٣١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَغَيَّظَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿"».
وَفِي لَفْظٍ: «حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا».
وَفِي لَفْظٍ: «فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
الطلاق لغة: حل القيد، يقال ناقة طالق إذا حلها قيدها.
والطلاق شرعًا: حل عقد النكاح.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم طلاق الحائض، ومثل ذلك النفساء.
[ ١١ / ٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٦٧): «فيه دليلٌ: على أنَّ الطَّلاق في الحيض يحرم؛ فإنَّه أنكره بتغيُّظه عليه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا كانت حاملًا وحاضت فالذي يظهر لي جواز طلاقها في حال حيضها لعموم قول النَّبِيِّ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا». رواه مسلم (١٤٧١) من حديث ابن عمر ﵄.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٧): «وقوله "طاهرًا أو حاملًا" احتج به من قال الحامل لا تحيض، لأنَّه ﷺ حرم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في وقت الطهر والحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملًا إذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث.
ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك، بأنَّ حيض الحامل لم يكن له تأثير في العدة بحال لا في تطويلها ولا تخفيفها، إذ عدتها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملًا مطلقًا، وغير الحامل لم يبح طلاقها إلَّا إذا لم تكن حائضًا، لأنَّ الحيض يؤثر في العدة، لأنَّ عدتها بالأقراء، فالحديث دل على أنَّ المرأة لها حالتان، أحدهما: أن تكون حائلًا، فلا تطلق إلَّا في طهر لم يمسها فيه. والثانية: أن تكون حاملًا، فيجوز طلاقها.
[ ١١ / ٣ ]
والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنَّما هو بسبب الحمل وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس، دون الحائل، وهذا جواب سديد والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا يدخل في ذلك الخلع، فإنَّ الخلع ليس بطلاق على الصحيح. وهذا مذهب جمهور العلماء خلافًا للمالكية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢١): «ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض؛ لأنَّه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق؛ بل فرقة بائنة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٧١):
«فصل: ويجوز الخلع في الحيض؛ لأنَّ المنع من الطلاق في الحيض للضرر الذي يلحقها بتطويل العدة والخلع جعل للضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والتقصير في حق الزوج والضرر بذلك أعظم من الضرر بتطويل العدة فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ من طلق امرأته في حيضها وجب عليه أن يراجعها، ومثل ذلك النفساء.
[ ١١ / ٤ ]
وإلى الوجوب ذهب الإمام مالك وأحمد في رواية، والجمهور على الاستحباب، والصحيح الوجوب لظاهر الأمر. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤): «واختلفوا في قَوْلِهِ: "مره فليراجعها": هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب.
قال بعضهم: لأنَّ ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبًا فاستدامته كذلك.
وقال مالك في الأشهر عنه، وداود وأحمد في الرواية الأخرى: الرجعة واجبة الأمر بها، ولأنَّ الطلاق لما كان محرمًا في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبًا، وبهذا يبطل قولهم: إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته، فإنَّ الاستدامة ها هنا واجبة لأجل الوقت، فإنَّه لا يجوز فيه الطلاق. قالوا: ولأنَّ الرجعة إمساك، بدليل قَوْلِهِ: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ﴾ فالإمساك مراجعتها في العدة، والتسريح تركها حتى تنقضي عدتها. وإذا كانت الرجعة إمساكًا، فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض، وتحريم طلاقها، فتكون واجبة.
[ ١١ / ٥ ]
ثم اختلف الموجبون للرجعة في علة ذلك: فقالت طائفة: إنَّما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة، وهو الطهر الذي لم يمسها فيه، فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم، فأمر برجعتها، ليطلقها طلاقًا مباحًا، يترتب عليه أحكام الطلاق.
وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض، فعاقبه بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها، عكس مقصوده.
وقالت طائفة: بل العلة في ذلك أنَّ تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره برجعتها ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله. وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها. فإن امتنع ضرب وحبس، فإن أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنَّه قد ردها عليه، فتكون امرأته، يتوارثان، ويلزمه جميع حقوقها، حتى يفارقها فراقًا ثانيًا، قاله أصبغ وغيره من المالكية.
ثم اختلفوا. فقال مالك: يجبر على الرجعة، إن طهرت، ما دامت في العدة، لأنَّه وقت للرجعة.
[ ١١ / ٦ ]
وقال أشهب: إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال، وإن كانت في العدة، لأنَّه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه، إذ لو وجبت الرجعة في هذا الوقت لحرم الطلاق فيه» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٠): «وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضًا ولا يجبر إذا طلقها نفساء وهو جمود» اهـ.
٣ - قَوْلُهُ: «لِيُرَاجِعْهَا». يدل على أنَّ ذلك إنَّما يكون قبل انقضاء العدة، فإنَّه لا مراجعة بعد انقضاء العدة، وهكذا لا يدخل في هذا الحديث المطلقة ثلاثًا فإنَّه لا رجعة لها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩): «واتفقوا على أنَّها إذا انقضت عدتها أن لا رجعة» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ من طلق امرأته في حيضها لا يحل له أن يطلقها في الطهر الذي بعد الحيضة التي وقع فيها الطلاق وإنَّما يحل له الطلاق في الطهر الثاني.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠): «واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها على قولين:
[ ١١ / ٧ ]
هما روايتان عن أحمد ومالك: أشهرهما عند أصحاب مالك: المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر به النبي ﷺ.
والثاني: يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى. ووجهه أنَّ التحريم إنَّما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضًا طلاقها فيه، لو لم يتقدم طلاق في الحيض، ولأنَّ في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيح: "ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا" وفي لفظ: "ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع في قبل عدتها" وفي لفظ: "فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها" وفي حديث أبي الزبير وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك" وكل هذه الألفاظ في الصحيح.
