٣٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ».
الجهاد: بذل الجهد في قمع أعداء الإسلام سواء كان بالسيف والسنان أو بالحجة والبيان، لكن المراد ها هنا الأول.
ومنه جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وجهاد سائر الكافرين.
والأصل في الجهاد إذا كان من جهاد الطلب أنَّه من فروض الكفايات ويتعين في بعض الصور.
والدليل على أنَّه فرض كفاية قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ
[ ١٤ / ٤٣١ ]
عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦].
فلو كان جهاد الطلب من فروض الأعيان لذم الله القاعدين، ولما وعدهم بالحسنى.
وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
قُلْتُ: فلم يوجب الله ﷿ الجهاد على جميع الناس بل بيَّن أنَّ هناك من يضرب في الأرض لطلب الرزق، وهناك من يجاهد في سبيل الله، ولم يذم الله ﷿ من ضرب في الأرض لطلب الرزق؛ فو كان الجهاد من فرض الأعيان لذمه على ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
قُلْتُ: فلو كان الجهاد من فروض الأعيان لوجب النفير على جميع المؤمنين، فلما لم يجب ذلك عليهم دلَّ ذلك على أنَّه من فروض الكفايات.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١٤ / ٤٣٢ ]
١ - اختيار الأوقات المناسبة للهجوم على العدو.
ولا يعارض هذا ما رواه البخاري (٢٩٤٣) واللفظ له، ومسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا».
ورواه البخاري (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ - قَالَ: وَالخَمِيسُ الجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. هذا لفظ البخاري.
وذلك أنَّ ذلك محمول فيما إذا لم يتيسر له الإغارة في الصباح، ويدل لذلك ما رواه البخاري (٣١٦٠) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: وَلَكِنِّي شَهِدْتُ
[ ١٤ / ٤٣٣ ]
القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٣٤): «وأوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٤): «وقد جاء في غير هذا الحديث أنَّه ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، قال العلماء: سببه أنَّه أمكن للقتال فإنَّه وقت هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطًا وإقدامًا على عدوهم، وقد جاء في صحيح البخاري: أخر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة. قالوا: وسببه: فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها» اهـ.
وقد ثبت في زمن النبي ﷺ أيضًا الإغارة ليلًا ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٢٦٣٨)، وابن ماجه (٢٨٤٠) من طريق عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ
[ ١٤ / ٤٣٤ ]
اللَّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ». قَالَ سَلَمَةُ: «فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٢ - وفيه النهي عن تمني لقاء العدو، لما في ذلك من التعرض للبلاء، ولما فيه من اغترار المرء بقوته والاعجاب والاتكال على النفس مما قد يكون سببًا في عدم الثبات عند لقاء العدو، ولأنَّه مدعاة إلى الاستخفاف بالعدو فيتساهل في الاستعداد له، وغير ذلك مما قد يحصل من المكاره عند لقاء العدو.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٦): «قيل: إنَّ فائدة هذا النهي أن لا يستخف أمر العدو، فيتساهل في الاستعداد له، والتحرز منه، وهذا لما فيه من المكاره، والمحن، والنكال، ولذلك قال متصلًا به: "واسألوا الله العافية". وقيل: لما يخاف من إدالة العدو، وظفره بالمسلمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد تمنى قوم لقاء العدو فما ثبتوا عند لقاءه وفيما قصه الله تعالى في شأن الملاء من بني إسرائيل عبرة وعظة قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ
[ ١٤ / ٤٣٥ ]
أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٤٦ - ٢٥٢].
[ ١٤ / ٤٣٦ ]
قُلْتُ: ولا يدخل في تمني لقاء العدو تمني الشهادة، فقد روى البخاري (٣٦)، ومسلم (١٨٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
وروى مسلم (١٩٠٩) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».
وروى مسلم (١٩٠٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا، أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ».
قُلْتُ: والفرق بين تمني لقاء العدو وطلب الشهادة، أنَّ طالب الشهادة يطلب منزلة رفيعة ولا تكون الشهادة إلَّا مع الثبات، وأمَّا من يتمنى لقاء العدو فقد ينال الشهادة وقد لا ينالها وقد يثبت وقد لا يثبت، فهو في الحقيقة لم يتمن خيرًا.
لكن يشكل على ذلك ما رواه مسلم (١٩١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
[ ١٤ / ٤٣٧ ]
قُلْتُ: يمكن حمل هذا الحديث على من ترك الجهاد مع قيامه ولم يحدث نفسه به لعدم محبته له، ومن كان كذلك فهو عاص لله تعالى وفيه شعبة من النفاق.
فتمني جهاد الكافرين هو متمن لطاعة يحبها الله تعالى، وأمَّا تمني لقاء العدو فهو مشعر باستهانته بعدوه وإعجابه بنفسه وقوته وهذا مما لا يحبه الله تعالى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ١٦):
«وَالْجِهَادُ - وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ - فَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ يُخَاطَبُونَ بِهِ ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ وَالْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إذَا تَعَيَّنَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَهُمَّ بِهِ؛ كَانَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ» اهـ.
٣ - واحتج به من ذهب إلى كراهة طلب المبارزة لما فيها من تمني لقاء العدو ولكن إن طلب إليها أجاب، وهو مذهب الحسن البصري.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٨٥ - ١٨٦): «وأمَّا أقوال الفقهاء في المبارزة، فذكر ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من العلماء أنَّ على المرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصرى؛ فإنَّه يكره المبارزة ولا يعرفها، هذا قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
[ ١٤ / ٤٣٨ ]
وأباحت طائفة البراز، ولم يذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه، هذا قول مالك، والشافعي، وسئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ قال: ذلك إلى نيته، إن كان يريد به وجه الله فأرجو أن لا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك من مضى» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح مشروعية طلب المبارزة ولا يدخل ذلك في تمني لقاء العدو وذلك لأنَّ اللقاء قد حصل قبل ذلك في أرض المعركة.
لكن لا ينبغي أن يطلبها من يعلم من نفسه الضعف لما في قتله من كسر لقلوب المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٥٤): «فالمبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة، ومباحة، ومكروهة، أمَّا المستحبة؛ فإذا خرج علج يطلب البراز، استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير. لأنَّ فيه ردًا عن المسلمين، وإظهارًا لقوتهم.
والمباح؛ أن يبتدئ الرجل الشجاع بطلبها، فيباح ولا يستحب؛ لأنَّه لا حاجة إليها، ولا يأمن أن يغلب، فيكسر قلوب المسلمين، إلَّا أنَّه لما كان شجاعًا واثقًا من نفسه، أبيح له؛ لأنَّه بحكم الظاهر غالب، والمكروه أن يبرز الضعيف البنية،
[ ١٤ / ٤٣٩ ]
الذي لا يثق من نفسه، فتكره له المبارزة؛ لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهرًا» اهـ.
والصحيح أيضًا أنَّه لا يشترط إذن الإمام لما رواه أحمد (٩٤٨)، أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: تَقَدَّمَ - يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنَادَى مَنْ يُبَارِز؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ». فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَة.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٧٩): «قُلْتُ: قد جمع هذا الحديث معنى جوازها بإذن الإمام وبغير إذنه، وذلك أنَّ مبارزة حمزة وعلي ﵄ كانت بإذن النبي ﷺ ولم يذكر فيه إذن من النبي صلى
[ ١٤ / ٤٤٠ ]
الله عليه وسلم للأنصاريين الذين خرجوا إلى عتبة وشيبة قبل علي وحمزة ولا إنكار من النبي ﷺ عليهم في ذلك» اهـ.
قُلْتُ: استئذان الأمير أولى لأنَّه أعلم بفرسانه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤): «إذا ثبت هذا، فإنَّه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن.
وبه قال الثوري، وإسحاق ورخص فيها مالك، والشافعي، وابن المنذر لخبر أبي قتادة، فإنَّه لم يعلم أنَّه استأذن النبي ﷺ وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة، لم يعلم منهم استئذان.
ولنا أنَّ الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه، كان معرضًا نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام، ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب المشركين.
فإن قيل: فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار، وهو سبب لقتله.
[ ١٤ / ٤٤١ ]
قلنا: إذا كان مبارزًا تعلقت قلوب الجيش به، وارتقبوا ظفره، فإن ظفر جبر قلوبهم، وسرهم، وكسر قلوب الكفار، وإن قتل كان بالعكس، والمنغمس يطلب الشهادة، لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة. فافترقا.
وأمَّا مبارزة أبي قتادة فغير لازمة، فإنَّها كانت بعد التحام الحرب، رأى رجلًا يريد أن يقتل مسلمًا، فضربه أبو قتادة، فضمه ضمة كاد يقتله.
وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها، بل المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة، فهذا هو الذي يعتبر له إذن الإمام، لأنَّ عين الطائفتين تمتد إليهما، وقلوب الفريقين تتعلق بهما، وأيهما غلب سر أصحابه، وكسر قلوب أعدائه، بخلاف غيره» اهـ.
٤ - وفيه الندب إلى سؤال العافية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٣): «وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين» اهـ.
[ ١٤ / ٤٤٢ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (١١١): «ولهذا ما سئل الرب شيئًا أحب إليه من العافية لأنَّها كلمة جامعة للتخلص من الشر كله وأسبابه» اهـ.
٥ - وفيه الأمر بالصبر عند ملاقاة العدو.
ومما يدل على ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]، وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
وما رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ».
[ ١٤ / ٤٤٣ ]
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ التولي يوم الزحف لا يحرم وأنَّ ذلك مخصوص بيوم بدر، وهم محجوجون بهذه الأدلة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٤/ ٢٩): «وقد ذهب ذاهبون إلى أنَّ الفرار إنَّما كان حرامًا على الصحابة؛ لأنَّه -يعني الجهاد -كان فرض عين عليهم. وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنَّهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: إنَّما المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
وحجتهم في هذا: أنَّه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأمَّا اليوم: فإن انحاز إلى فئة أو مصر -أحسبه قال: فلا بأس عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي (٤/ ٣٠): «وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه
[ ١٤ / ٤٤٤ ]
حديث أبي هريرة المتقدم، من أنَّ الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويسقط وجوب مصابرة الأعداء في مواضع، وبيان ذلك أنَّ الجهاد إذا كان من قبيل جهاد الطلب فيسقط وجوب المصابرة في حالات:
الحالة الأولى: إذا كان العدو أكثر من المثلين فلهم الفرار والمصابرة أفضل.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ١٧١): «مسألة قال: "ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ومباح له أن يهرب من ثلاثة، فإن خشي الأسر، قاتل حتى يقتل".
وجملته أنَّه إذا التقى المسلمون والكفار، وجب الثبات، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ﴾
[ ١٤ / ٤٤٥ ]
الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وذكر النبي ﷺ الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر.
وحكي عن الحسن والضحاك أنَّ هذا كان يوم بدر خاصة ولا يجب في غيرها، والأمر مطلق وخبر النبي ﷺ عام، فلا يجوز التقييد والتخصيص إلَّا بدليل، وإنَّما يجب الثبات بشرطين:
أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار لقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر، بدليل قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ولو كان خبرًا على حقيقته، لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفًا، ولأنَّ خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أنَّ الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون، فعلم أنَّه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية، لا في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها» اهـ.
[ ١٤ / ٤٤٦ ]
الحالة الثانية: إذا لم يكن للمسلمين قدرة على دفع ما مع الكافرين من السلاح فلهم أن يفروا ولو كانوا أكثر من المشركين، وذلك كأن يستخدم العدو الطيران، وليس للمسلمين من الأسلحة التي تُضاد بها الطيران فلهم العذر في الفرار من العدو، وذلك أنَّ قوة السلاح في مثل هذه الصورة أعظم من القوة الناتجة من كثرة العدد فهم أعذر بالفرار مما ذكر في الآية. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٧/ ٣٨٠): «وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في "الواضحة": إنَّه يراعى الضعف والقوة والعدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٩/ ٥٠٤ - ٥٠٥) «إلَّا إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، أو كان عندهم عدة لا يمكن للمسلمين مقاومتها، كالطائرات إذا لم يكن عند المسلمين من صواريخ ما يدفعهم، فإذا علم أنَّ الصمود يستلزم الهلاك والقضاء على المسلمين، فلا يجوز لهم أن يبقوا؛ لأنَّ مقتضى ذلك أنَّهم يغررون بأنفسهم» اهـ.
[ ١٤ / ٤٤٧ ]
قُلْتُ: وهكذا عكس ذلك إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين إلَّا أنَّهم ليس معهم من السلاح ما يقاومون به القلة من المسلمين كأن يكون مع المسلمين الطائرات وليس مع الكافرين ذلك ولا ما يضاد به طيران المسلمين فيحرم حينئذ الفرار، ويراعى حينئذ القوة دون العدد في مثل ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
«الحالة الثانية: إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام. وهل يجوز انهزام مائة من أبطالنا من مائتين وواحد من ضعفاء الكفار وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنَّهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنَّما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف. والثاني: نعم؛ لأنَّ اعتبار الأوصاف يعسر فتعلق الحكم بالعدد» اهـ.
قُلْتُ: وما صححه هو الصحيح، وذلك أنَّ الشرع اعتبر العدد لأنَّه مظنة القوة غالبًا فإذا كانت القوة حاصلة بالقلة والضعف حاصل في الكثرة فينبغي مراعاة القوة دون العدد. والله أعلم.
الحالة الثالثة: أن يطرأ على الشخص مانع من موانع القتال كالعمى والعرج ونحو ذلك.
[ ١٤ / ٤٤٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٣٦): «فأمَّا إن حدث للإنسان في نفسه عذر من مرض أو عمى أو عرج، فله الانصراف، سواء التقى الزحفان، أو لم يلتقيا؛ لأنَّه لا يمكنه القتال، ولا فائدة في مقامه» اهـ.
الحالة الرابعة: أن تفنى أسلحة المجاهدين.
قُلْتُ: إن أمكنهم أن يجاهدوا بالحجارة فعلوا وإن لم يمكنهم ذلك فلهم الانصراف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٤٨): «أمَّا من عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال ويستحب أن يولي متحرفًا أو متحيزًا فإن أمكنه الرمي بالأحجار فهل تقوم مقام السلاح وجهان: قُلْتُ: أصحهما تقوم والله أعلم» اهـ.
الحالة الخامسة: فناء النفقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢١٣): «ولو انصرف لذهاب نفقة أو هلاك دابة ثم قدر على النفقة والدابة في بلاد الكفار لزمه الرجوع للجهاد وإن كان فارق بلاد الكفر لم يلزمه الرجوع» اهـ.
[ ١٤ / ٤٤٩ ]
قُلْتُ: وأمَّا إن كان الجهاد من قبيل جهاد الدفع فتجب المصابرة وإن كان العدو أكثر من ضعفي المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (١٨٨): «فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبًا ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق.
ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون؛ فإنَّهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم، لأنَّه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١١/ ٣٧٦): «وقال شيخنا: جهاد الدافع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار من مثليهم؛ لأنَّه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوبًا، وكذا لما قدم التتر دمشق» اهـ.
قُلْتُ: ولهم العذر في الفرار في الحالة الثانية والثالثة والرابعة لعدم القدرة على الجهاد، وهكذا إذا كان في العدو كثرة لا تقاوم عادة، ويدل على ذلك ما رواه
[ ١٤ / ٤٥٠ ]
مسلم (٧٢٩٩) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ في حديث الدجال الطويل وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ».
قُلْتُ: وهذه الصورة المذكورة في الحديث هي أحد الصور التي يتعين بها الجهاد، وهي عند لقاء العدو، والصورة الثانية: عند استنفار الإمام فيجب على من استنفره الإمام النفير لجهاد العدو، ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (٣٢٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
[ ١٤ / ٤٥١ ]
والصورة الثالثة: إذا نزل العدو في بلد من بلدان المسلمين فيتعين على أهل البلد جهاده.
٦ - وفيه أنَّ الجهاد من أسباب دخول الجنة، وهو مأخوذ من قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، وذكر السيوف ليس من باب تخصيص الفضل بها دون غيرها وإنَّما لكونها أغلب أسلحة الناس في تلك الأزمان، أو لكون الشهادة تقع بها غالبًا، أو لكون القتال بالسيوف أشد من غيرها فيحتاج المقاتل بها إلى مزيد تثبيت بذكر ما في ذلك من الأجر العظيم. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٨): «وقوله: "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة الوجيزة؛ بحيث يعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله. فإنَّه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم؛ حتى كأنَّ السيوف أظلت الضاربين بها،
[ ١٤ / ٤٥٢ ]
ويعني: أنَّ الضارب بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك. وهذا كما قاله في الحديث الآخر: "الجنة تحت أقدام الأمهات"؛ أي: من بر أمه، وقام بحقها، دخل الجنة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٩): «ونسبت الجنة إلى ظل السيف لأنَّ الشهادة تقع به غالبًا، ولأنَّ ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل، ولأنَّ ظل السيف لا يظهر إلَّا بعد الضرب به لأنَّه قبل ذلك يكون مغمودًا معلقًا» اهـ.
٧ - وفيه استحباب الدعاء وطلب النصرة على الأعداء.
لا سيما هذا الدعاء الذي دعا به النبي ﷺ فإنَّه من أحسن الأدعية في هذا القام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٨٩ - ٤٩٠):
«وهذا الدعاء لعله أشار إلى ثلاثة أسباب تطلب بها الإباحة.
أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل وعليه يدل قوله ﵇: "منزل الكتاب" كأنَّه قال: كما أنزلته فانصره وأعله وأشار إلى القدرة بقوله: "ومجري السحاب" وأشار إلى أمرين أحدهما: بقوله: "وهازم الأحزاب" إلى التفرد بالفعل
[ ١٤ / ٤٥٣ ]
وتجريد التوكل واطراح الأسباب واعتقاد أنَّ الله وحده هو الفاعل، والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة وقد ضمن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعدما أشار إليه كتاب الله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، وعن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
وقال الشاعر:
كما أحسن الله فيما مضى … كذلك يحسن فيما بقي.
وقال الآخر:
لا والذي قد من بالإ … سلام يثلج في فؤادي
ما كان يختم بالإساء … ة وهو بالإحسان بادي» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٥٧): «قوله: "ثم قال اللهم منزل الكتاب" الخ. أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وبمجرى السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر فأشار بحركته إلى
[ ١٤ / ٤٥٤ ]
إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة للمسلمين، وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة وإلى تجريد التوكل واعتقاد أنَّ الله هو المنفرد بالفعل، وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإنَّ بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنَّه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما» اهـ.
٨ - وفيه مشروعية السجع في الدعاء من غير تكلف.
وأمَّا ما رواه البخاري (٦٣٣٧): عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا القُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي القَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ».
[ ١٤ / ٤٥٥ ]
فهو محمول على السجع المتكلف لأنَّه لا يلائم الضراعة والذلة.
٩ - وفيه رفق الأمير بالجيش باختيار الأوقات المناسبة للقتال.
* * *
[ ١٤ / ٤٥٦ ]
٣٩٤ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
قَوْلُهُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». الرباط هو ملازمة الثغر الذي بين المسلمين والكافرين.
وأصل الرباط من الربط، وهو أن يربط المسلمون خيلهم، ويربط الكافرون خيلهم استعدادًا للقتال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
أو لكون المرابط في الثغور ربط نفسه فيها لمراقبة الأعداء.
وَقَوْلُهُ: «وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ». السوط سَيْرٌ يقطع من الجلد.
وَقَوْلُهُ: «وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا». الروحة: واحدة الرواح وهي السير آخر النهار، وذلك من بعد الزوال إلى غروب الشمس، والغدوة: المرة من الغدو، وهو السير أول النهار إلى انتصاف النهار.
[ ١٤ / ٤٥٧ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فضل الرباط في سبيل الله تعالى.
وهو يعم الوطن وغيره إذا كان ثغرًا ونوى ذلك، ويحكى عن مالك أنَّه يشترط في الرباط أن يكون في غير الوطن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦١ - ١٦٢):
«إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَرِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَيَلْزَمَ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ لِمَعْنَى الْحِفْظِ وَتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَطَنُهُ الثَّغْرَ فَلَيْسَتْ إقَامَتُهُ بِهِ رِبَاطًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ وَيُقِيمَ لِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَقَامَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَمْ يَرْبِطْ نَفْسَهُ لِمُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رِبَاطُ الْخَيْلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَسْتَغْنِي عَنْ اتِّخَاذِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ الْمَقَامَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالثَّغْرِ وَمَوْضِعِ الْخَوْفِ لِلرِّبَاطِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمَقَامُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ لَهُ حُكْمُ الرِّبَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٨٥):
[ ١٤ / ٤٥٨ ]
«الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُم قَالَ بن التِّينِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ قَالَهُ بن حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي إِطْلَاقِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَطَنُهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ» اهـ.
قُلْتُ: وكان المدينة موضعًا للرباط قبل فتح مكة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٢٤٩):
«وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ دَارَ إيمَانٍ وَهِجْرَةٍ وَمَكَانًا لِلرِّبَاطِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَلَمْ تَبْقَ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَرِبَاطٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ بَلْ قَدْ قَالَ ﷺ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَصَارَتْ الثُّغُورُ أَطْرَافُ أَرْضِ الْحِجَازِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ: أَرْضَ الشَّامِ وَأَرْضَ الْعِرَاقِ. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ صَارَتْ الثُّغُورُ بِالشَّامِ سَوَاحِلَ الْبَحْرِ؛ كَعَسْقَلَانَ وَعَكَّةَ وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ. وَبِالْعِرَاقِ عبادان وَنَحْوُهَا؛ وَلِهَذَا يَكْثُرُ ذِكْرُ "عَسْقَلَانَ" و"عبادان" فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِكَوْنِهِمَا كَانَا ثَغْرَيْنِ وَكَانَتْ أَيْضًا "طرطوش" ثَغْرًا لَمَّا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمَّا أَخَذَهَا الْكُفَّارُ صَارَ الثَّغْرُ مَا يُجَاوِرُ أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ» اهـ.
[ ١٤ / ٤٥٩ ]
قُلْتُ: وقد زال الخوف في كثير من الأماكن التي كانت ثغورًا مخوفة، وصارت أكثر بلدان المسلمين المحادة للكافرين في أمن، فالذي يظهر لي أنَّ البقاء فيها لا يدخل في مسمى الرباط في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ١٦٢):
«إذَا كَانَ الثَّغْرُ رِبَاطًا لِمَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْمَخَافَةُ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بَعُدَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَاطِ يَزُولُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيَجْعَلُهُ فِي جُدَّةٍ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا خَوْفٌ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي] (١/ ٤٠٦):
«وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ بِمَحَلٍّ ثُمَّ زَالَ فَلَا يُنْدَبُ الرِّبَاطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّحَصُّنُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ سَطْوَةِ الْعَدُوِّ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلرِّبَاطِ» اهـ.
وقد جاء في فضل الرباط ما رواه مسلم (١٩١٣) عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».
[ ١٤ / ٤٦٠ ]
وَقَوْلُهُ: «جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ». أي حال رباطة، فيجري عليه أجر الرباط وما كان يعمله من الأعمال حال رباطة.
وَقَوْلُهُ: «وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ». موافق لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
وقد روى مسلم (١٨٨٧) عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً»، فَقَالَ: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا».
[ ١٤ / ٤٦١ ]
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٤٦٠٣)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٣٩٨١)، وابن عساكر في [الْجِهَادِ] (١٨) من طريق عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ فِي الرِّبَاطِ، فَفَزِعُوا إِلَى السَّاحِلِ، ثُمَّ قِيلَ: لَا بَأْسَ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَاقِفٌ، فَمَرَّ بِهِ إِنْسَانٌ، فَقَالَ: مَا يُوقِفُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ.
لكن في الحديث اختلاف، فقد رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَّةِ] (١٩٣٦) فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ ثنا سَعِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ ثنا محمد ابن أبى أيوب ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَالَفَهُ عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ عَنِ المقرئ فَقَالَ عَنْ مُجَاهِدٍ بَدَلَ يُونُسَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
[ ١٤ / ٤٦٢ ]
قُلْتُ: حديث عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ أصح.
وثَمَّ اختلاف آخر.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٨/ ٤٠٨):
«يُونُسُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ورَوَاهُ أصبغ عَنِ ابْنِ وهب قَالَ أخبرني سَعِيد بْن أَبِي أيوب عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ يونس بْن يحيى» اهـ.
قُلْتُ: يونس بن يحيى لم أعرفه، وأمَّا يونس بن خباب في حديث ابن أبي عمر فهو منكر الحديث.
فالأظهر أنَّ أصح طريق من طرق الحديث هي طريق ابن وهب، وهي معلولة بجهالة يونس بن يحيى، فَالْحَدِيْثُ ضَعِيْفٌ مُعَلٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥ - ٦):
«بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة وما أعلم في هذا نزاعًا بين أهل العلم وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأنَّ الربط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون
[ ١٤ / ٤٦٣ ]
من جنس الحج؛ كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه سئل: أي الأعمال أفضل: قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور". وقد روي: "غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة" وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي: أنَّ النبي ﷺ قال: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطًا مات مجاهدًا وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان". وفي السنن عن عثمان عن النبي ﷺ أنَّه قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل": وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله ﷺ وذكر أنَّه قال لهم ذلك تبليغًا للسنة. وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وفضائل الرباط والحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه الورقة. والله أعلم» اهـ.
قْلْتُ: واختلف العلماء أيهما أفضل الجهاد أم الرباط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ١١٩):
[ ١٤ / ٤٦٤ ]
«إحْدَاهَا: الْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ الْحَكَمِ، فِي تَفْضِيلِ تَجْهِيزِ الْغَازِي عَلَى الْمُرَابِطِ مِنْ غَيْرِ غَزْوٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ. لِأَنَّ الرِّبَاطَ أَصْلٌ وَالْجِهَادَ فَرْعُهُ. لِأَنَّهُ مَعْقِلٌ لِلْعَدُوِّ، وَرَدَّ لَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ» اهـ.
وأبو بكر هو غلام الخلال: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد.
قْلْتُ: ومن فضل الرباط على الجهاد احتج بما سبق من الحديث.
وبأنَّ الرباط حفظ لدماء المسلمين والجهاد سفك لدماء الكافرين.
وأجيب بأنَّ في سفك دماء الكافرين حفظًا لدماء المسلمين، وذلك أنَّ المسلمين إذا جبنوا عن الجهاد تسلط عليهم الأعداء مع ما في قتال الكافرين من إعلاء كلمة الله تعالى وجعل الدين كله لله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى.
قال المفضلون للرباط على الجهاد: ولأنَّ الرباط أصل والجهاد فرع.
وأجيب: بأنَّ الرباط من أجل الجهاد، فالمرابط يرابط من أجل جهاد الكافرين إذا هم هجموا على المسلمين، فالرباط وسيلة والجهاد هو الغاية.
[ ١٤ / ٤٦٥ ]
قال المفضلون للرباط على الجهاد: ولأنَّ الرباط شبيه بحفظ رأس المال، والجهاد شبيه بطلب الربح، وهذا في جهاد الطلب لا الدفع.
وأجيب: بأنَّ الجهاد فيه المعنيان جميعًا فإنَّ حفظ المسلمين لا يكون إلَّا بقتال أعدائهم، وإذا ترك المسلمون الجهاد تسلط عليهم الأعداء كما هو الواقع.
