٣٢٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ-: «لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ».
الرَِّضَاعُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات الحرمة بالرضاع.
وحرمة الرضاع تثبت في جهات ثلاثة، وهي: جهة المرضعة، وصاحب اللبن، ويدخل فيه الزوج والسيد، ويدخل في ذلك صاحب اللبن بعد تطليقه لزوجته، والولد الرضيع وفروعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧): «فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث، فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما، وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره، إخوته وأخواته من الجهات الثلاث. فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من
[ ١١ / ٣١٦ ]
غيرها إخوته وأخواته من أبيه، وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه، وصار آباؤها أجداده وجداته، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته، فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط.
ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته، فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه، وكذلك لا ينتشر إلى من فوقه من آبائه وأمهاته، ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فلأبي المرتضع من النسب، وأجداده أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته، إذ نظير هذا من النسب حلال، فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم، وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب، وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب وأختها، وأمَّا أمها وبنتها، فإنَّما حرمتا بالمصاهرة» اهـ.
قُلْتُ: والمحرمية تبع للحرمة، وأمَّا سائر أحكام النسب فلا تثبت.
[ ١١ / ٣١٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٢): «وتثبت المحرمية لأنَّها فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح فأمَّا بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وغير ذلك فلا يتعلق به لأنَّ النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنَّما يشبه به فيما نص عليه فيه» اهـ.
٢ - أنَّ المحرمات من الرضاع كالمحرمات من النسب.
٣ - احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى على عدم تحريم الرضاع في باب المصاهرة، وذلك أنَّ النبي ﷺ خص الحرمة في النسب دون المصاهرة.
والذي عليه أكثر العلماء أنَّ حرمة الرضاع تشمل المصاهرة.
وما ذهب إليه الشيخان قوي من حيث الحجة، ولهما في ذلك سلف في أكثر مسائل المصاهرة لا في جميعها، فإنَّ من لم ير التحريم بلبن الفحل لم يحرم على زوج المرضع امرأة المرتضع، ولا حرم على المرتضع امرأة الفحل التي لم يرضع منها، ولا حرَّم على المرأة أبا زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة.
وهو مذهب سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبي قلابة.
[ ١١ / ٣١٨ ]
وقد سبقت هذه المسألة عند شرحنا لحديث أم حبيبة في شأن ابنة أم سلمة.
٤ - حرمة ابنة الأخ من الرضاع، ولا أعلم في ذلك نزاعًا.
٥ - واحتج بإطلاقه من قال إنَّ قليل الرضاع يحصل به التحريم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٣): «وعن أحمد رواية ثانية أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم وروي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأصحاب الرأي وزعم الليث أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم في المهد ما يفطر به الصائم واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله ﵇: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" …» اهـ.
والصحيح أنَّ هذا الحديث مقيد بالخمس الرضعات، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٥٢ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:
«كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ».
[ ١١ / ٣١٩ ]
وقال النبي ﷺ لسهلة امرأة أبي حذيفة: «أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ».
رواه أحمد (٢٥٦٩١)، وأبو داود (٢٠٦١) من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وأصله في مسلم (١٤٥٣)
وذهب أحمد في رواية وأبو ثور وأبو عبيد وداود وابن المنذر إلى أنَّه لا يثبت التحريم إلَّا بثلاث رضعات، واحتجوا بما رواه مسلم (١٤٥٠) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ».
وبما رواه مسلم (١٤٥١) عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، حَدَّثَتْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ».
وجاء عنده بلفظ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ». والإملاجة هي المصة.
قالوا: مفهوم ذلك حصول الحرمة بالثلاث الرضعات.
وقد فصَّل القول في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٠ - ٥٧٤) فقال:
[ ١١ / ٣٢٠ ]
«فصل: والحكم الثالث: أنَّه لا تحرم المصة والمصتان، كما نص عليه رسول الله ﷺ، ولا يحرم إلَّا خمس رضعات، وهذا موضع اختلف فيه العلماء.
فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهذا يروى عن علي وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وزعم الليث بن سعد أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم في المهد ما يفطر به الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀.
وقالت طائفة أخرى: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات، وهذا قول أبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وهو رواية ثانية عن أحمد.
وقالت طائفة أخرى: لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاووس، وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة ﵂، والرواية الثانية عنها: أنَّه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة: لا يحرم أقل من عشر.
[ ١١ / ٣٢١ ]
والقول بالخمس مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول ابن حزم، وخالف داود في هذه المسألة.
فحجة الأولين أنَّه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمها وجد حكمها، والنبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" وهذا موافق لإطلاق القرآن.
وثبت في "الصحيحين"، عن عقبة بن الحارث، أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: "وكيف وقد زعمت أنَّها قد أرضعتكما" فنهاه عنها، ولم يسأل عن عدد الرضاع.
قالوا: ولأنَّه فعل يتعلق به التحريم، فاستوى قليله وكثيره، كالوطء الموجب له. قالوا: ولأنَّ إنشاز العظم، وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره.
قالوا: ولأنَّ أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، واضطربت أشد الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشارع نصابًا لعدم ضبطه والعلم به.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
قال أصحاب الثلاث: قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تحرم المصة والمصتان"، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان". وفي حديث آخر: أنَّ رجلا قال: يا رسول الله، هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا". وهذه أحاديث صحيحة صريحة، رواها مسلم في "صحيحه"، فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة.
قالوا: ولأنَّ ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث.
قالوا: ولأنَّها أول مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدًا.
قال أصحاب الخمس: الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد أخبرت عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ توفي والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبي ﷺ لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالمًا خمس رضعات تحرمي عليه". قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي ﷺ، وكانت عائشة ﵂ إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات.
[ ١١ / ٣٢٣ ]
قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيس حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنَّما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص.
وأمَّا من علق التحريم بالقليل والكثير، فإنَّه يخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأمَّا صاحب الثلاث، فإنَّه وإن لم يخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس.
قال من لم يقيده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة ﵂ نقل الأخبار، فيحتج به، وإنَّما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنَّما يثبت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا ولا خبرًا، امتنع إثبات الحكم به.
قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادًا في فصلين، أحدهما: كونه من القرآن، والثاني: وجوب العمل به، ولا ريب أنَّهما حكمان متغايران، فإنَّ الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير
[ ١١ / ٣٢٤ ]
ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنَّه يكفي فيه الظن، وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنَّه السدس بقراءة أبي، "وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة وله أخ، أو أخت من أم، فلكل واحد منهما السدس"، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأمَّا قولكم: إمَّا أن يكون نقله قرآنًا أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا.
قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه أو بقي، أمَّا الأول، فممنوع، والثاني، مسلم، وغاية ما في الأمر أنَّه قرآن نسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قَوْلِهِ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" مما اكتفي بنقله آحادًا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه.
وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:
[ ١١ / ٣٢٥ ]
أحدهما: أنَّ التحريم لا يثبت بأقل من سبع، كما سئل طاووس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة تحرم، وهذا المذهب لا دليل عليه.
الثاني: التحريم إنَّما يثبت بعشر رضعات، وهذا يروى عن حفصة وعائشة ﵄.
وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن. قال طاووس: كان لأزواج النبي ﷺ رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد، وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال، وبالله التوفيق» اهـ.
٦ - ويدخل في عموم الحديث الرضاع من الميتة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٧): «مسألة: قال: ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأنَّ اللبن لا يموت.
المنصوص عن أحمد في رواية إبراهيم الحربي أنَّه ينشر الحرمة وهو اختيار أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال
[ ١١ / ٣٢٦ ]
الخلال: لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد في رواية مهنا وهو مذهب الشافعي لأنَّه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل.
ولنا أنَّه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنَّه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلَّا الحياة والموت أو النجاسة وهذا لا أثر له فإنَّ اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع كما لو حلب في وعاء نجس ولأنَّه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأنَّ ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة» اهـ.
قُلْتُ: والمشهور عند الحنفية والمالكية حصول التحريم بلبن الميتة، وهو الصحيح.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمِنْهَاجِ] (٥/ ١٢٥):
«وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ» اهـ.
فائدة: لم يأت في السنة بيان مقدار الرضعة الواحدة فمرد ذلك إلى العرف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٧): «فصل: فإن قيل: ما هي الرضعة التي تنفصل من أختها، وما حدها؟.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
قيل: الرضعة فعلة من الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، لأنَّ الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أنَّ الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة، هذا مذهب الشافعي، ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه، ثم أعادته وجهان. أحدهما: أنَّها رضعة واحدة ولو قطعته مرارًا حتى يقطع باختياره، قالوا: لأنَّ الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة حسبت رضعة، فإذا قطعت عليه، لم يعتد به، كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيب، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد، فإنَّها أكلة واحدة.
والوجه الثاني: أنَّها رضعة أخرى، لأنَّ الرضاع يصح من المرتضع، ومن المرضعة، ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة.
ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان:
[ ١١ / ٣٢٨ ]
أحدهما: لا يعتد بواحد منهما لأنَّه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة، فلم تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة.