وأمَّا أصحاب القول الثاني فاحتجوا بما تقدم من أمره ﷺ بإمساكها حتى تحيض، ثم تطهر ثم تحيض، ثم تطهر. وقد تقدم. قالوا: وحكمة ذلك من وجوه:
[ ١١ / ٨ ]
أحدها: أنَّه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها. وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنَّ الله سبحانه إنَّما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها، ولم شعث النكاح، وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكًا، فأمره الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق. قالوا: وقد أكد الشارع هذا المعنى حتى إنَّه أمر في بعض طرق هذا الحديث بأن يمسكها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، فإذا حاضت بعده وطهرت، فإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فإنَّه قال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها" ذكره ابن عبد البر. وقال: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلَّا بالوطء، لأنَّه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلَّا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه، حتى تحيض ثم تطهر، فاعتبرنا مظنة الوطء ومحله، ولم يجعله محلًا للطلاق.
الثاني: أنَّ الطلاق حرم في الحيض لتطويل العدة عليها، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة، فإنَّ تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة، وإنَّما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها، أو من الحيضة الأخرى، على الاختلاف في الأقراء، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة
[ ١١ / ٩ ]
كانت في معنى ممن طلقت ثم راجعها، ولم يمسها حتى طلقها، فإنَّها تبنى على عدتها في أحد القولين، لأنَّها لم تنقطع بوطء، فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا، لم يزل بطلاقها عقب الحيضة، فأراد رسول الله ﷺ قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء، فإذا وطئ حرم طلاقها، حتى تحيض ثم تطهر.
ومنها: أنَّها ربما كانت حاملًا، وهو لا يشعر، فإنَّ الحامل قد ترى الدم بلا ريب، وهل حكمه حكم الحيض، أو دم فساد؟ على الخلاف فيه، فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام، ثم بحيض تام، فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل؟ فإنَّه ربما يمسكها إذا علم أنَّها حامل منه، وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنَّها حامل، وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل، فأراد الشارع تحقيق علمها بذلك، نظرًا للزوجين، ومراعاة لمصلحتهما، وحسمًا لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة.
وقيل: الحكمة فيه أنَّه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاءً له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم. ورد هذا بأنَّ ابن عمر لم يكن يعلم التحريم. وأجيب عنه بأنَّ
[ ١١ / ١٠ ]
هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة، وكونه ﵁ لم يكن عالمًا بالتحريم يفيد نفي الإثم، لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه.
وقيل: حكمته أنَّ الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة، فهما كالقرء الواحد، فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس هذا بطلاق السنة. وقيل: حكمته أنَّه نهى عن الطلاق في الطهر، ليطول مقامه معها، ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها، وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها، فيكون ذلك حرصًا على ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله، المحبوب إلى الشيطان، وحضًا على بقاء النكاح، ودوام المودة والرحمة والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠):
«واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعية وجهان: أصحهما المنع، وبه قطع المتولي وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزالي في "الوسيط" وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر وجهان. وكلام المالكية يقتضي أنَّ التأخير مستحب، وقال بن تيمية في "المحرر": ولا يطلقها في الطهر المتعقب له فإنَّه بدعة،
[ ١١ / ١١ ]
وعنه أي عن أحمد جواز ذلك، وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الطلاق يكون في طهر لم يمس فيه امرأته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥):
«وقوله ﷺ: "ثم ليطلقها طاهرًا قبل أن يمس" دليل على أنَّ طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع منه وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه، فلو طلق فيه. قالوا: لم يجب عليه رجعتها، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ الرجعة لا تجب في هذه الصورة، وليس هذا الإجماع ثابتًا، وإن كان قد حكاه صاحب "المغني" أيضًا، فإنَّ أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق، حكاه في الرعاية، وهو القياس، لأنَّه طلاق محرم، فتجب الرجعة فيه، كما تجب في الطلاق في زمن الحيض. ولمن فرق بينهما أن يقول: زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق، وزمن الحيض ليس وقتًا لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه، ولكن هذا الفرق ضعيف جدًا، فإنَّ زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما، بل الفرق المؤثر عند الناس أنَّ المعنى الذي وجبت
[ ١١ / ١٢ ]
لأجله الرجعة إذا طلقها حائضًا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنَّها إنِّما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها، فإنَّها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءًا اتفاقًا. فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل، وأمَّا الطهر فإنَّها تعتد بما بقي منه قرءًا، ولو كان لحظة، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإنَّ من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها، ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر، وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلَّا في طهر، فلا فائدة في الرجعة. هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين. وبعد، ففيه إشكال لا ينتبه له إلَّا من به خبرة بمأخذ الشرع وأسراره، وجمعه وفرقه. وذلك أنَّ النبي ﷺ أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها، وقال: "فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق لها النساء"، وهذا ظاهر في أنَّ العدة إنَّما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه، إن دل على أنَّها بالأطهار، وأمَّا طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبي ﷺ من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه. لأنَّ النبي ﷺ سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أنَّ العدة التي أمر بها الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر
[ ١١ / ١٣ ]
الذي لم يمسها فيه، فمن أين لنا أنَّ الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، وهذا مذهب أبي عبيد، وهو في الظهور والحجة كما ترى، وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم: لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءًا، وإن كان قد جامع فيه، إذا قلنا: الأقراء الأطهار.
قال المنتصرون لهذا القول: إنَّما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعًا لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءًا كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها. وهذا ضعيف جدًا، فإنَّها إذ طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأمَّا إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه.