ومن فضل الجهاد احتج بما رواه مسلم (١٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى».
وفي البخاري (٢٧٨٧) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
قُلْتُ: ويمكن من فضل الرباط أن يقول: جاء في الرباط ما هو أبلغ من ذلك وهو أنَّ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وقد سبق قول النبي صلى الله عليه
[ ١٤ / ٤٦٦ ]
وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».
والجهاد لم يبلغ إلى هذا الفضل، بل غاية ما فيه أنَّ من جاهد يومًا فهو كالصائم والمصلي الذي لا يفتر في يومه ذاك.
وأجيب: بأنَّ النبي ﷺ أخبرهم بأنَّهم لا يستطيعون أن يفعلوا ما يعدل الجهاد، وأمَّا صيام شهر وقيامه فإنَّه من المستطاع، فالمرابط في يوم وليلة خير ممن صام شهرًا وقامه، والمجاهد كالعابد الذي لا يكل ولا يمل من العبادة في ليله ونهاره وفي جميع لحظاته وما لا يستطاع فعله أعظم مما يستطاع فعله.
وأيضًا وروى البخاري (٢٧٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: «لَا أَجِدُهُ». قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟»، قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ».
وأيضًا فإنَّ جهاد يوم وليلة في سبيل الله تعالى أفضل من صيام شهر وقيامه فإنَّ الجهاد فرض والفرض خير من النفل.
[ ١٤ / ٤٦٧ ]
وأيضًا قوله ﷺ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى». غاية ما فيه تشبيه هذا بهذا وليس فيه أنَّ من جاهد يومًا في سبيل الله تعالى أجره كأجر من صلى يومًا، وصامه، وإنَّما وجه التشبيه أنَّ المجاهد في عمل صالح في حركاته وسكناته وفي نومه ويقظته، فلا يشبهه في ذلك إلَّا من كان مداومًا للصلاة والصوم والطاعة في جميع لحظاته، فهذا وجه التشبيه.
ولو افترضنا أنَّ رجلًا جاهد ساعة، وآخر صلى ساعة وصامها فلا يقال: إنَّهما في الأجر سواء لكن يقال: هذا يشبه هذا في المداومة على الخير والعبادة. والله أعلم.
وأيضًا وروى أحمد (١٠٧٩٦)، والترمذي (١٦٥٠) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ، فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ
[ ١٤ / ٤٦٨ ]
عَامًا، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، اغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وهشام بن سعد مختلف فيه وقد قدمه أبو زرعة على ابن إسحاق فمثله حسن الحديث. والله أعلم. ولبعض ألفاظه شواهد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٤٧):
«الفواق ما بين الحلبتين وقيل ما هو بين الشُخبين. الشخبان ما يخرج من اللبن» اهـ.
والمراد بالشخبين ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع.
قُلْتُ: وهذا أبلغ مما ورد في أجر الرباط.
واحتج المفضلون للجهاد على الرباط بما رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ولم يذكر الرباط.
[ ١٤ / ٤٦٩ ]
وقد يجاب عن ذلك: بأنَّ هذا ليس من قبيل التفضيل المطلق بين الأعمال، وإنَّما هو باعتبار السائل أي: هذا هو الأفضل له، والشخص المعين قد يكون المفضول في حقه أفضل من الفاضل.
ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ قد قدَّم أعمالًا عل الجهاد فروى البخاري (٢٧٨٢)، ومسلم (٨٥) عَنْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (١٠/ ٥٣٤):
«وأمَّا قوله ﷺ حين سُئل أي العمل أفضل، فقال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد" فقرن حق الوالدين بحق الله ﷿ على عباده بواو العطف، وليس هذا بمخالف للحديث الآخر أنَّ النبي ﷺ سُئل أي العمل أفضل، فقال: "إيمان بالله، ثم الجهاد، ثم حج مبرور"، ولم يذكر بر الوالدين، وإنَّما يفتى السائل بحسب ما يعلم من حاله، أو ما يتقى عليه من فتنة
[ ١٤ / ٤٧٠ ]
الشيطان. فلذلك اختلف ترتيب أفضل الأعمال، مع أنه قد يكون العمل في وقت أوكد وأفضل منه في وقت آخر، كالجهاد الذى يتأكد مرةً، ويتراخى مرةً» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري (١٥٢٠) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
وفيه أنَّ المتقرر في نفوس الصحابة أنَّ الجهاد أفضل الأعمال لكن لما لم يكن على النساء جهاد كان أفضل الجهاد بالنسبة لهن الحج المبرور.
وقد يجاب بأنَّ ما كان متقررًا في نفس عائشة ﵁ ليس بصحيح، وذلك النبي ﷺ قد فضل على الجهاد الصلاة على وقتها وبر الوالدين.
ولمن فضل الجهاد أن يقول: قد كثرت الأدلة في فضل الجهاد بما لم يأت قريب منه في الرباط.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
[ ١٤ / ٤٧١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ٨٤ - ٨٥):
«فجعل سبحانه ها هنا الجنة ثمنًا لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها فيه استحقوا الثمن وعقد معهم هذا العقد وأكده بأنواع من التأكيد
أحدها: إخبارهم ﷾ بصيغة الخبر المؤكد بأداة "إنَّ".
الثاني: الأخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع وثبت واستقر.
الثالث: إضافة هذا العقد إلى نفسه سبحانه وأنَّه هو الذي اشترى هذا المبيع.
الرابع: أنَّه أخبر بأنَّه وعد بتسليم هذا الثمن وعدًا لا يخلفه ولا يتركه.
الخامس: أنَّه أتى بصيغة على التي للوجوب أعلامًا لعباده بأنَّ ذلك حق عليه أحقه هو على نفسه.
السادس: أنَّه أكد ذلك بكونه حقًا عليه.
السابع: أنَّه أخبر عن محل هذا الوعد وأنَّه في أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن.
الثامن: إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار وأنَّه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه.
[ ١٤ / ٤٧٢ ]
التاسع: أنَّه ﷾ أمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ويبشر به بعضهم بعضًا بشارة من قد تم له العقد ولزم بحيث لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسخه.
العاشر: أنَّه أخبرهم إخبارًا مؤكدًا بأنَّ ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم والبيع ههنا بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنة.
وقوله: ﴿بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ أي عاوضتم وثامنتم به» اهـ.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [طَرِيْقِ الْهِجْرَتِيْنِ] (ص: ٣٥٥ - ٣٥٦):
«وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات، ويكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكَمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة
[ ١٤ / ٤٧٣ ]
الرابحة التي الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم فقال: ﴿تُؤْمِنُون بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفَسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعنى أنَّ الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنَّها قالت: فما لنا في الجهاد من الحظ؟ فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ﴾، مع المغفرة: ﴿يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]، فكأنها قالت: هذا في الآخرة فما لنا في الدنيا؟ فقال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنَّه جواد كريم» اهـ.
وجاء في حديث مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ».
[ ١٤ / ٤٧٤ ]
رواه أحمد (٢٢٠٦٩)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجة (٣٩٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣٩٤) من طريق مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وهذا الحديث يدل على أنَّ الجهاد أعلى شيء في الإسلام لكنَّه ليس من دعائمة وأركانه التي لا يقوم الإسلام إلَّا بها.
وروى البخاري (٢٧٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ».
[ ١٤ / ٤٧٥ ]
وفي البخاري (٩٠٧) عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ - وهو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ- وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الجهاد أفضل من الرباط. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤):
«وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأُمَّةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا. إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ
[ ١٤ / ٤٧٦ ]
وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ» اهـ.
وجاء في فضل حراسة المجاهدين:
ما رواه الترمذي (١٦٣٩) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٨٨١٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ».
قَالَ مُحَمَّدٌ: «كَانَ يَحْيَى إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ لَا يَرْفَعُهُ، وَإِذَا حَدَّثَ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَخَاصَّتِهِ رَفَعَهُ» اهـ.
قُلْتُ: يحيى هو ابن سعيد القطان.
[ ١٤ / ٤٧٧ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩٣٣٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ نا ثَوْرٌ به موقوفًا على ابن عمر.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤١٥):
«رواه يحيى القطان، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن مجاهد بن رباح، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
كذلك حدث به عنه بندار مرفوعًا، قال: وربما لم يرفعه يحيى.
وغيره يرويه عن يحيى، موقوفًا.
وكذلك قال عمرو بن علي عنه.
وكذلك قال وكيع، عن ثور بن يزيد، موقوفًا، وهو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: الموقوف له حكم الرفع، لكن في إسناد المرفوع والموقوف مجاهد بن رباح مجهول، وقد صحح العلامة الألباني ﵀ الحديث، ولعله ظنَّ أنَّ مجاهدًا هو ابن جبر، وذلك أنَّه ذكر من غير أن ينسب في كثير من المصادر.
وروى أبو داود (٢٥٠١) عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ، حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً فَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
[ ١٤ / ٤٧٨ ]
انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ، وَنَعَمِهِمْ، وَشَائِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ثُمَّ، قَالَ: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟»، قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَارْكَبْ»، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ»، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ»، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ نَزَلْتَ
[ ١٤ / ٤٧٩ ]
اللَّيْلَةَ؟» قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٢ - واحتج به من قال: أقل الرباط يوم لما في الحديث من معنى المبالغة في القلة.
وذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الرباط يصح ولو في ساعة من الزمان، وهو الصحيح ويدل عليه حديث أبي هريرة الماضي مرفوعًا: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ». لكنه لا يصح كما سبق بيانه.
٣ - وفيه بيان لعظيم ما في الجنة وأنَّ الشيء اليسير منها خير من الدنيا وما فيها، وكل هذا من باب الترغيب في الجهاد والرباط في سبيل الله.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٤): «والحاصل أنَّ المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأنَّ من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنَّه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أنَّ سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أنَّ هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا» اهـ.
[ ١٤ / ٤٨٠ ]
وروى البخاري (٢٧٩٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
٤ - وفيه فضل الروحة والغدوة في الجهاد في سبيل الله تعالى. وهو يشمل كل غدوة وروحة ولا يختص ذلك بالغدو من بيته إلى الجهاد في سبيل الله، بل يشمل غدوه ورواحه في جهاده.
٥ - وفيه أنَّ الزمن اليسير في طاعة الله تعالى خير من الدنيا وما فيها.
* * *
[ ١٤ / ٤٨١ ]
٣٩٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«انْتَدَبَ اللَّهُ»، وَلِمُسْلِمٍ: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
وَلِمُسْلِمٍ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
قَوْلُهُ: «انْتَدَبَ اللَّهُ» بمعنى تضمن كما في الرواية الأخرى، وتكفل، كما جاء في لفظ عند البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦): «تَكَفَّلَ اللَّهُ».
تنبيه: الرواية التي عزاها المصنف لمسلم هي للبخاري (٢٧٨٧)، ولفظه: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
وروى مسلم (١٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؟ قَالَ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى».
وروى مسلم (١٨٧٦) أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
[ ١٤ / ٤٨٢ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وأنَّه من أسباب دخول الجنة، ويبدأ هذا الوعد بالموت مباشرة فإنَّ أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة ثم تأوي في قناديل معلقة بالعرش كما في حديث ابن مسعود.
وفي الرواية الأخرى فضل آخر للجهاد من حيث تشبيه النبي ﷺ له بمن هو صائم في نهاره وقائم في ليله، وهذا يدل على أنَّ المجاهد في أجر
[ ١٤ / ٤٨٣ ]
مستمر في الليل والنهار، وقد بيَّن ذلك الله ﷿ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٨/ ٣٠٢ - ٣٠٣): «هذا من أفضل حديث وأجله في فضل الجهاد لأنَّه مثله بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة فأي شيء أفضل من الجهاد يكون صاحبه راكبًا وماشيًا وراقدًا ومتلذذًا بكثير من حديث رفيقه وأكله وشربه وغير ذلك مما أبيح له وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم مع ذلك المجتهد إنَّ هذا لغاية في الفضل وفقنا الله برحمته.
ولهذا ومثله قلنا: إنَّ الفضائل لا تدرك بقياس ونظر والله المستعان وحسبك من فضل الجهاد بقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. في هذا الحديث دليل على إجازة
[ ١٤ / ٤٨٤ ]
القياس بالتشبيه والتمثيل في الأحكام وهذا باب جسيم قد أفردنا له أبوابًا في كتاب العلم والحمد لله» اهـ.
٢ - أنَّ المجاهد لا ينال أجر الجهاد إلَّا بشرطين وهما: أن يكون في سبيل الله، وأن يكون الدافع له الإيمان بالله تعالى.
وروى البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
٣ - وفيه فضل الإخلاص في العمل الصالح.
٤ - وفيه أنَّ المجاهد داخل في ضمان الله تعالى.
٥ - وفي الحديث فضل الصيام والقيام حيث شبه بهما الجهاد في سبيل الله تعالى.
٦ - وفيه أنَّ التشبيه قد يقع على أمر لا يشرع، وذلك أنَّ قيام الليل بأكمله وصوم النهار إن بلغ إلى صوم الدهر فلا يشرع.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٤٩٣): «نظير هذا: قول النبي ﷺ لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد؟ فقال: "لا
[ ١٤ / ٤٨٥ ]
تستطيعه. هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر"؟ قال: لا. قال: "فذلك مثل المجاهد" ومعلوم أنَّ هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع» اهـ.
قُلْتُ: وفي قوله في الحديث: «نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، وقوله: «أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». مما يشكل، وذلك أنَّه قد يتبادر من ظاهره أنَّ المجاهد قد يرجع بأجر من غير غنيمة أو بغنيمة من غير أجر.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٨ - ١٠): «قوله: "مع أجر أو غنيمة". أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئًا أو مع غنيمة خالصة معها أجر وكأنَّه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة والحامل على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غنم لا يحصل له أجر وليس ذلك مرادًا بل المراد أو غنيمة معها أجر انقص من أجر من لم يغنم لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرًا عند وجودها فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحًا في نفي الجمع.
[ ١٤ / ٤٨٦ ]
وقال الكرماني: معنى الحديث أنَّ المجاهد إمَّا يستشهد أو لا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع.
وقد قيل في الجواب عن هذا الاشكال: إنَّ "أو" بمعنى الواو وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحها التوربشتي والتقدير بأجر وغنيمة وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد وقد رواه جعفر الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى فقالوا: "أجر أو غنيمة" بصيغة أو، وقد رواه مالك في "الموطأ" بلفظ: "أو غنيمة" ولم يختلف عليه إلَّا في رواية يحيى بن بكير عنه فوقع فيه بلفظ: "وغنيمة"، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال ووقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ: "بما نال من أجر وغنيمة" فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأنَّ "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين لكن فيه إشكال صعب لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك فإنَّ كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة فما فرَّ منه الذي
[ ١٤ / ٤٨٧ ]
ادعى أنَّ "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره لأنَّه يلزم على ظاهرها أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر كما يلزم على أنَّها بمعنى الواو أنَّ كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلَّا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم". وهذا يؤيد التأويل الأول وأنَّ الذي يغنم يرجع بأجر لكنه انقص من أجر من لم يغنم فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم وهذا موافق لقول خباب في الحديث الصحيح الآتي: فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا الحديث. واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث وقد اشتهر تمدح النبي ﷺ بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضًا فإنَّ ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلًا مع أنَّ أهل بدر أفضل بالاتفاق وسبق إلى هذا الإشكال ابن عبد البر وحكاه عياض وذكر أنَّ بعضهم أجاب عنه بأنَّه ضعف حديث عبد الله بن عمرو
[ ١٤ / ٤٨٨ ]
لأنَّه من رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور وهذا مردود لأنَّه ثقة يحتج به عند مسلم وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما ولا يعرف فيه تجريح لأحد، ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمة أخذت على غير وجهها وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في رده إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر ولا أقل منه، ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضًا وفيه نظر لأنَّ صدر الحديث مصرح بأنَّ المقسم راجع إلى من اخلص لقوله في أوله: "لا يخرجه إلَّا إيمان بي وتصديق برسلي".
وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما. ولم يجب عن الإشكال المتعلق بأهل بدر.
وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين بل الحكم فيهما جار على القياس لأنَّ الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الأجر وإنَّما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها فيمكن أن يجاب بأنَّ أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض لأنَّ أخذ الغنائم أول ما شرع كان عونًا على الدين وقوة لضعفاء المسلمين وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في
[ ١٤ / ٤٨٩ ]
الأجر من حيث هو، وأمَّا الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدر فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم فغايته أنَّ حال أهل بدر مثلًا عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى ولم يرد فيهم نص أنَّهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة ولا يلزم من كونه مغفورًا لهم وأنَّهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى، وأمَّا الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه لكن ثبت أنَّ أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب ومع ذلك فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أنَّ كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئًا البتة.
قُلْتُ: والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل وإلَّا فالأمر على ما تقرر آخرًا بأنَّه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أحدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده مثال ذلك
[ ١٤ / ٤٩٠ ]
أن يكون لو فرض أنَّ أجر البدري بغير غنيمة ستمائة وأجر الأحدي مثلًا بغير غنيمة مائة فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة فيكون أكثر أجرًا من الأحدي وإنَّما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي ﷺ في قتال الكفار وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا فصارت لا يوازيها شيء في الفضل والله أعلم.
واختار ابن عبد البر أنَّ المراد بنقص أجر من غنم أنَّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة كما يؤجر من أصيب بماله فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم ذكره وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمة لطيفة بالغة: وذلك أنَّ الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان السلامة والغنيمة والأخروية دخول الجنة فإذا رجع سالمًا غانمًا فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث وإن رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته وكأنَّ معنى الحديث أنَّه يقال للمجاهد إذا فات عليك شيء من أمر
[ ١٤ / ٤٩١ ]
الدنيا عوضتك عنه ثوابًا وأمَّا الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معًا قال: وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في معنى الحديث أنَّ "أو" بمعنى الواو كما جاء في رواية لمسلم، وجاء ذلك أيضًا فيما رواه أبو داود (٢٤٩٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ سَمَاعَةَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وفي الباب أحاديث أخرى.
ومما يدل على اجتماع الأجر والغنيمة للمجاهد ما رواه مسلم (١٩٠٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي
[ ١٤ / ٤٩٢ ]
سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ».
وأمَّا قَوْلُ الْحِافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فيما سبق: «لكن فيه إشكال صعب لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك فإنَّ كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة» اهـ.
فيجاب عن ذلك بأنَّ الحديث خرج مخرج الغالب، وذلك أنَّ الغالب هو النصر للمؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١].
[ ١٤ / ٤٩٣ ]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وهكذا فإنَّ الغالب مع النصر الغنيمة، فلهذا جمع بينهما في الحديث. والله أعلم.
* * *
[ ١٤ / ٤٩٤ ]
٣٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».
قَوْلُهُ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ». أي: مجروح.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فضل الكلم في سبيل الله تعالى، وعمومه يشمل الشهيد وغيره.
٢ - وفيه أنَّه لا ينال المكلوم هذا الفضل إلَّا بالإخلاص.
٣ - واحتج به من قال بعدم تغسيل الشهيد.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠): «وفيه نظر لأنَّه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشهيد في هذا الحديث قوله ﷺ في شهداء أحد: "زملوهم بدمائهم"» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على حكم تغسيل الشهيد في كتاب الجنائز.
[ ١٤ / ٤٩٥ ]
٤ - واحتج به على طهارة المسك، ووجه الاحتجاج تشبيه دم الشهداء به، وهذا التشبيه من باب الفضل والتكريم، ولا يكون ذلك مع القول بنجاسة المسك.
وقد كره المسك جماعة من السلف كالحسن عطاء وغيرهما، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٢٤): «ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه» اهـ.
قُلْتُ: وكراهة من كرهه لأنَّه مستحيل من دم الغزلان، ولا وجه لهذه الكراهة فإنَّ الاستحالة مطهرة.
والمسك هو أطيب الطيب كما روى مسلم (٢٢٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا».
ولهذا كان ختام شراب الأبرار مسك كما قال الله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦].
أي: أخره مسك يخالطه.
[ ١٤ / ٤٩٦ ]
ورشح أهل الجنة المسك فروى البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا».
وتراب الجنة المسك كما جاء في البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجنة: «وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ».
وطين أو طيب نهر الكوثر المسك فروى البخاري (٦٥٨١) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ح وحَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ - أَوْ طِيبُهُ - مِسْكٌ أَذْفَرُ». شَكَّ هُدْبَةُ.
[ ١٤ / ٤٩٧ ]
وقد تطيب به النبي ﷺ فروى مسلم (١١٩١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ».
قَالَ مُحَمَدُ بنُ مُوسَى الدَّمِيْرِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٤٧٢):
«وحقيقة ذلك المسك دم يجتمع في سرتها في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرة جعلها الله تعالى معدنًا للمسك، فهي تثمر كل سنة كالشجرة التي ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] وإذا حصل ذلك الورم مرضت له الظباء، إلى أن يتكامل» اهـ.
تنبيه: جاء عند أحمد (٢٢٠٦٧، ٢٢١٦٩)، والنسائي (٣١٤١) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ
[ ١٤ / ٤٩٨ ]
نَكْبَةً، فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَرِّ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ».
قَالَ عَبْدُ اللهُ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «قَالَ أَبِي: وقَالَ حَجَّاجٌ، وَرَوْحٌ: كَأَعَزِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَأَغَرِّ وَهَذَا الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أبو داود (٢٥٤١) من طريق أخرى عن مالك بن مخامر.
وفيه كما ترى: «لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ»، ولا تعارض بين هذا وبين حديث الباب: «اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ» وذلك أنَّ الزعفران أحمر اللون.
* * *
[ ١٤ / ٤٩٩ ]
٣٩٧ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قد سبق الكلام على معنى الحديث عند الكلام على حديث سهل بن سعد الساعدي.
٣٩٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». أخرجه البخاري.
قد سبق الكلام على معناه أيضًا.
وتمام الحديث في البخاري (٦٥٦٨) «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِي الخِمَارَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وَقَوْلُهُ: «وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ». أي: قدر قوسه.
[ ١٤ / ٥٠٠ ]
وجاء عند أحمد (١٢٤٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدِّهِ - يَعْنِي سَوْطَهُ - مِنَ الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وَقُوْلُهُ: «أَوْ مَوْضِعُ قَدِّهِ». شذ بها محمد بن طلحة بن مصرف والصحيح رواية إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري التي في البخاري.
* * *
[ ١٤ / ٥٠١ ]
٣٩٩ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ - وَذَكَرَ قِصَّةً - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ» قَالَهَا ثَلَاثًا.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ السَلَب للقاتل.
وفي الباب ما رواه البخاري (٣٠٥١)، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلَهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ.
وما رواه مسلم (١٧٥٤) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ،
[ ١٤ / ٥٠٢ ]
ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ».
وما رواه البخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ - حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا - فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟»، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ،
[ ١٤ / ٥٠٣ ]
فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ»، وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ، وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ.
وما رواه مسلم (١٧٥٣) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟» قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «ادْفَعْهُ إِلَيْهِ»، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ، فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا، أَوْ غَنَمًا، فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ».
ورواه أحمد (٢٤٠٤٣)، ومن طريقه أبو داود (٢٧١٩) قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فَرَافَقَنِي مَدَدٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[ ١٤ / ٥٠٤ ]
جَزُورًا فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرْقِ وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلَاحٌ مُذْهَبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ ﷿ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ مِنَ السَّلَبِ. قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ عَلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا خَالِدُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدِ اسْتَكْثَرْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا خَالِدُ رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ». قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ لَهُ: دُونَكَ يَا خَالِدُ، أَلَمْ أَفِ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا ذَلِكَ؟» فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا خَالِدُ لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ».
[ ١٤ / ٥٠٥ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٢): «هذه القضية جرت في غزوة مؤتة سنة ثمان كما بينه في الرواية التي بعد هذه. وهذا الحديث قد يستشكل من حيث أنَّ القاتل قد استحق السلب، فكيف منعه إياه؟ ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنَّما أخره تعزيرًا له ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁ وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه.
الوجه الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره، وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء» اهـ.
وفي الباب أيضًا ما رواه أحمد (١٢٢٥٨، ١٣٠٠٠، ١٤٠٠٧)، وأبو داود (٢٧١٨) من طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ». فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ،
[ ١٤ / ٥٠٦ ]
وَلَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا مَعَكِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ وَاللَّهِ إِنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٢ - حكم النبي ﷺ بأنَّ السلب للقاتل الأصل فيه أنَّه من التشريع العام، وهذا مما تنازع فيه العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٨٩): «وفي هذه الغزوة أنَّه قال: "من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه" وقاله في غزوة أخرى قبلها، فاختلف الفقهاء، هل هذا السلب مستحق بالشرع أو بالشرط؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد.
أحدهما: أنَّه له بالشرع، شرطه الإمام أو لم يشرطه، وهو قول الشافعي.
والثاني: أنَّه لا يستحق إلَّا بشرط الإمام، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك ﵀: لا يستحق إلَّا بشرط الإمام بعد القتال. فلو نص قبله، لم يجز. قال مالك: ولم يبلغني أنَّ النبي ﷺ قال ذلك إلَّا يوم حنين، وإنَّما نفل النبي ﷺ بعد أن برد القتال. ومأخذ النزاع أنَّ النبي ﷺ
[ ١٤ / ٥٠٧ ]
كان هو الإمام، والحاكم، والمفتي، وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعًا عامًا إلى يوم القيامة كقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وقوله: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته"، وكحكمه "بالشاهد، واليمين"، و"بالشفعة فيما لم يقسم".
وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد شكت إليه شح زوجها، وأنَّه لا يعطيها ما يكفيها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا سألها البينة.
وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي ﷺ زمانًا ومكانًا وحالًا، ومن ههنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه ﷺ كقوله ﷺ: "من قتل قتيلًا فله سلبه" هل قاله بمنصب الإمامة، فيكون حكمه متعلقًا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة، فيكون شرعًا عامًا؟ وكذلك قوله: "من أحيًا أرضًا ميتة فهي له" هل هو شرع عام لكل أحد، أذن فيه الإمام، أو لم
[ ١٤ / ٥٠٨ ]
يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة، فلا يملك بالإحياء إلَّا بإذن الإمام؟ على القولين، فالأول: للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما.
والثاني: لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة، وما لا يتشاح فيه الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول» اهـ.
قُلْتُ: الأصل أنَّ ما قاله النبي ﷺ داخل فيما قاله بمنصب الرسالة، فيكون شرعًا عامًا إلى يوم القيامة كما دلت على ذلك الأدلة المتكاثرة كقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٧ - ٤٩٨): «الفصل الأول: أنَّ القاتل يستحق السلب، قال ذلك الإمام أو لم يقل. وبه قال الأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يستحقه إلَّا أن يشرطه الإمام له.
وقال مالك: لا يستحقه، إلَّا أن يقول الإمام ذلك.
[ ١٤ / ٥٠٩ ]
ولم ير أن يقول الإمام ذلك إلَّا بعد انقضاء الحرب، على ما تقدم من مذهبه في النفل، وجعلوا السلب هاهنا من جملة الأنفال.
وقد روي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر، واحتجوا بما روى عوف بن مالك أنَّ مدديًا اتبعهم، فقتل علجًا، فأخذ خالد بعض سلبه، وأعطاه بعضه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا تعطه يا خالد". رواه سعيد، وأبو داود. وأنا اختصرت.
