا يَطَأُ فَرْجًا حَرَامًا فَوَطِئَ فِي نِكَاحِ تَحْلِيلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[ ١٣ / ١٣٥ ]
وَالتَّأْوِيلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ وَمُتَوَسِّطٌ، وَلَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُهُ، وَالْمُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ تَقْلِيدًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْتِي مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ خَرَجْت مِنْ بَيْتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا تَخْرُجِينَ مِنْ بَيْتِي، فَأَفْتَاهُ مُفْتٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا يَلْزَمُ بِهَا الطَّلَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ لَغْوٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَلَّى، فَقَالَ: وَالطَّلَاقُ بِالصِّفَةِ عِنْدَنَا كَالطَّلَاقِ بِالْيَمِينِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٦٨ - ٦٩):
«أَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا لَمْ يَأْثَمْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ فَأَحَالَهُ بِهِ فَفَارَقَهُ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ، وَأَنَّهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَحَكَوْا فِيهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ، وَطَرَدَ هَذَا كُلُّ مُتَأَوِّلٍ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِالْحِنْثِ، وَفِي الْجَاهِلِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُتَأَوِّلِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ أَوْلَى، فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يُكَلِّمَ فُلَانًا أَوْ لَا يَدْخُلَ دَارِهِ فَأَفْتَاهُ مُفْتٍ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ،
[ ١٣ / ١٣٦ ]
اعْتِقَادًا لِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَطَاوُسٍ وَشُرَيْحٍ، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَفَّالِ فِي صِيغَةِ الِالْتِزَامِ دُونَ صِيغَةِ الشَّرْطِ، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَشْهَبَ -، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ - أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِهَا، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَالْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، لَمْ يَحْنَثْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَلَوْ فُرِضَ فَسَادُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلًا مُقَلِّدًا ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ مِنْ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، وَغَايَةُ مَا يُقَالُ فِي الْجَاهِلِ إنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَقْصِ، وَلَمْ يَسْأَلْ غَيْرَ مَنْ أَفْتَاهُ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يُقَالُ فِي الْجَاهِلِ إنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَبْحَثْ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْفَرْقُ لَبَطَلَ عُذْرُ الْجَاهِلِ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ وَالْمُتَأَوِّلُ مُطِيعٌ لِلَّهِ مَأْجُورٌ إمَّا أَجْرًا وَاحِدًا أَوْ أَجْرَيْنِ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُؤَاخِذْ خَالِدًا فِي تَأْوِيلِهِ حِينَ قَتَلَ بَنِي جَذِيمَةَ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أُسَامَةَ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي الصَّوْمِ عَمْدًا لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أَصْحَابَهُ حِينَ قَتَلُوا مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذُوا غَنِيمَتَهُ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ الْمُسْتَحَاضَةَ بِتَرْكِهَا الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ
[ ١٣ / ١٣٧ ]
لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ عُمَرَ ﵁ حِينَ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَمَّا أَجْنَبَ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ كَتَمَعُّكِ الدَّابَّةِ وَصَلَّى لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَقْصَى.
وَأَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْ دَمٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ هَدَرٌ فِي قِتَالِهِمْ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْ دَمٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ هَدَرٌ، أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ رَمَى حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ الْمُؤْمِنَ الْبَدْرِيَّ بِالنِّفَاقِ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بِقَوْلِهِ لِسَعْدٍ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ: "إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ" لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ قَالَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ: "ذَلِكَ الْمُنَافِقُ نَرَى وَجْهَهُ وَحَدِيثَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ" لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ ضَرَبَ صَدْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ ذَهَبَ لِلتَّبْلِيغِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَمْرِهِ فَمَنَعَهُ عُمَرُ وَضَرَبَهُ وَقَالَ: "ارْجِعْ"، وَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ.