قالوا: ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض، بل إنَّما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل، ويكثر الضرر. فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرًا من غير جماع، لأنَّهما قد تيقنا عدم الريبة، وأمَّا إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملًا.
قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه.
[ ١١ / ١٤ ]
قالوا: وسر ذلك أنَّ المرأة إن كانت حاملًا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح، فلا ضرر عليها في طلاقها فيه.
ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول: الشارع إنَّما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنَّها بالأقراء. فأمَّا إذا مسها في الطهر ثم طلقها، لم يدر أحاملًا أم حائلًا، ولم تدر المرأة: أعدتها بالحمل أم بالأقراء، فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض، فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءًا، كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه.
وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور. وأمَّا من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٠): «فلو طلق هل يجبر على الرجعة كما يجبر عليها إذا طلقها وهي حائض طرده بعض المالكية فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض دون الطاهر، وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرجعة فإن امتنع أدبه الحاكم فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها بذلك روايتان لهم أصحهما الجواز» اهـ.
[ ١١ / ١٥ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا طلقها في طهر قد جامع فيه فلا يؤمر بإرجاعها لعدم الدليل في ذلك. والله أعلم.
٦ - وفيه وقوع الطلاق في الحيض.
وهذا مذهب أكثر علماء الأمة، وذهب بعض العلماء إلى عدم وقوعه، ونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وابن حزم الظاهري ﵏.
وقد أضيف هذا القول لبعض الصحابة والتابعين، وسيأتي بمشيئة الله تعالى ما يتعلق بذلك.
وقد روى الطيالسي في [مُسْنَدِهِ] (٦٨)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٧٠٥)، ورواه الدارقطني (٣٩١٢) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وظاهر قَوْلِهِ: «فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» أنَّ الذي جعلها واحدة هو النبي ﷺ.
[ ١١ / ١٦ ]
وروى البخاري (٥٢٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٢): «وقد أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا، وزاد يعني حين طلق امرأته فسأل عمر النبي ﷺ» اهـ.
وروى الدارقطني (٣٩١٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، نا عَيَّاشُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هِيَ وَاحِدَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى الدارقطني (٣٩١٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٧٠٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنُ سَابِقٍ، نا شَيْبَانُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ «أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الطَّلَاقَ فِي عِدَّتِهَا وَتُحْتَسَبُ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ إلى الشعبي ثم هو مرسل.
وهذه الروايات ترجح ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في الحيض.
[ ١١ / ١٧ ]
وأمَّا ما رواه أحمد (٥٥٢٤)، وأبو داود (٢١٨٥) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيُرَاجِعْهَا» عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: فَرَدَّهَا، «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ، أَوْ يُمْسِكْ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «وَسَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ».
هذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ، مَوْلَى عُرْوَةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ
[ ١١ / ١٨ ]
ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.
فلا تثبت فيه زيادة: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا».
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو دَاودَ ﵀ بعد روايته للحديث: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَأَبُوالزُّبَيْرِ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَرُوِيَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَالزُّهْرِيِّ.
وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ: أَبُو الزُّبَيْرِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ٦٥ - ٦٦):
«قوله في هذا الحديث: "ولم يرها شيئًا" منكر عن ابن عمر لما ذكرنا عنه أنَّه اعتد بها ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد
[ ١١ / ١٩ ]
منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه ولو صح لكان معناه عندي والله أعلم ولم يرها على استقامة أي ولم يرها شيئًا مستقيمًا لأنَّه لم يكن طلاقه لها على سنة الله وسنة رسوله هذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٣٥):
«وقال أهل الحديث: لم يرْو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه أنَّه لم يره شيئًا باتًا يحرم معه المراجعة ولا تحل له إلَّا بعد زوج، أو لم يره شيئًا جائزًا في السنة ماضيًا في حكم الاختيار وإن كان لازمًا على سبيل الكراهة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٦٣):
«وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات، فلا يُقبل تفرّده، فإنَّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة» اهـ.
[ ١١ / ٢٠ ]
وأمَّا ما رواه النسائي (٣٣٩٨) أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ «طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ». فَإِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ، لكن ليس المراد بقَوْلِهِ: «فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». أنَّها لم تحسب تطليقة، لكن المراد أنَّه لم يجعله يمضي فيها. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٢١):
«قال محمد بن عبد السلام الخُشني: حدثنا محمد بن بشار؛ حدثنا عبد الوهَّاب بنُ عبد المجيدِ الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ أنَّه قال في رجل طلق امرأته وهى حائض. قال ابن عمر: لا يعتد بذلك» اهـ.
قُلْتُ: هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٤٩) بغير هذا اللفظ فقال: حَدَّثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ».
[ ١١ / ٢١ ]
ورواه ابن معين في [التَّارِيْخِ] (٤٤٨٧)، ومن طريقه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٧٠٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥١٧٩) حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ عبيد الله عَنْ نَافِع عَنْ بن عمر «إِذا طَلقهَا وَهِي حَائِض لم تَعْتَد بِتِلْكَ الْحَيْضَة».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٦٥):
«وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي: حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها، وبإسناده عن خِلاس نحوه، فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلَّا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره، وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت، وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم
[ ١١ / ٢٢ ]
فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: والمراد بغير خلاس من ذكر الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بِقَوْلِهِ فِي [إَغَاثَةِ اللَّهْفَانِ فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ] (ص: ٦٣):
«وهذا مذهب خلاس بن عمرو.
قال ابن حزم: حدثنا محمد بن سعيد بن ساث قال: حدثنا عباس بن أصبع قال: حدثنا محمد بن قاسم بن محمد قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن من مهدي قال: حدثنا هشام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنَّه قال في الرجل يطلق امراته وهي حائض فقال: لا يعتد بها.