ورويا بإسنادهما عن شبر بن علقمة، قال: بارزت رجلًا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه، فأتيت به سعدًا، فخطب سعد أصحابه، وقال: إنَّ هذا سلب شبر، خير من اثني عشر ألفًا، وإنَّا قد نفلناه إياه.
ولو كان حقًا له، لم يحتج إلى نفله، ولأنَّ عمر أخذ الخمس من سلب البراء، ولو كان حقًا له لم يجز أن يأخذ منه شيئًا، ولأنَّ النبي ﷺ دفع سلب أبي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين.
ولنا، قول النبي ﷺ: "من قتل قتيلًا، فله سلبه". وهذا من قضايا رسول الله ﷺ المشهورة، التي عمل بها الخلفاء بعده، وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك؛ فإنَّ عوف بن مالك احتج على خالد حين أخذ
[ ١٤ / ٥١٠ ]
سلب المددي، فقال له عوف: أما تعلم أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى.
وقول عمر: إنَّا كنا لا نخمس السلب. يدل على أنَّ هذه قضية عامة في كل غزوة، وحكم مستمر لكل قاتل، وإنَّما أمر النبي ﷺ خالدًا أن لا يرد على المددي عقوبة، حين أغضبه عوف بتقريعه خالدًا بين يديه، وقوله: قد أنجزت لك ما ذكرت لك من أمر رسول الله ﷺ.
وأمَّا خبر شبر، فإنَّما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله ﷺ وسماه نفلًا، لأنَّه في الحقيقة نفل؛ لأنَّه زيادة على سهمه.
وأمَّا أبو قتادة، فإنَّ خصمه اعترف له به، وصدقه، فجرى مجرى البينة، ولأنَّ السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده، فلم يفتقر إلى شرطه، كالسهم.
إذا ثبت هذا، فإنَّ أحمد قال: لا يعجبني أن يأخذ السلب إلَّا بإذن الإمام. وهو قول الأوزاعي.
وقال ابن المنذر، والشافعي: له أخذه بغير إذن؛ لأنَّه استحقه بجعل النبي ﷺ له ذلك، ولا يأمن إن أظهره عليه أن لا يعطاه.
[ ١٤ / ٥١١ ]
ووجه قول أحمد، أنَّه فعل مجتهد فيه، فلم ينفذ أمره فيه إلَّا بإذن الإمام كأخذ سهمه.
ويحتمل أن يكون هذا من أحمد على سبيل الاستحباب، ليخرج من الخلاف، لا على سبيل الإيجاب فعلى هذا، إن أخذه بغير إذن، ترك الفضيلة، وله ما أخذه» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ دعوى القاتل لا تقبل إلَّا ببينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٩١): «وقوله ﷺ: "له عليه بينة" دليل على مسألتين:
إحداهما: أنَّ دعوى القاتل أنَّه قتل هذا الكافر، لا تقبل في استحقاق سلبه.
الثانية: الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين» اهـ.
ثم ذكر ﵀ حديث أبي قتادة، وهو ما رواه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا التَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ
[ ١٤ / ٥١٢ ]
النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَاهَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، يُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ»، فَأَعْطَاهُ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
وَقَالَ ﵀ (٣/ ٤٩٢): «وفي المسألة ثلاثة أقوال، هذا أحدها، وهو وجه في مذهب أحمد.
والثاني: أنَّه لا بد من شاهد ويمين، كإحدى الروايتين عن أحمد.
والثالث: - وهو منصوص الإمام أحمد - أنَّه لا بد من شاهدين، لأنَّها دعوى قتل، فلا تقبل إلَّا بشاهدين» اهـ.
[ ١٤ / ٥١٣ ]
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٧٥): «والصحيح: أن يكتفى في هذا بالشاهد الواحد، ولا يحتاج إلى شاهد آخر، ولا يمين، كما جاءت به السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما دلت عليه السنة.
٤ - وظاهر الحديث أنَّ السلب لا يخمس. وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤): «وقوله ﷺ: "فله سلبه"، دليل على أنَّ له سلبه كله غير مخمس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلًا: "له سلبه أجمع".
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
والثاني: أنَّه يخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة.
والثالث: أنَّ الإمام إن استكثره خمسه، وإن استقله لم يخمسه وهو قول إسحاق، وفعله عمر بن الخطاب، فروى سعيد في "سننه" عن ابن سيرين، أنَّ البراء بن مالك بارز مرزبان المرازبة بالبحرين، فطعنه، فدق صلبه، وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى البراء في داره فقال: إنَّا كنَّا لا نخمس السلب، وإن
[ ١٤ / ٥١٤ ]
سلب البراء قد بلغ مالًا، وأنا خامسه، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء، وبلغ ثلاثين ألفًا، والأول: أصح، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: "هو له أجمع"، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه.
والحديث يدل على أنَّه من أصل الغنيمة، فإنَّ النبي ﷺ قضى به للقاتل، ولم ينظر في قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خمس الخمس، وقال مالك: هو من خمس الخمس، ويدل على أنَّه يستحقه من يسهم له، ومن لا يسهم له من صبي وامرأة، وعبد ومشرك. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلَّا من يستحق السهم، لأنَّ السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي، والمرأة والمشرك، فالسلب أولى، والأول أصح للعموم، ولأنَّه جار مجرى قول الإمام: من فعل كذا وكذا، أو دل على حصن، أو جاء برأس، فله كذا مما فيه تحريض على الجهاد، والسهم مستحق بالحضور، وإن لم يكن منه فعل، والسلب مستحق بالفعل، فجرى مجرى الجعالة» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٤٦٨)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٧٠٨)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٧٨١)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ]
[ ١٤ / ٥١٥ ]
(١١٥٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٥٦٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١٦٥) عن ابن سيرين مرسلًا، وجاء موصولًا عن ابن سيرين عن أنس عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٧٦٠، ٣٣٧٦١)، وأبي عوانة في [مُسْنَدِهِ] (٥٣٣٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٥٦٧)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٢/ ٢٧٢)، وفي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٢٠٠): فالْأَثَرُ صَحِيْحٌ.
وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ عن هذا الأثر فقال في [الْعِلَلِ] (٢/ ١١٩): «يرويه بن عون وهشام بن حسان، عن ابن سيرين عن أنس عن عمر.
ورواه هشيم، عن ابن عون، ويونس وهشام وأشعث عن ابن سيرين مرسلًا عن عمر.
والمتصل صحيح والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٥ - ٤٩٦): «أنَّ السلب لا يخمس. روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وبه قال الشافعي، وابن المنذر، وابن جرير.
وقال ابن عباس: يخمس.
[ ١٤ / ٥١٦ ]
وبه قال الأوزاعي، ومكحول؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب خمسه، وذلك إليه؛ لما روى ابن سيرين، أنَّ البراء بن مالك بارز مرزبان الزأرة بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا طلحة في داره، فقال: إنَّا كنَّا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا، وأنا خامسه.
فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. وفيها أنَّ سلب البراء بلغ ثلاثين ألفًا.
ولنا، ما روى عوف بن مالك، وخالد بن الوليد، أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب. رواه أبو داود.
وعموم الأخبار التي ذكرناها، وخبر عمر حجة لنا، فإنَّه قال: إنَّا كنا لا نخمس السلب.
وقول الراوي: كان أول سلب خمس في الإسلام.
يعني أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر صدرًا من خلافته، لم يخمسوا سلبًا، واتباع ذلك أولى.
[ ١٤ / ٥١٧ ]
قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ﷺ شيء إلَّا اتباعه، ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله ﷺ.
وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية.
وإذا ثبت هذا، فإنَّ السلب من أصل الغنيمة. وقال مالك: يحتسب من خمس الخمس.
ولنا، أنَّ النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل مطلقًا، ولم ينقل عنه أنَّه احتسب به من خمس الخمس، ولأنَّه لو احتسب به من خمس الخمس، احتيج إلى معرفة قيمته وقدره، ولم ينقل ذلك ولأنَّ سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، فلم يكن من خمس الخمس، كسهم الفارس والراجل» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٦١):
«وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ يُخَمَّسُ السَّلَبُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِ إِنْ شاء خمسه وإن شَاءَ لَمْ يُخَمِّسْهُ» اهـ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَحْمُودِ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الاخْتِيَارِ لِتَعْلِيِلِ الْمُخْتَارِ] (٤/ ١٣٣):
[ ١٤ / ٥١٨ ]
«وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ فَلَهُ سَلَبُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ» اهـ.
قُلْتُ: عموم آية الغنيمة مخصوص بالسنة الواردة في أنَّ السلب للقاتل، وحديث سلمة بن الأكوع صريح في ذلك حيث جعل له النبي ﷺ له سلبه أجمع ولم يستثن شيئًا منه.
٥ - وظاهر الحديث أنَّه يأخذ جميع من قتلهم ولو كثروا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٩٥): «وفيه دلالة على أنَّه يستحق سلب جميع من قتله، وإن كثروا، وقد ذكر أبو داود أنَّ أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلًا، فأخذ أسلابهم» اهـ.
قُلْتُ: قد مضى حديث أبي طلحة.
٦ - وهل يشمل عمومه اشتراك الجماعة في قتل الواحد.
وفي ذلك نزاع بين العلماء، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٣): «وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه، فالسلب في الغنيمة؛ لأنَّهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله.
وإن اشترك في قتله اثنان، فظاهر كلام أحمد أنَّ سلبه غنيمة، فإنَّه قال، في رواية حرب: له السلب إذا انفرد بقتله.
[ ١٤ / ٥١٩ ]
وحكى أبو الخطاب، عن القاضي، إنَّهما يشتركان في سلبه؛ لقوله: "من قتل قتيلًا، فله سلبه".
وهذا يتناول الواحد والجماعة، ولأنَّهما اشتركا في السبب، فاشتركا في السلب.
ولنا، أنَّ السلب إنَّما يستحق بالتغرير في قتله، ولا يحصل ذلك بقتل الاثنين، فلم يستحق به السلب، كما لو قتله جماعة، ولم يبلغنا أنَّ النبي ﷺ شرك بين اثنين في سلب.
فإن اشترك اثنان في ضربه، وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر، فالسلب له؛ لأنَّ أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء، وأتيا النبي ﷺ فأخبراه، فقال: "كلاكما قتله". وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠١): «اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال أصحابنا: اشترك هذان الرجلان في جراحته، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح ثخنه أولًا فاستحق السلب، وإنَّما قال النبي ﷺ: "كلاكما قتله"، تطييبًا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في قتله، وإلَّا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن
[ ١٤ / ٥٢٠ ]
كونه متمنعًا إنَّما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضى له بالسلب. قالوا: وإنَّما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أنَّ ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب. هذا مذهب أصحابنا في معنى هذا الحديث.
وقال أصحاب مالك: إنَّما أعطاه لأحدهما؛ لأنَّ الإمام مخير في السلب يفعل فيه ما شاء، وقد سبق الرد على مذهبهم هذا. والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٦/ ٣٧٣): «ولو اشترك جماعة في قتله أو إثخانه فالسلب لهم.
وفي وجه أنَّه لو وقع بين جماعة لا يرجى نجاته منهم لم يختص قاتله بسلبه لأنَّه زال شره بالوقوع بينهم.
قال أبو الفرج الزاز: لو أمسكه واحد وقتله آخر فالسلب بينهما لاندفاع شره بهما، وكأنَّ هذا فيما إذا منعه الهرب ولم يضبطه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صحته هو أنَّ السلب يكون للواحد الذي غرر بنفسه ولا يكون بين اثنين فأكثر لأنَّه لم يغرر بنفسه، ولأنَّه لم ينقل عن النبي ﷺ أنَّه جعل السلب لأكثر من شخص.
[ ١٤ / ٥٢١ ]
٧ - وليس في الحديث ذكر أي شرط لاستحقاق القاتل السلب.
وقد ذكر العلماء في ذلك عدة شروط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩١): «أنَّه إنَّما يستحق السلب بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، فأمَّا إن قتل امرأة، أو صبيًا، أو شيخًا فانيًا، أو ضعيفًا مهينًا، ونحوهم ممن لا يقاتل، لم يستحق سلبه. لا نعلم فيه خلافًا.
وإن كان أحد هؤلاء يقاتل، استحق قاتله سلبه، لأنَّه يجوز قتله، ومن قتل أسيرًا له أو لغيره، لم يستحق سلبه؛ لذلك.
الثاني: أن يكون المقتول فيه منعة، غير مثخن بالجراح، فإن كان مثخنًا بالجراح، فليس لقاتله شيء من سلبه.
وبهذا قال مكحول، وجرير بن عثمان، والشافعي؛ لأنَّ معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل، وذفف عليه ابن مسعود، فقضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم يعط ابن مسعود شيئًا» اهـ.
[ ١٤ / ٥٢٢ ]
قُلْتُ: وحديث ابن مسعود رواه البخاري (٣٩٦١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ: هَلْ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ».
قُلْتُ: و"أعمد" فسرت بأعجب، وبأغضب، وفسرت بالهلاك أي: هل زاد على سيد قتله قومه.
ورواه البخاري (٤٠٢٠)، ومسلم (١٨٠٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ» فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، فَقَالَ: آنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ سُلَيْمَانُ: هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ، قَالَ: «أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ» قَالَ سُلَيْمَانُ: أَوْ قَالَ: «قَتَلَهُ قَوْمُهُ» قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ٢٩٥): «والأكار بتشديد الكاف الزراع وعني بذلك أنَّ الأنصار أصحاب زرع» اهـ.
[ ١٤ / ٥٢٣ ]
لكن ليس في هذه الروايات أنَّ ابن مسعود ذفَّف عليه أي أجهز عليه وجاء ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٧٨٥٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «أَقْعَصَ أَبَا جَهْلٍ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَذَفَّفَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ».
قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٢ - ٤٩٣): «الثالث، أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول.
قال أحمد: لا يكون السلب إلَّا للقاتل.
وإن أسر رجلًا، لم يستحق سلبه، سواء قتله الإمام أو لم يقتله.
وقال مكحول: لا يكون السلب إلَّا لمن أسر علجًا أو قتله.
وقال القاضي: إذا أسر رجل، فقتله الإمام صبرًا، فسلبه لمن أسره؛ لأنَّ الأسر أصعب من القتل، فإذا استحق سلبه بالقتل، كان تنبيهًا على استحقاقه بالأسر.
قال: وإن استبقاه الإمام، كان له فداؤه، أو رقبته وسلبه، لأنَّه كفى المسلمين شره.
ولنا، أنَّ المسلمين أسروا أسرى يوم بدر، فقتل النبي ﷺ عقبة والنضر بن الحارث، واستبقى سائرهم، فلم يعط من أسرهم أسلابهم، ولا فداءهم، وكان فداؤهم غنيمة.
[ ١٤ / ٥٢٤ ]
ولأنَّ النبي ﷺ إنَّما جعل السلب للقاتل، وليس الآسر بقاتل، ولأنَّ الإمام مخير في الأسرى، ولو كان لمن أسره، كان أمره إليه دون الإمام.
الرابع: أن يغرر بنفسه في قتله، فأمَّا إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله، فلا سلب له.
قال أحمد: السلب للقاتل، إنَّما هو في المبارزة، لا يكون في الهزيمة» اهـ.
قُلْتُ: إن رماه من صف المسلمين فهو متقوي بهم فهم شركاء معه في الغنيمة. والله أعلم.
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٠/ ٤٩٣): «وإن انهزم الكفار كلهم، فأدرك إنسان منهزمًا منهم، فقتله، فلا سلب له؛ لأنَّه لم يغرر في قتله.
وإن كانت الحرب قائمة، فانهزم أحدهم فقتله إنسان، فسلبه لقاتله؛ لأنَّ الحرب فر وكر، وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم، فقال النبي ﷺ: "من قتله"؟. قالوا: سلمة بن الأكوع. قال: "له سلبه أجمع". وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو ثور، وداود، وابن المنذر: السلب لكل قاتل؛ لعموم الخبر، واحتجاجًا بحديث سلمة هذا.
[ ١٤ / ٥٢٥ ]
ولنا، أنَّ ابن مسعود ذفف على أبي جهل، فلم يعطه النبي ﷺ سلبه، وأمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبرًا، ولم يعط سلبهما من قتلهما، وقتل بني قريظة صبرًا، فلم يعط من قتلهم أسلابهم، وإنَّما أعطى السلب من قتل مبارزًا، أو كفى المسلمين شره، وغرر في قتله، والمنهزم بعد انقضاء الحرب، قد كفى المسلمين شر نفسه، ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله، فلم يستحق سلبه كالأسير.
وأمَّا الذي قتله سلمة، فكان متحيزًا إلى فئة، وكذلك من قتل حال قيام الحرب، فإنَّه إن كان منهزمًا فهو متحيز إلى فئة، وراجع إلى القتال، فأشبه الكار، فإنَّ القتال فر وكر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ١٠٩): «وقال المصنف: إذا انهزم والحرب قائمة فأدركه وقتله فسلبه له لقصة سلمة بن الأكوع ﵁.
وقوله: "حال الحرب" هكذا قال الأصحاب.
قال الشيخ تقي الدين: في هذا نظر فإنَّ في حديث ابن الأكوع كان المقتول منفردًا ولا قتال هناك بل كان المقتول قد هرب منهم» اهـ.
[ ١٤ / ٥٢٦ ]
قُلْتُ: وما قاله شيخ الإسلام هو الذي يظهر لي صحته لحديث سلمة بن الأكوع ﵁.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (١١/ ١٢٠) - بعد ذكره لحديث سلمة بن الأكوع -: «فهذا مقتول هارب غير مقبل وقد حكم النبي ﷺ لسلمة بالسلب، وفيه دليل على إغفال من قال: لا يكون السلب إلَّا لمن قتل مشركًا مقبلًا، إذ سلمة قاتل قتيل مدبرًا، ويدل على إغفال من قال: أنَّ الذي لا يشك في أنَّ له سلب المشرك والحرب قائمة، لأنَّ سلمة قد حكم النبي ﷺ له بالسلب وصاحبه مدبر غير مقبل وقتله والحرب لسيت بقائمة، لأنَّ المقتول إنَّما قتل منفردًا في غير حال الحرب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٦/ ٣٧٢ - ٣٧٣): «أمَّا سبب استحقاقه فقال في "الوسيط" في ضبطه: هو ركوب الغرر في قهر كافر مقبل على القتال بما يكفي شره بالكلية وفيه قيود
أحدها: ركوب الغرر.
فلو رمى من حصن أو من وراء الصف كافرًا وقتله لم يستحق سلبه، وكذا لو رمى من صف المسلمين إلى صف الكفار فقتل رجلًا.
[ ١٤ / ٥٢٧ ]
القيد الثاني: إقبال الكافر على القتال وليس المراد اشتغاله بالقتال حين قتله لأَّنهما لو تقاتلا زمانًا ثم هرب فقتله المسلم في إدباره قال الأصحاب استحق سلبه.
ولا يشترط أيضًا أن تكون مقاتلته مع قاتله بل لو قصد كافر مسلمًا فجاء مسلم آخر من ورائه فقتله استحق سلبه، بل المرعي ما ذكره أصحابنا العراقيون أن يقتله مقبلًا أو مدبرًا والحرب قائمة، فأمَّا إذا انهزم جيش الكفار فاتبعهم فقتل كافرًا فلا يستحق سلبه؛ لأنَّ بهزيمتهم اندفع شرهم وما دامت الحرب قائمة فالشر متوقع والمولي لا تؤمن كرته.
ولو قتل كافرًا وهو أسير في يده أو نائم أو مشغول بأكل أو نحوه أو مثخن زائل الامتناع لم يستحق سلبه.
القيد الثالث: قهره بما يكفي شره بالكلية بقتل أو إثخان أو إزالة امتناع بأن يعميه أو يقطع يديه ورجليه ولا يلحق به قطع يد أو رجل، فلو قطع يديه أو رجليه أو يدًا ورجلًا فهو إثخان على الأظهر وهو رواية المزني وبه قطع جماعة» اهـ.
٨ - لم يقيد النبي ﷺ السلب بشيء، وقد قال لسلمة بن الأكوع: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ». فيشمل ذلك ما عليه من الثياب وما يحمله من السلاح والنقود،
[ ١٤ / ٥٢٨ ]
ويدخل في ذلك المركوب أيضًا لأنَّ سلب ابن الأكوع كان فيه إبل، ولم يستثنه النبي ﷺ من جملة السلب، وفي بعض ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩٩ - ٥٠٠): «مسألة قال: "والدابة وما عليها من آلتها من السلب، إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب.
وقد روي عن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى، أنَّ الدابة ليست من السلب". وجملته أنَّ السلب ما كان القتيل لابسًا له، من ثياب، وعمامة، وقلنسوة ومنطقة، ودرع، ومغفر، وبيضة، وتاج، وأسورة ورأن، وخف، بما في ذلك من حلية، ونحو ذلك؛ لأنَّ المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح؛ من السيف، والرمح، والسكين، واللت، ونحوه، لأنَّه يستعين به في قتاله، فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة؛ لأنَّه يستعين بها، فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان، بخلاف السلاح.
فأمَّا المال الذي معه في كمرانه وخريطته، فليس بسلب؛ لأنَّه ليس من الملبوس، ولا مما يستعين به في الحرب، وكذلك رحله وأثاثه، وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه.
[ ١٤ / ٥٢٩ ]
وبهذا قال الأوزاعي، ومكحول، والشافعي، إلَّا أنَّ الشافعي قال: ما لا يحتاج إليه في الحرب، كالتاج، والسوار، والطوق، والهميان الذي للنفقة، ليس من السلب في أحد القولين؛ لأنَّه مما لا يستعان به في الحرب، فأشبه المال الذي في خريطته.
ولنا، أنَّ في حديث البراء، أنَّه بارز مرزبان الزأرة، فقتله، فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفًا، فخمسه عمر، ودفعه إليه.
وفي حديث عمرو بن معدي كرب، أنَّه حمل على أسوار فطعنه، فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يده، وأخذ سوارين كانا عليه، ويلمقًا من ديباج، وسيفًا، ومنطقة، فسلم له ذلك.
ولأنَّه ملبوس له، فأشبه ثيابه، ولأنَّه داخل في اسم السلب، فأشبه الثياب والمنطقة، ويدخل في عموم قول النبي ﷺ: "فله سلبه".
واختلفت الرواية عن أحمد، في الدابة، فنقل عنه أنَّها ليست من السلب.
وهو اختيار أبي بكر؛ لأنَّ السلب ما كان على يديه، والدابة ليست كذلك، فلا يدخل في الخبر.
قال: وذكر عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب، فأخذ سواريه ومنطقته. ولم يذكر فرسه.
[ ١٤ / ٥٣٠ ]
ولنا ما روى عوف بن مالك، قال: "خرجت مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه، فعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت له: يا خالد، أما علمت أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. رواه الأثرم.
وفي حديث شبر بن علقمة، أنَّه أخذ فرسه.
كذلك قال أحمد: هو فيه.
ولأنَّ الفرس يستعان بها في الحرب، فأشبهت السلاح، وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت، فإنَّها من السلب وليست ملبوسة.
إذا ثبت هذا، فإنَّ الدابة وما عليها؛ من سرجها، ولجامها وتجفيفها، وحلية إن كانت عليها، وجميع آلتها من السلب؛ لأنَّه تابع لها، ويستعان به في الحرب، وإنَّما يكون من السلب إذا كان راكبًا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره، أو منفلتة، لم تكن من السلب، كالسلاح الذي ليس معه، وإن كان راكبًا عليها فصرعه عنها،
[ ١٤ / ٥٣١ ]
أو أشعره عليها، ثم قتله بعد نزوله عنها، فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي.
وإن كان ممسكًا بعنانها، غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: من السلب. وهو قول الشافعي؛ لأنَّه متمكن من القتال عليها، فأشبهت سيفه أو رمحه في يده.
والثانية: ليست من السلب. وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار الخلال؛ لأنَّه ليس براكب عليها، فأشبه ما لو كانت مع غلامه.
وإن كان على فرس، وفي يده جنيبة، لم تكن الجنيبة من السلب، لأنَّه لا يمكنه ركوبهما معًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٩): «وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا، فلا خلاف أنَّه ليس من السلب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ٩٠): «واختلف العلماء في السلب ما هو؟
قال مقيده عفا الله عنه: لهذه المسألة طرفان، وواسطة:
[ ١٤ / ٥٣٢ ]
طرف أجمع العلماء على أنَّه من السلب: وهو سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه.
وطرف أجمع العلماء على أنَّه ليس من السلب: وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير. أو جواهر، أو نحو ذلك.
وواسطة اختلف العلماء فيها: منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنَّه منه، ومنها ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة ليس منه، وهذا مروي عن سحنون إلَّا المنطقة، فإنَّها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في الواضحة، والسواران من السلب، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ليس في النفقة إجماع على أنَّها لا تدخل في السلب، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (٦/ ٣٧٥): «وفيما عليه من الزينة كالطوق والسوار والمنطقة والخاتم والهميان وما فيه من النفقة فقولان، ويقال وجهان:
أحدهما: ليست سلبًا كثيابه وأمتعته المخلفة في خيمته، وأظهرهما أنَّها سلب لأنَّها مسلوبة» اهـ.
[ ١٤ / ٥٣٣ ]
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي الْكَبِيْرِ] (٨/ ٣٩٩ - ٤٠٠): «والقسم الثالث: ما اختلف قوله فيه وهو كل ما كانت يده عليه في المعركة قوة على القتال وإن كان غير مقاتل به في الحال كالفرس الذي بجنبه عدة لقتاله، أو هميان النفقة الذي في وسطه قوة ليستعين بها على قتاله، ففيه قولان:
أحدهما: يكون سلبًا؛ لأنَّه قوة له على قتالنا، فصار كالذي يقاتل به.
والثاني: يكون غنيمة ولا يكون سلبًا؛ لأنَّه غير مقاتل به، وإن كان قوة له كالذي في رحله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ١١١): «وقيل فيما معه من دراهم ودنانير روايتان» اهـ.
قُلْتُ: الصواب إبقاء الدليل على عمومه إلَّا ما استثناه دليل أو إجماع.
ويدخل في المركوب في هذه الأيام السيارات، والمدرعات، والدبابات، والطائرات ونحو ذلك.
لكن ما لا يستقيم تركه مع آحاد الناس كالدبابات والطائرات فينبغي أن يدفع الوالي لصاحبها قيمتها ويدعها في مصالح المسلمين.
[ ١٤ / ٥٣٤ ]
٩ - ويدخل في عموم الحديث من لا سهم له ممن يرضخ له كالمرأة والعبد والصبي.
* * *
[ ١٤ / ٥٣٥ ]
٤٠٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ.
فِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟». فَقَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ».
قَوْلُهُ: «عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ». أي جاسوس.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٦٨): «وسمي الجاسوس عينًا لأنَّ جلَّ عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأنَّ جميع بدنه صار عينًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَفِي رِوَايَةٍ» أي لمسلم، وتمام قصة سلمة بن الأكوع رواها مسلم (١٧٥٤) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ، وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ
[ ١٤ / ٥٣٦ ]
عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قتل الجاسوس الحربي الكافر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٣): «وهو كذلك بإجماع المسلمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الجاسوس الذمي والمعاهد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٣): «وأمَّا الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله، وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، قال أصحابنا: إلَّا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك» اهـ.