والثاني: أنَّه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنَّه ارتضع، وقطعه باختياره من شخصين.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد ﵀، فقال صاحب "المغني": إذا قطع قطعًا بينًا باختياره، كان ذلك رضعة، فإن عاد كان رضعة أخرى، فأمَّا إن قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظرنا، فإن لم يعد قريبًا، فهي رضعة وإن عاد في الحال، ففيه وجهان، أحدهما: أنَّ الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى، قال: وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنَّه قال: أمَّا ترى الصبي يرتضع من الثدي، فإذا أدركه النفس، أمسك عن الثدي ليتنفس، أو ليستريح، فإذا فعل ذلك، فهي رضعة، قال الشيخ: وذلك أنَّ الأولى رضعة لو لم يعد، فكانت رضعة، وإن عاد، كما لو قطع باختياره. والوجه الآخر أنَّ جميع ذلك رضعة، وهو مذهب الشافعي إلَّا فيما إذا قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان، لأنَّه لو حلف: لا أكلت اليوم إلَّا أكلة واحدة، فاستدام
[ ١١ / ٣٢٩ ]
الأكل زمنًا، أو انقطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون، أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلَّا أكلة واحدة فكذا ههنا، والأول أصح، لأنَّ اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا.
قلت، وكلام أحمد يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره الشيخ، ويكون قَوْلُهُ: "فهي رضعة"، عائدًا إلى الرضعة الثانية. الثاني: أن يكون المجموع رضعة، فيكون قَوْلُهُ: "فهي رضعة" عائدًا إلى الأول، والثاني، وهذا أظهر محتمليه، لأنَّه استدل بقطعه للتنفس، أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ومعلوم أنَّ هذا الاستدلال أليق بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية رضعة مستقلة، فتأمله.
وأمَّا قياس الشيخ له على يسير السعوط والوجور، فالفرق بينهما أنَّ ذلك مستقل ليس تابعًا لرضعة قبله، ولا هو من تمامها، فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا، فإنَّ الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها فافترقا» اهـ.
٧ - ويدل الحديث أنَّ من لا حرمة له من جهة النسب فلا حرمة له من جهة الرضاع، فإنَّ حرمة الرضاع تابعة لحرمة النسب، وبهذا يتبين خطأ من أثبت الحرمة بلبن البهيمة.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٨٧): «فصل: ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة، لم يصيرا أخوين، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الشافعي، وابن القاسم وأبو ثور، وأصحاب الرأي».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وحكي عن بعض السلف، أنَّهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة، صارا أخوين» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يشمل ما إذا ثاب من المرأة لبن من غير حمل، لكن إذا كانت ذات زوج فلا يتعلق التحريم به لأنَّ اللبن لم يأت من وطئه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٨٧ - ٨٨): «فصل: وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلًا، نشر الحرمة، في أظهر الروايتين.
وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يحفظ عنه ابن المنذر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
ولأنَّه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء، ولأنَّ ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، وإن كان هذا نادرًا، فجنسه معتاد.
[ ١١ / ٣٣١ ]
والرواية الثانية، لا ينشر الحرمة؛ لأنَّه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال، فأشبه لبن الرجال.
والأول أصح» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْكِافِي] (٣/ ٢١٨): «إذا ثاب للمرأة لبن من غير حمل وقلنا: إنَّه ينشر الحرمة فأرضعت به طفلًا صار ابنًا لها ولم يصر ابنًا لزوجها لأنَّه لم يثبت بوطئه فلم يكن منه» اهـ.
٩ - واحتج به من قال: إنَّ الرضاع بلبن السفاح لا يحصل به التحريم، وذلك أنَّ وطء الزاني لا يحصل به النسب، والرضاع تابع للنسب فما لم يحصل به حرمة النسب لا يحصل به حرمة الرضاع من باب أولى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٩/ ٧٧): «وفي الحديث دليل على أنَّ الزانية إذا أرضعت بلبن الزنى ولدًا لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه، كما لا يثبت به النسب، فإن كان لبنها من وطء شبهة، أو نكاح فاسد، أو ملك يمين تثبت به الحرمة، كما يثبت النسب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٨٣): «وفيه دليل على أنَّ الرضاع بلبن السفاح لا يوقع الحرمة بين الرضيع وبين المسافح وأولاده كما تقع الحرمة من لادته ولا يثبت به النسب» اهـ.
[ ١١ / ٣٣٢ ]
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته.
وقد ذهب بعض العلماء إلى حصول الحرمة بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٦):
«والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله أنَّها محرمة كالبنت من الزنا» اهـ.
* * *
[ ١١ / ٣٣٣ ]
٣٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلادَةِ».
قُلْتُ: مسائل هذا الحديث تقدمت في الذي قبله.
والرضاعة المعرفة بالألف واللام هي الرضاعة المعهودة من إناث الآدميات فيخرج بذلك الرضاعة من لبن الحيوان، ويخرج بذلك الرضاعة من لبن الرجل إن خرج منه، وهكذا لبن الجنيات لانقطاع النسب بين الأدميين والجن والحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ٢٢٢):
«ولا تثبت الحرمة بلبن البهيمة؛ لأن الأخوة فرع على الأمومة، ولا تثبت الأمومة بهذا الرضاع، فالأخوة أولى. ولا تثبت بلبن رجل؛ لأنه لا يجعل غذاء للمولود، فأشبه لبن البهيمة. ولا بلبن خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم أنه امرأة، فلا يثبت التحريم بالشك. وقال ابن حامد: يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى، فإن أيس من انكشافه بموت أو غيره، ثبت الحل، لما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ عُلَيْشٍ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [مِنَحِ الْجَلِيْلِ] (٤/ ٣٧٢):
[ ١١ / ٣٣٤ ]
«فَإِنْ رَضِعَ صَبِيٌّ وَصَبِيَّةٌ مِنْ شَاةٍ مَثَلًا فَلَيْسَا أَخَوَيْنِ مِنْ الرَّضَاعِ اتِّفَاقًا وَإِنْ رَضِعَا لَبَنَ رَجُلٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ هُمَا أَخَوَانِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ زَكَرِيَا الأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [فَتْحِ الْوَهَّابِ] (٢/ ١٣٦):
«فَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمٌ بِلَبَنِ رَجُلٍ أَوْ خُنْثَى مَا لَمْ تَتَّضِحْ أُنُوثَتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ أَثَرُ الْوِلَادَةِ وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى نَعَمْ يُكْرَهُ لَهُمَا نِكَاحُ مَنْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِهِمَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ النَّصِّ فِي لَبَنِ الرَّجُلِ وَمِثْلُهُ لَبَنُ الْخُنْثَى بِأَنْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ وَلَا بِلَبَنِ بَهِيمَةٍ حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْهُ ذَكَرٌ وَأُنْثَى لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ صَلَاحِيَّةُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَلَا بِلَبَنِ جِنِّيَّةٍ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يُثْبِتُ النَّسَبَ وَاَللَّهُ قَطَعَ النَّسَبَ بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» اهـ.
وَقَالَ الْبُجَيْرِمِيِّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ] (٤/ ٧١):
«قَوْلُهُ: (الْجِنِّيَّةُ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ لَبَنَ الْجِنِّيَّةِ يُحَرِّمُ فَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْأَوْلَى وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: لِلْجِنِّيَّةِ امْرَأَةٌ وَفِي كَلَامِ ابْنِ النَّقِيبِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهَا امْرَأَةٌ حَيْثُ قَالَ: عَدَلَ الْمِنْهَاجُ عَنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ أُنْثَى إلَى امْرَأَةٍ لِيُخْرِجَ الْجِنِّيَّةَ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَاسْمٌ
[ ١١ / ٣٣٥ ]
لِلْإِنَاثِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ وَكَذَا الرِّجَالُ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْجِنِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] إلَخْ لِلْمُقَابَلَةِ ح ل وَقَوْلُهُ: الْجِنِّيَّةُ فَاعِلُ خَرَجَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرَّاجِحُ) أَيْ عِنْدَ الشَّارِحِ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا م ر وَأَتْبَاعُهُ، صِحَّةُ مُنَاكَحَتِهِمْ أَيْ الْجِنِّ، فَلَبَنُ الْجِنِّيَّةِ يُحَرِّمُ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ أَوْ كَانَ ثَدْيُهَا أَوْ فَرْجُهَا فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ الْمَعْهُودِ» اهـ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٥٠٢):
«وَأَمَّا لَبَنُ الْجِنِّيَّةِ فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَ مُرْتَضِعَيْهَا كَذَا فِي عبق وَتَوَقَّفَ فِيهِ وَلَدُهُ وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ» اهـ.
وَقَالَ الصَّاوِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٧١٩):
«وَاخْتُلِفَ فِي لَبَنِ الْجِنِّيَّةِ، فَقَالَ (عب): لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَتَوَقَّفَ فِيهِ وَلَدُهُ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ» اهـ.
قُلْتُ: قوله: (عب) إشارة لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الْمَالِكِيِّ.
* * *
[ ١١ / ٣٣٦ ]
٣٢٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «إنَّ أَفْلَحَ - أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ - اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ؟ فَقُلْت: وَاَللَّهِ لا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ: لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ. فَقَالَ: "ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك"».
قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: «حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».
وَفِي لَفْظٍ: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ. فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ، تَرِبَتْ يَمِينُك"».
أَيْ افْتَقَرَتْ، وَالْعَرَبُ تَدْعُو عَلَى الرَّجُلِ، وَلا تُرِيدُ وُقُوعَ الأَمْرِ بِهِ.