وهذا قول أبي قلابة قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أبي قلابة قال: اذا طلق الرجل امراته وهي حائض فلا يعتد بها» اهـ.
قُلْتُ: أثر خلاس محمول على عدم الاعتداد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٨) نا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَخِلَاسٍ، قَالَا: «لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ».
[ ١١ / ٢٣ ]
وأثر أبي قلابة رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٤٨) نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَلَا تَعْتَدُّ بِهَا». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: وقد أورد ابن أبي شيبة هذا الأثر مع الآثار التي تدل على أنَّ المرأة لا تعتد بالحيضة التي وقع الطلاق فيها بحيث لا تحسبها من عدتها.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٣) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٦) حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ سَاعَةَ حَاضَتْ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
قُلْتُ: مراد عطاء عدم الاعتداد بتلك الحيضة لا بالطلاق، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٦٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يُطَلِّقُهَا
[ ١١ / ٢٤ ]
حَائِضًا؟ قَالَ: لَا تَعْتَدُّ بِهَا لِتَسْتَوْفِ ثَلَاثَ حِيَضٍ، قُلْتُ: فَطَلَّقَهَا سَاعَةَ حَاضَتْ؟ قَالَ: لَا تَعْتَدُّ بِهَا. قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: «ارْدُدْهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ فَطَلِّقْ، أَوْ أَمْسِكْ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٩) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
قُلْتُ: وهذه الآثار أوردها الحافظ ابن أبي شيبة مع جملة الآثار الدالة على عدم الاعتداد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فهي محمولة على ما ذكره الحافظ ابن رجب ﵀.
٧ - وقَوْلُهُ: «فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿». يدل على أنَّ حرمة الطلاق في الحيض مختص بمن لها عدة فيخرج من ذلك المطلقة الغير مدخول بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢١٩ - ٢٢٠):
«وأمَّا من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقال تعالى: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَالكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾، وقد دل على هذا قوله تعالى:
[ ١١ / ٢٥ ]
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذه لا عدة لها، ونبه عليه رسول الله ﷺ بقَوْله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول، لمنع من طلاق من لا عدة له عليها» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩): «واتفقوا على أنَّه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة إلَّا ما نقل عن زفر فطرد الباب» اهـ.
٨ - وفيه التغيظ من الأمر المخالف للشرع.
فإن قيل: كيف يتغيظ النبي ﷺ من ذلك قبل ورود النهي عنه.
أجاب عن ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَقَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨):
«وفيه إشعار بأنَّ الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه وإلَّا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه ولا يعكر على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنَّه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك.
[ ١١ / ٢٦ ]
قال ابن العربي: سؤال عمر محتمل لأن يكون إنَّهم لم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قَوْلَهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أراد أن يعلم أن هذا قرء أم لا، ويحتمل أن يكون سمع من النبي ﷺ النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٠٣):
«وتغيظ النبي ﷺ إمَّا لأنَّ المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا وكان يقتضي الحال التثبت في الأمر أو لأنَّه كان يقتضي الأمر المشاورة لرسول الله ﷺ في مثل ذلك إذا عزم عليه» اهـ.
٩ - وقَوْلُهُ: «ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ». المراد بالطهر بعد الحيض هو الاغتسال لا انقطاع الدم فقط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٠ - ٣٤٢): «وقوله ﷺ: "ثم ليطلقها طاهرًا" وفي اللفظ الآخر "فإذا طهرت فليطلقها إن شاء" هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهر بالغسل، أو ما يقوم مقامه من التيمم؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
[ ١١ / ٢٧ ]
إحداهما: أنَّه انقطاع الدم وهو قول الشافعي.
والثانية: أنَّه الاغتسال، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء، إمَّا أن تغتسل، وإمَّا أن تتيمم عند العجز وتصلي، وإمَّا أن يخرج عنها وقت صلاة، لأنَّه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها.
وسر المسألة أنَّ الأحكام المترتبة على الحيض نوعان:
منها: ما يزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم، ووجوب الصلاة في ذمتها. ومنها: ما لا يزول إلَّا بالغسل كحل الوطء، وصحة الصلاة، وجواز اللبث في المسجد، وصحة الطواف، وقراءة القرآن على أحد الأقوال، فهل يقال الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟ ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول: الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب، يحرم عليها ما يحرم عليه، ويصح منها ما يصح منه، ومعلوم أنَّ المرأة الجنب لا يحرم طلاقها. ولمن رجح الثاني أن يجيب عن هذا بأنَّها لو كانت كالجنب لحل وطؤها، ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله: "أنَّه طلق امرأته وهي
[ ١١ / ٢٨ ]
حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها فإنَّها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وهذا على شرط الصحيحين، وهو مفسر لقَوْلِهِ: "فإذا طهرت" فيجب حمله عليه» اهـ.
قُلْتُ: هذه الرواية رواها النسائي (٣٣٩٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ فَلْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَحِيضَ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا فَلْيُمْسِكْهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ﷿ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ الأقراء هي الأطهار.
[ ١١ / ٢٩ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥١): «واستدل به من ذهب إلى أنَّ الإقراء الاطهار للأمر بطلاقها في الطهر: وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي وقت ابتداء عدتهن، وقد جعل للمطلقة تربص ثلاثة قروء فلما نهى عن الطلاق في الحيض وقال: إنَّ الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه علم أنَّ الإقراء الاطهار قاله ابن عبد البر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٩ - ٣٥١):
«وقوله "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار.
قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، وقول العرب: كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين. وفي الحديث "فليصلها حين ذكرها، ومن الغد للوقت" قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى "فيه".