[ ١٣ / ١٣٨ ]
وَكَمَا رَفَعَ مُؤَاخَذَةَ التَّأْثِيمِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهَا رَفَعَ مُؤَاخَذَةَ الضَّمَانِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْقَضَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ لِأَمْرٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ وَقَوْلُهُ الَّذِي قَلَّدَ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ تَأَوَّلَ وَقَلَّدَ مَنْ أَفْتَاهُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَانِثٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ، بَلْ هَذِهِ فِرْيَةٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَلَى الْحَالِفِ، وَإِذَا وَصَلَ الْهَوَى إلَى هَذَا الْحَدِّ فَصَاحِبُهُ تَحْتَ الدَّرْكِ، وَلَهُ مَقَامٌ، وَأَيُّ مَقَامٍ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُهُ شَيْخُهُ وَلَا مَذْهَبُهُ وَمَنْ قَلَّدَهُ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» اهـ.
العاشر: اليمين بالمخلوقات.
ليس فيها كفارة اتفاقًا، والواجب في ذلك التوبة إلى الله ﷿.
قُلْتُ: سائر مباحث الحديث مرت في شرح الحديث السابق.
* * *
[ ١٣ / ١٣٩ ]
٣٥٣ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
وَلِمُسْلِمٍ: «فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
وِفِي رِوَايَةٍ قَالَ عُمَرُ: «فَوَ اَللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلا آثِرًا».
«يَعْنِي: حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا».
قُلْتُ: الحديث في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب، ومن حديث عبد الله بن عمر، ﵄.
والرواية التي عزاها المصنف لمسلم هي عند البخاري (٦١٠٨، ٦٦٤٦) أيضًا لكنَّها فيهما من حديث عبد الله بن عمر، وليست عندهما من حديث عمر.
والرواية الثانية في البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث عمر بن الخطاب.
وَقَوْلُهُ: «ذَاكِرًا وَلا آثِرًا». أي: ما حلفت ذاكرًا عن نفسي ومنه ذكرت لفلان كذا أي أخبرته، ولا مخبرًا به عن غيري بأنَّه حلف بها.
[ ١٣ / ١٤٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ١٤٥ - ١٤٦):
«فَإِنْ قُلْت: الْحَاكِي لِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ لَيْسَ حَالِفًا بِهِ.
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ مَا حَلَفَتْ بِهَا ذَاكِرًا، وَلَا ذَكَرْته آثِرًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ حَلَفْت مَعْنَى نَطَقْت أَوْ قُلْت أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فِيهِمَا كَمَا قَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا، إمَّا أَنْ يُقَدِّرَ سَقَيْتهَا، وَإِمَّا أَنْ يُضَمِّنَ عَلَفْتهَا مَعْنَى أَنَلْتهَا، وَمَا أَشْبَهَ، وَقَدْ ذَكَرَ كَهَذَا السُّؤَالِ، وَجَوَابِهِ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا تَوَرَّعَ عَنْ النُّطْقِ بِذَلِكَ حَاكِيًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ نَطَقَ بِهِ حَاكِيًا لَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
قُلْت: حِكَايَتُهُ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ ضَرُورَةِ تَبْلِيغِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَرِوَايَتِهَا.
وَأَيْضًا: فَقَدْ يُرِيدُ نَفْيَ حِكَايَةِ كَلَامِ الْحَالِفِ بِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ.
وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّمَا حَلَفَ بِهِ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْهُ.
وَجَوَّزَ وَالِدِي ﵀ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: آثِرًا وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
[ ١٣ / ١٤١ ]
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُخْتَارًا يُقَالُ آثَرَ الشَّيْءَ اخْتَارَهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَاكِرًا مِنْ الذُّكْرِ بِالضَّمِّ خِلَافَ النِّسْيَانِ أَيْ مَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا الْيَمِين غَيْرَ مُجْبَرٍ، وَلَا مُخْتَارٍ مَرِيدًا لِذَلِكَ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ" "آثِرًا" أَيْ عَلَى طَرِيقِ التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ وَالْإِكْرَامِ لَهُمْ يُقَالُ آثَرَهُ أَيْ أَكْرَمَهُ لَكِنْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي النُّطْقِ بِذَلِكَ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الحلف بالآباء.