«تَرِبَتْ يَمِينُك». أي افتقرت ولصقت بالتراب، وهو كلام ظاهره الدعاء ولا يراد به ذلك.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١١ / ٣٣٧ ]
١ - أنَّ لبن الفحل يحصل به التحريم، فيحرم على المرتضع صاحبُ اللبن لأنَّه أبوه من الرضاع، ويحرم عليه آباؤه لأنَّهم آباء له من الرضاع، ويحرم على المرضع أولاد صاحب اللبن لأنَّهم إخوانه وأخواته من الرضاع، ويحرم عليه أولادهم مهما نزلوا لأنَّهم أبناء إخوانه وأخواته من الرضاع، ويحرم على المرتضع إخوان وأخوات صاحب اللبن لأنَّهم أعمامه وعماته، ويحرم عليه أعمام وعمات وأخوال وخالات صاحب اللبن مهما ارتفعوا لأنَّهم أعمام وعمات وأخوال وخالات له أيضًا. وهذا ما عليه أكثر علماء الأمة، ونازع في هذه المسألة بعض العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٥١): «وفيه خلاف قديم حكى عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة، وغيرهم ونقله ابن بطال عن عائشة، وفيه نظر، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية أخرجها ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر، وعن ابن سيرين: نبئت أنَّ ناسًا من أهل المدينة اختلفوا فيه. وعن زينب بنت أبي سلمة أنَّها سألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا.
[ ١١ / ٣٣٨ ]
وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي، وإبراهيم بن علية، وابن بنت الشافعي، وداود، وأتباعه» اهـ.
٢ - وفيه الرجوع إلى أهل العلم عند حصول الشك في حكم من الأحكام.
٣ - وفيه جواز التسمية بأفلح.
وقد روى مسلم (٢١٣٦) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ».
ورواه مسلم (٢١٣٦) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، وَلَا نَافِعًا».
ورواه مسلم (٢١٣٧) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ.
وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا».
قُلْتُ: والنهي عن هذه التسمية للكراهة، ويدل على ذلك حديث الباب، وما رواه مسلم (٢١٣٨) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ
[ ١١ / ٣٣٩ ]
يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ» ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٥٩): «فمعناه أراد أن ينهى عنها نهي تحريم فلم ينه، وأمَّا النهي الذي هو لكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٥٨): «قال أصحابنا: يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختص الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلة في الكراهة ما بينه ﷺ في قَوْلِهِ: "فإنَّك تقول: أثم هو؟ فيقول: لا" فكره لبشاعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في شيء من الطيرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ١٢٨): «قد بين النبي ﷺ المعنى في ذلك وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها وذلك أنَّهم كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معانيها إمَّا التبرك بها أو التفاؤل بحسن ألفاظها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في
[ ١١ / ٣٤٠ ]
هذه التسميات إلى الضد وذلك إذا سألوا، فقالوا: أثم يسار أثم رباح فإذا قيل: لا تطيروا بذلك وتشاءموا به واضمروا على الأياس من اليسر والرباح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه ويورثهم الأياس من خيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٣١): «وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد، بل: تتعدى إلى الأحرار. ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. وإلى هذا أشار جابر في حديثه بقوله، وبنحو ذلك».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «لكن إنَّما خصص العبد بالذكر، لأنَّ هذه الأسماء إنَّما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم، فخرج النهي على الغالب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١١٦ - ١١٧): «قُلْتُ: وفي معنى هذا مبارك ومفلح وخير وسرور ونعمة وما أشبه ذلك فإنَّ المعنى الذي كره له النبي ﷺ التسمية بتلك الأربع موجود فيها فإنَّه يقال: أعندك خير أعندك سرور أعندك نعمة فيقول لا فتشمئز القلوب من ذلك وتتطير به وتدخل في باب المنطق المكروه» اهـ.
[ ١١ / ٣٤١ ]
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ هذا النهي مختص بالأسماء التي إذا ما نفيت أورثت التطير في أنفس بعض الناس، فإنَّ الأنفس تتفائل بسماع الفلاح، والنجاح، واليسار، والربح، والبركة، والنفع، والسرور، والخير، ونظائر ذلك فإذا نفيت أورثت تشاؤمًا عند بعض النفوس.
وبهذا يتبين الجواب على من أشكل عليه التسمي بعبد الله وبعبد الرحمن، ووجه الإشكال الذي وقع للبعض أنَّ نفي ذلك مما يكره أيضًا، فيقال: أثم عبد الله، أثم عبد الرحمن، فإذا لم يكن، قيل: لا. ونفي ذلك مما يكره في السماع، فإنَّه يورث معنىً أنَّه ليس عنده من يعبد الله ومن يعبد الرحمن.
والجواب: أنَّه لم يجر تشاؤم الناس بنفي هذه الألفاظ، وإنَّما جرى بنفي الفلاح، واليسار، والنجاح، وغير ذلك مما سبق ذكره.
والجواب عن قول القائل: إنَّ هذه الأسماء مما يكره نفيها، فالجواب: أنَّ طروء مثل هذا المعنى على الذهن مما يندر، وفي هذه الأسماء من المعاني العظيمة ما يغمر مثل هذه المفسدة النادرة. والله أعلم.
وقد روى مسلم (٢١٣٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ».
[ ١١ / ٣٤٢ ]
فائدة: في ذكر ما يكره ويحرم من الأسماء.
فأمَّا ما يحرم من ذلك:
١ - التعبيد لغير الله تعالى.
٢ - ومن ذلك التسمي بملك الأملاك، وفي معناه سلطان السلاطين، وقاضي القضاة، وحاكم الحكام. وذلك لما رواه البخاري (٦٢٠٥)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
ومعنى "أخنى" أي: أفحش، ويكون بمعنى أهلك.
ورواه مسلم (٢١٤٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ».
ومعنى "أخنع" أي: أذل.
ورواه أيضًا بلفظ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ».
٣ - ومن ذلك سيِّد الناس. لأنَّ هذا مختص بخاتم المرسلين ﵊، ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٢٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
[ ١١ / ٣٤٣ ]
ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
قُلْتُ: وهناك من يخفف المثناة التحية مع كسر السين المهملة وهي بمعنى ما سبق.
٤ - ومن ذلك أسماء الشياطين، كخَنْزَب. للأدلة الدالة على النهي عن التشبه بالشيطان.
ومما يدل على أنَّ خنزب من أسماء الشياطين، ما رواه مسلم (٢٢٠٣) عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.
وأمَّا قول من قال: إنَّ من أسماء الشياطين: الولهان، والأعور، والأجدع، والحُباب، فلا أعلم لذلك مستندًا صحيحًا.
٥ - ومن ذلك التسمي بأسماء الفراعنة والجبابرة، كفرعون، وقارون، وهامان.
وهذا النهي وارد في الأسماء المختصة بهم، أمَّا الأسماء المشتركة فلا مانع منها. وقد جاء النهي عن التشبه بالكافرين، فكيف بالتشبه بأكفر الكافرين. والله أعلم.
[ ١١ / ٣٤٤ ]
وأمَّا التسمية بالوليد فلا أعلم مانعًا من التسمي به وهو من الأسماء المشتركة وقد تسمى به جماعة من الصحابة.
٦ - ومما ينهى عنه التسمي بأسماء الله المختصة به.
وقد روى أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٧) من طريق يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟» قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٤٦٢) عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْحَكَمَ، وَلَا أَبَا الْحَكَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَلَا تُسَمُّوا الطَّرِيقَ السِّكَّةَ».
[ ١١ / ٣٤٥ ]
قُلْتُ: الليث ضعيف، وروايته عن عمر معضلة.
وروى أبو داود (٤٨٠٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ ﵎» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢٥): «ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب ﵎ فلا يجوز التسمية بالأحد، والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب ﵎، ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر، كما لا يجوز تسميتهم بالجبار، والمتكبر، والأول والآخر، والباطن، وعلام الغيوب».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ١٢٧): «والمقصود أنَّه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به، وأمَّا الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره، كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» اهـ.
[ ١١ / ٣٤٦ ]
قُلْتُ: كان الأولى بالعلامة ابن القيم ﵀ أن يذكر من الأسماء التي لا يجوز للمخلوق التسمي بها: الله، والرحمن، فهما من أشهر الأسماء المختصة.
وَقَوْلُهُ ﵀: «فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» ظاهره أنَّه يجوز أن يخبر عن شخص بأنَّه رحيم أو رؤوف أو بصير، لكن لا يسمى بذلك على الإطلاق فيقال: الرحيم، والسميع والبصير والرؤوف.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٦٦): «وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٣/ ٩٤ - ٩٥):
«التسمي بأسماء الله ﷿ يكون على وجهين:
الوجه الأول: وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يحلى بـ "ال" ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله ﷿-كما لو سميت أحدًا بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك، فإنَّ هذا لا يسمى به
[ ١١ / ٣٤٧ ]
غير الله؛ لأنَّ "ال" هذه تدل على لمح الأصل، وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.
القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ "ال" فإنَّه لا يسمى به، ولهذا غير النبي ﷺ كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه، فقال النبي ﵊: "إنَّ الله هو الحكم، وإليه الحكم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح، فدل ذلك على أنَّه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظًا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم، فإنَّه يمنع؛ لأنَّ هذه التسمية تكون مطابقة تمامًا لأسماء الله ﷾، فإنَّ أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم.
الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال"، وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﵊: "لا تبع ما ليس عندك"، وهذا دليل على أنَّه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة، فإنَّه لا بأس به.
لكن في مثل "جبار" لا ينبغي أن يتسمى به، وإن كان لم يلاحظ الصفة، وذلك لأنَّه قد يؤثر في نفس المسمى، فيكون معه جبروت، وغلو واستكبار على الخلق فمثل
[ ١١ / ٣٤٨ ]
هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها، ينبغي للإنسان أن يتجنبها، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: يشكل على ما قاله أنَّ جماعة من الصحابة تسموا بالحكم، وذكروا بالألف والآم، وأسماؤهم مدونة في"الإصابة" لابن حجر ﵀.
وهكذا "جبار" جاء التسمي به عن جماعة من الصحابة، وانظر لذلك "الإصابة" لابن حجر ﵀.
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [التَّعْلِيْقَاتِ البَّازِيَّةِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ] (ص: ٦٨):
«ولكن يرد على هذا ما جاء في الأحاديث الصحيحة تسمية الحكم والحكيم ولم يغيره ﷺ وهي أصح، مما يدل على أنَّ هذا الحديث في صحته نظر، وقد أقر النبي ﷺ أسماء منها حكيم بن حزام والحكم بن عمرو الغفاري ولم يغيرها ﵊ فلو كانت منكرة لغيرها ﷺ فدل على أنَّه لا بأس بالتسمي بالحكم أو الحكيم» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاز الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ الْعَبَّادُ التسمية بالحكم دون التكني به فقال في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٢٨/ ٢٨٤):
[ ١١ / ٣٤٩ ]
«وبالنسبة للكنية فإنَّها تغيَّر كما غير ذلك رسول الله ﷺ، وأمَّا بالنسبة للاسم فكونه جاء أنَّ بعض الصحابة تسمى به، فيدل على أنَّ ذلك سائغ» اهـ.
وخلاصة القول: أنَّ الذي يظهر لي هو جواز التسمي بالأسماء المشتركة ولو كانت محلاة بأل التعريف كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].
ففي هذه الآيات إطلاق العزيز على غير الله تعالى، وهذا الإطلاق محلى بأل التعريف.
[ ١١ / ٣٥٠ ]
وهكذا قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦].
وفي هذه الآيات إطلاق اسم الملك بأل التعريف على غير الله تعالى.
ومن هذا الباب ما جاء عن جماعة من الصحابة الذين سموا بالحكم ولم يغير النبي ﷺ أسماءهم كما سبق.
[ ١١ / ٣٥١ ]
٧ - ومن الأسماء المنهي عنها: أسماء الأصنام، كهبل، ومناة، واللات، والعزة، ويغوث، ويعوق، وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٣٣): «… ثم الأسماء الأخرى التي يعتادها الناس ما لم يكن اسمًا لا يليق بالبشر، أو كانت أسماء لأصنام، أو أسماء لرؤساء كفرة، وما أشبه ذلك فإنَّه لا يسمى بها» اهـ.
٨ - وقد منع بعض العلماء التسمية بأسماء القرآن وسوره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢٧): «ومما يمنع منه التسمية بأسماء القرآن وسوره مثل طه ويس وحم، وقد نص مالك على كراهة التسمية بـ "يس" ذكره السهلي، وأما يذكره العوام أنَّ يس وطه من أسماء النبي ﷺ فغير صحيح ليس ذلك في حديث صحيح ولا حسن ولا مرسل ولا أثر عن صاحب وإنَّما هذه الحروف مثل الم وحم والر ونحوها» اهـ. قُلْتُ: وهذا محمول على الأسماء المختصة، وأمَّا المشتركة كإبراهيم، ومحمد، ونوح، ولقمان، ويونس، وهود، ويوسف، ومريم، فلا تدخل في ذلك.
[ ١١ / ٣٥٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٨٦):
«قال العلماء: أو بأسماء القرآن فإنَّه لا يجوز أن يسمي ابنه فرقانًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأنَّ هذه خاصة بالقرآن الكريم، والقرآن أسماؤه محترمة فلا يسمى به أحد من البشر» اهـ.
ومما يكره من التسمي.
١ - التسمي بأسماء تحمل معاني تكرهها النفوس، كحرب، ومرة، وحزن، وشهاب، وعاصية، وأصرم، ونحو ذلك، ويدخل في ذلك أيضًا أسماء الحيوانات التي تكرهها النفوس كالكلب، والخنزير، والحية، والعقرب، والفأر، وغير ذلك.
وقد جاء في كراهة التسمي بحرب ومرة، ما رواه أحمد (١٩٠٥٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَقِيلُ ابْنُ شَبِيبٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ».
[ ١١ / ٣٥٣ ]
قُلْتُ: عقيل بن شبيب هذا مجهول، لكن يشهد للحديث ما رواه ابن وهب في [الْجَامِعِ] (٤٦) أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الْأَسْمَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ: هَمَّامٌ وَحَارِثٌ، وَشَرُّ الْأَسْمَاءِ: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ.
رواه أيضًا في [الْجَامِعِ] (٥٣) وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصِبِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ هَذَا، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، حَارِثٌ لِدُنْيَاهُ وَلِدِينِهِ، وَهَمَّامٌ بِهِمَا. وَشَرٌّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ.
ورواه أيضًا (٦٩) فَقَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «شَرُّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ، وَخَيْرُهَا عَبْدٌ، وَعُبَيْدٌ، وَأَصْدَقُهَا الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ».
قُلْتُ: وهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا.
[ ١١ / ٣٥٤ ]
ورواه أيضًا (٧١) فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، وَأَبْغَضُهَا إِلَى اللَّهِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ، وَأَكْذَبُهَا خَالِدٌ، وَمَالِكٌ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ».
قُلْتُ: عبد الله بن عمر هو العمري الضعيف.
فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِهَذِهِ الشَّوَاهِدِ دون قَوْلِهِ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ». فإنَّه خارج عن الشواهد.
وجاء في كراهة التسمية بِحَزْن فيما رواه البخاري (١٩٠) عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ». قَالَ: حَزْنٌ قَالَ: «أَنْتَ سَهْلٌ». قَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْد.
قلت: وحزن قال في معناه الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٥٧٤):
«بفتح المهملة وسكون الزاي ما غلظ من الأرض وهو ضد السهل واستعمل في الخلق يقال في فلان حزونة أي في خلقه غلظة وقساوة» اهـ.
[ ١١ / ٣٥٥ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢١): «والحزونة الغلظة، ومنه أرض حزنة، وأرض سهلة».
وجاء في كراهة التسمية بشهاب ما رواه أحمد (٢٤٥٠٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: شِهَابٌ، فَقَالَ: «أَنْتَ هِشَامٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وعمران هو ابن داود العمي القطان فيه ضعف؛ لكن قال ابن شاهين في "الثقات": «كان من أخص الناس بقتادة» اهـ.
وجاء في كراهة التسمي بعاصية ما رواه مسلم (٢١٣٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ: "أَنْتِ جَمِيلَةُ"».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٧/ ١٥٤): «ولعله لم يسمها مطيعة مع أنَّها ضد العاصية مخافة التزكية» اهـ.
قلت: لكن يشكل على هذا أنَّ النبي ﷺ غير العاص إلى مطيع.
فروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (٨٢٦)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٧١٨)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٧٠٨١)، وابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِيِّ]
[ ١١ / ٣٥٦ ]
(٧٦٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٧٢٦)، والحميدي في [مُسْنَدِهِ] (٥٩٦)، ومن طريقه ابن قانع في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٠٩٤)، ورواه أبو نعيم في [الْمَعْرِفَةِ] (٤٠٣٠)، والدولابي في [الكُنَى] (٣٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُطِيعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، فَلَمْ يُدْرِكِ الإِسْلَامَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرُ مُطِيعٍ، كَانَ اسْمُهُ الْعَاصَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُطِيعًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٥٤٤٥) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وجاء في كراهة التسمي بأصرم ما رواه أبو داود (٤٩٥٤) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: أَنَا أَصْرَمُ، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
[ ١١ / ٣٥٧ ]
الصرم هو القطيعة يقال: صرمت الحبل إذا قطعته، وصرمت النخلة إذا جذذت ثمرها.
٢ - وهكذا التسمي بالأسماء التي تحمل معاني الحب والغرام والعشق والفحش، كغرام، وفتنة، نهاد، وصال، فاتن، ونحو ذلك. وهذا أقل ما فيه الكراهة إن لم يصل إلى التحريم.
٣ - ومن الأسماء التي يستحب اجتنابها وتغييرها الأسماء التي فيها تزكية، كبرة، وإيمان، وإحسان، ومؤمن، ومحسن، وصادق، وعادل، وصالح، وتقي، وتقية، ومهدي، والمصطفى، والمجتبى، وغير ذلك.
فقد روى البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (٢١٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ».
وروى مسلم (٢١٤٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ».
وروى مسلم (٢١٤٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا
[ ١١ / ٣٥٨ ]
الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ».
قُلْتُ: وشبيه ببرة أبرار، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٥١):
«فأبرار مثلًا لا يسمى به لأنَّ النبي ﷺ غير اسم برة وهي واحدة فكيف بأبرار؟!» اهـ.