وأجاب الآخرون عن هذا بأنَّ اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هي اللام المذكورة في قوله ﷺ: "أن تطلق لها النساء"، ولا يصح أن تكون وقتية، ولا ذكر أحد من أهل العربية أنَّ اللام تأتي بمعنى "في" أصلًا. ولا يصح أن تكون بمعنى "في"، ولو صح في غير هذا الموضع، لأنَّ الطلاق لا يكون
[ ١١ / ٣٠ ]
في نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفًا له قط، وإنَّما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "فطلقوهن في قبل عدتهن"، أي في الوقت الذي يستقبل فيه العدة. وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها استقبلت العدة من الحيضة التي تليه، فقد طلقها في قبل عدتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضًا، فإنَّها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقها حائضًا طلاقًا في قبل عدتها، وقد أفردت لهذه المسألة مصنفًا مستقلًا ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح والجواب عمَّا احتج به أصحاب القول الآخر» اهـ.
قُلْتُ: وقد أطال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الكلام في معنى القروء في كتابه [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠) فما بعدها، ورجح أنَّ القروء هو الحيض، وهو اختيار شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٤٧٩).
وهذه المسألة من المسائل التي تنازع فيها العلماء فذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ القروء هو الطهر.
[ ١١ / ٣١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠١): «وهذا قولُ عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر. ويُروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه» اهـ.
وذهب آخرون إلى أنَّ القروء هو الحيض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠ - ٦٠١):
«فقال أكابر الصحابة: إنَّها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ ابن جبل ﵃، وهو قولُ أصحاب عبد الله ابن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقولُ أصحاب ابن عباس، سعيدِ ابن جبير، وطاووس، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب، وهو قولُ أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم، وأبى عُبيد القاسم، والإمام أحمد ﵀، فإنَّه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبُه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنَّها الأطهار، فقال في رواية الأثرم: رأيتُ الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلِفُ. والأحاديث عمن قال: إنَّه أحقُّ بها حتى تدخل في
[ ١١ / ٣٢ ]
الحيضة الثالثة أحاديثُ صحاح قوية. وهذا النصُّ وحدَه هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقولُ هذا أولًا، ثم توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم أيضًا: قد كنتُ أقول الأطهار، ثم وقفت كقول الأكابر، ثم جزم أنَّها الحيضُ، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانئ. كنت أقول: إنها الأطهارُ، وأنا اليوم أذهبُ إلى أنَّ الأقراء الحيض، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد ﵀، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نصَّ رجوعه مِنْ رواية ابن هانئ كما تقدم، وهو قولُ أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح أنَّ القروء هو الحيض ويدل على ذلك عدة أدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروُء﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ووجه الشاهد من هذه الآية أنَّ الله ﷿ جعل العدة ثلاثة قروء وهذا لا يصدق إلَّا على الحيض، وذلك أنَّها لو كانت هي الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قَرآنِ، ولحظةُ من الثالث، وإطلاق الثلاثة على هذا خلاف الظاهر لنصية الثلاثة في
[ ١١ / ٣٣ ]
العدد المخصوص، ولو جعلنا القرء يطلق على بعض الطهر، فيلزمُ أن يكون الطهرُ الواحِدُ عدَّةَ أقراء، وهذا باطل قطعًا.
الدليل الثاني: أنَّ لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلَّا للحيض، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعمالُه للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروفِ من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنَّه ﷺ قال للمستحاضة: «دَعَي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وهو ﷺ المعبِّرُ عن الله تعالى، وبلغة قومِه نزل القرآنُ، فإذا ورد المشتركُ في كلامِهِ على أحد معنييه، وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصيرُ هو لغةَ القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره.
قُلْتُ: وتسمية الحيض بالقرء جاء في عدة أحاديث منها: ما رواه أحمد (٢٦٧٨٣) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ، وَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ لَهَا، فَتَخْرُجُ وَهِيَ عَالِيَةُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَنْتَظِرُ أَيَّامَ قُرْئِهَا، أَوْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، فَتَدَعُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَتَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ، وَتُصَلِّي».
[ ١١ / ٣٤ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
الدليل الثالث: ويوضح ذلك ما في سياق الآية مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَا يَحِّلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وهذا هو الحيضُ والحمل، فإنَّ المخلوق في الرحم إنَّما هو الحيض الوجودي، أو الحمل، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضُهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إنَّه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُنىَ بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فجعل كُلَّ شهر بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.
وجعل الثلاث الأشهر كاملات، وهنَّ يقابلنَّ ثلاثة قروء كاملات، وهذا لا يكون إلَّا للحيض، فإنَّ الاعتداد بالأطهار لا يكون على وجه الكمال.
الدليل الخامس: وهو ما رواه أحمد (١١٢٤٤)، وأبو داود (٢١٥٧) من طريق شَرِيكٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَفَعَهُ، أَنَّهُ
[ ١١ / ٣٥ ]
قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسَ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل شريك وهو النخعي، لكنَّ الْحَدِيْثَ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
ومنها: ما رواه الدارقطني (٣٦٤٠) نا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الْعَائِذِيُّ بِمَكَّةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْجَنَدِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ».
قُلْتُ: عمرو بن مسلم الجندي في حفظه ضعف، لكن يشهد له ما سبق.
ومنها: حديث أبي هريرة رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤)، و[الْأَوْسَطِ] (٢٩٧٤)، و[الصَّغِيْرِ] (٢٦٢) وفيه عنعنة بقية بن الوليد، وفيه الحجاج بن أرطأة كثير الخطأ والتدليس.
ومنها: مرسل الشعبي رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٩٠٤)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٧٧٤٦).