[ ١٤ / ٥٣٧ ]
وهكذا اختلفوا في قتل الجاسوس المسلم، فالأكثر على عدم قتله، وذهب الإمام مالك وجماعة من المالكية إلى جواز قتله، واحتج من ذهب إلى جواز قتله بما رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا
[ ١٤ / ٥٣٨ ]
المُنَافِقِ، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣): «وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلمًا لأنَّ عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله ﷺ: لا يحل قتله إنَّه مسلم، بل قال: "وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم" فأجاب بأنَّ فيه مانعًا من قتله، وهو شهوده بدرًا، وفى الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح: أنَّ قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح، استبقاه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي ذكره العلامة ابن القيم هو الذي يظهر لي رجحانه.
٢ - وفيه أنَّ من قتل الجاسوس الحربي فله سلبه.
٣ - وفيه أنَّ السلب يكون من أصل الغنيمة لا من الخمس.
[ ١٤ / ٥٣٩ ]
٤ - وظاهره أنَّ السلب لا يخمس، وقد سبق القول في ذلك.
٥ - وفيه استعمال السجع في الكلام من غير تكلف، ولا إبطال لشيء من الحق، وأمَّا ما رواه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَضَى: أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَقَالَ وَلِيُّ المَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ».
زاد مسلم: «مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ».
وفي حديث عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟» قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ
[ ١٤ / ٥٤٠ ]
الدِّيَةَ. رواه مسلم (١٦٨٢)، فهم محمول على السجع المتكلف الذي يراد به دفع الحق.
وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني من كتاب الحدود.
٦ - واحتج به من قال: إنَّ السلب للقاتل، ولو كان المقتول مدبرًا إذا كان متحيزًا إلى فئة.
وقد مضى القول في ذلك.
٧ - واحتج به من قال: بأنَّ السلب للقاتل ولو كان القتل في غير وقت الحرب، وقد مضى أيضًا القول في ذلك.
٨ - وفيه ما يدل على جواز سلب القتلى وتركهم عراة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٣): «فصل: ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة. وهذا قول الأوزاعي.
وكرهه الثوري، وابن المنذر، لما فيه من كشف عوراتهم.
ولنا قول النبي ﷺ في قتيل سلمة بن الأكوع: "له سلبه أجمع". وقال: "من قتل قتيلًا، فله سلبه".
[ ١٤ / ٥٤١ ]
وهذا يتناول جميعه» اهـ.
قُلْتُ: وبقية ما يتعلق بالحديث من أحكام السلب سبقت في الحديث الذي قبل هذا.
* * *
[ ١٤ / ٥٤٢ ]
٤٠١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ فَخَرَجَ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا».
قَوْلُهُ: «سَرِيَّةً». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥٦):
«وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَالسَّارِيَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُخْفِي ذَهَابَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ السِّرِّ وَلَا يَصِحُّ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّةِ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعُودُ إِلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ يُقَالُ لَهُ مَنْسَرٌ بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِمِائَةِ سُمِّيَ جَيْشًا وَمَا بَيْنَهُمَا يُسَمَّى هَبْطَةً فَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ يُسَمَّى جَحْفَلًا فَإِنْ زَادَ فَجَيْشٌ جَرَّارٌ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ وَمَا افْتَرَقَ مِنَ السَّرِيَّةِ يُسَمَّى بَعْثًا فَالْعَشَرَةُ فَمَا بَعْدَهَا تُسَمَّى حَفِيرَةً وَالْأَرْبَعُونَ عُصْبَةً وَإِلَى ثَلَاثِمِائَةِ مِقْنَبٌ بِقَافٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ فَإِنْ زَادَ سُمِّيَ جَمْرَةً بِالْجِيمِ وَالْكَتِيبَةُ مَا اجْتَمَعَ وَلم ينتشر» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «إلَى نَجْدٍ». أصل النجد المرتفع من الأرض.
[ ١٤ / ٥٤٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ] (٥/ ١٢١):
«النجد هي: الناحية التي بين الحجاز والعراق، قال الواقدي: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وما وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة، وعمرة الطائف نجد، وما كان وراء وجرة إلى البحر فهو: تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز» اهـ.
قُلْتُ: ومن المدن النجدية: الرياض، والدرعية، والخرج، وعنيزة، وبريدة، والرس، والعيينة، والقصيم وغيرها، وهي أوسع من الحجاز وأكثر مدن منها.
قَوْلُهُ: «فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا». أي سهم كل واحد منَّا، وليس المراد أنَّ جميع السهام بلغت هذا القدر.
وَقَوْلُهُ: «وَنَفَّلَنَا». النفل: الزيادة، أي أعطاهم زيادة عن حقهم من الغنيمة بعيرًا، بعيرًا.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - بعث الأمير للسرايا.
٢ - وفيه تنفيل السرايا، وظاهر ذلك أنَّه من أصل الغنيمة.
[ ١٤ / ٥٤٤ ]
وفي الباب ما رواه البخاري (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ».
وروى أحمد (١٧٤٩٧)، وأبو داود (٢٧٤٨)، وابن ماجه (٢٨٥١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الشَّامِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٧٥٠٠)، وأبو داود (٢٧٤٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومكحول صرَّح بالتحديث عند أبي داود (٢٧٥٠).
وروى أحمد (١٥٩٠٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، قَالَ: أَصَبْتُ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ، فِي إِمَارَةِ
[ ١٤ / ٥٤٥ ]
مُعَاوِيَةَ فِي أَرْضِ الرُّومِ، قَالَ: وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا يَقْسِمُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعْطَانِي مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» إِذًا لَأَعْطَيْتُكَ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ فَعَرَضَ عَلَيَّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْكَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٧٤ - ٤٧٨): «مسألة: "وينفل الإمام ومن استخلفه الإمام كما فعل النبي ﷺ في بدأته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس".
النفل زيادة تزاد على سهم الغازي، ومنه نفل الصلاة، وهو ما زيد على الفرض، وقول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾.
كأنَّه سأل الله ولدًا، فأعطاه ما سأل وزاده ولد الولد، والمراد بالبداية ها هنا، ابتداء دخول الحرب، والرجعة رجوعه عنها.
والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
[ ١٤ / ٥٤٦ ]
أحدها: هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أنَّ الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا، بعث بين يديه سرية تغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء، أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لهم، وهو ربع الباقي، وذلك خمس آخر، ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه.
فإذا قفل، بعث سرية تغير، وجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ثلث ما بقي، ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه.
وبهذا قال حبيب بن مسلمة، والحسن، والأوزاعي، وجماعة، ويروى عن عمرو بن شعيب، أنَّه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ.
ولعله يحتج بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فخصه بها، وكان سعيد بن المسيب، ومالك يقولان: لا نفل إلَّا من الخمس.
وقال الشافعي: يخرج من خمس الخمس؛ لما روى ابن عمر، أنَّ رسول الله بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا، بعيرًا. متفق عليه.
[ ١٤ / ٥٤٧ ]
ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي هي لهم، لم يكن نفلًا، وكان من سهامهم. ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري، قال: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة.
وفي لفظ: أنَّ رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل. رواهما أبو داود. وعن عبادة بن الصامت، أنَّ النَّبي ﷺ كان ينفل في البداءة الربع، وفي القفول الثلث.
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وفي لفظ قال: كان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع وينفلهم إذا قفلوا الثلث. رواه الخلال بإسناده.
وروى الأثرم، بإسناده عن جرير بن عبد الله البجلي، أنَّه لما قدم على عمر في قومه، قال له عمر: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء؟ وذكره ابن المنذر أيضًا عن عمر.
وقال إبراهيم النخعي: ينفل السرية الثلث والربع يغريهم بذلك.
فأمَّا قول عمرو بن شعيب، فإنَّ مكحولًا قال له حين قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ.
[ ١٤ / ٥٤٨ ]
وذكر له حديث حبيب بن مسلمة: شغلك أكل الزبيب بالطائف.
وما ثبت للنبي ﷺ ثبت للأئمة بعده، ما لم يقم على تخصيصه به دليل.
فأمَّا حديث ابن عمر، فهو حجة عليهم، فإنَّ بعيرًا على اثني عشر، يكون جزءًا من ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من خمسة وعشرين، وجزء من ثلاثة عشر أكثر، فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه، يحققه أنَّ الاثني عشر إذا كانت أربعة أخماس، والبعير منها ثلث الخمس، فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس؟ فهذا محال، فتعين أن يكون ذلك من غيره، أو أنَّ النفل كان للسرية دون سائر الجيش.
على أنَّ ما رويناه صريح في الحكم، فلا يعارض بشيء مستنبط، يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه.
إذا ثبت هذا، فظاهر كلام أحمد أنَّهم إنَّما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنَّه قيل له: أليس قد نفل رسول الله ﷺ في البداءة الربع، وفي الرجوع الثلث؟ قال: نعم، ذاك إذا نفل، وتقدم القول فيه.
[ ١٤ / ٥٤٩ ]
فعلى هذا إن رأى الإمام أن ينفلهم شيئًا، فله ذلك، وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئًا، جاز أن يجعل لهم يسيرًا، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث، نص عليه أحمد.
وهو قول مكحول، والأوزاعي، والجمهور من العلماء.
وقال الشافعي: لا حد للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام؛ لأنَّ النبي ﷺ نفل مرة الثلث، وأخرى الربع.
وفي حديث ابن عمر: نفل نصف السدس.
فهذا يدل على أنَّه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام، فينبغي أن يكون موكولًا إلى اجتهاده.
ولنا، أنَّ نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث، فينبغي أن لا يتجاوزه، وما ذكره الشافعي يدل على أنَّه ليس لأقل النفل حد، وأنَّه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع، ونحن نقول به، على أنَّ هذا القول مع قوله: أنَّ النفل من خمس الخمس تناقض.
فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث، ردوا إليه، وقال الأوزاعي: لا ينبغي أن يشرط النصف، فإن زادهم على ذلك، فليف لهم به، ويجعل ذلك من الخمس.
[ ١٤ / ٥٥٠ ]
وإنَّما زيد في الرجعة على البداءة في النفل؛ لمشقتها، فإنَّ الجيش في البداءة ردء للسرية، تابع لها، والعدو خائف، وربما كان غارًا، وفي الرجعة لا ردء للسرية؛ لأنَّ الجيش منصرف عنهم، والعدو مستيقظ كلب.
قال أحمد: في البداءة إذا كان ذاهبًا الربع، وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث؛ لأنَّهم يشتاقون إلى أهليهم، فهذا أكبر.
القسم الثاني: أن ينفل الإمام بعض الجيش؛ لغنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
قال أحمد: في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة، أو عنده، يدفع إليه رأسًا من السبي أو دابة، قال: إذا كان رجل له غناء، ويقاتل في سبيل الله، فلا بأس بذلك، ذلك أنفع لهم، يحرض هو وغيره، يقاتلون ويغنمون.
وقال: إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل، فيصيب بعضهم، وبعضهم لا يأتي بشيء، فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاءوا بشيء دون هؤلاء.
وظاهر هذا أنَّ له إعطاء من هذه حاله من غير شرط.
[ ١٤ / ٥٥١ ]
وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فاتبعتهم - فذكر الحديث - فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل. رواه مسلم، وأبو داود.
وعنه، أنَّ النبي ﷺ: أمر أبا بكر، قال فبيتنا عدونا، فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة، فنفلنيها أبو بكر، فلما قدمت المدينة، استوهبها مني رسول الله ﷺ فوهبتها له.
رواه مسلم بمعناه.
القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن، أو هدم هذا السور، أو نقب هذا النقب، أو فعل كذا، فله كذا.
أو: من جاء بأسير، فله كذا.
فهذا جائز، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، قال أحمد: إذا قال: من جاء بعشر دواب، أو بقر، أو غنم، فله واحد.
فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم، ومن جاء بشيء أعطاه بقدره.
قيل له: إذا قال: من جاء بعلج فله كذا وكذا. فجاء بعلج، يطيب له ما يعطى؟ قال: نعم.
[ ١٤ / ٥٥٢ ]
وكره مالك هذا القسم، ولم يره، وقال: قتالهم على هذا الوجه إنَّما هو للدنيا.
وقال هو وأصحابه: لا نفل إلَّا بعد إحراز الغنيمة.
قال مالك: ولم يقل رسول الله ﷺ: "من قتل قتيلًا فله سلبه". إلَّا بعد أن برد القتال.
ولنا، ما تقدم من حديث حبيب، وعبادة، وما شرطه عمر لجرير بن عبد الله، وقول النبي ﷺ: "من قتل قتيلًا فله سلبه".
ولأنَّ فيه مصلحة وتحريضًا على القتال، فجاز، كاستحقاق الغنيمة، وزيادة السهم للفارس، واستحقاق السلب، وما ذكروه يبطل بهذه المسائل.
وقوله: إنَّ النبي ﷺ إنَّما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال.
قلنا: قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله، فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة.
قال القاضي: ولا يجوز هذا، إلَّا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، فإن لم يكن فيه فائدة، لم يجز؛ لأنَّه إنَّما يخرج على وجه المصلحة، فاعتبرت الحاجة فيه، كأجرة الحمال والحافظ.
إذا ثبت هذا، فإن النفل لا يختص بنوع من المال.
[ ١٤ / ٥٥٣ ]
وذكر الخلال أنَّه لا نفل في الدراهم والدنانير.
وهو قول الأوزاعي؛ لأنَّ القاتل لا يستحق شيئًا منها، فكذلك غيره.
ولنا، حديث حبيب بن مسلمة، وعبادة، وجرير، فإنَّ النَّبي ﷺ جعل لهم الثلث والربع، وهو عام في كل ما غنموه، ولأنَّه نوع مال، فجاز النفل فيه، كسائر الأموال.
وأمَّا القاتل، فإنَّما نفل السلب، وليست الدراهم والدنانير من السلب، فلم يستحق غير ما جعل له» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣١٦ - ٣١٧): «منها "مسألة المغانم" فإنَّ السنة أن تجمع وتخمس وتقسم بين الغانمين بالعدل. وهل يجوز للإمام أن ينفل من أربعة أخماسها؟ فيه قولان. فمذهب فقهاء الثغور وأبي حنيفة وأحمد وأهل الحديث أنَّ ذلك يجوز لما في السنن: أنَّ النبي ﷺ نفل في بدأته الربع بعد الخمس ونفل في رجعته الثلث بعد الخمس. وقال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي: لا يجوز ذلك؛ بل يجوز عند مالك التنفيل من الخمس ولا يجوز عند الشافعي إلَّا من خمس الخمس. كان أحمد يعجب من سعيد بن المسيب ومالك كيف لم تبلغهما هذه السنة مع وفور علمهما.
[ ١٤ / ٥٥٤ ]
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنَّه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية قبل نجد فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيرًا ونفلنا بعيرًا، بعيرًا ومعلوم أنَّ السهم إذا كان اثني عشر بعيرًا لم يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه لكل واحد بعير؛ فإنَّ ذلك لا يكون إلَّا إذا كان السهم أربعة وعشرين بعيرًا. وكذلك إذا فضل الإمام بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة كما أعطى النبي ﷺ سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم راجل وفارس فإنَّ ذلك يجوز في أصح قولي العلماء. ومنهم من لا يجيزه كما تقدم. وكذلك إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا فهو له ولم تقسم الغنائم. فهذا جائز في أحد قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد ولا يجوز في القول الآخر وهو المشهور من مذهب الشافعي وفي كل من المذهبين خلاف» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الأحاديث الماضية أنَّ تنفيل السرية يكون من أصل الغنيمة بعد إخراج الخمس، ومن قال: إنَّه من الخمس أم من خمس الخمس فلا أعلم لقوله حجة صحيحة.
وحديث الباب صريح في ذلك، وذلك أنَّهم نفلوا نصف السدس وهو أكثر من خمس الخمس.
[ ١٤ / ٥٥٥ ]
ولو كان البعير الذي نفله الواحد منهم من خمس الخمس لكانت الغنيمة خمسة وعشرين سهمًا، ولكان سهم الواحد أربعة وعشرين بعيرًا، فإنَّ البعير يكون خمس الخمس إذا كان بعيرًا من خمسة وعشرين بعيرًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٣٠٠): «وفي حديث ابن عمر رد لقول من قال: إنَّ النفل من خمس الخمس، وإنَّما في الحديث أنَّه نفل نصف السدس؛ لأنَّه بلغت سهمانهم اثنا عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا، بعيرًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٤٠) - بعد ذكره لكلام ابن بطال السابق -: «وهذا واضح وقد زاده بن المنير إيضاحًا فقال: لو فرضنا أنَّهم كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير ويكون الخمس من الأصل ثلاثمائة بعير وخمسها ستون وقد نطق الحديث بأنَّهم نفلوا بعيرًا، بعيرًا فتكون جملة ما نفلوا مائة بعير وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل من المائة وهكذا كيفما فرضت العدد، قال: وقد ألجأ هذا الالزام بعضهم فادعى أنَّ جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيرًا فقيل له فيكون خمسها ثلاثة أبعرة فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجال، كذا قيل، قال ابن المنير وهو سهو على التفريع المذكور بل يلزم أن يكون أقل من رجل بناء على أنَّ النفل من خمس الخمس» اهـ.
[ ١٤ / ٥٥٦ ]
قُلْتُ: وإيضاح ما قاله ابْنُ الْمُنِيرِ أنَّهم لو كانوا مائة، وكانت جميع سهمانهم من غير الخمس ألفًا ومأتي بعير فهذا المقدار هو أربعة أخماس جميع الغنيمة فإذا أضفنا أليه الخمس وهو ثلاثمائة بعير كان مجموع الغنيمة ألفًا وخمسمائة بعير، فإن أردنا أن ننفل المائة بعيرًا من خمس الخمس فنحتاج إلى مائة بعير، وخمس الخمس لا يفي بذلك، وذلك أنَّ الخمس ثلاثمائة بعير، وخمس ذلك ستون بعيرًا.
٣ - وفيه أنَّ الجيش إذا انفردت منه طائفة فغنموا شيئًا كانت الغنيمة للجميع.
* * *
[ ١٤ / ٥٥٧ ]
٤٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَمَعَ اللهُ ﷿ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ: يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ».
قَوْلُهُ: «لِكُلِّ غَادِرٍ». الغدر: هو نقض العهد وترك الوفاء.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم الغدر. ويشمل جميع أنواع الغدر من غدر الإمام بالرعية أو العكس وغير ذلك.
وأورد المؤلف هذا الحديث في كتاب الجهاد لبيان حرمة الغدر على المجاهدين.
واعلم أنَّ الأمان للكافرين يحصل من أي فرد من المسلمين ولو كان عبدًا أو امرأة.
وقد روى البخاري (٣١٧٩)، ومسلم (١٣٧٠) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا القُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ
[ ١٤ / ٥٥٨ ]
المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».
وروى البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦) عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٣٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ زَيْدٍ الرَّقَاشِيِّ، وَقَدْ كَانَ غَزَا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ قَالَ: «بَعَثَ عُمَرُ جَيْشًا فَكُنْتُ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَحَاصَرْنَا أَهْلَ سِيَرافَ فَلَمَّا رَأَيْنَا أَنَّا سَنَفْتَحُهَا مِنْ يَوْمِنَا ذَلِكَ قُلْنَا: نَرْجِعُ فَنُقِيلُ، ثُمَّ نَخْرُجُ فَنَفْتَحُهَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا تَخَلَّفَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ فَرَاطَنَهُمْ فَرَاطَنُوهُ، فَكَتَبَ لَهُمْ
[ ١٤ / ٥٥٩ ]
كِتَابًا فِي صَحِيفَةٍ ثُمَّ شَدَّهُ فِي سَهْمٍ فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنَ الْعَشِيِّ وَجَدْنَاهُمْ قَدْ خَرَجُوا قُلْنَا لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالَ: أَمَّنْتُمُونَا قُلْنَا: مَا فَعَلْنَا، إِنَّمَا الَّذِي أَمَّنَكُمْ عَبْدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. فَارْجِعُوا حَتَّى نَكْتُبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ عَبْدَكُمْ مِنْ حُرِّكُمْ، مَا نَحْنُ بِرَاجِعِينَ، إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُونَا وَإِنْ شِئْتُمْ قِفُوا لَنَا قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنَّ عَبْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ قَالَ: فَأَجَازَ عُمَرُ أَمَانَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وإلى ما دلت عليه الأحاديث والآثار ذهب أكثر العلماء وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف في أمان العبد فلم يجزاه.
وأمَّا أمان الصبي المميز فأجازه مالك، وأحمد، في رواية، ولم يجزه الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى.
والصحيح صحة أمانة لعموم حديث علي.
وأمان آحاد المسلمين لا يكون عامًا، وإنَّما ذلك لخليفة المسلمين لأنَّ ذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٤٢ - ٢٤٣):
[ ١٤ / ٥٦٠ ]
«فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ، وَرُسْتَاقٍ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يكون أمان الفرد من المسلمين للأسير من الكافرين، وإنَّما ذلك لولي الأمر، وإن أذن بذلك ولي الأمر حصل له الأمان.
وقد روى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٦٧٠)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأَوْسَطِ] (٦٦٧١) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ أَبُو مُوسَى تُسْتَرَ، وَأَتَى بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، فَقَدِمْتُ بِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَكَلَّمْ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ: بِلِسَانِ مَيِّتٍ أَتَكَلَّمُ أَمْ بِلِسَانِ حَيٍّ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمْ، فَلَا بَأْسَ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ: إِنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ كَفَانَا مَا خَلَّى اللهُ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ بِنَا يَدَانِ، فَلَمَّا كَانَ اللهُ مَعَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَنَا لَكُمْ
[ ١٤ / ٥٦١ ]
يَدَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: كَانَ اللهُ مَعَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ قَدْ أَمَّنْتَهُ، قَالَ: كَلَّا، وَلَكِنَّكَ ارْتَشَيْتَ مِنْهُ، وَفَعَلْتَ، وَفَعَلْتَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَسْتَحْيِيهِ بَعْدَ قَتْلِهِ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ، وَمَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ، ثُمَّ قَالَ: هَاتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا تَقُولُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: قَدْ قُلْتُ لَهُ تَكَلَّمْ، فَلَا بَأْسَ، فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْقَتْلَ، وَأَسْلَمَ، فَفَرَضَ لَهُ مِنَ الْعَطَاءِ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ أَلْفَيْنِ، شَكَّ هُشَيْمٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (١٧٣٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (١٨١١٨)، و[الْكُبْرَى] (١٨١٨٣) أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «حَاصَرْنَا تُسْتَرَ فَنَزَلَ الْهُرْمُزَانُ عَلَى حُكْمِ عُمَرَ، فَقَدِمْتُ بِهِ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: تَكَلَّمْ، قَالَ: كَلامَ حَيٍّ أَوْ كَلامَ مَيِّتٍ، قَالَ: تَكَلَّمْ، لا بَأْسَ.
قَالَ: إِنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا خَلَّى اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَكُنَّا نَتَعَبَّدُكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ وَنُغْضِبُكُمْ، فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ لَمْ تَكُنْ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ؟.
[ ١٤ / ٥٦٢ ]
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَرَكْتُ بَعْدِي عَدُوًّا كَثِيرًا وَشَوْكَةً شَدِيدَةً، فَإِنْ قَتَلْتَهُ يَيْئَسِ الْقَوْمُ الْحَيَاةَ، وَيَكُنْ أَشَدَّ لِشَوْكَتِهِمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَسْتَحْيِي قَاتِلَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْرٍ، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَهُ قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ، قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ لا بَأْسَ، فَقَالَ عُمَرُ: ارْتَشَيْتَ وَأَصَبْتَ مِنْهُ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا ارْتَشَيْتُ وَلا أَصَبْتُ مِنْهُ، قَالَ: لِتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا شَهِدْتَ بِهِ بِغَيْرِكَ، أَوْ لأَبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِكَ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَشَهِدَ مَعِي، وَأَمْسَكَ عُمَرُ، وَأَسْلَمَ وَفَرَضَ لَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٤٣):
«فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْك، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: قَدْ أَمَّنْته، فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ. وَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَعَدُّوهُ أَمَانًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ.
[ ١٤ / ٥٦٣ ]
وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْمَنَّ عَلَيْهِ، وَالْأَمَانُ دُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَانَهَا. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ. وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، كَقَتْلِهِ.
وَحَدِيثُ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا، إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: إجارة زينب لأبي العاص رواها الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤٢)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٦٦٧)، والمحاملي في [أَمالِيْهِ] (٣٣٠) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، أُسِرَ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّا قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ».
قُلْتُ: عبد الله بن شبيب ذاهب الحديث.
[ ١٤ / ٥٦٤ ]
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٠٦)، و[الْكَبِيْرِ] (١٠٤٨)، وابن أخي ميمي في [فَوَائِدِهِ] (٣٧٥) من طريق يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّمْحِ التُّجِيبِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ جِوَارَهَا».
قُلْتُ: عباد بن كثير متروك، ورواه الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٦٨٤١) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، وسقط عنده "عباد بن كثير".
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، ثنا أَبِي، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَجَارَتْ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ».
قُلْتُ: عبد الله بن لهيعة ضعيف، وموسى بن جبير مجهول الحال.
[ ١٤ / ٥٦٥ ]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٤٤٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَأَمْضَى النَّبِيُّ ﷺ جَوَارَهَا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ، وعثمان الجزري قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٦/ ١٧٤):
«عثمان الجزرى ويقال له عثمان المشاهد روى عن مقسم روى عنه معمر والنعمان بن راشد سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن أنا علي بن أبي طاهر القزويني فيما كتب إلي قال أنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عثمان الجزري فقال روى احاديث مناكير زعموا انه ذهب كتابه، نا عبد الرحمن قال سألت أبي عن عثمان الجزري فقال: لا أعلم روى عنه غير معمر والنعمان». اهـ.
قُلْتُ: ويمكن تحسين الحديث من هذين الطريقين.
٢ - وفيه ما يناله الغادر من الفضيحة يوم القيامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٤): «قوله: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له"؛ هذا منه ﷺ خطاب للعرب بنحو ما
[ ١٤ / ٥٦٦ ]
كانت تفعل، وذلك: أنَّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليشهروا به الوفي، فيعظموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أنَّ الغادر يفعل به مثل ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا ﷺ لواء الحمد فيحمده كل من في الموقف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٢/ ٤٣): «قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعًا له قالوا فمعنى لكل غادر لواء أي علامة يشهر بها في الناس لأنَّ موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك وأمَّا الغادر فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به يقال غدر يغدر بكسر» اهـ.
وليس في حديث الباب بيان لموضع اللواء، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٧٣٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
[ ١٤ / ٥٦٧ ]
وجاء بيان أنَّ ذلك اللواء المنصوب يتفاوت بتفاوت الغدر، وأنَّ أعظم الغدر غدر الأئمة وذلك فيما رواه مسلم (١٧٣٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٥٥): «وقوله: "ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة"؛ يعني: أنَّ الغدر في حقه أفحش، والإثم عليه أعظم منه على غيره لعدم حاجته إلى ذلك. وهذا كما قاله ﷺ في الملك الكذاب، كما تقدم في كتاب الإيمان. وأيضًا: فلما في غدر الأئمة من المفسدة، فإنَّهم إذا غدروا، وعلم ذلك منهم، لم يأمنهم العدو على عهد، ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفرًا من الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين. وقد مال أكثر العلماء: إلى أنَّه لا يقاتل مع الأمير الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا. والله تعالى أعلم» اهـ.