وأمَّا بريرة فليس من هذا الباب، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٤/ ٥١): «والبَريرُ ثمر الأَراك عامَّةً والمَرْدُ غَضُّه والكَباثُ نَضِيجُه، وقيل: البريرُ أَوَّل ما يظهر من ثمر الأَراك وهو حُلْو، وقال أَبو حنيفة: البَرِيرُ أَعظم حبًّا من الكَبَاث وأَصغر عُنقُودًا منه وله عَجَمَةٌ مُدَوّرَةٌ صغيرة صُلْبَة أَكبر من الحِمَّص قليلًا وعُنْقُوده يملأُ الكف الواحدة من جميع ذلك بَرِيرَةٌ» اهـ.
قُلْتُ: ومن أجل هذا والله أعلم عدل النبي ﷺ من تسمية عاصية بمطيعة وسماها جميلة، لما في ذلك من معنى التزكية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٣٤): «ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الديار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية،
[ ١١ / ٣٥٩ ]
كزكي الدين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدح، والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجملًا بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمى» اهـ.
وأمَّا التسمي بأسماء الملائكة فكرهه الإمام مالك، وأجازه غيره، والصحيح الجواز، وما جاء من النهي عن ذلك فلا يصح.
ومالك فيما يبدو لي الأسماء المختصة بالملائكة، وإلَّا فإنَّ مالكًا من أسماء الملائكة. والله أعلم.
وأمَّا تسمية الإناث بأسماء الملائكة فيجتنب خشية التشبه بالمشركين الذين جعلوا الملائكة إناثًا، ومن هذا الباب التسمية بملائكة، أو ملاك.
٤ - وفيه من الآداب استئذان المحرم إذا أراد الدخول على محرمه.
* * *
[ ١١ / ٣٦٠ ]
٣٢٨ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ ". قُلْت: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ: اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الرضاعة المُحَرِّمة هي التي تكون في الوقت الذي يستغني بها الطفل عن غيرها من الطعام بحيث تكون كافية لسد جوعه، وهذا إنَّما يكون في الحولين.
٢ - وفيه حجة لمذهب أكثر العلماء من أنَّ رضاع الكبير لا تحصل به حرمة الرضاع.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الترمذي (١١٥٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٤٦٥) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ. لكن أعله ابن حزم بالانقطاع بين فاطمة وأم سلمة.
[ ١١ / ٣٦١ ]
وأجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَقَالَ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤):
«وعزاه ابن حزم إلى النسائي ثم قال: هذا خبر منقطع؛ لأنَّ فاطمة بنت المنذر لم تسمع من أم سلمة أم المؤمنين؛ لأنَّها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عامًا، وكان مولد هشام سنة ستين فمولد فاطمة على هذا سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين وفاطمة صغيرة لم تلقها، فكيف أن تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها عائشة أم المؤمنين شيئًا، وهي في حجرها إنَّما أبعد سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر. وتبع عبد الحق ابن حزم على ذلك، فقال في "أحكامه": تكلموا في سماع فاطمة بنت المنذر من أم سلمة، ثم ذكر بعض كلام ابن حزم وينبغي أن تحرر رواية النسائي، فلم أر أحدًا من أصحاب الأطراف عزاه إلَّا إلى الترمذي خاصة، وقول ابن حزم: إنَّه منقطع؛ لأنَّ فاطمة لم تسمع من أم سلمة وذكر مولدها عجيب؛ لأنَّ عُمر فاطمة حين ماتت أم سلمة على ما ذكر إحدى عشرة سنة فكيف لم تلقها وهما في المدينة. وقد روي عن هشام أيضًا أنَّ فاطمة أكبر منه بثلاث عشرة سنة فيكون على هذا عمرها إذ ذاك اثني عشرة سنة، وعلى قول من يقول إنَّ أم سلمة توفيت سنة اثنين وستين، خمس عشرة سنة» اهـ.
[ ١١ / ٣٦٢ ]
ولهذا قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيَّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ التَّحْصِيْلِ] (ص: ٣٧٨): «فاطمة بنت المنذر قال ابن حزم: لم تسمع من أم سلمة، واستدل على ذلك بشيء فيه نظر» اهـ.
وسيأتي بمشيئة الله تعالى كلام العلامة ابن القيم ﵀ في رد ذلك.
وقد تابع ابن حزم في ذلك الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فَقَالَ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٧/ ٧٢):
«حديث أم سلمة أخرجه أيضًا الحاكم وصححه، وأعل بالانقطاع لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة ولم تسمع منها شيء لصغر سنها إذ ذاك» اهـ.
وتابعه على ذلك شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مُقْبِلُ بْنُ هَادِي ﵀ فَقَالَ فِي [أَحَادِيْثَ مُعَلَةٍ ظَاهِرُهَا الصِّحَةِ] تحت رقم (٥١٦): «الحديث رواته رواة الصحيح، ولكن الإمام الشوكاني ﵀ يقول …». فذكره.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنِ الرَّضَاعِ، فَقَالَتْ: «لَا رَضَاعَ، إِلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ قَبْلَ الْفِطَامِ».
[ ١١ / ٣٦٣ ]
قُلْتُ: هَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ».
قُلْتُ: هَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيْحٌ.
وكل هذا مما يشهد للمرفوع ويقويه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٥٩): «ومعنى قوله في: "الثدي" أي وقته وهو الحولان كما جاء في الحديث "إنَّ ابني إبراهيم مات في الثدي" أي وهو في زمن الرضاع. وهذا يقتضي أنَّه لا رضاع بعد الحولين ولا بعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام الحولين» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه مسلم (٢٣١٦) من طريق عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ».
[ ١١ / ٣٦٤ ]
قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٧٤): «ظاهر سياقه الإرسال» اهـ.
وحجة من ذهب إلى حصول الحرمة برضاع الكبير ما رواه مسلم (١٤٥٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ»، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ؟ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ».
وفي لفظ له قالت: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا. وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا. وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ». فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ. فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ.
وفي لفظ آخر عند مسلم أيضًا من حديثها قالت: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ
[ ١١ / ٣٦٥ ]
أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرْضِعِيهِ»، فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ فَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ»، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ.
وقد كانت عائشة ﵁ تأخذ بهذا، وخالفنها سائر أزواج النبي ﷺ، فروى مسلم (١٤٥٤) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَتْ تَقُولُ: «أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٦٠): «وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي ﷺ أن يأخذن به؛ مع أنَّ عائشة روت عنه قال: "الرضاعة من المجاعة" لكنَّها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية. فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلَّا
[ ١١ / ٣٦٦ ]
ما كان قبل الفطام. وهذا هو إرضاع عامة الناس. وأمَّا الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم. وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها. وهذا قول متوجه» اهـ.
وقد حرَّر القول في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٧ - ٥٩٣) فَقَالَ:
«فصل والحكم الرابع: أنَّ الرضاع الذي يتعلق به التحريم ما كان قبل الفطام في زمن الارتضاع المعتاد، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد: هو ما كان في الحولين، ولا يحرم ما كان بعدهما، وصح ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وروى عن سعيد بن المسيب، والشعبي وابن شبرمة، وهو قول سفيان. وإسحاق وأبي عبيد، وابن حزم، وابن المنذر، وداود، وجمهور أصحابه.
وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام، ولم يحدوه بزمن، صح ذلك عن أم سلمة، وابن عباس وروى عن علي، ولم يصح عنه، وهو قول الزهري، والحسن، وقتادة، وعكرمة، والأوزاعي. قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه، ثم رضع في الحولين، لم يحرم هذا الرضاع شيئًا، فإن تمادى رضاعه
[ ١١ / ٣٦٧ ]
ولم يفطم، فما كان في الحولين فإنَّه يحرم. وما كان بعدهما، فإنَّه لا يحرم، وإن تمادى الرضاع.
وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان في الصغر، ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر، وابن المسيب، وأزواج رسول الله ﷺ خلا عائشة ﵂.
وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرًا، وعن أبي حنيفة رواية أخرى، كقول أبي يوسف ومحمد.
وقال مالك في المشهور من مذهبه: يحرم في الحولين، وما قاربهما، ولا حرمة له بعد ذلك. ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة، وروي عنه شهران. وروي شهر، ونحوه. وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره: أنَّ ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، فإنَّه عندي من الحولين، وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه. والذي رواه عنه أصحاب "الموطأ" وكان يقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنَّما هو بمنزلة الطعام، هذا لفظه.
[ ١١ / ٣٦٨ ]
وقال: إذا فصل الصبي قبل الحولين، واستغنى بالطعام عن الرضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة.
وقال الحسن بن صالح، وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع المحرم ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرم.
وقال عمر بن عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من قوله. وروى عنه خلاف هذا، وحكى عنه ربيعة، أنَّ مدته حولان، واثنا عشر يومًا.
وقالت طائفة من السلف والخلف: يُحَرِّم رضاع الكبير، ولو أنَّه شيخ، فروى مالك، عن ابن شهاب، أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير، بحديث أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلت، وكانت تراه ابنًا لها. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين ﵂ فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلًا كبيرًا. أفأنكحها؟ قال عطاء: لا
[ ١١ / ٣٦٩ ]
تنكحها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة ﵂ تأمر بذلك بنات أخيها.
وهذا قول ثابت عن عائشة ﵂. ويروى عن علي، وعروة بن الزبير. وعطاء بن أبي رباح، وهو قول الليث بن سعد، وأبي محمد ابن حزم، قال: ورضاع الكبير ولو أنَّه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير. ولا فرق، فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة.
ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنَّهما طرفان، وسائر الأقوال متقاربة.
قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ قالوا: فجعل تمام الرضاعة حولين، فدل على أنَّه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به التحريم.
قالوا: وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ، وقصر الرضاعة المحرمة عليها. قالوا: وهذه مدة الثدي الذي قال فيها: "لا رضاع إلَّا ما كان في الثدي"، أي في زمن الثدي، وهذه لغة معروفة عند العرب، فإنَّ العرب يقولون: فلان مات في الثدي، أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه
[ ١١ / ٣٧٠ ]
الحديث المشهور: "إنَّ إبراهيم مات في الثدي وإن له مرضعًا في الجنة تتم رضاعه". يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا: وأكد ذلك بقَوْلِهِ: "لا رضاع إلاَّ ما فتق الأمعاء، وكان في الثدي قبل الفطام"، فهذه ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم، ومعلوم أنَّ رضاع الشيخ الكبير عار من الثلاثة. قالوا: وأصرح من هذا حديث ابن عباس: "لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين".
قالوا: وأكده أيضًا حديث ابن مسعود: "لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، ورضاع الكبير لا ينبت لحمًا، ولا ينشز عظمًا.
قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرمًا لما قال النبي ﷺ لعائشة وقد تغير وجهه، وكره دخول أخيها من الرضاعة عليها لما رآه كبيرًا: "انظرن من إخوانكن" فلو حرم رضاع الكبير، لم يكن فرق بينه وبين الصغير، ولما كره ذلك وقال: "انظرن من إخوانكن"، ثم قال: "فإنَّما الرضاعة من المجاعة" وتحت هذا من المعنى خشية أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن المجاعة، فلا ينشر الحرمة، فلا يكون أخًا.
[ ١١ / ٣٧١ ]
قالوا: وأمَّا حديث سهلة في رضاع سالم، فهذا كان في أول الهجرة لأنَّ قصته كانت عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُم لآبائِهِمْ﴾ وهي نزلت في أول الهجرة.
وأمَّا أحاديث اشتراط الصغر، وأن يكون في الثدي قبل الفطام، فهي من رواية ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عباس إنَّما قدم المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنَّما أسلم عام فتح خيبر بلا شك، كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة.
قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ: قد صح عن النبي ﷺ صحة لا يمتري فيها أحد أنَّه أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة، وكان كبيرًا ذا لحية، وقال:
"أرضعيه تحرمي"، ثم ساقوا الحديث، وطرقه وألفاظه وهي صحيحة صريحة بلا شك.
ثم قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتبين مراد الله ﷿ في الآيات المذكورات أنَّ الرضاعة التي تتم بتمام الحولين، أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحًا للرضيع، إنَّما هي الموجبة للنفقة على المرأة المرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها. ولقد كان في الآية كفاية من هذا لأنَّه تعالى
[ ١١ / ٣٧٢ ]
قال: ﴿والوَالِدَاتُ يُرضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وعلى الموْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعرُوفِ﴾، فأمر الله تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريم للرضاعة بعد ذلك ولا أنَّ التحريم ينقطع بتمام الحولين، وكان قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنكُم وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ولم يقل في حولين، ولا في وقت دون وقت زائدًا على الآيات الأخر، وعمومها لا يجوز تخصيصه إلَّا بنص يبين أنَّه تخصيص له، لا بظن، ولا محتمل لا بيان فيه، وكانت هذه الآثار يعني التي فيها التحريم برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتر، رواها نساء النبي ﷺ، وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهى ربيبة النبي ﷺ، ورواها من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع، ورواها عن هؤلاء: الزهري، وابن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة، ثم رواها عن هؤلاء: أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جريج، وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، ومعمر، وسليمان بن بلال، وغيرهم، ثم رواها عن هؤلاء الجم الغفير، والعدد الكثير، فهي نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحتها، فلم يبق
[ ١١ / ٣٧٣ ]
من الاعتراض إلَّا قول القائل: كان ذلك خاصًا بسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ومن تبعهن في ذلك، فليعلم من تعلق بهذا أنَّه ظن ممن ظن ذلك منهن ﵅. هكذا في الحديث أنَّهن قلن: ما نرى هذا إلَّا خاصًا بسالم، وما ندري لعلها كانت رخصة لسالم. فإذا هو ظن بلا شك فإنَّ الظن لا يعارض به السنن الثابتة، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغنى مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وشتان بين احتجاج أم سلمة ﵂ بظنها، وبين احتجاج عائشة ﵂ بالسنة الثابتة، ولهذا لما قالت لها عائشة: أمالك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، سكتت أم سلمة، ولم تنطق بحرف، وهذا إمَّا رجوع إلى مذهب عائشة، وإمَّا انقطاع في يدها.
قالوا: وقول سهلة لرسول الله ﷺ: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ بيان جلي أنَّه بعد نزول الآيات المذكورات.
قالوا: ونعلم يقينًا أنَّه لو كان ذلك خاصًا بسالم، لقطع النبي ﷺ الإلحاق، ونصَّ على أنَّه ليس لأحد بعده، كما بين لأبي بردة بن نيار، أن جذعته تجزئ عنه، ولا تجزئ عن أحد بعده. وأين يقع ذبح جذعة أضحية من هذا الحكم
[ ١١ / ٣٧٤ ]
العظيم المتعلق به حل الفرج وتحريمه، وثبوت المحرمية، والخلة بالمرأة والسفر بها؟ فمعلوم قطعًا، أنَّ هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصًا.
قالوا: وقول النبي ﷺ "إنَّما الرضاعة من المجاعة" حجة لنا، لأنَّ شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعًا، كما يؤثر في الصغير أو قريبًا منه.
فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصغير فيه سواء؟ قلنا: فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن، أو المصة الواحدة التي لا تغني من جوع، ولا تنبت لحمًا، ولا تنشز عظمًا.
قالوا: وقوله ﷺ: "لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين، وكان في الثدي قبل الفطام" ليس بأبلغ من قوله ﷺ: "لا ربا إلَّا في النسيئة"، "وإنَّما الربا في النسيئة"، ولم يمنع ذلك ثبوت ربا الفضل بالأدلة الدالة عليه، فكذا هذا.
فأحاديث رسول الله ﷺ، وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها لا يضرب بعضها ببعض، بل تستعمل كلا منها على وجهه.
قالوا: ومما يدل على ذلك أنَّ عائشة أم المؤمنين ﵂، وأفقه نساء الأمة هي التي روت هذا وهذا، فهي التي روت: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" وروت
[ ١١ / ٣٧٥ ]
حديث سهلة، وأخذت به فلو كان عندها حديث: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" مخالفًا لحديث سهلة، لما ذهبت إليه وتركت حديثًا واجهها به رسول الله ﷺ، وتغير وجهه، وكره الرجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي.
قالوا: وقد صح عنها أنَّها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة الله، ونقطع قطعًا نلقاه به يوم القيامة، أنَّ أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول الله ﷺ بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه، ولم يكن الله ﷿ ليبيح ذلك على يد الصديقة المبرأة من فوق سبع سماوات، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجناب الكريم، والحمى المنيع، والشرف الرفيع أتم عصمة، وصانه أعظم صيانة، وتولى صيانته وحمايته، والذب عنه بنفسه ووحيه وكلامه.
قالوا: فنحن نوقن ونقطع، ونبت الشهادة لله، بأنَّ فعل عائشة ﵂ هو الحق، وأنَّ رضاع الكبير يقع به من التحريم والمحرمية ما يقع برضاع الصغير، ويكفينا أمنا أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه ﷺ، ولا يجبنها بغير قولهن: ما أحد داخل علينا بتلك الرضاعة، ويكفينا في ذلك أنَّه مذهب ابن عم نبينا، وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين
[ ١١ / ٣٧٦ ]
كان خليفة، ومذهب الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنَّه كان أفقه من مالك، إلَّا أنَّه ضيعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباح ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عنه. وذكر مالك عن الزهري، أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فاحتج بحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم مولى أبي حذيفة، وقال عبد الرزاق: وأخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، أنَّ سالم ابن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أنَّ أباه أخبره، أنَّه سأل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أردت أن أتزوج امرأة قد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به، فقال له علي: لا تنكحها، ونهاه عنها.
فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشمس صحة وصراحة.
قالوا: وأصرح أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" فما أصرحه لو كان سليمًا من العلة، لكن هذا حديث منقطع، لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا، لأنَّها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عامًا، فكان مولده في سنة ستين، ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين،
[ ١١ / ٣٧٧ ]
وفاطمة صغيرة لم تبلغها، فكيف تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها شيئًا وهي في حجرها، كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر؟.
قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازن بينه وبين قول من يحدد مدة الرضاع المحرم بخمسة وعشرين شهرًا، أو ستة وعشرين شهرًا أو سبعة وعشرين شهرًا، أو ثلاثين شهرًا من تلك الأقوال التي لا دليل عليها من كتاب الله، أو سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة، تبين له فضل ما بين القولين.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة، ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له أنَّ هذا القول تنتهي قوته إلى هذا الحد، وأنَّه ليس بأيدي أصحابه قدرة على تقديره وتصحيحه، فاجلس أيها العالم المنصف مجلس الحكم بين هذين المتنازعين، وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد، وقال فلان.
واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك:
أحدها: أنَّه منسوخ، وهذا مسلك كثير منهم، ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنَّهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى، وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظير دعواهم.
[ ١١ / ٣٧٨ ]
وأمَّا قولهم: إنَّها كانت في أول الهجرة، وحين نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ﴾، ورواية ابن عباس ﵁، وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوه:
أحدها: أنَّهما لم يصرحا بسماعه من النبي ﷺ، بل لم يسمع منه ابن عباس إلَّا دون العشرين حديثًا، وسائرها عن الصحابة ﵃.
الثاني: أنَّ نساء النبي ﷺ لم تحتج واحدة منهن، بل ولا غيرهن على عائشة ﵂ بذلك، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم، وعدم إلحاق غيره به.
الثالث: أنَّ عائشة ﵂ نفسها روت هذا وهذا، فلو كان حديث سهلة منسوخًا، لكانت عائشة ﵂ قد أخذت به، وتركت الناسخ، أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له، وكلاهما ممتنع، وفي غاية البعد.
الرابع: أنَّ عائشة ﵂ ابتليت بالمسألة، وكانت تعمل بها، وتناظر عليها، وتدعو إليها صواحباتها فلها بها مزيد اعتناء، فكيف يكون هذا حكمًا منسوخًا قد بطل كونه من الدين جملة، ويخفى عليها ذلك، ويخفى على نساء النبي ﷺ فلا تذكره لها واحدة منهن.
[ ١١ / ٣٧٩ ]
المسلك الثاني: أنَّه مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النبي ﷺ ومن تبعهن، وهذا المسلك أقوى مما قبله، فإنَّ أصحابه قالوا مما يبين اختصاصه بسالم أنَّ فيه: أنَّ سهلة سألت رسول الله ﷺ بعد نزول آية الحجاب، وهي تقتضي أنَّه لا يحل للمرأة أن تبدي زينتها إلَّا لمن ذكر في الآية وسمي فيها، ولا يخص من عموم من عداهم أحد إلَّا بدليل.
قالوا: والمرأة إذا أرضعت أجنبيًا، فقد أبدت زينتها له، فلا يجوز ذلك تمسكًا بعموم الآية، فعلمنا أنَّ إبداء سهلة زينتها لسالم خاص به.
قالوا: وإذا أمر رسول الله ﷺ واحدًا من الأمة بأمر، أو أباح له شيئًا أو نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ينص على تخصيصه، وأمَّا إذا أمر الناس بأمر، أو نهاهم عن شيء، ثم أمر واحدًا من الأمة بخلاف ما أمر به الناس، أو أطلق له ما نهاهم عنه، فإنَّ ذلك يكون خاصًا به وحده، ولا يقول في هذا الموضع: إنَّ أمره للواحد أمر للجميع، وإباحته للواحد إباحة للجميع، لأنَّ ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول، والنهي الأول، بل نقول: إنَّه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف ولا يعارض
[ ١١ / ٣٨٠ ]
بعضها بعضًا، فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم، وأباح رسول الله ﷺ لسهلة أن تبدى زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة قطعًا، فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم، مستثناة من عموم التحريم، ولا نقول: إن حكمها عام، فيبطل حكم الآية المحرمة.
قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنَّا لو لم نسلكه، لزمنا أحد مسلكين، ولا بد منهما إمَّا نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، وإمَّا نسخها به، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم تحقق المعارضة، ولإمكان العمل بالأحاديث كلها، فإنَّا إذا حملنا حديث سهلة على الرخصة الخاصة، والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالمًا، لم تتعارض، ولم ينسخ بعضها بعضًا، وعمل بجميعها.
قالوا: وإذا كان النبي ﷺ قد بين أنَّ الرضاع إنَّما يكون في الحولين، وأنَّه إنَّما يكون في الثدي، وإنَّما يكون قبل الفطام، كان ذلك ما يدل على أنَّ حديث سهلة على الخصوص، سواء تقدم أو تأخر، فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقًا.
[ ١١ / ٣٨١ ]
قالوا: وأمَّا تفسير حديث "إنَّما الرضاعة من المجاعة" بما ذكرتموه، ففي غاية البعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين، بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والناس، قال أبو عبيد: قَوْلُهُ: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يقول: إنَّ الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن، إنَّما هو الصبى الرضيع. فأمَّا الذي شبعه من جوعه الطعام، فإنَّ رضاعه ليس برضاع، ومعنى الحديث: إنَّما الرضاع في الحولين قبل الفطام، هذا تفسير أبي عبيد والناس، وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان، حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء، لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى، وكشفها له، وإيضاحها، ومما يبين أنَّ غير هذا التفسير خطأ، وأنَّه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير، أنَّ لفظة "المجاعة" إنَّما تدل على رضاعة الصغير، فهي تثبت رضاعة المجاعة، وتنفي غيرها، ومعلوم يقينًا أنَّه إنَّما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم، فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع، فلو جعلنا حكم الرضاعة عامًا لم يبق لنا ما ينفي ويثبت. وسياق قَوْلِهِ: لما رأى الرجل الكبير، فقال: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يبين المراد، وأنَّه إنَّما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة، والسياق ينزل اللفظ منزلة الصريح، فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته لذلك الرجل، وقَوْلُهُ: "انظرن من
[ ١١ / ٣٨٢ ]
إخوانكن" إنَّما هو للتحفظ في الرضاعة، وأنَّها لا تحرم كل وقت، وإنَّما تحرم وقتًا دون وقت، ولا يفهم أحد من هذا أنَّما الرضاعة ما كان عددها خمسًا فيعبر عن هذا المعنى بقَوْلِهِ: "من المجاعة"، وهذا ضد البيان الذي كان عليه ﷺ.
وقولكم: إنَّ الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل، فإنَّه لا يعهد ذو لحية يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصغير فإنَّه ليس له ما يقوم مقام اللبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلًا، والذي يوضح هذا أنَّه ﷺ لم يرد حقيقة المجاعة، وإنَّما أراد مظنتها وزمنها، ولا شك أنَّه الصغر، فإن أبيتم إلَّا الظاهرية، وأنَّه أراد حقيقتها، لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلَّا إذا ارتضع وهو جائع، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئًا.
وأمَّا حديث الستر المصون، والحرمة العظيمة، والحمى المنيع، فرضى الله عن أم المؤمنين، فإنَّها وإن رأت أنَّ هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج النبي ﷺ يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر المصون، والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجرًا واحدًا،
[ ١١ / ٣٨٣ ]
والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخص بفهم الحكومة أحدهما.
فصل: وأمَّا ردكم لحديث أم سلمة، فتعسف بارد، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أنَّ فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جدًا أشياء، ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين، ويعقل أصغر منه. وقد قلتم: إنَّ فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذا سن جيد، لا سيما للمرأة، فإنَّها تصلح فيه للزوج، فمن هي في حد الزواج، كيف يقال: إنَّها لا تعقل ما تسمع، ولا تدري ما تحدث به؟ هذا هو الباطل الذي لا ترد به السنن، مع أنَّ أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء، وكانت دارهما واحدة، ونشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة ﵂ وأم سلمة، وماتت عائشة ﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقد يمكن سماع فاطمة منها، وأمَّا جدتها أسماء، فماتت سنة ثلاث
[ ١١ / ٣٨٤ ]
وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة، فلذلك كثر سماعها منها، وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. فقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة، أنَّها سئلت ما يحرم من الرضاع؟ فقالت: ما كان في الثدي قبل الفطام. فروت الحديث، وأفتت بموجبه. وأفتى به عمر بن الخطاب ﵁، كما رواه الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلَّا في الحولين في الصغر.
وأفتى به ابنه عبد الله ﵁، فقال مالك ﵀، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنَّه كان يقول: لا رضاعة إلَّا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير. وأفتى به ابن عباس ﵄، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: لا رضاع بعد فطام.
وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود، وأبو موسى، فأفتى ابن مسعود بأنَّه لا يحرم إلَّا في الصغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدارقطني، أنَّ ابن مسعود قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا، وقد قال رسول الله ﷺ: "لا
[ ١١ / ٣٨٥ ]
رضاع إلَّا ما شد العظم وأنبت اللحم". وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وكيع، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن أبى موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما أنبت اللحم وأنشز العظم".
ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري، حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن أبى حصين، عن أبى عطية الوادعي، قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: إنَّ امرأتي ورم ثديها فمصصته، فدخل حلقي شيء سبقني، فشدد عليه أبو موسى، فأتى عبد الله بن مسعود، فقال: سألت أحدًا غيري؟ قال: نعم أبا موسى، فشدد علي، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. فهذه روايته وفتواه.
وأمَّا علي بن أبي طالب، فذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن على: لا رضاع بعد الفصال.
وهذا خلاف رواية عبد الكريم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عنه. لكن جويبر لا يحتج بحديثه، وعبد الكريم أقوى منه.
[ ١١ / ٣٨٦ ]
فصل: المسلك الثالث: أنَّ حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عام في حق كل أحد، وإنَّما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأمَّا من عداه، فلا يؤثر إلَّا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إمَّا مطلقة، فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: وما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
٣ - واحتج به من قال بحصول التحريم بلبن المرضعة سواء كان عن طريق الرضاع أو الوجور، أو السعوط، وهكذا إن جعل جبنًا فأكله الطفل، أو غير ذلك، وهذا هو الصحيح، وذلك أنَّ جميع ما ذكر يحصل به سد الجوع للطفل.