[ ١١ / ٣٦ ]
ووجه الاستدلال بذلك أن يقال: إنَّ الاستبراء في حق الأمة كالعِدة في حق الحرة، بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين.
أحدهما: أنَّ الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات، فهكذا ينبغي أن يكونَ الاعتدادُ في حقها بالحيض الذي هو أحوطُ مِنْ الطهر، فإنَّها لا تُحسب بقية الحيضة قرءًا، وتُحتسب ببقية الطهر قرءًا.
الثاني: أنَّ استبراء الأمة فرع عدة الحُرَّةِ، وهي الثابتة بنص القرآن، والاستبراء إنَّما ثبت بالسنة، فإذا كان قد احتاط له الشارعُ بأن جعله بالحيض، فاستبراء الحرة أولى، فعِدة الحرة استبراء لها، واستبراء الأمة عِدة لها.
الدليل السادس: قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ووجه الاستشهاد بهذه الآية أن يقال: إنَّ طلاق المرأة يكون قبل العدة ضرورة، إذ لا يمكن حملُ الآية على الطلاق في العِدة فإنَّ هذا مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى- في - فاسد معنى، إذ لا يُمكن إيقاعُ الطلاق في العِدة، فإنَّه سبُبها، والسببُ يتقدم الحكم، وإذا تقرر ذلك فمن قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية.
[ ١١ / ٣٧ ]
ولا ريب أنَّ القائل: افعل كذا لثلاث بَقِينَ مِنْ الشهر، إنَّما يكون المأمور ممتثلًا إذا فعله قبل مجيء الثلاث، وكذلك إذا قال: فعلته لثلاث مضين من الشهر، إنَّما يصدق إذا فعله بعد مضى الثلاث، وهو بخلاف حرف الظرف الذى هو "في" فإنَّه إذا قال: فعلته في ثلاث بقين، كان الفعل واقعًا في نفس الثلاث، وههنا نكتة حسنة، وهى أنَّهم يقولون: فعلُته لثلاث ليال خَلَوْن أو بقين من الشهر، وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر، أو في ثانية أو ثالثة، فمتى أرادوا مضى الزمان أو استقباله، أتَوْا باللام، ومتى أرادوا وقوعَ الفعل فيه، أتوا بـ"في"، وسِرُّ ذلك أنَّهم إذا أرادوا مضى زمن الفعل أو استقباله أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذى يلفظون به بما مضى، أو بما يُستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له، وهى أداة "في"، وهذا خير من قول كثير من النحاة: إنَّ اللام تكون بمعنى قبل في قولهم: كتبته لثلاث بقين، وقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وبمعنى بعد، كقولهم: لثلاث خلون. وبمعنى في: كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، والتحقيقُ أنَّ اللام على بابها
[ ١١ / ٣٨ ]
للاختصاص بالوقت المذكور، كأنَّهم جعلوا الفِعل للزمان المذكور اتساعًا لاختصاصه به، فكأنَّه له، فتأمله.
وفرق آخر: وهو أنَّك إذا أتيت باللام، لم يكن الزمانُ المذكورُ بعدَه إلَّا ماضيًا أو منتظرًا، ومتى أتيت بـ"في" لم يكن الزمان المجرور بها إلَّا مقارنًا للفعل، وإذا تقرَّر هذا مِنْ قواعد العربية، فقولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، معناه: لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَلُ بعدها إنَّما هو الحيضُ، فإنَّ الطاهر لا تستَقْبِلُ الطهر إذ هي فيه، وإنَّما تستقبلُ الحيضَ بعد حالها التي هي فيها، هذا المعروفُ لغةً وعقلًا وعُرفًا، فإنَّه لا يُقال لمن هو في عافية: هو مستقبل العافية، ولا لمن هو في أمن: هو مستقبل الأمن، ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه: هو مستقبل المغل، وإنَّما المعهودُ لغة وعُرفًا أن يستقبلَ الشيء منْ هو على حال ضِد، وهذا أظهرُ من أن نُكثَر شواهده.
إذا عرف هذا، فقَوْلُهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، يجوز أن تكون اللامُ لامَ التعليل، أي: لأجل يومِ القيامة. وقد قيل: إنَّ القِسط منصوب على أنَّه مفعول له، أي: نضعها لأجل القسط، وقد استوفى شروطَ نصبه،
[ ١١ / ٣٩ ]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فليست اللام بمعنى "في" قطعًا، بل قيل: إنَّها لام التعليل، أي: لأجل دلوك الشمس، وقيل: إنَّها بمعنى بعد، فإنَّه ليس المرادُ إقامتهَا وقتَ الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب، وإنَّما يُؤمر بالصلاة بعده، ويستحيلُ حمل آية العدة على ذلك، وهكذا يستحيلُ حملُ آية العِدة عليه، إذ يصيرُ المعنى: فَطَلِّقُوهُنَّ بَعْدَ عِدَّتِهِنَّ. فلم يبق إلَّا أن يكون المعنى: فطلقوهن لاستقبال عِدتهن، ومعلوم أنَّها إذا طلقت طاهرًا استقبلت العدةَ بالحيض. ولو كانت الأقراء الأطهار، لكانت السنة أن تطلق حائضًا لتستقبل العدة بالأطهار، فبيَّن النبيُّ ﷺ أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلَّق طاهرًا لتستقبل عدتها بعد الطلاق.
الدليل السابع: أن يقال: القروء مشتق من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد، ومنه قراءة القرآن، لأنَّ قارئه يُظهره ويُخرجه مقدارًا محدودًا لا يزيدُ ولا ينقُصُ.