٣ - وفيه مجازاة الغادر بنقيض قصده.
[ ١٤ / ٥٦٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٩٦): «وقد يكون ذلك من باب مقابلة الذنب بما يناسب ضده في العقوبة فإنَّ الغادر أخفى جهة غدره ومكره فعوقب بنقيضه وهو شهرته على رؤوس الأشهاد» اهـ.
٤ - ويدخل في عموم الحديث الغدر بولي أمر المسلمين بنقض عهده.
وقد روى البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ، يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا».
وروى البخاري (٧١١١) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ، حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
[ ١٤ / ٥٦٩ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئًا.
وأمَّا عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من بايعه، ورضي به، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلاَّ لدنيا، فإن أعطاه ما يريد، وفى له، وإلَّا لم يف له"» اهـ.
٥ - ويدخل في عمومه سائر عهود المسلمين من المبايعات والإجارات والمناكحات وغير ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها» اهـ.
٦ - ويدخل فيه أيضًا العهود بين العبد وربه كالنذر.
[ ١٤ / ٥٧٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٣٢): «وكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿ مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الناس يوم القيامة يدعون بآبائهم.
وأمَّا ما جاء من أنَّ الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم فحديث باطل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي [نَقْدِ الْمَنْقُولِ وَالْمَحَكِ الْمُمَيَّزِ بَيْنَ الْمَرْدُوْدِ والَمقْبُوْلِ] (ص: ١٣١): «ومن ذلك حديث إنَّ الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لا بآبائهم وهو باطل» اهـ.
قُلْتُ: والحديث هو ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٩٠٦)، وفي [الدُّعَاءِ] (١٢١٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ أَنَسُ بْنُ سَلْمٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا، أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ:
[ ١٤ / ٥٧١ ]
يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: «فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلَانَ بْنَ حَوَّاءَ».
ورواه ابن زبر الربعي في [وَصَايَا الْعُلَمَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ] (ص: ٤٦)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٢٤/ ٧٣) نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال نا أبي قال نا إسماعيل بن عياش به.
قُلْتُ: إسماعيل بن عياش ضعيف الحديث في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، وسعيد بن عبد الله الأودي مجهول، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء الحمصي كذاب، لكنه متابع.
وهذا الحديث طعن فيه جمع من أهل العلم:
وقد سبق كلام الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فيه، وَقَالَ أيضًا في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٢/ ٤٥٤): «ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة» اهـ.
[ ١٤ / ٥٧٢ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٢): «فهذا حديث لا يصح رفعه» اهـ.
وَقَالَ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٤٩): «أمَّا الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ - كما نقل عنه ابن علان في [الْفُتُوْحَاتِ الرَّبَانِيَّةِ] (٤/ ١٩٦) -: «هذا حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًا» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٢/ ١٨١): «أمَّا أولًا فلأنَّ التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أنَّ التلقين بدعة وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي [الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ] (ص: ٢٦٥): «وضعفه ابن الصلاح، ثم النووي، وابن القيم، والعراقي، وشيخنا في بعض تصانيفه، وآخرون» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٢/ ١١٣ - ١١٤): «وقال في "المنار": إنَّ حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه».
[ ١٤ / ٥٧٣ ]
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنَّه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [السِّلْسِةِ الضَّعِيْفَةِ] (٥٩٩): «وجملة القول أنَّ الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعًا» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٥٧٤ ]
٤٠٣ - وَعَنْهُ: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن قتال النساء والصبيان، وذلك لأنَّ الغالب عدم حصول القتال منهم، ومن جملة الحِكَم في عدم قتلهم ابقاؤهم للانتفاع بهم في الرق، ولأنَّ اتجاه النساء والصبيان إلى الإسلام أقرب من غيرهم ففي ابقائهم مصلحة رجاء إسلامهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٩٦): «ولعل سر هذا الحكم أنَّ الأصل عدم إتلاف النفوس وإنِّما أبيح منه ما يقتضيه دفع المفسدة ومن لا يقاتل ولا يتأهل للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين فرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع هذا مع ما في نفوس النساء والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكونون عليه كثيرًا أو غالبًا فرفع عنهم القتل لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر ورجاء هدايتهم عند بقائهم» اهـ.
[ ١٤ / ٥٧٥ ]
قُلْتُ: وهذا محمول على من قصدهم بالقتل أمَّا إذا قتلوا من غير قصد كالغارة فلا محذور في ذلك ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم (١٧٤٥) عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵃، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٩): «وتقديره: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم من آبائهم أي لا بأس بذلك؛ لأنَّ أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة.
وأمَّا الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتل النساء والصبيان في البيات، هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٤٧): «قوله: "هم منهم" أي: في الحكم تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد
[ ١٤ / ٥٧٦ ]
إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلَّا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم» اهـ.
قُلْتُ: ومع وجود هذه الأسلحة الحديثة من الصواريخ وغيرها فلا يمكن اتقاء النساء والصبيان فيدخلون في الرخصة في قتلهم تبعًا للرجال من المشركين.
ويستثنى من ذلك: إذا ما قاتلت المرأة فيجوز قتلها، وهو مذهب جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨٨): «أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يقتلون، وأمَّا شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا، وإلَّا ففيهم وفي الرهبان خلاف، قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح في مذهب الشافعي: قتلهم» اهـ.
٢ - واحتج به من ذهب إلى عدم قتل المرتدة كما هو مذهب الحنفية، وحمل الجمهور الحديث على الكافرة الأصلية وهو الصحيح.
ويخرج من هذا أيضًا الرجم في الحدود فقد رجم النبي ﷺ الغامدية، ورجم امرأة من اليهود.
ويخرج من ذلك أيضًا ما كان من قبيل القصاص.
* * *
[ ١٤ / ٥٧٧ ]
٤٠٤ - عن أنس بن مالك ﵁ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، شَكَوَا الْقَمْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا».
الحديث رواه البخاري (٢٩٢٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي القَمْلَ - فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ».
ورواه مسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا».
ورواه البخاري (٢٩١٩) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
[ ١٤ / ٥٧٨ ]
ورواه مسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا.
ولعل المؤلف أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد باعتبار أنَّ المجاهد لما يصيبه من الغبار قد تتولد من جسده القمل فيحتاج إلى استعمال ما يدفعه من الحرير. والله أعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأصل حرمة الحرير على الرجال.
٢ - إباحة لبس الحرير من أجل القمل، ونظيره الحكة والجرب، وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث عمر أول أحاديث كتاب اللباس.
وقد روى البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦ عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
وهو محمول على أنَّ الحكة كانت من القمل جمعًا بين اللفظين. والله أعلم.
[ ١٤ / ٥٧٩ ]
وأمَّا لبس الحرير في الحرب من غير حكة ولا قمل فرخص فيه بعض العلماء من باب المباهاة للعدو، أو الخيلاء عليهم.
فروى معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٩٤٢) عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَلْبَسُ رَايَتَيْنِ مِنْ دِيبَاجٍ فِي فَزْعَةٍ فَزِعَهَا النَّاسُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُ صَحِيْحٌ.
وأجاز ذلك جماعة من التابعين، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وعنه قال: لا يعجبني في الحرب ولا في غيره، والجواز رواية عن مالك أيضًا، والمشهور عن مالك المنع، وهو مذهب أبي حنيفة.
ورجح العلامة ابن القيم جواز لبسه.
لكن روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤٦٧٨، ٣٣٨٣٧) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةً، قَالَ: شَهِدْنَا الْيَرْمُوكَ فَاسْتَقْبَلَنَا عُمَرُ، وَعَلَيْنَا الدِّيبَاجُ وَالْحَرِيرُ، فَأَمَرَ فَرُمِينَا بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَقُلْنَا: مَا بَلَغَهُ عَنَّا؟ قَالَ: فَنَزَعْنَاهُ وَقُلْنَا: كَرِهَ زِيَّنَا، فَلَمَّا اسْتَقْبَلَنَا رَحَّبَ بِنَا وَقَالَ: «إِنَّكُمْ جِئْتُمُونِي فِي زِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ لِمَنْ قَبْلَكُمُ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ».
[ ١٤ / ٥٨٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُ صَحِيْحٌ. وابن إدريس هو عبد الله، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي.
قُلْتُ: ولعل عمر استنكر عليهم لبس الحرير بعد انقضاء الحرب ورجوعهم إليه فإنَّه لا معنى للبسه حينئذٍ.
فائدة: في الصبغ بالسواد في الحرب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٩٩):
«وَلِهَذَا اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الصَّبْغَ بِالسَّوَادِ يُكْرَهُ كَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٍ وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِأَجْلِ زَوْجِهَا وَقَالَ مَالِكٌ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ وَاسِعٌ وَالصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ اتِّفَاقًا» اهـ.
قُلْتُ: وذلك لإظهار القوة والشباب، وهذا أنكى وأهيب لقلوب الأعداء.
وما ذكره عن الحليمي ذهب إليه أيضَا إسحاق بن راهويه، فَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُوْرِ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ] (٣٤٠٨): «قلت لإسحاق: الخضاب بالسواد للمرأة؟.
قال: لا بأس بذلك للزوج تتزين به له» اهـ.
[ ١٤ / ٥٨١ ]
وَقَالَ: (٣٥٧٧): «قلت: يكره الخضاب بالسواد؟.
قال: إي والله مكروه، قال إسحاق: شديدًا كما قال، إلَّا أن يريد به تزينًا لأهله، ولا يغر به امرأة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ]-مع عون المعبود - (١١/ ١٧٣): «وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّن بِهِ لِبَعْلِهَا دُون الرَّجُل
وَهَذَا قَوْل إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا فِي حَقّ الرِّجَال وَقَدْ جَوَّزَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ خِضَاب الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مَا لَمْ يُجَوَّز لِلرَّجُلِ والله أعلم» اهـ.
وما رواه الحاكم في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٥٩١٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ الْقَاضِي، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَقَدْ سَوَّدَ شَيْبَهُ، فَهُوَ مِثْلُ جَنَاحِ الْغُرَابِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟» فَقَالَ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُحِبُّ أَنْ تَرَى فِيَّ بَقِيَّةً، فَلَمْ يَنْهَهُ عُمَرُ ﵁ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعِبْهُ عَلَيْهِ. فَلَا يَصِّحُ لِضَعْفِ عبد الرحمن بن الحارث.
قُلْتُ: اتفق العلماء على حل الصبغ بالسواد في صورة: وهي: في الحرب.
[ ١٤ / ٥٨٢ ]
واتفقوا على حرمته في صورة وهي: ما قصد به التدليس والغش والخداع.
وفيما سوى ذلك فاختلفوا فيه فالجمهور على الكراهة، وذهب بعضهم إلى التحريم كالنووي وابن القيم وآخرون، وهو الصحيح لصراحة الأدلة في النهي عن ذلك.
وأمَّا صبغ الشيب بغير السواد فهو سنة، وقد أمر النبي ﷺ بها، فروى البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣) عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ».
قُلْتُ: والأكثر على استحباب ذلك، وذهب الإمام أحمد إلى الوجوب في رواية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٥٥ - ٣٥٦):
«وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ وَعَنْهُ يَجِبُ وَلَوْ مَرَّةً وَعَنْهُ لَا أحب لِأَحَدٍ تَرْكَ الْخَضْبِ وَيَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَلَالِ ﵀ فِي [الْوُقُوفِ وَالتَّرَجُلِ] (ص: ١٣٢) نقلًا عن الإمام أحمد:
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ خِضَابًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
[ ١٤ / ٥٨٣ ]
ثُمَّ قَالَ: الْخِضَابُ عِنْدِي كَأَنَّهُ فَرْضٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال:
"إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (ص: ١٣١):
«أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي مَرَضِهِ قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَفِيهُمْ شَيْخٌ مَخْضُوبٌ فَقَالَ لَهُ:
إِنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ.
وَذَكِرَ رَجُلًا فَقَالَ: لِمَ لَا يَخْضِبُ؟.
قَالُوا: يَسْتَحِيِي.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهَ. سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُحْكَى عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ خَضَبْتُ؟
قُلْتُ: أَنَا لَا أَتَفَرَّغُ لِغَسْلِهَا فَكَيْفَ أَتَفَرَّغُ لَخِضَابِهَا؟!
فَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ كَشَفَ عَمَلَهُ لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ. أَيْ كَلَامٍ ذَا؟!
ثُمَّ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "غَيِّرُوا الشَّيْبَ".
[ ١٤ / ٥٨٤ ]
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدْ خَضَبَا وَالْمُهَاجِرِينَ. فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِغَسْلِهَا. النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالْخِضَابِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ.
وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي رَمَثَةَ. وَعَنَ أُمِّ سلمة» اهـ.
٣ - وفيه جواز التداوي بالحرام في ظاهر البدن بما يجوز ملابسته للحاجة.
وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٧٠): «عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به: هل يجوز له ذلك؟ أم لا؟.
فأجاب: وأمَّا التداوي بأكل شحم الخنزير فلا يجوز. وأمَّا التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك فهذا ينبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة، وفيه نزاع مشهور، والصحيح أنَّه يجوز للحاجة. كما يجوز استنجاء الرجل بيده وإزالة النجاسة بيده. وما أبيح للحاجة جاز التداوي به. كما يجوز التداوي بلبس الحرير على أصح القولين وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها» اهـ.
٤ - وفيه ما يدل على أنَّ ما حرم لغيره جاز استعماله للحاجة وإن لم توجد ضرورة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٨٢): «ثم ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء؛ فإنَّ هذا
[ ١٤ / ٥٨٥ ]
يحرم القدر الذي يقتضي ذلك منه ويباح للحاجة؛ كما أبيح للنساء لبس الذهب والحرير لحاجتهن إلى التزين؛ وحرم ذلك على الرجل وأبيح للرجل من ذلك اليسير كالعلم؛ ونحو ذلك مما ثبت في السنة؛ ولهذا كان الصحيح من القولين في مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول كما رخص النبي ﷺ للزبير وطلحة في لبس الحرير من حكة كانت بهما. ونهى عن التداوي بالخمر وقال: "إنَّها داء وليست بدواء" ونهى عن الدواء الخبيث» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٥٨٦ ]
٤٠٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ، وَالسِّلاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿».
قَوْلُهُ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ». وهم قوم من اليهود نقضوا العهد فحاصرهم النبي ﷺ ثم أجلاهم عن المدينة فمنهم من ذهب إلى خيبر، ومنهم من ذهب إلى الشام، وفيهم نزلت سورة الحشر.
وَقَوْلُهُ: «مِمَّا لَمْ يُوجِفِ». الإيجاف سرعة السير.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦): «أي ما حركتم ولا سقتم خيلًا ولا إبلًا. ولهذا قال الفقهاء: إنَّ الفيء هو ما أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأنَّ إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال. وسمي فيئًا؛ لأنَّ الله أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار؛ فإنَّ الأصل أنَّ الله تعالى إنَّما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنَّه إنَّما خلق الخلق لعبادته. فالكافرون
[ ١٤ / ٥٨٧ ]
به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين يعبدونه وأفاء إليهم ما يستحقونه كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يكن قبضه قبل ذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا رِكَابٍ». الركاب ما يركب من الإبل خاصة.
وَقَوْلُهُ: «مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ». هو الخيل، وقد تطلق على غيره من سائر البهائم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ فَارِسٍ ﵀ فِي [مَقَايِيسِ اللُّغَةِ] (٥/ ١٧١)
«(كَرَعَ) الْكَافُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى دِقَّةٍ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ. مِنْ ذَلِكَ الْكُرَاعُ، وَهُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ مَا دُوَنَ الرُّكْبَةِ، وَمِنَ الدَّوَابِّ: مَا دُونَ الْكَعْبِ. قَالَ الْخَلِيلُ: تَكَرَّعَ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يَغْسِلُ أَكَارِعَهُ. قَالَ: وَكُرَاعُ كُلِّ شَيْءٍ: طَرَفُهُ. قَالَ: وَالْكُرَاعُ مِنَ الْحَرَّةِ: مَا اسْتَطَالَ مِنْهَا، قَالَ مُهَلْهَلٌ:
لَمَّا تَوَقَّلَ فِي الْكُرَاعِ هَجِينُهُمْ … هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ جَابِرًا أَوْ صِنْبِلَا
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمُ الْخَيْلَ كُرَاعًا فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُعَبِّرُ عَنِ الْجِسْمِ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، كَمَا يُقَالُ: أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَوَجْهِي إِلَيْكَ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْلُ سُمِّيَتْ كُرَاعًا لِأَكَارِعِهَا» اهـ.
[ ١٤ / ٥٨٨ ]
وَقَوْلُهُ: «عُدَّةً». هي كل ما يستعان به لما قد يحدث في الأيام المقبلة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الفيء مختص بالرسول الله ﷺ يتصرف فيه تصرف العبد النبي، وليس مُلْكًا له كسائر ما يملكه الناس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٣ - ٨٤): «وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكًا لرسول الله ﷺ يتصرف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.
والذى تدل عليه سنته وهديه، أنَّه كان يتصرف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته، يعطى من أحب، ويمنع من أحب، وإنَّما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه، فيعطى من أمر بإعطائه، ويمنع من أمر بمنعه، وقد صرح رسول الله ﷺ بهذا فقال: "والله إنِّي لا أعطى أحدًا ولا أمنعه، إنَّما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرد الأمر، فإنَّ الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون ملكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
[ ١٤ / ٥٨٩ ]
والفرق بينهما أنَّ العبد الرسول لا يتصرف إلَّا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطى من يشاء، ويمنع من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نحاسبك؛ وهذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا ﷺ، فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل.
والمقصود: أنَّ تصرفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يخالف حكم غيره من المالكين، ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ﷿، وهذا النوع من الأموال هو السهم الذى وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٨٥ - ٨٧): «ويصرف على المصارف الخاصة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم الدين. فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون، هو المراد من هذه الآيات، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ فيما رواه أحمد ﵀ وغيره عنه: ما
[ ١٤ / ٥٩٠ ]
أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلَّا وله في هذا المال نصيب إلَّا عبد مملوك، ولكنَّا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه. فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس، ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس، لأنَّهم المستحقون لجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاق خاص من الخمس، واستحقاق عام من جملة الفيء، فإنَّهم داخلون في النصيبين.
وكما أنَّ قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك فيها المالكون؛ كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس في أهله، فإنَّ مخرجهما واحد في كتاب الله، والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم. وأنَّهم لا يخرجون من أهل الفيء بحال، وأنَّ الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أنَّ الفيء العام في آية الحشر
[ ١٤ / ٥٩١ ]
للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإسلام، كمالك، والإمام أحمد وغيرهما، أنَّ الرافضة لا حق لهم في الفيء لأنَّهم ليسوا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل القرآن، وفعل رسول الله ﷺ، وخلفائه الراشدين.
وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس، فقال الشافعي: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلها، ويعطى من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع.
وقال مالك ﵀ وأهل المدينة: بل يعطى في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء في جميعهم.
وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك ﵏ في آية الزكاة، وبقول الشافعي ﵀ في آية الخمس.
ومن تأمل النصوص، وعمل رسول الله ﷺ وخلفائه، وجده يدل على قول أهل المدينة، فإنَّ الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعينهم اهتمامًا بشأنهم، وتقديمًا لهم، ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم
[ ١٤ / ٥٩٢ ]
فيها سواهم، نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف، وكان رسول الله ﷺ يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدمًا للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، فيزوج منه عزابهم، ويقضى منه ديونهم، ويعين ذا الحاجة منهم، ويعطى عزبهم حظًا، ومتزوجهم حظين، ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوى القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية، ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه وسيرته، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب» اهـ.
وهذا الفيء هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
[ ١٤ / ٥٩٣ ]
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٦ - ١٠].
ويدخل في هذا الفيء أنواع من الأموال وقد ذكر ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥٦٣) حَيْثُ قَالَ: «وهذا الفيء يدخل فيه جزية الرؤوس التي تؤخذ من أهل الذمة ويدخل فيه ما يؤخذ منهم من العشور؛ وأنصاف العشور وما يصالح عليه الكفار من المال كالذي يحملونه وغير ذلك. ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفًا من المسلمين كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها سورة الحشر».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٨/ ٥٦٤ - ٥٦٧): «ومن الفيء ما ضربه عمر ﵁ على الأرض التي فتحها عَنوة ولم يقسمها؛ كأرض مصر وأرض العراق - إلَّا شيئًا يسيرًا منها - وبر الشام وغير ذلك. فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير
[ ١٤ / ٥٩٤ ]
الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإنَّما يرى تخميسه الشافعي وبعض أصحاب أحمد وذكر ذلك رواية عنه قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أنَّ في الفيء خمسًا كخمس الغنيمة. وهذا الفيء لم يكن ملكًا للنبي ﷺ في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: كان ملكًا له. وأمَّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار؛ فإنَّ تقويتهم تذل الكفار فيؤخذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة؟ على قولين للشافعي ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: أنَّه لا يختص به المقاتلة؛ بل يصرف في المصالح كلها. وعلى القولين: يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء؛ فإنَّ الشافعي قال: ينبغي للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة وهو من بلغ ويحصي الذرية وهي من دون ذلك والنساء. إلى أن قال: ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم ويعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. قال: والعطاء من الفيء لا يكون إلَّا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنَّه ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفيء شيء وضعه الإمام في أهل الحصون
[ ١٤ / ٥٩٥ ]
والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما يقوى به المسلمون. فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزق العمال والولاة وكل من قام بأمر الفيء: من وال وحاكم وكاتب وجندي ممن لا غنى لأهل الفيء عنه. وهذا مشكل مع قوله: إنَّه لا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأنَّه للمجاهدين. وهذا إذا كان للمصالح فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين وكولاة أمورهم: من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم. ويصرف منه في سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا ويبدأ فيه بالأهم فالأهم: فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال أصحاب أبي حنيفة يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من القناطر والجسور ويعطي قضاة المسلمين ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذوو الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها. وما فضل عن منافع المسلمين قسم بينهم؛ لكن
[ ١٤ / ٥٩٦ ]
مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد: أنَّه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ لما كثر المال أعطا منهم عامة المسلمين فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيهم وفقيرهم؛ لكن كان أهل الديوان نوعين: مقاتلة وهم البالغون. وذرية وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال؛ ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء الذين لا منفعة فيهم فلا يعطى غني شيئًا حتى يفضل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي - كما تقدم - تخصيص الفقراء بالفاضل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَةِ النَّبَوِيَّةِ] (٦/ ١٠٦ - ١١١): «وأصل الفيء الرجوع والله خلق الخلق لعبادته وأعطاهم الأموال يستعينون بها على عبادته فالكفار لما كفروا بالله وعبدوا غيره لم يبقوا مستحقين للأموال فأباح الله لعباده قتلهم وأخذ أموالهم فصارت فيئًا أعاده الله على عباده المؤمنين لأنَّهم هم المستحقون له وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئًا حتى الغنيمة كما قال النبي ﷺ في غنائم حنين ليس لي مما أفاء الله عليكم إلَّا الخمس
[ ١٤ / ٥٩٧ ]
والخمس مردود عليكم لكن لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال وجمهور العلماء على أنَّ الفيء لا يخمس كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهذا قول السلف قاطبة وقال الشافعي والخرقي ومن وافقه من أصحاب أحمد يخمس، والصواب قول الجمهور فإنَّ السنن الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تقتضي أنَّهم لم يخمسوا فيئًا قط، بل أموال بني النضير كانت أول الفيء ولم يخمسها النبي ﷺ بل خمس غنيمة بدر وخمس خيبر وغنائم حنين وكذلك الخلفاء بعده لم يكونوا يخمسون الجزية والخراج، ومنشأ الخلاف أنَّه لما كان لفظ آية الخمس وآية الفيء واحدًا اختلف فهم الناس للقرآن فرأت طائفة أنَّ آية الخمس تقتضي أن يقسم الخمس بين الخمسة بالسوية وهذا قول الشافعي وأحمد وداود الظاهري لأنَّهم ظنوا أنَّ هذا ظاهر القرآن، ثم إنَّ آية الفيء لفظها كلفظ آية الخمس فرأى بعضهم أنَّ الفيء كله يصرف أيضًا مصرف الخمس إلى هؤلاء الخمسة، وهذا قول داود بن علي وأتباعه وما علمت أحدًا من المسلمين قال هذا
[ ١٤ / ٥٩٨ ]
القول قبله وهو قول يقتضي فساد الإسلام إذا دفع الفيء كله إلى هذه الأصناف وهؤلاء يتكلمون أحيانًا بما يظنونه ظاهر اللفظ ولا يتدبرون عواقب قولهم.
ورأى بعضهم أنَّ قوله في آية ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. المراد بذلك خمس الفيء فرأوا أنَّ الفيء يخمس وهذا قول الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وقال الجمهور هذا ضعيف جدًا لأنَّه قال: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. لم يقل خمسه لهؤلاء، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وهؤلاء هم المستحقون للفيء كله فكيف يقول المراد خمسه وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه لما قرأ هذه الآية قال: هذه عمت المسلمين كلهم. وأمَّا أبو حنيفة ومن وافقه فوافقوا هؤلاء على أنَّ الخمس يستحقه هؤلاء لكن قالوا: إنَّ سهم الرسول كان يستحقه في حياته وذوو قرباه كانوا يستحقونه لنصرهم له وهذا قد سقط بموته فسقط سهمهم كما سقط سهمه.
[ ١٤ / ٥٩٩ ]
والشافعي وأحمد قالا: بل يقسم سهمه بعد موته في مصرف الفيء إمَّا في الكراع والسلاح وإمَّا في المصالح مطلقًا. واختلف هؤلاء هل كان الفيء ملكًا للنبي ﷺ في حياته على قولين:
أحدهما: نعم كما قاله الشافعي وبعض أصحاب أحمد لأنَّه أضيف إليه.
والثاني: لم يكن ملكًا له لأنَّه لم يكن يتصرف فيه تصرف المالك.
وقالت طائفة: ذوو القربى هم ذوو قربى القاسم المتولي وهو الرسول في حياته ومن يتولى الأمر بعده واحتجوا بما روى عنه ﷺ أنَّه قال: "ما أطعم الله نبيًا طعمه إلَّا كانت لمن يتولى الأمر بعده".