ويشكل على هذا ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: ما رواه مسلم (١٠٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: "أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ"».
الحديث الثاني: ما رواه مسلم (٢٥٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «نَعَمْ،
[ ١٣ / ١٤٢ ]
وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ»، ثُمَّ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».
الحديث الثالث: ما رواه مسلم (١١) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» في حديث الرجل من أهل نجد الذي سأل عن بعض شعائر الإسلام، وقد كان قال بعد مسألته: «وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ». فقال له النبي ﷺ ما سبق.
قُلْتُ: وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة منها:
الجواب الأول: الطعن في هذه الألفاظ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٣٦٧): «والحلف بالمخلوقات كلها في حكم الحلف بالآباء لا يجوز شيء من ذلك فإن احتج محتج بحديث يروى عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن ابن أبي عامر عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله في قصة الأعرابي النجدي أنَّ النبي ﷺ قال: "أفلح وأبيه إن صدق" قيل له: هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يحتج به، وقد روى هذا الحديث مالك وغيره عن أبي
[ ١٣ / ١٤٣ ]
سهيل لم يقولوا ذلك فيه، وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث وفيه: "أفلح والله إن صدق، أو دخل الجنة والله إن صدق". وهذا أولى من رواية من روى "وأبيه" لأنَّها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٣/ ١٤٣): «وقد تعلل بعض من سهل في ذلك بما جاء في صحيح مسلم أنَّ النبي ﷺ قال في حق الذي سأله عن شرائع الإسلام: "أفلح وأبيه إن صدق". والجواب: أنَّ هذه رواية شاذة مخالفة للأحاديث الصحيحة لا يجوز أن يتعلق بها وهذا حكم الشاذ عند أهل العلم وهو ما خالف فيه الفرد جماعة الثقات» اهـ.
وممن ذهب إلى الطعن في هذه الألفاظ العلامة الألباني ﵀ في مبحث له نفيس في [الضَّعِيْفَةِ] (٤٩٩٢)، والعلامة مقبل الوادعي ﵀ في "أسئلة أبي ظبي".
الجواب الثاني: أنَّ هذا مما جرى على اللسان من غير عمد ولا قصد للحلف، وإنَّما نهي عن تعمد الحلف بالآباء.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام الجاري على الألسن وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٨٣): «قد يقال: حلف بأبيه وقد نهى عن الحلف بغير الله وعن الحلف بالآباء، والجواب: أنَّ النهي عن اليمين بغير الله لمن تعمده، وهذه اللفظة الواقعة في الحديث تجري على اللسان من غير تعمد فلا تكون يمينًا ولا منهيًا عنها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١/ ٧٣): «وجوابه أنَّ قوله ﷺ: "أفلح وأبيه" ليس هو حلفًا إنَّما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف. والنهي إنَّما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به الله ﷾. فهذا هو الجواب المرضي» اهـ.
الجواب الثالث: وهو مختص بلفظة: «وأبيه». أنَّ هذا من قبل التصحيف من قبل النساخ، وأصلها: «أفلح والله».
[ ١٣ / ١٤٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٤): «قُلْتُ: قد رأيته في نسخة مشرقية في الإسكندرية: "أفلح والله إن صدق"، ويمكن أن يتصحف قوله: والله بقوله: وأبيه» اهـ.
الجواب الرابع: أنَّ هذا الذي صدر من النبي ﷺ كان في أول الأمر ثم نسخ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٤ - ٥٥): «جواب آخر بأنَّ هذا منسوخ بقوله: "إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"» اهـ.
الجواب الخامس: أنَّ المنهي من ذلك ما كان من قبيل العبادة بحيث يراد به تعظيم المحلوف به، وأمَّا ما كان من قبيل العادة على إرادة التوكيد لا التعظيم فلا ينهى عن ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «ويحتمل أن يكون النهي إنَّما وقع عنه إذا كان منه على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم بل كان على وجه التوكيد» اهـ.