وقول من قال: إنَّه مشتق من الجمع، وإنَّما يُجمع الحيض في زمن الطهر. فغير صحيح، ويدل على خطئه قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَه﴾ [القيامة: ١٧]، ففرق بين الجمع والقُرْآنِ. ولو كانا واحدًا، لكان تكريرًا محضًا، ولهذا قال ابن عباس
[ ١١ / ٤٠ ]
﵄: ﴿فإذَا قَرأْنَاهُ فاتَّبع قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، فإذا بيناه، فجعل قراءته نفس إظهاره وبيانه، لا كما زعم أبو عُبيدة أنَّ القرآن مشتق من الجمع. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقةُ سَلَى قَطُّ، وما قرأت جنينًا هو من هذا الباب، أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته، ومنه: فلان يَقرؤك السلام، ويقرأ عليك السلام، هو من الظهور والبيان، ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضة أو حيضتين، أي: حاضتهما، لأنَّ الحيض ظهورُ ما كان كامنًا، كظهور الجنين، ومنه: قروء الثريا، وقروء الريح: وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح، فإنَّهما يظهران في وقت مخصوص، وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنفون في كتب الاشتقاق، وذكره أبو عمرو وغيره، ولا ريب أن هذا المعْنَى في الحيض أظهرُ منه في الطهر.
الدليل الثامن وهو دليل نظري: فيقال: المقصودُ الأصلي مِنْ العدة إنَّما هو استبراءُ الرحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولِشرف الحرة المنكوحة وخطرها، جعل العلم الدال على براءة رحمها ثلاثة أقراء، فلو كان القرء: هو الطهر، لم تحصل بالقرء الأول دلالة، فإنَّه لو جامعها في الطهر، ثم طلقها، ثم حاضت كان ذلك قرءًا محسوبًا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أنَّ هذا لم يدل على شيء، وإنَّما الذي يَدُلُّ على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق، ولو طلقها في
[ ١١ / ٤١ ]
طهر، لم يُصبها فيه، فإنَّما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبلَ الطلاق، والعِدة لا تكونُ قبل الطلاق لأنَّها حُكمه، والحكم لا يسبِقُ سببه، فإذا كان الطهرُ الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلًا، لم يجز إدخالهُ في العِدد الدالة على براءة الرحم، وكان مثلُه كمثل شاهدٍ غيرِ مقبول، ولا يجوزُ تعليقُ الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له.
قُلْتُ: هذا بعض ما انتقيته من كلام العلامة ابن القيم ﵀ مع شيء من التصرف بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، ولولا أنَّ العلامة ابن القيم ﵀ أطال بذلك النفس لنقلت كلامه بحروفه فإنَّه مليء بالفوائد النفيسة.
١١ - قَوْلُهُ: «لِيُرَاجِعْهَا». احتج به من قال: إنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمر به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٥١): «وقَوْلُهُ: "مره فليراجعها" دليل على أنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمر به. وقد اختلف الناس في ذلك، وفصل النزاع أنَّ المأمور الأول إن كان مبلغًا محضًا كأمر النبي ﷺ آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه بأمره، فهذا أمر به من جهة الشارع قطعًا، ولا يقبل ذلك نزاعًا أصلًا، ومنه قَوْلُهُ: "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقَوْلُهُ: "مروهم بصلاة كذا في حين كذا" ونظائره، فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول
[ ١١ / ٤٢ ]
ﷺ، فإذا عصاه المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلغ محض، وإن كان الأمر متوجهًا إلى المأمور الأول توجه التكليف، والثاني غير مكلف، لم يكن أمرًا للثاني من جهة الشارع، كقوله ﷺ: "مروهم بالصلاة لسبع". فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة، فهذا فصل الخطاب في هذا الباب. والله أعلم بالصواب» اهـ.
١٢ - فيه دليل على أنَّ الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي، ويدل على ذلك من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
* * *
[ ١١ / ٤٣ ]
٣١٢ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «طَلَّقَهَا ثَلاثًا - فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ: فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ"».
وَفِي لَفْظٍ: «وَلا سُكْنَى».
«فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي".
قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَنَكَحَتْهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «واختلف في معنى قَوْلِهِ: "ولا يضع عصاه عن عاتقه"، فقيل: معناه: أنَّه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفي أخرى: "فيه شدَّة على النساء". وقيل: المراد به: أنَّه
[ ١١ / ٤٤ ]
كثير الأسفار. وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك. غير أنَّ التأويل الأول أحسن وأصحّ» اهـ.
قُلْتُ: روى مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، فَآذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو جَهْمٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ، لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ» فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ، أُسَامَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ»، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ.
وفي رواية لمسلم: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ، خَفِيفُ الْحَالِ، وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ - أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا -، وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ».
قَوْلُهَا: «طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ». أي آخر ثلاث تطليقات. والبت في اللغة القطع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٩٧): «وإنَّما سَمَّى آخر الثلاث: البتة؛ لأنَّها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبْقي منها شيئًا» اهـ.
وقَوْلُهُ: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». أي: أعلميني.
[ ١١ / ٤٥ ]
وَقَوْلُهُ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ» العاتق ما بين العنق والمنكب.
وَقَوْلُهَا: «وَاغْتَبَطْتُ بِهِ». الغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه وليس هو بحسد.
تَنْبِيْهٌ: هذا الحديث انفرد بإخراجه مسلم (١٤٨٠)، ولم يخرجه البخاري.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز العمل بالوكالة. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
٢ - وفيه أنَّ المتعة تكون للمطلقة ثلاثًا.
قُلْتُ: والصحيح من أقوال العلماء أنَّ المتعة تجب لجميع المطلقات، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].