والقول الخامس: قول مالك وأهل المدينة وأكثر السلف أنَّ مصرف الخمس والفيء واحد وأنَّ الجميع لله والرسول بمعنى أنَّه يصرف فيما أمر الله به والرسول هو المبلغ عن الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنَّه قال: "إنِّي والله لا أعطى أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسم أضع حيث أمرت" فدل على أنَّه يعطى المال لمن أمره الله به لا لمن يريد هو ودل على أنَّه أضافه إليه لكونه رسول الله لا لكونه مالكًا له وهذا بخلاف نصيبه
[ ١٤ / ٦٠٠ ]
من المغنم وما وصى له به فإنَّه كان ملكه ولهذا سمى الفيء مال الله بمعنى أنَّه المال الذي يجب صرفه فيما أمر الله به ورسوله أي في طاعة الله أي لا يصرفه أحد فيما يريد وإن كان مباحًا بخلاف الأموال المملوكة وهذا بخلاف قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. فإنَّه لم يضفه إلى الرسول بل جعله مما آتاهم الله، قالوا وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. تخصيص هؤلاء بالذكر للاعتناء بهم لا لاختصاصهم بالمال ولهذا قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. أي لا تتداولونه وتحرمون الفقراء ولو كان مختصًا بالفقراء لم يكن للأغنياء فضلًا عن أن يكون دولة وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فدل على أنَّ الرسول هو القاسم للفيء والمغانم ولو كانت مقسومة محدودة كالفرائض لم يكن للرسول أمر فيها ولا نهي، وأيضًا فالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تدل على هذا القول فإنَّ النبي ﷺ لم يخمس قط خمسًا خمسة أجزاء ولا خلفاؤه ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء وقد يكون المساكين أكثر من اليتامى الأغنياء وقد كان بالمدينة
[ ١٤ / ٦٠١ ]
يتامى أغنياء فلم يكونوا يسوون بينهم وبين الفقراء بل ولا عرف أنَّهم أعطوهم بخلاف ذوي الحاجة والأحاديث في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها» اهـ.
قُلْتُ: يدخل في الفيء:
الغنائم التي تؤخذ من الكافرين بغير قتال كالأموال التي أخذت من بني النضير.
ويدخل فيه: الجزية، وهي الأموال التي تؤخذ على رؤوس الكافرين إذلالً وصغارًا.
قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والجزية مشتقة من الجزاء فهي جزاء عليهم بسبب كفرهم، وجزاء للمسلمين مقابل تأمينهم.
ولا تؤخذ الجزية من النساء ولا الصغار. باتفاق الأئمة.
ولا المجانين، ولا العميان ولا الزمنى، ولا الشيخ الفان، وإن كانوا موسرين وهو مذهب الجمهور لأنَّ هؤلاء لا يقاتلون، وخالف الشافعي في رواية.
وتؤخذ من العبيد أيضًا على الصحيح.
[ ١٤ / ٦٠٢ ]
والصحيح أنَّ مقدار الجزية يرجع إلى نظر الإمام فيقدر على الغني، والمتوسط، والفقير كلًا على حسبه.
ويدخل فيه: العشور، وقد فرضها عمر بن الخطاب ﵁ على تجارات الكفار إذا قدموا بها بلدان المسلمين، فإنَّ كان القادم بها كافرًا حربيًا فيؤخذ منه العشر، وإن كان ذميًا فيؤخذ منه نصف العشر.
وإنَّما تؤخذ منهم في العام مرة كالزكاة، وتكتب لهم فيها ورقة حتى لا يكرر العاشر أخذها منهم مرة أخرى، أو يأخذها عاشر آخر في بلد آخر من بلدان المسلمين، فإن زادوا على التجارة المعشرة شيئًا آخر أخذ منه العشر أو نصفه بحسبه.
ويدخل في الفيء: الخراج، وهي جزية الأرض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٤٥):
«فَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنِ اتِّفَاقٍ وَافْتِرَاقٍ.
الْخَرَاجُ هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ خَرَاجُ الرِّقَابِ، وَهُمَا حَقَّانِ عَلَى رِقَابِ الْكُفَّارِ وَأَرْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَّفِقَانِ فِي وُجُوهٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي وُجُوهٍ.
[ ١٤ / ٦٠٣ ]
فَيَتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهُمَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَأَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً، وَأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالْإِسْلَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَالْخَرَاجَ بِالِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ إِذَا قُدِّرَتْ عَلَى الْغَنِيِّ لَمْ تَزِدْ بِزِيَادَةِ غِنَاهُ، وَالْخَرَاجَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الْأَرْضِ وَقِلَّتِهَا، وَالْخَرَاجَ يُجَامِعُ الْإِسْلَامَ حَيْثُ نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجِزْيَةَ لَا تُجَامِعُهُ بِوَجْهٍ; وَلِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ تَارَةً فِي رَقَبَةِ الْكَافِرِ وَأَرْضِهِ وَيَسْقُطَانِ تَارَةً، وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ حَيْثُ لَا خَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ حَيْثُ لَا جِزْيَةَ» اهـ.
والأرض ستة أنواع:
الأول: ما ابتدأ المسلمون بإحيائها ففيها العشر أو نصفه في ثمارها، وهي الزكاة التي افترضها الله تعالى على عبادة.
الثاني: الأرض التي أسلم عليها أهلها من غير قتال فهي لهم ولا خراج فيها، وفي ثمار أشجارها وزروعها الزكاة كالأرض الأولى، ومنها المدينة واليمن والطائف.
الثالث: ما ملكه المسلمون من أرض الكافرين بالقوة والقهر والغلبة.
[ ١٤ / ٦٠٤ ]
وهذه الأرض إن قسمها الخليفة على المجاهدين فهي أرض عشرية، ولا خراج عليها كالأرضين السابقتين.
وإن أبقاها بأيد الكافرين ضرب عليها الخراج وتكون أرض خراجية.
وإن أسلم بعد ذلك أهلها ففيها العشر والخراج معًا.
وللخليفة أن يوقفها لمصلحة المسلمين ويجعل في أرضها خراجًا يكون كالأجرة عليها فيكون فيها العشر والخراج، ويجوز بيعها وإجارتها لمن كانت في يده.
الرابع: الأرض التي صالح المسلمون أهلها من الكافرين أن تبقى لهم، ويدفعوا خراجها فهي على ما صولحوا عليها ما داموا على شركهم فمن أسلم منهم فلا خراج عليه في أرضه، وإذا بيعت الأرض لمسلم فلا خراج فيها عليه.
الخامس: الأرض التي صالح المسلمون أهلها من الكافرين أن ينزلوا عنها، ويبقون عنها بالجزية، فهذه الأرض أرض خراجية وتأخذ حكم النوع الثالث، وهي أرض العنوة.
السادس: الأرض التي جلى عنها أهلها بغير قتال، وهذه الأرض تأخذ حكم النوع الثالث وهي أرض العَنوة.
[ ١٤ / ٦٠٥ ]
والخراج يكون في الأرض الحية التي تزرع أو التي يمكن زراعتها، وهكذا التي فيها أشجار، ولا تكون على الموات، وليس للخراج مقدار معين فيرجع أمره إلى اجتهاد الحاكم بما لا مظلمة فيه، وله أن يضعه على الزرع والثمار فيجعل على الكيل مقدارًا معينًا من الدراهم ونحوها، أو على الأرض، وعلى الأرض أحسن وأضبط.
وأمَّا المساكن والدور فليس عليها خراج، وقد كان الإمام أحمد يخرج ذلك احتياطًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«وَإِذَا بَنَى فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ دُورًا وَحَوَانِيتَ كَانَ خَرَاجُهَا مُسْتَحِقًّا عَلَيْهِ؛ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ; لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ، وَقَدْ سَأَلَهُ: تَرَى أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ عَلَى مَا وَظَّفَ عُمَرُ ﵁ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَقَالَ: مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُعْطِي عَنْ دَارِكَ الْخَرَاجَ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ.
[ ١٤ / ٦٠٦ ]
قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ; لِأَنَّ بَغْدَادَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا بُنِيَتْ مَسَاكِنَ رَاعَى أَحْمَدُ حَالَهَا الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ عَهْدِ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَنْ صَارَتْ دُورًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بِنَائِهِ فِي مُقَامِهِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِزَارِعِهَا وَفَلَّاحِهَا عَفْوٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ فِيهَا إِلَّا بِمَسْكَنٍ يَسْكُنُهُ، وَمَا بَنَاهُ لِلْكِرَاءِ وَالتَّوْسِعَةِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهُوَ غَيْرُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً، بَلْ عَدَّ مِنْ جُمْلَةِ وَرَعِهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ الْخَرَاجَ عَنْ دَارِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا كَانَ أَحْمَدُ يُلْزِمُ بِهِ النَّاسَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى الْمَسَاكِنِ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا موات أرض العنوة إذا أحياها مسلم فلا خراج فيها على الصحيح.
وقد رفع الخراج من أرض العَنوة منذ زمن طويل ولم يبق لذلك وجود.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥٨٢):
[ ١٤ / ٦٠٧ ]
«فَعُلِمَ أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ يَجُوزُ قَسَمُهَا وَيَجُوزُ تَرْكُ قَسْمِهَا. وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا كَبِيرًا. إذَا عُرِفَ ذَلِكَ: فَمِصْرُ هِيَ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً وَلَمْ يَقْسِمْهَا عُمَرُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لَكِنْ تَنَقَّلَتْ أَحْوَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَنَقَّلَتْ أَحْوَالُ الْعِرَاقِ. فَإِنَّ خُلَفَاءَ بَنِي الْعَبَّاسِ نَقَلُوهُ إلَى الْمُقَاسَمَةِ بَعْدَ الْمُخَارَجَةِ وَهَذَا جَائِزٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ مِصْرُ رُفِعَ عَنْهَا الْخَرَاجُ مِنْ مُدَّةٍ لَا أَعْلَمُ ابْتِدَاءَهَا وَصَارَتْ الرَّقَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٨/ ٦٦٢):
«وَلِهَذَا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ كَانَتْ خراجية وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ: "مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِرْهَمَهَا وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ" لَكِنْ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَثُرُوا نَقَلُوا أَرْضَ السَّوَادِ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ مِنْ الْمُخَارَجَةِ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَلِذَلِكَ نَقَلُوا مِصْرَ إلَى أَنْ اسْتَغَلُّوهَا هُمْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ وَلِذَلِكَ رُفِعَ عَنْهَا الْخَرَاجُ» اهـ.
[ ١٤ / ٦٠٨ ]
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه مسلم (٢٨٩٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ» شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
قُلْتُ: وهذا الحديث احتج به من أثبت الخراج بالسنة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٠٦):
«فَالْمُسْتَخْرَجُ أَصْلٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ - فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا". وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ مَعَ عُمَرَ عَلَى فِعْلِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦):
«وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْخَرَاجِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ دِينَارَهَا وَمُدْيَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ دِينَارَهَا وَإِرْدَبَّهَا وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
[ ١٤ / ٦٠٩ ]
وَالْمَعْنَى: سَيُمْنَعُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» اهـ.
وَأمَّا الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٨/ ٢٠):
«أَمَّا الْقَفِيزُ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هو ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهوخمس كَيْلَجَاتٍ وَأَمَّا الْمُدْيُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ قُفْلِ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الشَّامِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا وَأَمَّا الْإِرْدَبُّ فَمِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ مِصْرَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ يَسَعُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا. وَفِي مَعْنَى مَنَعَتِ الْعِرَاقُ وَغَيْرِهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِإِسْلَامِهِمْ فَتَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَمَ وَالرُّومَ يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَادِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْنَعُونَ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا بَعْدَ هذا بورقات عن جابر قال: يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم قُلْنَا مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ وَذَكَرَ فِي مَنْعِ الرُّومِ ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْلَهُ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا فِي الْعِرَاقِ وَهُوَ الْآنَ مَوْجُودٌ وَقِيلَ لأنَّهم يرتدون في آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ تَقْوَى شَوْكَتُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
[ ١٤ / ٦١٠ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: "وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ" فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» اهـ.
قُلْتُ: حديث جابر رواه مسلم (٢٩١٣) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا».
وروى البخاري (٣١٨٠) قَالَ أَبُو مُوسَى، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ، فَيَشُدُّ اللَّهُ ﷿ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
[ ١٤ / ٦١١ ]
أبو موسى هو محمد بن المثنى شيخ البخاري، وهذه الصيغة من صيغ التعليق وفيها نزاع هل تحمل على السماع أو لا.
وقد وصل الحديث أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٦٦٣١) وغيره.
وفيه بيان لسبب المنع.
وقد يقال حمل هذه الأحاديث على الجزية أظهر لأنَّ الخراج رفعه المسلمون حين نقلوا الأرض من الخراج إلى المقاسمة، وأمَّا الجزية فرفعها أهل الذمة بسبب ما حصل من كثير المسلمين من انتهاك ذمة الله وذمة رسوله فحصل لهم حينئذ الضعف وقوي عليهم الأعداء فمنعوا الجزية.
٢ - وفيه جواز ادخار الرجل لأهله نفقة سنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٨٣): «ولا خلاف فيه إذا كان من غلة المدخر، وأمَّا إذا اشتراه من السوق، فأجازه قوم ومنعه آخرون إذا أضر بالناس. وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٠٦): «في هذا الحديث: جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال، وأنَّ هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي
[ ١٤ / ٦١٢ ]
ﷺ، وأمَّا إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله، فإن كان في وقت ضيق الطعام؛ لم يجز، بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين كقوت أيام أو شهر، وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر، هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠٦): «وهذا لا يعارض حديث عائشة أنَّه ﷺ توفي ودرعه مرهونة على شعير لأنَّه يجمع بينهما بأنَّه كان يدخر لأهله قوت سنتهم ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيء منه فيخرجه فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضه فلذلك استدان» اهـ.
قُلْتُ: حديث عائشة رواه البخاري (٢٩١٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ».
ويشكل على هذا الحديث ما رواه الترمذي (٢٣٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ».
[ ١٤ / ٦١٣ ]
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ولم يبيِّن الحافظ الترمذي أيهما أرجح الوصل أو الإرسال.
وَقَدْ جَمَعَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بين هذين الحديثين فقال فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٦):
«والجمع بينهما أنَّه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أنَّ ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة» اهـ.
٣ - وفيه استحباب إعداد العدة لجهاد الأعداء.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
* * *
[ ١٤ / ٦١٤ ]
٤٠٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى.
قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ: خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ: مِيلٌ.
قَوْلُهُ: «مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٧٢): «والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتًا وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «مِنَ الْحَفْيَاءِ». موضع في المدينة.
وَقَوْلُهُ: «خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ». الميل منتهي مدى البصر من الأرض، وسمي ميلًا لميل البصر إلى الأرض في آخر مداه.
[ ١٤ / ٦١٥ ]
والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعًا، ومقدار الذراع بالسنتيمترات ٢، ٤٦ سم، ومقدار الميل بالأمتار ١٨٤٨ مترًا، ومقدار الخمسة الأميال ٩٢٤٠ مترًا، ومقدار الستة الأميال ١١٠٨٨ مترًا.
وَقَوْلُهُ: «إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ». سميت بذلك لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ثم يثنون راجعين، والثنية قيل الطريق إلى الجبل، وقيل العقبة، وقيل الجبل نفسه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب المسابقة بين الخيل لما في ذلك من الإعانة على الجهاد في سبيل الله.
وتشرع المسابقة بالخيل أو الإبل أو الرماح بعوض لما رواه أحمد (٧٤٧٦، ٨٩٨١، ٩٤٨٣، ١٠١٤٢)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥، ٣٥٨٦، ٣٥٨٧، ٣٥٨٩)، وابن ماجه (٢٨٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ».
وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٧٢ - ٧٣): «وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض لكن قصرها مالك والشافعي على
[ ١٤ / ٦١٦ ]
الخف والحافر والنصل وخصه بعض العلماء بالخيل وأجازه عطاء في كل شيء. واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس، وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئًا ليخرج العقد عن صورة القمار وهو أن يخرج كل منهما سبقًا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه، ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ١٦٠ - ١٦٣):
«اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز الرِّهَان فِي الْمُسَابقَة على الْخَيل وَالْإِبِل والسهام فِي الْجُمْلَة وَاخْتلفُوا فِي فصلين:
أَحدهمَا: فِي الْبَاذِل للرَّهْن من هُوَ.
الثَّانِي: فِي حكم عود الرَّهْن إِلَى من يعود.
فَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنْ الْبَاذِل للرَّهْن يجوز أَنْ يكون أحد الْمُتَعَاقدين وَيجوز أَنْ يكون كِلَاهُمَا وَأَنْ يكون أَجْنَبِيًّا ثَالِثًا إِمَّا الإِمَام وَإِمَّا غَيره وَلَكِن إِنْ كَانَ الرَّهْن مِنْهُمَا لم يحل إِلَّا بِمُحَلل وَهُوَ ثَالِث يدخلانه بَينهمَا لَا يخرج
[ ١٤ / ٦١٧ ]
شَيْئًا فَإِنْ سبقهما أَخذ سبقهما وَإِنْ سبقاه مَعًا أحرزا سبقهما وَلم يغرم الْمُحَلِّل شَيْئًا وَإِنْ سبق الْمُحَلِّل مَعَ أَحدهمَا اشْترك هُوَ وَالسَّابِق فِي سبقه.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَمر آخر فِي الْمُحَلِّل وَهُوَ أَنه هَلْ يجوز أَنْ يكون الْمُحَلِّل أَكثر من وَاحِد أَوْ لَا يجوز أَنْ يكون إِلَّا وَاحِدًا؟.
فَظَاهر كَلَامهم أَنْ الْمُحَلِّل يكون كَأحد الحزبين إِمَّا وَاحِدًا وَإِمَّا عددًا.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ من أَصْحَاب أَحْمد: لَا يجوز أَكثر من وَاحِد وَلَو كَانُوا مئة لِأَن الْحَاجة تنْدَفع بِهِ.
قَالُوا: وَالْعقد بِدُونِ الْمُحَلِّل إِذا أخرجَا مَعًا قمار.
وَمذهب مَالك أَنه إِنَّمَا يجوز أَنْ يخرج السَّبق ثَالِث لَيْسَ من المتسابقين إِمَّا الإِمَام أَوْ غَيره وَلَا يجْرِي مَعَهم فَمن سبق مِنْهُمَا أَخذ ذَلِك السَّبق فَإِنْ جرى مَعَهُمَا الَّذِي أخرج السَّبق فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تكون السباق فرسين أَوْ أَكثر فَإِنْ كَانَتَا فرسين فَسبق مخرج السَّبق فالسبق طعم لمن حضر وَلَا يَأْخُذهُ السَّابِق وَإِنْ كَانَتْ خيلًا كَثِيرَة وَقد سبق مخرج السَّبق أعْطى سبقه للَّذي يَلِيهِ وَهُوَ الْمُصَلِّي وَلم يَأْخُذهُ.
وَفقه ذَلِك أَنْ سبقه لَا يعود إِلَيْهِ بِحَال سَوَاء سبق أَوْ سبق.
[ ١٤ / ٦١٨ ]
وَلَا يجوز عِنْده أَنْ يخرجَا مَعًا لَا بِمُحَلل وَلَا بِغَيْر مُحَلل وَلَا أَنْ يخرج أحد المتسابقين.
وَقد روى عَنْ مَالك رِوَايَة ثَانِيَة جَوَاز إِخْرَاج السَّبق مِنْهُمَا بِمُحَلل كَقَوْل الثَّلَاثَة قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا أَجود قوليه وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمَوَّاز.
قلت: وَلَكِن أَصْحَابه على خِلَافه وَالْمَشْهُور عِنْدهم مَا حكيناه عَنهُ أَولًا.
وَالْقَوْل بالمحلل مَذْهَب تَلقاهُ النَّاس عَنْ سعيد بن الْمسيب وَأمَّا الصَّحَابَة فَلَا يحفظ عَنْ أحد مِنْهُم قطّ أَنه اشْترط الْمُحَلّل وَلَا رَاهن بِهِ مَعَ كَثْرَة تناضلهم ورهانهم بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم خِلَافه كَمَا ذكره عَنْ أبي عُبَيْدَة بن الْجراح.
وَقَالَ الْجوزجَاني الإِمَام فِي كِتَابَة "المترجم": حَدثنَا أَبُو صَالح هُوَ مَحْبُوب بن مُوسَى الْفراء حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق هُوَ الْفَزارِيّ عَنْ ابْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بن دِينَار قَالَ قَالَ رجل عِنْد جَابر بْن زيد: إِنَّ أَصْحَاب مُحَمَّد كَانُوا لَا يرَوْنَ بالدخيل بَأْسًا فَقَالَ هم كَانُوا أعف من ذَلِك.
والدخيل عِنْدهم هُوَ الْمُحَلِّل فينافيه مَا نقل عَنْهُم أَنهم لم يَكُونُوا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا.
وَفرق بَين أَنْ لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وَبَين أَنْ يكون شرطًا فِي صِحَة العقد وحله فَهَذَا لَا يعرف عَنْ أحد مِنْهُم أَلْبَتَّة.
[ ١٤ / ٦١٩ ]
وَقَوله: كَانُوا أعف من ذَلِك أَي كَانُوا أعف من أَنْ يدخلُوا بَينهم فِي الرِّهَان دخيلًا كالمستعار وَلِهَذَا قَالَ جَابر بن زيد رَاوِي هَذِه الْقِصَّة أَنه لَا يحْتَاج المتراهنان إِلَى الْمُحَلِّل. حَكَاهُ الْجوزجَاني وَغَيره عَنهُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد نازع في اشتراط المحلل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٦٤) وفي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ١٤٥): «وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ بِجُعْلٍ وَلَا يَجْعَلُونَ بَيْنَهُمْ مُحَلِّلًا.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا مِنْ الْفُقَهَاءِ ظَنُّوا أَنَّهُ يَكُونُ قِمَارًا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْمُحَلِّلِ يَخْرُجُ عَنْ شِبْهِ الْقِمَارِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ، بَلْ الْمُحَلِّلُ مُؤَدٍّ إلَى الْمُخَاطَرَةِ، وَفِي الْمُحَلِّلِ ظُلْمٌ لِأَنَّهُ إذَا سَبَقَ أَخَذَ وَإِذَا سُبِقَ لَمْ يُعْطَ وَغَيْرُهُ إذَا سَبَقَ أُعْطِيَ، فَدُخُولُ الْمُحَلَّلِ ظُلْمٌ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ-جمع: ابن قاسم] (ص: ٥٠ - ٥٨): «ومن هنا يظهر فقه "باب السبق" فإنَّ كثيرًا من العلماء اعتقدوا
[ ١٤ / ٦٢٠ ]
أنَّ السبق إذا كان من الجانبين وليس بينهما محلل كان هذا من الميسر المحرم، وأنَّه قمار؛ لأنَّ كلًا منهما متردد بين أن يغرم أو يغنم، وما كان كذلك فهو قمار. واعتقدوا أنَّ القمار المحرم إنَّما حرم لما فيه من المخاطرة والتغرير، وظنوا أنَّ الله حرم الميسر لذلك، وهذا موجود في المتسابقين إذا أخرج كل منهما السبق، فحرموا ذلك. وروي في ذلك حديث ظنه بعضهم صحيحًا؛ وهو قوله: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار" ومعلوم أنَّ هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ بل هو من كلام سعيد بن المسيب، هكذا رواه الثقات، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف.
ثم الذين اعتقدوا أنَّ هذه المسابقة بلا محلل قمار تنازعوا بعد ذلك فمنهم من لم يجوز العوض بحال. ومنهم من جوزه من أحدهما بشرط ألَّا يرجع إليه بل يعطيه الجماعة إن غلب. وروي ذلك عن مالك وغيره، وهو أصح.
والقياس: لو كانت المسابقة من الطرفين قمارًا محرمًا فإنَّهم رأوا أنَّ هذه ليست جعالة يقصد الجاعل فيها بدل الجعل في عمل ينتفع به؛ إنَّما قصد أن يغلب صاحبه فحرموها، وقالوا: دخول المحلل فيها يزيدها شرًا، وأنَّ المقامرة حرمت لما فيها
[ ١٤ / ٦٢١ ]
من أكل المال بالباطل، والمحلل يزيدها شرًا؛ فإنَّ المتسابقين إذا غلب أحدهما صاحبه فأخذ ماله كان هذا في مقابلة أنَّ الآخر إذا غلبه أخذ ماله. فكان مبناها على العدل؛ بخلاف المحلل فإنَّه ظلم محض؛ فإنَّه بعرضة أن يغنم أو يسلم، والآخران قد يغرمان فلا يستوون في المغنم والمغرم والسلامة؛ بخلاف إذا لم يكن بينهما محلل فكلاهما قد يغنم وقد يغرم وقد يسلم فيما إذا تساويا وجاءا معًا. فهذا أقرب إلى العدل؛ فإذا حرم الأقرب إلى العدل فلأن يحرم الأبعد عنه بطريق الأولى.
وأيضًا: فإذا قيل: هذا محرم لما فيه من المخاطرة وأكل المال بالباطل كان بالمحلل أشد تحريمًا؛ لأنَّها أشد مخاطرة وأشد أكلًا للمال بالباطل؛ لأنَّها عند عدمه إنَّما يغنم أو يغرم أحدهما، وهنا المخاطرة باقية كل منهما قد يغنم أو قد يغرم، وانضم إلى ذلك مخاطرة ثالثة وهي أنَّه هناك يغرم إذا غلبه صاحبه، وهنا يغرم إذا غلبه، وإذا غلبه المحلل فكان المحلل زيادة في المخاطرة.
وأيضًا: فإنَّ كلًا يحتمل أن يغلب ويغنم أو يغرم. وأمَّا المحلل فلا يحتمل أن يغلب أو يغرم؛ بل هو يغنم لا محالة أو يسلم.
[ ١٤ / ٦٢٢ ]
فمن تدبر هذه الأمور علم أنَّ الشريعة منزهة عن مثل هذا أن تحرم الشر لمجرد مفسدة قليلة وتبيحها بالمفسدة عينها إذا كثرت، ولكن أصحاب الحيل كثيرًا ما يقعون في هذا فيحرمون على الرجل بعض أنواع الزيادة دفعًا لأكل المال بالباطل لئلا يتضرر، ويفتحون له حيلة يؤكل فيها ماله بالباطل أكثر، ويكون فيها ظلمه وضرره أعظم.
ومن العلماء من أباح السبق بالمحلل، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك. وهذا مبني على أصلين.
أحدهما: أنَّ هذه جَعَالَةٌ.
والثاني: أنَّ القمار هو المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم، وهذا المعنى ينتفي بالمحلل، فإنَّه حينئذ يدور على أمرين: أن يغنم، أو يغرم، أو يسلم. وقد تقدم التنبيه على بعض ما في كل من الأصلين.
والمقصود الأعظم بيان فساد ظن الظان أنَّه بدون المحلل قمار وبالمحلل يزول القمار.
فيقال: أولًا: إنَّ الدليل الشرعي قد دل على أنَّ القمار هو هذا دون هذا.