[ ١١ / ٣٨٧ ]
ويحصل بكل ما ذكر نبات اللحم والعظم، وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ- وهو ابن مسعود-: «إِنَّمَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء مرفوعًا ولا يصح.
ورواه أبو داود (٢٠٥٩) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «لَا تَسْأَلُونَا وَهَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ». وَإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٨٦): «ويروى أنشز العظم بالزاي معجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٤): «مسألة؛ قال: الشافعي: "والسعوط كالرضاع، وكذلك الوجور" معنى السَّعُوطِ: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره.
وَالْوَجُورُ: أن يصب في حلقه صبًا من غير الثدي.
[ ١١ / ٣٨٨ ]
واختلفت الرواية في التحريم بهما، فأصح الروايتين أنَّ التحريم يثبت بذلك، كما يثبت بالرضاع.
وهو قول الشعبي والثوري، وأصحاب الرأي. وبه قال مالك في الوجور.
والثانية: لا يثبت بهما التحريم.
وهو اختيار أبي بكر، ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط؛ لأنَّ هذا ليس برضاع، وإنَّما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع، ولأنَّه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه.
ولنا، ما روى ابن مسعود، عن النبي ﷺ: "لا رضاع، إلَّا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" رواه أبو داود.
ولأنَّ هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم، والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلًا للتحريم، كالرضاع بالفم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٦): «فصل: وإن عمل اللبن جبنًا ثم أطعمه الصبي، ثبت به التحريم.
وبهذا قال الشافعي.
[ ١١ / ٣٨٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يحرم به؛ لزوال الاسم.
وكذلك على الرواية التي تقول: لا يثبت التحريم بالوجور. لا يثبت هاهنا بطريق الأولى.
ولنا، أنَّه واصل من الحلق، يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحصل به التحريم، كما لو شربه» اهـ.
٤ - ويدخل في عموم الحديث اللبن المشوب إذا كان اللبن ظاهرًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٧): «مسألة: قال: "واللبن المشوب كالمحض" المشوب: المختلط بغيره.
والمحض: الخالص الذي لا يخالطه سواه.
وسوى الخرقي بينهما، سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو بكر: قياس قول أحمد، أنَّه لا يحرم؛ لأنَّه وجور.
وحكي عن ابن حامد أنَّه قال: إن كان الغالب اللبن حرم، وإلَّا فلا.
وهو قول أبي ثور، والمزني؛ لأنَّ الحكم للأغلب، ولأنَّه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به.
[ ١١ / ٣٩٠ ]
ونحو هذا قول أصحاب الرأي، وزادوا، فقالوا: إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام، أو حتى تغير، فليس برضاع.
ووجه الأول، أنَّ اللبن متى كان ظاهرًا، فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحرم، كما لو كان غالبًا، وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية، فأمَّا إن صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يثبت به التحريم؛ لأنَّ هذا ليس بلبن مشوب، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم.
وحكي عن القاضي، أنَّ التحريم يثبت به.
وهو قول الشافعي؛ لأنَّ أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا.
ولنا، أنَّ هذا ليس برضاع، ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه» اهـ.
٥ - وفيه الاستفسار في الأمر المحتمل قبل إنكاره.
* * *
[ ١١ / ٣٩١ ]
٣٢٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ ﵁: «أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: "كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا"».
تَنْبِيْهٌ: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع على فعل نفسها.
ويلحق بذلك سائر الأمور التي لا يطلع عليها غير النساء غالبًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٥): «وقد قبل النبي ﷺ شهادة المرأة الواحدة في الرضاع وقد شهدت على فعل نفسها ففي الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له قال: "فكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما".
[ ١١ / ٣٩٢ ]
وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه قال في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبي وفي الحمام يدخله النساء فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد في شهادة الاستدلال تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعدة والسقط والحمام وكل ما لا يطلع عليه إلَّا النساء فقال تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ١١٦): «قال الأثرم قلت لأبي عبد الله شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم.
وقال علي سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم.
وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب ومحمد بن الحسن وأبي طالب وابن منصور ومهنا وحرب واحتج بحديث عقبة بن الحارث هذا» اهـ.
قُلْتُ: وقد منع من ذلك الأئمة الثلاثة.
٢ - وفيه قبول شهادة الإماء، ومثل ذلك العبيد.
[ ١١ / ٣٩٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٦): «وقال - يعني الإمام أحمد-: هو حجة في شهادة العبد لأنَّ النبي ﷺ أجاز شهادتها وهي أمة» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٢٤٨): «وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم» اهـ.
وقد ذهب إلى قبول شهادة العبد شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٢٢٩):
«وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحًا كقوله بجواز فسخ الإفراد والقران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة كالوصية في السفر، وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وقوله بجواز شهادة العبد …» اهـ.
ونصره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٩٨): «وقد تقدم حكم النبي ﷺ بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها وهو يتضمن شهادة العبد، وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته فقال: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد. وهذا هو الصواب فإنَّه إذا
[ ١١ / ٣٩٤ ]
قبلت شهادته على رسول الله ﷺ في حكم يلزم الأمة فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى، وإذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فإنَّه منَّا وهو عدل وقد عدله النبي ﷺ لقَوْلِهِ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وعدلته الأمة في الرواية عن رسول الله ﷺ، والفتوى وهو من رجالنا فيدخل في قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب: والمسلمون عدول بعضهم على بعض. وهو صادق فيجب العمل بخبره وأن لا يرد، فإنَّ الشريعة لا ترد خبر الصادق بل تعمل به، وليس بفاسق فلا يجب التثبت في خبره وشهادته، وهذا كله من تمام رحمة الله وعنايته بعباده وإكمال دينهم لهم وإتمام نعمته عليهم بشريعته لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود لأنَّه أبلغ في حفظ الحقوق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصواب ولا أعلم شيئًا يدفعه.
[ ١١ / ٣٩٥ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٤٣ - ٢٤٤): «الحكم بشهادة العبد والأمة في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة هذا الصحيح من مذهب أحمد، وعنه تقبل في كل شيء إلَّا في الحدود والقصاص لاختلاف العلماء في قبول شهادته فلا ينتهض سببًا لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط، والصحيح الأول.
وقد حكى إجماع قديم حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد. وهذا يدل على أنَّ ردها إنَّما حدث بعد عصر الصحابة واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم فصار هذا القول عند الناس هو المعروف ولما كان مشهورًا بالمدينة في زمن مالك قال: ما علمت أحدًا قبل شهادة العبد. وأنس بن مالك يقول ضد ذلك، وقبول شهادة العبد هو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وصريح القياس وأصول الشرع وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس …» اهـ.
٣ - وفيه قبول شهادة المرء على فعل نفسه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٨٩): «وفي هذا الحديث من الأحكام قبول شهادة العبد.
[ ١١ / ٣٩٦ ]
وقبول شهادة المرأة وحدها.
وقبول شهادة الرجل على فعل نفسه كالقاسم والخارص والحاكم على حكمه بعد عزله» اهـ.
٤ - وفيه عدم الاستفصال عن شروط الرضاع فيما إذا ادعت امرأة أنَّها أرضعت ولدًا.
وهذا محمول على من كانت عالمة بشروط الرضاع المحرم، وأمَّا مع غلبة الجهل في هذه الأزمان فلا بد من الاستفصال. والله أعلم.
٥ - فيه جواز الإعراض عن المستفتي ليعلم أنَّ الحكم فيما سأله هو الكف عنه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٩): «وفي الحديث جواز أعراض المفتي ليتنبه المستفتي على أنَّ الحكم فيما سأله الكف عنه» اهـ.
٦ - وقد حمل جماعة من أهل العلم الحديث على معنى الاحتياط، فقالوا: إنَّ النبي ﷺ أمر عقبة بمفارقة المرأة التي تزوجها من باب الاحتياط في الفروج، ودفع الريبة، واستفادوا من ذلك استحباب الاحتياط في النكاح.
قُلْتُ: وظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ أمضى شهادتها، ولو كان ذلك من باب الاحتياط وعدم الإلزام لما أمره النبي ﷺ بفارقها
[ ١١ / ٣٩٧ ]
أمرًا لا خيار له فيه، بل لقال له مثلًا: طلقها فهو خير لك، ولك أن تبقيها، ونحو ذلك. والله أعلم.
فإن قيل: كيف يقبل النبي ﷺ شهادتها ولم تسم له، ولم يعرف حالها.
فالجواب: لعلها قد سميت له فعرفها، ولم يُنقل ذلك لنا. والله أعلم.
ولعل النبي ﷺ ما احتاج لذلك لأنَّ المقام مقام استفتاء لا مقام قضاء. والله أعلم.
فإن قيل: كيف أخذ النبي ﷺ بشهادتها وقد كذبها عقبة فقد جاء في رواية للبخاري (٥١٠٤) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، دَعْهَا عَنْكَ».
والجواب: أنَّه لم يقم بينة على كذبها فلهذا لم يلتفت النبي ﷺ لدعواه. والله أعلم.
* * *
[ ١١ / ٣٩٨ ]