[ ١٣ / ١٤٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٥): «جواب آخر: إنَّ النبي ﷺ إنَّما نهى عنه عبادة، فإذا جرى ذلك على الألسن عادة فلا يمنع، فقد كانت العرب تقسم في ذلك بمن تكره، فكيف بمن تعظم؛ قال ابن ميادة:
أظنت سفاها من سفاهة رأيها … لأهجوها لما هجتني محارب
فلا وأبيها إنني بعشيرتي … ونفسي عن هذا المقام لراغب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد فقهاء المدينة السبعة:
لعمر أبي الواشين أيان نلتقي … لما لا تلاقيها من الدهر أكثر
يعدون يومًا واحدًا إن لقيتها … وينسون أيامًا على النأي تهجر
وقال آخر:
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم … لقد كلفتني خطة لا أريدها
وقال آخر: فلا وأبي أعدائها لا أزورها.
وإذا كان هذا شائعًا كان من هذا الوجه سائغًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٤): «الثاني: أنَّه كان يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر: للتأكيد، والنهي إنَّما وقع
[ ١٣ / ١٤٧ ]
عن الأول فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر لعمر: أبي الواشين إنِّي أحبها، وقول الآخر:
فإن تك ليلى استودعتني أمانة … فلا وأبي أعدائها لا أذيعها.
فلا يظن أنَّ قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدل على أنَّ القصد بذلك تأكيد الكلام لا التعظيم.
وقال البيضاوي: هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء» اهـ.
الجواب السادس: أن يقال: لعل النبي ﷺ أضمر في حلفه اسم الله تعالى.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «ويحتمل أنَّه كان ﷺ أضمر فيه اسم الله تعالى كأنَّه قال: لا ورب أبيه، وغيره لا يضمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه» اهـ.
الجواب السابع: أنَّ هذا خاص بالنبي ﷺ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٠٧): «وقيل: هو خاص، ويحتاج إلى دليل» اهـ.
[ ١٣ / ١٤٨ ]
الجواب الثامن: أنَّ المراد بذلك التعجب لا الحلف.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٤): «قاله السهيلي. قال: ويدل عليه أنَّه لم يرد بلفظ أبي، وإنَّما ورد بلفظ: وأبيه، أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا أو غائبًا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما جاء في البخاري (٣٥٤٢) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁ العَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي، فَرَأَى الحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَقَالَ: "بِأَبِي، شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ " وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ.
فهو محمول على غير الحلف.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ٩٦): «وقال الطيبي في قوله: "بأبي شبيه بالنبي" يحتمل أن يكون التقدير: هو مفدي بأبي شبيه فيكون خبرًا بعد خبر، أو أفديه بابي وشبيه بالنبي خبر مبتدأ محذوف، وفيه اشعار بعلية الشبه للتفدية» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الحلف لا يحل إلَّا بالله تعالى، والمراد بذلك ذات الله تعالى لا خصوص هذا الاسم، فيجوز الحلف بكل ما دل على ذات الله تعالى من اسم أو صفة.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣١): «وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أنَّ اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات كما سبق وكأنَّ المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك القسم بالأسماء المختصة بالله تعالى، وهكذا الأسماء المشتركة إذا نوى بها القسم باسم من أسماء الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٩٣): «الثالث، ما يسمى به الله - تعالى، وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه، كالحي، والعالم، والموجود، والمؤمن، والكريم، والشاكر.
فهذا إن قصد به اليمين باسم الله - تعالى - كان يمينًا، وإن أطلق، أو قصد غير الله - تعالى، لم يكن يمينًا، فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الإطلاق، ففي الأول يكون يمينًا، وفي الثاني لا يكون يمينًا.
وقال القاضي، والشافعي، في هذا القسم: لا يكون يمينًا، وإن قصد به اسم الله - تعالى؛ لأنَّ اليمين إنَّما تنعقد لحرمة الاسم، فمع الاشتراك لا تكون له حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين.
[ ١٣ / ١٥٠ ]