[ ١٤ / ٦٢٣ ]
ويقال ثانيًا: المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم؛ فإنَّهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر. فقولهم: إنَّ القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل؛ فإنَّ كلًا منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب، وبين أن يسلم إن جاءا معًا، أو جاء هو ورفيقه معًا، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل؛ وبدون المحلل، بل زادت بدخوله فتبين أنَّ المعنى لم يزل بدخول المحلل. بل ازداد مفسدة؛ فإنَّه على بر السلامة ولا عدل فيه؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل. فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال، وهذا عدل، وهو على الميزان بينهما؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته، بل معرضًا للخسارة، ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر، والذي لم يقصد لم يعط شيئًا ولا يخسر؛ بل إمَّا سالمًا وإمَّا غانمًا، فهل يحسن هذا في شرع رسول الله ﷺ؟! وإن كان القائلون علماء فضلاء أئمة. فإنَّما وقعت الشبهة من حيث ظنوا أنَّ الميسر المحرم الذي هو القمار حرم لما فيه من المخاطرة، ثم منهم من رأى المخاطرة كلها محرمة من المحلل وعدمه، وهذا أقرب إلى الأصل
[ ١٤ / ٦٢٤ ]
الذي ظنوا لو كان صحيحًا. ومنهم من رأى الحاجة إلى السبق، وقد جاء الشرع بها، فجمع بين ما أمر الله به وبين ما أبطله من القمار، فأباحه مع المحلل فقط. والمقصود هنا بالجعل أن يظهر أنَّه قوي؛ لأنَّ صاحبه يغلبه ويأخذ ماله، بخلاف الجعالة فإنَّ الغرض بها العمل من العامل الذي يأخذ الجعل، فليست هذه جعالة، والجاعل قصده وجود الشرط، والمسابق الذي أظهر المال قصده ألا يوجد الشرط الذي هو سبق صاحبه له؛ بل قصده عدمه. فأين هذا من هذا؟! هذا يكره أن يغلب، وذاك يحب أن يحصل قصده الذي هو رد آبقه أو بناء حائطه، كما يقول الحالف: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو علي الحج. ومقصده أنَّه لا يفعله؛ بخلاف الناذر الذي يقول: إن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم شهرًا، وكالمخالع الذي يقول: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق.
ومن تبين حقيقة هذه المسألة تبين له أنَّ من رأى أنَّه حرام ولو مع المحلل فقوله أصح على ما ظنوه.
وأمَّا إذا تقرر أنَّ تحريم الميسر لما نص الله تعالى على أنَّه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله ﷿ وعن الصلاة، وقد يشتد تحريمه لما فيه من أكل المال بالباطل. والمسابقة التي أمر الله بها ورسوله لا تشتمل لا على هذا الفساد ولا على
[ ١٤ / ٦٢٥ ]
هذا فليست من الميسر، وليس إخراج السبق فيها مما حرمه الله ورسوله، ولا من القمار الداخل في الميسر؛ فإنَّ لفظ القمار المحرم ليس في القرآن، إنَّما فيه لفظ الميسر، والقمار داخل في هذا الاسم، والأحكام الشرعية يجب أن تتعلق بكلام الله ورسوله ومعناه فلينظر في دلالة ألفاظ القرآن والحديث، وفي المعاني والعلل، والحكم والأسباب التي علق الشارع بها الأحكام، فيكون الاستدلال بما أنزل الله من الكتاب والميزان. والقياس الصحيح الذي يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين هو العدل وهو الميزان.
وذلك أنَّ المسابقة والمناضلة عمل صالح يحبه الله ورسوله، وقد سابق النبي ﷺ بين الخيل، وكان أصحابه يتناضلون، ويقول لهم: "ارموا بني إسماعيل فإنَّ أباكم كان راميًا" وكان قد صار مع أحد الحزبين ثم قال: "ارموا وأنا معكم كلكم" تعديلًا بين الطائفتين.
والرمي والركوب قد يكون واجبًا، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًا، وقد نص أحمد وغيره على أنَّ العمل بالرمح أفضل من صلاة الجنازة في الأمكنة التي يحتاج فيها إلى الجهاد كالثغور، فكيف برمي النشاب؟ وروي "أنَّ الملائكة لم تحضر شيئًا من لهوكم إلَّا الرمي" وروي أنَّ قومًا كانوا يتناضلون
[ ١٤ / ٦٢٦ ]
فحضرت الصلاة، فقالوا: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، فقال: "هم في صلاة" وما كان كذلك فليس من الميسر الذي حرمه الله؛ بل هو من الحق، كما قال: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلَّا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته لامرأته فإنهن من الحق".
وحينئذ فأكل المال بهذه الأعمال أكل بالحق لا بالباطل، كما قال ﷺ في حديث الرقية: "لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلتم برقية حق" فجعل كون العمل نافعًا لا ينهى عنه، بل إذا أكل به المال فقد أكل بحق، وهنا هذا العمل نافع للمسلمين مأمور به لم ينه عنه، فالمعنى الذي لأجله حرم الله الميسر أكل المال بالقمار، وهو أن يأكل بالباطل، وهذا أكل بالحق.
وأمَّا المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة؛ بل قد علم أنَّ الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة، ولا كل ما كان مترددًا بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم، وليس في أدلة الشرع ما يوجب تحريم جميع هذه الأنواع لا نصًا ولا قياسًا؛ ولكن يحرم من هذه الأنواع ما يشتمل على أكل المال بالباطل، والموجب للتحريم عند الشارع أنَّه أكل مال بالباطل، كما يحرم أكل المال بالباطل وإن لم يكن مخاطرة؛ لا أنَّ مجرد المخاطرة محرم، مثل المخاطرة على اللعب بالنرد والشطرنج لما فيه من
[ ١٤ / ٦٢٧ ]
أكل المال بالباطل، وهو ما لا نفع فيه له ولا للمسلمين؛ فلو جعل السلطان أو أجنبي مالًا لمن يغلب بذلك جاز وإن لم يكن هناك مخاطرة، وكذلك لو جعل أحدهما جعلًا، وكذلك لو أدخلا محللًا، فعلم أنَّ ذلك لم يحرم لأجل المخاطرة؛ لا سيما وجمهور العلماء يحرمون هذا العمل، وإن خلا عن عوض.
وأمَّا أخذ العوض في المسابقة والمصارعة فهذه الأعمال لم تجعل في الأصل لعبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، فلهذا لم يحض الشارع عليها ولا رغب فيها، وإنَّما يقصد بها في الغالب راحة النفوس، أو الاستعانة على المباحات، فأباحها الشارع لعدم الضرر الراجح، ولم يأمر بها ولا رغب فيها لأنَّها ليست مما يحتاجه المسلمون، ولا يتوقف قيام الدين عليها، كالرمي والركوب، ولو خلي المسلمون عن مصارع ومسابق على الأقدام لم يضرهم لا في دينهم ولا في دنياهم، بخلاف ما لو خلوا عن الرمي والركوب لغلب الكفار على المسلمين؛ ولهذا لم يدخل فيها السبق.
ألا ترى أنَّ للإمام أن يخرج جعلًا لمن يرمي، ولا يحل له أن يخرجه لمن يصارع؟.
وإذا عرف هذا عرف أنَّ مجرد المخاطرة ليس مقتضيًا لتحريم المسألة، وانكشفت، وظهرت، وعرف أنَّ الصواب: أن يعرف مراد رسول الله ﷺ
[ ١٤ / ٦٢٨ ]
من أقواله وحكمه وعلله التي علق بها الأحكام؛ فإنَّ الغلط إنَّما ينشأ عن عدم المعرفة بمراده ﷺ. والمخاطرة مشتركة بين كل من المتسابقين؛ فإنَّ كلًا يرجو أن يغلب الآخر ويخاف أن يغلبه، فكان ذلك عدلًا وإنصافًا بينهما كما تقدم.
وكذلك كل من المتبايعين لسلعة، فإنَّ كلًا يرجو أن يربح فيها ويخاف أن يخسر. فمثل هذه المخاطرة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. والتاجر مخاطر وكذلك الأجير المجعول له جعل على رد آبق، وعلى بناء حائط؛ فإنَّه قد يحتاج إلى بذل مال فيكون مترددًا بين أن يغرم أو يغنم، ومع هذا فهو جائز.
والمخاطرة إذا كانت من الجانبين كانت أقرب إلى العدل والإنصاف، مثل المضاربة، والمساقاة، والمزارعة؛ فإنَّ أحدهما مخاطر قد يحصل له ربح وقد لا يحصل.
وما علمت أحدًا من الصحابة شرط في السباق محللًا ولا حرمه إذا كان كل منهما يخرج، وإنَّما علمت المنع في ذلك عن بعض التابعين، وقد روينا عن أبي عبيدة بن الجراح: أنَّه راهن رجلان في سباق الخيل ولم يكن بينهما محلل.
[ ١٤ / ٦٢٩ ]
وثبت في المسند والترمذي وغيرهما: "أنَّه لما اقتتلت فارس والروم فغلبت فارس الروم وبلغ ذلك أهل مكة وكان ذلك في أول الإسلام ففرح بذلك المشركون؛ لأنَّ المجوس أقرب إليهم من أهل الكتاب، وساء ذلك المسلمين لأنَّ أهل الكتاب أقرب إليهم من المجوس، فأخبر أبو بكر بذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فخرج أبو بكر ﵁ فراهن المشركين على أنَّه إن غلبت الروم في بضع سنين أخذ الرهان، وإن لم تغلب الروم أخذوا الرهان. وهذه المراهنة هي مثل المراهنة في سباق الخيل والرمي بالنشاب، وكانت جائزة لأنَّها مصلحة للإسلام؛ لأنَّ فيها مصلحة بيان صدق الرسول ﷺ فيما أخبر به من أنَّ الروم سيغلبون بعد ذلك، وفيها ظهور أقرب الطائفتين إلى المسلمين على أبعدهما. وهذا فعله الصديق ﵁ وأقره عليه رسول الله ﷺ ولم ينكره عليه، ولا قال: هذا ميسر وقمار. والصديق أجل قدرًا من أن يقامر؛ فإنَّه لم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام وهي أشهى إلى النفوس من القمار.
[ ١٤ / ٦٣٠ ]
وقد ظن بعضهم أنَّ هذا قمار لكن فعله هذا كان قبل تحريم القمار، وهذا إنَّما يقبل إذا ثبت أنَّ مثل هذا ثابت فيما حرمه الله من الميسر، وليس عليه دليل شرعي أصلًا. بل هي مجرد أقوال لا دليل عليها وأقيسة فاسدة يظهر تناقضها لمن كان خبيرًا بالشرع، وحل ذلك ثابت بسنة رسول الله ﷺ حيث أقر صديقه على ذلك؛ فهذا العمل معدود من فضائل الصديق ﵁ وكمال يقينه حيث أيقن بما قاله رسول الله ﷺ وأحب ظهور أقرب الطائفتين إلى الحق، وراهن على ذلك رغبة في إعلاء كلمة الله ودينه بحسب الإمكان.
وبالجملة إذا ثبتت الإباحة فمدعي النسخ يحتاج إلى دليل.
والكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع، وإنَّما كتبت ذلك في جلسة واحدة.
و"السبق" بالفتح هو العوض. وبالسكون هو الفعل.
وقال ﷺ: "لا سبق إلَّا في نصل أو خف أو حافر" مطلقًا لم يشترط محللًا لا هو ولا أصحابه، بل ثبت عنهم مثل ذلك بلا محلل.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنَّ السبق في غير هذه الثلاثة لم يحرم لأنَّه قمار. فلو بذل أحدهما عوضًا في النرد والشطرنج حرم اتفاقًا مع أنَّ العوض ليس من الجانبين.
[ ١٤ / ٦٣١ ]
ولو كان بينهما محلل في النرد حرم اتفاقًا أيضًا. فالعوض في النرد والشطرنج حرام سواء كان منهما أو من أحدهما أو من غيرهما بمحلل أو غير محلل. فلم يحرم لأجل المخاطرة. فلو كان الميسر المجمع على تحريمه والنرد والشطرنج لأجل المخاطرة لأبيح مع عدمها. فلما ثبت أنَّه محرم على كل تقدير علم بطلان تعليل تحريمه بذلك. وأكثر العلماء يحرمون العوض من الجانبين في المصارعة وإن كان بينهما محلل يرفع المخاطرة عند من يقول بذلك، فعلم أنَّ المؤثر هو أكل المال بالباطل، أو كون العمل يصد عن الصلاة وعن ذكر الله ﷿ ويوقع العداوة والبغضاء كما دل عليه القرآن، كما أنَّ بذل المال لما فيه من إعلاء كلمة الله ودين الله هو من الجهاد الذي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ به، سواء كان فيه مخاطرة أو لم يكن؛ فإنَّ المجاهدة في سبيل الله ﷿ فيها مخاطرة قد يغلب وقد يغلب، وكذلك سائر الأمور من الجعالة والمزارعة والمساقاة والتجارة والسفر وغيرهما كما تقدم بيانه. وفي هذا كفاية والله أعلم.
وإذا كان السبق من أحد الحزبين أو من غيرهما لم يحتج إلى محلل. ويمكنهم مع هذا أن يكون الحزب الأول يخرج السبق أول مرة والآخر يخرجه في المرة الثانية والأول في المرة الثانية، ولم يحتج إلى محلل. وعليهم مع هذا أن يكرروا الرمي» اهـ.
[ ١٤ / ٦٣٢ ]
وهذا تحرير نفيس، وقد أطال العلامة ابن القيم ﵀ النفس جدًا حول هذه المسألة في كتابه "الفروسية" فارجع إليه.
والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه أحمد (١٠٥٥٧)، وأبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
وَهُوَ حَدِيْثٌ مُعَلٌ لَا يَثْبُتُ، وقد أطال القول في بيان علته وكلام حفاظ الحديث فيه العلامة ابن القيم في "الفروسية".
قُلْتُ: والخيل التي يستحب أن يسابق بينها هي الخيل المعدة للجهاد في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨١): «والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها ويقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن فإذا كانت خيل مرتبطة معدة للجهاد في سبيل الله كان تضميرها والمسابقة بها سنة مسنونة على ما جاء في هذا الحديث» اهـ.
[ ١٤ / ٦٣٣ ]
قُلْتُ: وقد صارت الخيل في هذه الأزمان تستعمل للهو لا للجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك لاستغناء الناس بالمركوبات الحديثة عنها كالطائرات والدبابات وغيرها من المركوبات فلا يظهر لي حينئذ جواز المسابقات بالخيل بالعوض لأنَّ مقصود الجهاد بها في هذه الأزمان منتفٍ وإنَّما الغرض مجرد اللهو واللعب. والله أعلم.
٢ - وفي الحديث ثلاثة شروط من شروط المسابقة:
الأول: أن تكون الغاية معلومة، ومثل ذلك البداءة.
الثاني: تساوي الخيل في الأحوال أو تقاربها.
الثالث: أن لا يجعل غاية المضمر كغاية غير المضمر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨٢): «وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه أنَّ المسابقة يجب أن يكون أمدها معلومًا وأن تكون الخيل متساوية الأحوال وأن لا يسبق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ١٤٦): «وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط، فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أنَّ المسافة لا بد أن تكون معلومة.
[ ١٤ / ٦٣٤ ]
الثاني: أن تكون الخيل متساوية الأحوال.
الثالث: ألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها، وتقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٧٢): «وفيه أنَّ المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمرها معلومًا، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر، وهذا إجماع من العلماء؛ لأنَّ صبر الفرس المضمر المجوع في الجري أكثر من صبر المعلوف فلذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو سبعة، وجعلت غاية المعلوفة ميلًا واحدًا» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الشروط التي ذكرها العلماء:
تعيين المركوبين، وهكذا تعيين الراكبين، وأن يكون العوض معلومًا ومباحًا.
٣ - وفيه أنَّ الغاية لا تكون بما لا تقدر تلك الخيل على قطعها.
٤ - وفيه مشروعية إضمار الخيل، وهو وإن كان فيه شيء من تجويع الخيل وتعذيبه لكنه مما يتغاضى عنه للمصلحة، وفي الباب قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
[ ١٤ / ٦٣٥ ]
٥ - وفيه من الفوائد رياضة النفس والدواب.
٦ - وفي قوله: «أَجْرَى النَّبِيُّ». نسبة الفعل إلى الآمر المطاع.
٧ - مشروعية نسبة المساجد إلى أهل المحلة أو إلى من بناها. وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «باب هل يقال مسجد بني فلان».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٧/ ٤٤٧):
«المساجد وإن كانت لله ملكًا وتشريفًا فإنَّها قد نسبت إلى غيره تعريفًا، فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث أنَّ النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية، كأنَّها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، فإنَّ الأرض لله ملكًا، ثم يخص بها من يشاء، فيردها إليه، ويعينها لعبادته، فينفذ ذلك بحكمه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢): «وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه: أنَّ فيه إضافة المسجد إلى بني زريق، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعًا، إلَّا أنَّ تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة، ولم يشتهر في زمن النبي
[ ١٤ / ٦٣٦ ]
ﷺ بين المسلمين شيء إلَّا وهو غير ممتنع؛ لأنَّه لو كان محضورًا لما أقر عليه، خصوصًا الأسماء؛ فقد كان النبي ﷺ يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين، ولم يغير هذا الاسم للمسجد، فدل على جوازه.
ولقائل أن يقول: يجوز أنَّ اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي ﷺ بالكلية، فلا يبقى في الحديث دلالة، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء: دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي ﷺ يخطب، وقد قالوا: إنَّما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي ﷺ بزمن.
وأحسن من هذا: الاستدلال بقول النبي ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه" - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر -؛ فإنَّ هذا تصريح من النبي ﷺ بإضافة المسجد إلى نفسه، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها. والله أعلم» اهـ.
[ ١٤ / ٦٣٧ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥١٥): «ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلي فيها ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها وإنَّما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لينبه على أنَّ فيه احتمالًا إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر والجمهور على الجواز والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنَّه كان يكره أن يقول: مسجد بني فلان ويقول: مصلى بني فلان لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وجوابه أنَّ الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك» اهـ.
٨ - وفي قوله: «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى». دليل على أنَّ المراد المسابقة بين الخيل وهي مركوبة، وليس المراد إرسال الفرسين ليجريا بأنفسهما.
فائدة: ويشرع السَبَقُ في المسائل العلمية الشرعية، بالنص والقياس.
أمَّا القياس: فعلى السبق بالخف والحافر والنصل بجامع الجهاد في سبيل الله، وذلك أنَّ الجهاد جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبيان.
وأمَّا النص: فما رواه أحمد (٢٤٩٥)، والترمذي (٣١٩٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣٢٥) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ
[ ١٤ / ٦٣٨ ]
الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم: ٢] قَالَ: غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ»، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا، فَإِنْ ظَهَرْنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «أَلَا جَعَلْتَهُ إِلَى دُونَ» - قَالَ: أُرَاهُ العَشْرَ، قَالَ سَعِيدٌ: وَالْبِضْعُ مَا دُونَ العَشْرِ - قَالَ: ثُمَّ ظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدُ. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤].
قَالَ سُفْيَانُ: «سَمِعْتُ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٩٦ - ٩٨):
«وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي إحكام هَذَا الحَدِيث ونسخه على قَوْلَيْنِ:
[ ١٤ / ٦٣٩ ]
فادعت طَائِفَة نسخه بنهي النَّبِي ﷺ عَنْ الْغرَر والقمار قَالُوا فَفِي الحَدِيث دلَالَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان.
قَالُوا: وَيدل على نسخه مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ: "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل".
والسبق بِفَتْح السِّين وَالْبَاء وَهُوَ الْخطر الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الرِّهَان وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيِّ وَأحْمَد.
وَادعت طَائِفَة أَنه مُحكم غير مَنْسُوخ وَأَنه لَيْسَ مَعَ مدعي نسخه حجَّة يتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهَا.
قالوا: والرهان لم يحرم جملَة فَإِنْ النَّبِي ﷺ رَاهن فِي تسبيق الْخَيل كَمَا تقدم وَإِنَّمَا الرِّهَان على الْمحرم الرِّهَان على الْبَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدِّين وَأما الرِّهَان على مَا فِيهِ ظُهُور أَعْلَام الْإِسْلَام وأدلته وبراهينه كَمَا قد رَاهن عَلَيْهِ الصّديق فَهُوَ من أَحَق الْحق وَهُوَ أولى بِالْجَوَازِ من الرِّهَان على النضال، وسباق الْخَيل وَالْإِبِل أدنى، وَأثر هَذَا فِي الدِّين أقوى لِأَن الدّين قَالَ بِالْحجَّةِ والبرهان وبالسيف والسنان والمقصد الأول إِقَامَته بِالْحجَّةِ وَالسيف منفذ.
[ ١٤ / ٦٤٠ ]
قَالُوا: وَإِذا كَانَ الشَّارِع قد أَبَاحَ الرِّهَان فِي الرَّمْي والمسابقة بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل لما فِي ذَلِك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد الْقُوَّة للْجِهَاد فجواز ذَلِك فِي الْمُسَابقَة والمبادرة إِلَى الْعلم وَالْحجّة الَّتِي بهَا تفتح الْقُلُوب ويعز الْإِسْلَام وَتظهر أَعْلَامه أولى وَأَحْرَى.
وَإِلَى هَذَا ذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية.
قَالَ أَرْبَاب هَذَا القَوْل: والقمار الْمحرم هُوَ أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَكيف يلْحق بِهِ أكله بِالْحَقِّ.
قَالُوا: وَالصديق لم يقامر قطّ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَلَا أقرّ رَسُول الله ﷺ على قمار فضلًا عَنْ أَنْ يَأْذَن فِيهِ.
وَهَذَا تَقْرِير قَول الْفَرِيقَيْنِ» اهـ.
قُلْتُ: وقد رد الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ دعوى نسخ مراهنة الصديق فَقَالَ في [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٢٠٧ - ٢١١):
«قَالُوا: وَلَا يَصح أَنْ يُقَال: إِنْ قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم الْقمَار فَإِنْ الْقمَار حرم مَعَ تَحْرِيم الْخمر فِي آيَة وَاحِدَة وَالْخمر حرمت وَرَسُول الله ﷺ محاصر بني النَّضِير وَكَانَ ذَلِك بعد أحد بأشهر وَأحد كَانَتْ فِي شَوَّال سنة
[ ١٤ / ٦٤١ ]
ثَلَاث بِغَيْر خلاف وَالصديق لما كَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا رَهنه عَاد وراهنهم على مُدَّة أُخْرَى كَمَا تقدم فَغلبَتْ الرّوم فَارس قبل الْمدَّة المضروبة بَينهم فَأخذ أَبُو بكر رهنهم هَكَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق الحَدِيث وَهَذِه الْغَلَبَة من الرّوم لفارس كَانَتْ عَام الْحُدَيْبِيَة بِلَا شكّ وَمن قَالَ كَانَتْ عَام وقْعَة بدر فقد وهم لما ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَنْ ابْن عَبَّاس عَنْ أبي سُفْيَان أَنْ هِرقل لما أظهره الله على فَارس مَشى من حمص إِلَى إيلياء شكرًا لله فوافاه كتاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بإيلياء فَطلب من هُنَاكَ من الْعَرَب فجِئ بِأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَقَالَ لَهُ إِنِّي سَائِلك عَنْ هَذَا الرجل فَذكر الحَدِيث وَفِيه فَقَالَ هَلْ يغدر فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لَا وَنحن الْآن فِي أَمَان مِنْهُ فِي مُدَّة مَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا يُرِيد أَبُو سُفْيَان بالمدة صلح الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا شكّ فَعلم أَنْ تَحْرِيم الْقمَار سَابق على أَخذ الصّديق الرِّهَان الَّذِي رَاهن عَلَيْهِ أهل مَكَّة وَلَو كَانَ رهان الصّديق مَنْسُوخًا لَكَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ فقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَنه كَانَ لَهُ غُلَام يَأْخُذ مِنْهُ الْخراج فجَاء يَوْمًا بشيء فَأكل مِنْهُ ثمَّ ضحك غُلَامه فَقَالَ مَالك فَقَالَ أَتَدْرِي من أَيْن هَذَا قَالَ لَا قَالَ إِنِّي كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم جَاءَنِي بِمَا جعل لي فَوضع أَبُو بكر يَده فِي فِيهِ واستقاء مَا كَانَ أكل فَكيف
[ ١٤ / ٦٤٢ ]
يَأْخُذ الْقمَار الْحَرَام بعد علمه بِتَحْرِيمِهِ ونسخه هَذَا من الْمحَال الْبَين وَقد رُوِيَ أَنْ رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا بكر أَنْ يتَصَدَّق بِمَا أَخذ من الْمُشْركين من الرِّهَان وَهَذَا إِنْ صَحَّ لَا يضر فَإِنَّهُ الأولى والأكمل والأليق بِمنْصب الصديقية فَلَمَّا رَأَتْ هَذِه الطَّائِفَة أَنه لَا يَصح أَنْ تكون قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم الْقمَار قَالَتْ: هِيَ مَنْسُوخَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة: "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل" قَالُوا: وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر سنة سبع وَهَذَا بعد تَحْرِيم الْقمَار وَالْخمر بِلَا شكّ فَيكون حَدِيثه نَاسِخًا لمراهنة الصّديق.
قَالَ الْآخرُونَ: أَبُو هُرَيْرَة لم يقل سمعته من رَسُول الله ﷺ فَجَائِز أَنْ يكون أرْسلهُ عَنْ بعض الصَّحَابَة كَمَا فِي عَامَّة حَدِيثه فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا وقف يَقُول حَدثنِي فلَان وَيذكر من حَدثهُ من الصَّحَابَة وعَلى تَقْدِير أَنْ يكون سَمعه من النَّبِي ﷺ فغايته أَنه لفظ عَام ومراهنة الصّديق وَاقعَة خَاصَّة وَالْخَاص مقدم على الْعَام تقدم أَوْ تَأَخّر عِنْد الْجُمْهُور.
وَقيل: إِنَّه إِجْمَاع الصَّحَابَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنْ رَسُول الله ﷺ كَانَ أقرّ أهل خَيْبَر على أَنْ يعملوها وَالثَّمَرَة بَينهم وَبَينه ثمَّ أوصى عِنْد وَفَاته
[ ١٤ / ٦٤٣ ]
أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب وَلَا خلاف أَنْ خَيْبَر من جَزِيرَة الْعَرَب فَعمل الخليفتان الراشدان بالخاص الْمُتَقَدّم وَقَدمَاهُ على الْعَام الْمُتَأَخر وَأقر أهل خَيْبَر فِيهَا إِلَى أَنْ أَحْدَثُوا فِي زمن عمر ﵁ مَا أَحْدَثُوا وَعلم فأجلاهم إِلَى الشَّام قَالُوا: وَهَذَا للحنفية ألزم فَإِنَّهُم يرَوْنَ الْمُرَاهنَة على مثل مَا رَاهن عَلَيْهِ الصّديق من الْغَلَبَة فِي مسَائِل الْعلم وَعِنْدهم أَنْ الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَلم ينسخوا قصَّة الصّديق الْمُتَقَدّمَة الْخَاصَّة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْعَام الْمُتَأَخر وَهُوَ قَوْله: "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل" وعَلى هَذَا فقد يُقَال قصَّة مراهنة الصّديق لم تدخل فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَا أُرِيد بهَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وعَلى هَذَا فَكل وَاحِد من الْحَدِيثين يبْقى مَعْمُولًا بِهِ لِأَنَّهُ على بَابه وَلَا تعَارض بَينهمَا وَهُوَ تَقْرِير حسن» اهـ.
قُلْتُ: جاء في بعض ألفاظ الحديث في مراهنة الصديق عند الترمذي (٣١٩٤) «وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٩٥):
«قَوله وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان من كَلَام بعض الروَاة لَيْسَ من كَلَام أبي بكر وَلَا من كَلَام النَّبِي ﷺ» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٦٤٤ ]
٤٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال من أهل العلم: إنَّ الخمس عشرة سنة سن للبلوغ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٤١): «هذا دليل لتحديد البلوغ بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفًا وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام من وجوب العبادة وغيره، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة ويقتل إن كان من أهل الحرب» اهـ.
قُلْتُ: وذهب الإمام مالك إلى أنَّ البلوغ لا يكون بالسن وإنَّما يكون بالاحتلام.
واعتذر أصحاب هذا القول عن هذا الحديث بأنَّ الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وإنَّما أجازه النبي ﷺ لابن عمر في
[ ١٤ / ٦٤٥ ]
الخمس عشرة؛ لأنَّه رآه مطيقًا للقتال، ولم يكن مطيقًا له قبله، لا لأنَّه أدار الحكم على البلوغ وعدمه.
قُلْتُ: وفي هذا الاعتراض نظر، وذلك أنَّ ابن عمر ذكر العمر ولم يذكر الإطاقة، فدلَّ ذلك أنَّ الحكم منوط بالعمر لا بالإطاقة. والله أعلم.
ويدل على ذلك ما رواه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١١٦٥)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٢٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٠٨١)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٤٧٢٨)، مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٩): «وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيها لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع وقد صرح فيها بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه» اهـ.
[ ١٤ / ٦٤٦ ]
قُلْتُ: وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، وفي الجارية روايتان عنه: إحداهما كذلك، والثانية بسبع عشرة سنة. وهذا القول عري عن الحجة.
فائدة: ما ذكر في الحديث هو أحد الأشياء التي يحصل بها البلوغ، وهو مما يشترك به الذكر والأنثى، وبقت علامتان مشتركتان من علامات البلوغ، الأولى: الاحتلام، وهي علامة لا اختلاف فيها، ويدل عليها قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩].
وفي هذه الآية تكليف الصبيان ببعض الأحكام عند بلوغ الحلم، وهذا مما يدل على أنَّ الاحتلام علامة للبلوغ.
ويدل على ذلك أيضًا:
ما رواه أحمد (١١٨٣) وأبو داود (٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٢٣)، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ.
[ ١٤ / ٦٤٧ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٧): «وقد أجمع العلماء على أنَّ الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام وهو إنزال الماء الدافق سواء كان بجماع أو غيره سواء كان في اليقظة أو المنام وأجمعوا على أن لا أثر للجماع في المنام إلَّا مع الإنزال» اهـ.
والأخرى: الإنبات وهو: أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل، أو فرج المرأة، الذي استحق أخذه بالموسى، وأمَّا الزغب الضعيف، فلا اعتبار به، فإنَّه يثبت في حق الصغير.
ويدل على هذه العلامة ما رواه أحمد (١٨٧٩٨)، وأبو داود (٤٤٠٤)، وابن ماجه (٢٥٤١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وبهذا قال الإمام مالك وأحمد والشافعي في أحد القولين، وقال في الآخر: هو بلوغ في حق المشركين دون المسلمين.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار به؛ لأنَّه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن.
[ ١٤ / ٦٤٨ ]
وهنالك علامتان مختصتان بالنساء:
الأولى: الحيض، ولا نزاع في اعتباره.
ويدل على اعتباره ما رواه أحمد (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٤/ ٤٣١ - ٤٣٢): «يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه؛ فرواه، قتادة، عن ابن سيرين، واختلف عن قتادة، فأسنده حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ؛ وخالفه شعبة، وسعيد بن بشير، فروياه عن قتادة، موقوفًا.
[ ١٤ / ٦٤٩ ]
ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، مرسلا، عن عائشة أنَّها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك، ورفعا الحديث، وقول أيوب، وهشام، أشبه بالصواب» اهـ.
ويشهد له ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦)، و[الْأَوْسَطِ] (٧٦٠٦)، و[الصَّغِيْرِ] (٩٢٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَيْلِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِينَتَهَا، وَلَا مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ».
وفيه إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي لم أعرف حاله، فحديث عائشة حَسَنٌ بهذا الشاهد. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ٨٣): «وفيه كالدلالة على توجه الفرض عليها إذا بلغت بالحيض» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٧): «وقد أجمع العلماء على أنَّ الحيض بلوغ في حق النساء» اهـ.
[ ١٤ / ٦٥٠ ]
الأخرى: الحمل، وذلك لأنَّ الله تعالى أجرى العادة أنَّ الولد لا يخلق إلَّا من ماء الرجل وماء المرأة.
٢ - واحتج به على أنَّ الخندق كانت في السنة الرابعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٤١): «وفيه دليل على أنَّ الخندق كانت سنة أربع من الهجرة، وهو الصحيح، وقال جماعة من أهل السير والتواريخ: كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده، لأنَّهم أجمعوا على أنَّ أحدًا كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع، لأنَّه جعلها في هذا الحديث بعده بسنة» اهـ.
واعترض على ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٨) فقال: «لكن اتفق أهل المغازي على أنَّ المشركين لما توجهوا في أحد نادوا المسلمين موعدكم العام المقبل بدر وأنَّه ﷺ خرج إليها من السنة المقبلة في شوال فلم يجد بها أحدًا وهذه هي التي تسمى بدر الموعد ولم يقع بها قتال فتعين ما قال ابن إسحاق أنَّ الخندق كانت في سنة خمس فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الاشكال وقد أجاب عنه البيهقي وغيره بأنَّ قول ابن عمر: عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة أي دخلت فيها وأنَّ قوله: عرضت يوم الخندق وأنا
[ ١٤ / ٦٥١ ]
ابن خمس عشرة أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى وجبره في الثانية وهو شائع مسموع في كلامهم وبه يرتفع الاشكال المذكور وهو أولى من الترجيح والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إن كان في الخندق قد تجاوز الخامس عشرة فيشكل على ما احتج به العلماء من أنَّ الخمسة عشر سن للبلوغ، فما ذكره ابن القيم فيما سيأتي أنسب.
وقد كانت غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة، وبعدها كانت بدر الموعد في شوال من السنة الرابعة، وبعدها كانت الخندق في شوال، وقيل في جماد الآخرة، وقيل في ذي القعدة من السنة الخامسة فبين أحد والخندق سنتان فلا يمكن أن تكون الخندق في السنة الرابعة إلَّا بتكلف كأن يقال: كانت بدر الموعد في شوال، والخندق في ذي القعدة من نفس العام، والأظهر أنَّه لا بد من تأويل أثر ابن عمر بما يتوافق مع اتفاق أهل المغازي.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢٧٠): «وأجيب عن هذا بجوابين:
[ ١٤ / ٦٥٢ ]
أحدهما: أنَّ ابن عمر أخبر أنَّ النبي ﷺ، رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقًا، وليس في هذا ما ينفى تجاوزها بسنة أو نحوها.
الثاني: أنَّه لعله كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الإجازة على الجهاد تتوقف على البلوغ خلافًا للحنفية والمالكية.
* * *
[ ١٤ / ٦٥٣ ]
٤٠٨ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ، لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا».
قَوْلُهُ: «قَسَمَ فِي النَّفَلِ». المراد بها الغنيمة، وأصل النفي الزيادة، والغنيمة زيادة فضل من الله تعالى لهذه الأمة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الاسهام للفرس بسهمين.
وهذان السهمان غير سهم راكبه، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٨٦٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا».
وما رواه أحمد (٤٤٤٨، ٤٩٩٩)، ومن طريقه أبو داود (٢٧٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ، أَسْهُمٍ: سَهْمًا لَهُ، وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١٤ / ٦٥٤ ]
ورواية الباب تدل على ذلك وذلك أنَّ قوله: «وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا». أي راكب الفرس، وقد جاء الحديث في البخاري (٤٢٢٨) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا». قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ».
والراجل في هذه الرواية قيل أنَّه صاحب الفرس، وقيل من ليس بفارس.
وهذا مذهب الجمهور، وخالف في ذلك أبو حنيفة فجعل للفرس سهمًا وللرجل سهمًا، وقال: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم. وهذا مردود بالسنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٨٣): «ومن جهة المعنى: أنَّ مؤن الفارس أكثر، وغناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الراجل. وشذ أبو حنيفة فقال: يقسم للفرس كما يقسم للراجل. ولا أثر له يعضده، ولا قياس يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما» اهـ.
وإن كان الفرس معارًا فسهمه يدفع لمستعيره لأنَّه مالك للمنفعة.
[ ١٤ / ٦٥٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٤): «ومن استعار فرسًا ليغزو عليه، ففعل، فسهم الفرس للمستعير، وبهذا قال الشافعي، لأنَّه يتمكن من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي، فأشبه ما لو استأجره.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ سهم الفرس لمالكه، لأنَّه من نمائه، فأشبه ولده. وبهذا قال بعض الحنفية.
وقال بعضهم: لا سهم للفرس؛ لأنَّ مالكه لم يستحق سهمًا، فلم يستحق للفرس شيئًا، كالمخذل والمرجف، والأول أصح؛ لأنَّه فرس قاتل عليه من يستحق سهمًا، وهو مالك لنفعه، فاستحق سهم الفرس، كالمستأجر، ولأنَّ سهم الفرس مستحق بمنفعته، وهي للمستعير بإذن المالك فيها، وفارق النماء والولد، فإنَّه غير مأذون له فيه» اهـ.
وهكذا إذا كان الفرس مستأجرًا فسهمه للمستأجر دون المالك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٦): «ومن استأجر فرسًا ليغزو عليه، فغزا عليه، فسهم الفرس له. لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنَّه مستحق لنفعه استحقاقًا لازمًا، فكان سهمه له، كمالكه» اهـ.
قُلْتُ: وإن كان مغصوبًا فهو لصاحب الفرس وإليه ذهب الإمام أحمد ﵀.
[ ١٤ / ٦٥٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَدٍ الْمَقْدَسِيُّ ﵀ فِي [الشَّرْحِ الْكَبِيْرِ] (١٠/ ٥١٨): «مسألة: "ومن غصب فرسًا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه" نص عليه أحمد، وقال بعض الحنفية: لا سهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي. وقال بعضهم: سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنَّه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كما لو غصب منجلًا فاحتش بها أو سيفًا فقاتل به.
ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه فإذا ثبت أنَّ له سهمًا كان لمالكه، لأنَّ النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا وما كان للفرس كان لصاحبه وفارق ما يحتش به فإنَّه لا شيء له، ولأنَّ السهم مستحق بنفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد أرجح فإنَّ السهم استحقه الفرس بمنفعته فيكون لمالك المنفعة ومالك المنفعة هو مالك الفرس.
٢ - ولا يدخل في الحديث الاسهام لأكثر من فرس إذا كنَّ لفارس واحد، وهو مذهب الجمهور.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين.
[ ١٤ / ٦٥٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢١٢): «ولو حضر بأفراس لم يسهم إلَّا لفرس واحد. هذا مذهب الجمهور منهم الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن ﵃، وقال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ﵃: يسهم لفرسين، ويروى مثله أيضًا عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وابن وهب وغيره من المالكيين، قالوا: ولم يقل أحد إنَّه يسهم لأكثر من فرسين إلَّا شيئًا روي عن سليمان بن موسى أنَّه يسهم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من رأى الإسهام للفرسين ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٧٧٤) حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُعْضَلٌ.
وما رواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤١٧٧) نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي حَرْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بَشِيرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ، قَالَ:
[ ١٤ / ٦٥٨ ]
«أَسْهَمَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَرَسِي أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ وَلِي سَهْمًا فَأَخَذْتُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْوَاءِ الْغَلِيْلِ] (١٢٣٢): «وهذا إسناد ضعيف مظلم فيه جماعة من المجاهيل» اهـ.
وما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٣٢٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: «أَنَّ الزُّبَيْرَ حَضَرَ خَيْبَرَ بِفَرَسَيْنِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُعْضَلٌ.
وما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٧٧٥) نا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنْ: «أَسْهِمْ، لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلْفَرَسَيْنِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِهَا سَهْمًا، فَذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْفَرَسَيْنِ فَهِيَ جَنَائِبُ».
قُلْتُ: فرج بن فضالة ضعيف الحديث، وأزهر لم أعرف حاله وحديثه عن عمر منقطع.
[ ١٤ / ٦٥٩ ]
ورواه (٢٧٧٦) نا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وفيه فرج ابن فضالة، وهو منقطع بن الزهري وعمر.
٣ - ويدخل في الحديث جميع أنواع الخيل من الخيل العتيق وهو الذي أبواه عربيان، والبرذون وهو الذي أبواه أعجميان، والهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه عجمية، والمُقْرِف وهو الذي أبوه عجمي وأمه عربية.
وهذا مذهب الجمهور.
وذهب الحسن وأحمد في رواية إلى أنَّه يسهم للبرذون سهم واحد.
والصحيح مذهب الجمهور.
٤ - ولا يدخل في الحديث من مات فرسه قبل شهود القتال.
٥ - ويدخل فيه من مات من المجاهدين في أثناء المعركة، وتصير السهام لورثته.
٦ - ولا يدخل في الحديث الإبل.
وهذا هو الصحيح فإنَّه لم يثبت أنَّ النبي ﷺ أسهم لغير الخيل.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
[ ١٤ / ٦٦٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٧ - ٢٨): «قال: "ومن غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره، قسم له ولبعيره سهمان". نص أحمد على هذا، وظاهره أنَّه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس.
وعن أحمد، أنَّه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره.
وحكي نحو هذا عن الحسن؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾.
ولأنَّه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض، فيسهم له، كالفرس.
يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنَّما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرها؛ لأنَّها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها، تحريضًا على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها، ولا يزاد على سهم البرذون؛ لأنَّه دونه، ولا يسهم له إلَّا أن يشهد الوقعة عليه، ويكون مما يمكن القتال عليه، فأمَّا هذه الإبل الثقيلة، التي لا تصلح إلَّا للحمل، فلا يستحق راكبها شيئًا؛ لأنَّها لا تكر ولا تفر، فراكبها أدنى حال من الراجل.
واختار أبو الخطاب أنَّه لا يسهم له بحال. وهو قول أكثر الفقهاء.
[ ١٤ / ٦٦١ ]
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أنَّ من غزا على بعير، فله سهم راجل.
كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ النبي ﷺ لم ينقل عنه أنَّه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، بل هي كانت غالب دوابهم، فلم ينقل عنه أنَّه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم، مع كثرة غزواتهم، لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنَّه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنَّه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له، كالبغل والحمار.
فصل: وما عدا الخيل والإبل، من البغال والحمير والفيلة وغيرها، لا يسهم لها، بغير خلاف، وإن عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يسهم لها، ولا أحد من خلفائه، ولأنَّها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها، كالبقر» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الرجل يعطى سهمًا، وهذا مما لا نزاع فيه.
[ ١٤ / ٦٦٢ ]
٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٣٠): «فإذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالناس لا يحاربون على خيل وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟.
فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات؛ لسرعتها وتزيد - أيضًا - في الخطر، والذي يشبه الإبلَ الدباباتُ والنقلياتُ وما أشبهها، فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد.
فإن قال قائل: الطيار لا يملك الطائرة، فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟.
نقول: نعم نجعل له ثلاثة أسهم سهم له وسهمان للطائرة، وسهما الطائرة يرجعان إلى بيت المال؛ لأنَّ الطائرة غير مملوكة لشخص معين، بل هي للحكومة، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس؛ لأنَّ في ذلك تشجيعًا له على هذا العمل الخطير» اهـ.
قُلْتُ: الإبل ليس لها شيء من السهام كما مر فهكذا ما ألحق بها.
[ ١٤ / ٦٦٣ ]
وقد يقال: إنَّ الدبابات تلحق بالخيل، وهكذا سائر المركوبات الحربية التي تستعمل للقتال ويمكن بها الكر والفر، وإنَّما يلحق بالإبل المركوبات التي لا يقاتل بها وإنَّما الغرض منها حمل الجند.
وقد يقال: هذه الآلات الحربية لا تلحق بالخيل لأنَّها آلات رمي وليست مركوبات للفروسيَّة، فهي من جنس القتال بالسهام، وقد وجدت آلات قديمة للرمي ولا أعلم أنَّه أسهم لها كالمنجنيق، والعرادة وهي أصغر من المنجنيق، وهما آلتان من آلات الرمي فيرمى بالمنجنيق الحجارة الكبيرة على الحصون لدكها، أو على الجيش لكسره وإهلاكه، ويرمى بالعرادة ما صغر من الحجارة.
والمنجنيق عبارة عن آلة من خشب لها دفتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفَّة المنجنيق التي تحمل الحجر، ويجذب الذنب بالحبال حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع عموده الذي فيه الكفة فيخرج الحجر منه فما أصاب شيئًا إلَّا أهلكه.
ومن ذلك الدبابة وهي شيء يدخل فيه الجند كالغرفة المتحركة تمشي على عجلات وفي وسطها عمود متأرجح في طرفه قطعة حديد كهيئة رأس الكبش، وقد سميت
[ ١٤ / ٦٦٤ ]
برأس الكبش لذلك فإذا قربوا من الحصن دكوا بذلك الرأس ونطحوا به حجارة الحصن.
وكانوا غالبًا يصنعونها من الخشب ويغطون الخشب بالجلد المبلول بالخل لمنع من أراد إحراقه بالنار، وقد يلبسونها بصفائح الحديد.
ومن ذلك البرج وهو كالدبابة يوضع فيه رأس الكبش لكنهم يجعلونه مرتفعًا أعلى من سور الحصن فيصعد بعض الجند في أعلاه للسيطرة على الحصن، وقد يستعملونها أيضًا للمراقبة.
* * *
[ ١٤ / ٦٦٥ ]
٤٠٩ - وَعَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ فِي السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تنفيل بعض السرايا زيادة على ما يعطاه سائر الجيش، وقد سبق الكلام على هذا التنفيل هل هو من أصل الغنيمة أو من خمسها أو من خمس خمسها في شرحنا لحديث ابن عمر تاسع أحاديث كتاب الجهاد.
٢ - مشروعية تحفيز السرية بشيء من الدنيا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥٠١): «وللحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال وما يضر من المقاصد الداخلة وما لا يضر وهو موضع دقيق المأخذ ووجه تعلقه به أنَّ التنفيل للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة والمجاهدة وفي ذلك مداخله لقصد الجهاد لله تعالى إلَّا أنَّ ذلك لم يضرهم قطعًا لفعل الرسول ﷺ لهم ففي ذلك دلالة لا شك فيها على أنَّ بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا يقدح من الإخلاص وإنَّما
[ ١٤ / ٦٦٦ ]
الإشكال في ضبط قانونها وتمييز ما يضر مداخلته من المقاصد ويقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص وما لا تقتضيه ويكون تبعًا لا له ويتفرع عنه غير ما مسألة» اهـ.
٣ - لم يأت بيان كم مقدار التنفيل في هذا الحديث، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه أحمد (١٧٥٠٠)، وأبو داود (٢٧٤٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومكحول صرَّح بالتحديث عند أبي داود.
وقد سبق بيان ذلك في شرح حديث ابن عمر المشار إليه سابقًا.
وفي الزيادة على ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [نَقْدِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ] (ص: ٢٩٧):
«قال - يعني ابن حزم -: واتفقوا أنَّه لا ينفَّل من ساق مغنمًا أكثر من ربعه في الدخول، ولا أكثر من ثلثه في الخروج.
قُلْتُ: في جواز تنفيل ما زاد على ذلك إذا اشترطه الإمام، مثل أن يقول: من فَعَل كذا فله نصف ما يغنم، قولان هما روايتان عن أحمد. وأمَّا تنفيل الزيادة بلا شرط
[ ١٤ / ٦٦٧ ]
فلا أعلم فيه نزاعًا، ويمكن أن يُحمل كلام أبي محمد ابن حزم على هذا، فلا يكون فيما ذكره نزاع» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٦٦٨ ]
٤١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».
قَوْلُهُ: «فَلَيْسَ مِنَّا». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ١٨٤): «وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي ﷺ: "من غشنا فليس منَّا" و"من حمل علينا السلاح فليس منَّا" فإنَّه ليس من هؤلاء؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١١/ ٦٥٢ - ٦٥٣): «وكونه ليس من المؤمنين ليس المراد به ما يقوله المرجئة: إنَّه ليس من خيارنا؛ فإنَّه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم وليس المراد به ما يقوله الخوارج: إنَّه صار كافرًا. ولا ما يقوله المعتزلة: من أنَّه لم يبق معه من الإيمان شيء بل هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. فهذه كلها أقوال باطلة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع. ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب هو المؤدي للفرائض
[ ١٤ / ٦٦٩ ]
المجتنب المحارم وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن حمل السلاح على المسلمين أي لقتالهم.
وجاء في مسلم (٩٩) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا».
٢ - التبرؤ من فاعل ذلك دليل على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب وقد روى البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٢): «قوله: "من حمل علينا السلاح، فليس منَّا"، أي: من حمل علينا بالسلاح مقاتلًا؛ كما قال في الرواية الأخرى: "من سل علينا السيف، فليس منَّا"، ويعني بذلك النبي ﷺ نفسه وغيره من المسلمين.
ولا شك في كفر من حارب النبي ﷺ؛ وعلى هذا فيكون قوله ﷺ: "فليس منَّا"، أي: ليس بمسلم، بل هو كافر.
[ ١٤ / ٦٧٠ ]
وأمَّا من حارب غيره من المسلمين متعمدًا مستحلًا من غير تأويل، فهو أيضًا كافر كالأول.
وأمَّا من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة، إن لم يكن متأولًا تأويلًا مسوغًا بوجه» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق بيان معنى ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٣ - ويؤخذ منه النهي عن إدخال الرعب في قلوب المسلمين.
٤ - ويدخل في ذلك إشهار السلاح على المسلمين ولو كان على إرادة المزاح، فقد روى البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».
ومعنى ينزع يرمي ويحقق ضربته.
وروى مسلم (٢٦١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ».
[ ١٤ / ٦٧١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٤٤٨) «وقوله ﷺ: "وإن كان أخاه لأبيه وأمه" مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من يتهم فيه، ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلًا ولعبًا، أم لا؛ لأنَّ ترويع المسلم حرام بكل حال» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من مازح أخاه لأبيه وأمه بالسلاح فقتله خطأ، وأخبار الناس في ذلك كثيرة.
* * *
[ ١٤ / ٦٧٢ ]
٤١١ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الذي يقاتل ليذكر ويشتهر بالشجاعة، أو من قاتل بدافع الشجاعة فليس في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥٠٢ - ٥٠٣): «وأمَّا القتال للشجاعة فيحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون التعليل داخلًا في قصد المقاتل أي قاتل لأجل إظهار الشجاعة فيكون فيه حذف مضاف وهذا لا شك في منافاته للإخلاص.
وثانيها: أن يكون ذلك تعليلًا لقتاله من غير دخول له في القصد بالقتال كما يقال: أعطى لكرمه ومنع لبخله وآذى لسوء خلقه وهذا بمجرده من حيث هو هو لا يجوز أن يكون مرادًا بالسؤال ولا الذم فإنَّ الشجاع المجاهد في سبيل الله إنَّما فعل
[ ١٤ / ٦٧٣ ]
ما فعل لأنَّه شجاع غير أنَّه ليس يقصد به إظهار الشجاعة ولا قصد إظهار الشجاعة في التعليل.
وثالثها: أن يكون المراد بقولنا: قاتل للشجاعة: أنَّه يقاتل لكونه شجاعًا فقط وهذا غير المعنى الذي قبله لأنَّ الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله تعالى وحال يقاتل فيها لأنَّه شجاع إلَّا أنَّه لم يقصد إعلاء كلمة الله تعالى ولا إظهار الشجاعة عنه وهذا يمكن فإنَّ الشجاع الذي تداهمه الحرب وكانت طبيعته المسارعة إلى القتال يبدأ بالقتال لطبيعته وقد لا يستحضر أحد الأمرين - أعني أنَّه لغير الله تعالى أو لإعلاء كلمة الله تعالى.
ويوضح الفرق بينهما أيضًا: أن المعنى الثاني لا ينافيه وجود قصد فإنَّه يقال: قاتل إعلاء كلمة الله تعالى لأنَّه شجاع، وقاتل للرياء لأنَّه شجاع فإنَّ الجبن مناف للقتال مع كل قصد يفرض، وأمَّا المعنى الثالث: فإنَّه ينافيه القصد لأنَّه أخذ فيه القتال للشجاعة بقيد التجرد عن غيرها ومفهوم الحديث أنَّه في سبيل الله تعالى إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وليس في سبيل الله إذا لم يقاتل لذلك.
[ ١٤ / ٦٧٤ ]
فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أنَّ القتال لهذه الأغراض مانع وعلى الوجه الأخير تكون فائدته: أنَّ القتال لأجل إعلاء كلمة الله تعالى شرط وقد بينا الفرق بين المعنيين وقد ذكرنا أن مفهوم الحديث الاشتراط» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الذي يقاتل حمية لأهله وعشيرته وغيرهم فليس في سبيل الله تعالى.
والحمية هي: الأنفة والغيرة.
٣ - وفيه أنَّ الذي يقاتل رياءً ليثني عليه الناس بذلك فليس في سبيل الله تعالى.
٤ - أنَّ المقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله تعالى.
قال جماعة من العلماء المراد بكلمة الله هي دعوة الله إلى الإسلام.
وقد دعا الله الخلق إلى ذلك فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٢٣٨): «و"كلمة الله" هي خبره وأمره: فيكون أمره مطاعًا مقدمًا على أمر غيره وخبره مطاعًا مقدمًا على خبر غيره» اهـ.
[ ١٤ / ٦٧٥ ]
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٦٣): «وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الرَّدِ عَلَى الْأَخْنَائِي] (ص: ٢٠٦): «وكلمة الله إمَّا أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد لا إله إلَّا الله فيكون هذا من نمط الآية، وإمَّا أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ورسوله فهو الأعلى على كل قول وذلك هو الكتاب ثم السنة فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول فهو الذي يستحق الجهاد» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الإخلاص شرط في الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو شرط في سائر العبادات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ٥٠ - ٥١): «فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء. وذلك لا يتأتى له إلاَّ بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده. فأمَّا إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا؛ فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإمَّا كفر، وهو: الشرك الأكبر، وإمَّا رياء، وهو: الشرك
[ ١٤ / ٦٧٦ ]
الأصغر. ومصير صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه.
هذا إذا كان الباعث على تلك العبادة الغرض الدنيوي وحده، بحيث لو فقد ذلك الغرض لترك العمل. فأمَّا لو انبعث لتلك العبادة بمجموع الباعثين - باعث الدنيا وباعث الدين -؛ فإن كان العبادة باعث الدنيا أقوى، أو مساويًا ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك العمل عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدل قوله ﷺ حكاية عن الله ﵎: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشريكه". فأما لو كان باعث الدين أقوى؛ فقد حكم المحاسبي ﵀ بإبطال ذلك العمل؛ متمسكًا بالحديث المتقدم، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو المفهوم في فروع مالك. ويستدل على هذا بقوله ﷺ: "إنَّ من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله"، فجعل الجهاد مما يصح أن يتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصودًا، لكن لما كان باعث الدين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض ملغى، فيكون معفوًا عنه؛ كما إذا توضأ قاصدًا رفع
[ ١٤ / ٦٧٧ ]
الحدث والتبرد، فأمَّا لو تفرد باعث الدين بالعمل، ثم عرض باعث الدنيا في أثناء ذلك العمل فأولى بالصحة» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٨٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ».
وما ذكره أحد التأويلات لمعنى الحديث، وقد وجهه الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ بتوجيه آخر فقال فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٦٦): «"المعاش": هو العيش، وهو الحياة، وتقديره والله أعلم: من خير أحوال عيشهم رجل ممسك» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٦٧٨ ]