وقد دل القرآن على المتعة للمطلقة قبل المسيس، وقبل أن يُفرض لها مهرٌ، كما قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
[ ١١ / ٤٦ ]
وهكذا إن فرض لها فريضة فلها المتعة لعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وإن كانت المطلقة مدخول بها فلها المتعة كما يدل على ذلك قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٦٤١ - ٦٤٢):
«وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنَّما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:
أحدها: أنَّه تجب المتعة لكل مطلقة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. وقد كنَّ مفروضًا لهنَّ ومدخولًا بهنَّ، وهذا قول سعيد بن جُبير، وأبي العالية، والحسن البصري. وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، فالله أعلم.
[ ١١ / ٤٧ ]
والقول الثاني: أنَّها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.
وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد، وأبي أسَيد أنَّهما قالا تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنَّما كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازِقِيَّين.
والقول الثالث: أنَّ المتعة إنَّما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنَّما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها. وهذا قول ابن عمر، ومجاهد. ومن العلماء: من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول: وهذا
[ ١١ / ٤٨ ]
ليس بمنكور وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
ومن العلماء من يقول: إنَّها مستحبة مطلقًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني ابن أبي قيس -عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة، أيحبس فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣): «وروي عن أحمد: لكل مطلقة متاع. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبي ثور؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
ولقوله تعالى لنبيه: ﵇: ﴿قُلْ لأزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وعلى هذه الرواية، لكل مطلقة متاع، سواء كانت مفوضة أو مسمى لها، مدخولًا بها أو غيرها؛ لما ذكرنا.
وظاهر المذهب أنَّ المتعة لا تجب إلَّا لِلْمُفَوَّضَةِ التي لم يدخل بها إذا طلقت.
[ ١١ / ٤٩ ]
قال أبو بكر: كل من روى عن أبي عبد الله فيما أعلم، روى عنه أنَّه لا يحكم بالمتعة إلَّا لمن لم يسم لها مهر، إلَّا حنبلًا، فإنَّه روى عن أحمد أنَّ لكل مطلقة متاعًا.
قال أبو بكر: والعمل عليه عندي لولا تواتر الروايات عنه بخلافها.
ولنا: قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم حكمًا، فيدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه، وهذا يخص ما ذكروه.
ويحتمل أن يحمل الأمر بالمتاع في غير المفوضة على الاستحباب؛ لدلالة الآيتين اللتين ذكرناهما على نفي وجوبها، جمعًا بين دلالة الآيات والمعنى، فإنَّه عوض واجب في عقد، فإذا سمي فيه عوض صحيح، لم يجب غيره، كسائر عقود المعاوضة، ولأنَّها لا تجب لها المتعة قبل الفرقة، ولا ما يقوم مقامها، فلم تجب لها عند الفرقة، كالمتوفى عنها زوجها» اهـ.
[ ١١ / ٥٠ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّسَفِيُّ ﵀ فِي [طَلِبَةِ الطَّلَبَةِ] (ص: ١٢٥):
«الْمُفَوِّضَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ وَالْمُفَوَّضَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ فَبِالْكَسْرِ نَعْتُ الْفَاعِلَةِ وَبِالْفَتْحِ نَعْتُ الْمَفْعُولَةِ وَالتَّفْوِيضُ هُوَ التَّسْلِيمُ وَهُوَ تَرْكُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُضَايَقَةِ وَيُرَادُ بِهِ تَفْوِيضُ أَمْرِ الْمَهْرِ إلَى الزَّوْجِ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ فِي تَقْدِيرِهِ» اهـ.
قُلْتُ: واختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ أنَّ المتعة لكل مطلقة فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٧ - ٢٨):
«فالقول الثالث أصح؛ وهو الرواية الأخرى عن أحمد: أنَّ كل مطلقة لها متعة؛ كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه حيث قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وأيضًا: فإنَّه قد قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس ولم يخص ذلك بمن لم يفرض لها مع أنَّ غالب النساء يطلقن بعد الفرض.
[ ١١ / ٥١ ]
وأيضًا: فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق فسبب المهر هو العقد. فالمفوضة التي لم يسم لها مهرًا يجب لها مهر المثل بالعقد ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل عليه حديث بروع بنت واشق التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهر وقضى لها النبي ﷺ بأنَّ لها مهر امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط. لكن هذه لو طلقت قبل المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن؛ لكونها لم تشترط مهرًا مسمى والكسر الذي حصل لها بالطلاق انجبر بالمتعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر ﵀ قبل ذلك قولين:
الأول: أنَّ المتعة تكون لكل مطلقة إلَّا لمن طلقت بعد الفرض وقبل الدخول والمسيس فحسبها ما فرض لها، وهو مذهب ابن عمر ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه.
والآخر: أنَّ المتعة لا تجب إلَّا لمن طلقت قبل الفرض والدخول ويجعلون المتعة عوضًا عن نصف الصداق ويقولون: كل مطلقة فإنَّها تأخذ صداقًا؛ إلاَّ هذه، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى وأبي حنيفة وغيرهما.
[ ١١ / ٥٢ ]
قُلْتُ: والذي يظهر لي رجحانه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لعموم الأدلة.
وقد ندب الله تعالى إلى العفو في حق من طلقت بعد الفريضة وقبل المسيس فقال الله تعالى:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقد اختلف العلماء في الذي بيده عقدة النكاح فقيل الزوج كما هو مذهب علي بن أبي طالب وجماعة من التابعين ومن جاء بعدهم، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وقيل هو الولي كمذهب ابن عباس وجماعة من التابعين ومن جاء بعدهم، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله تعالى.
والأظهر أنَّه الولي ويدل على ذلك عدة أوجه:
[ ١١ / ٥٣ ]
الأول: أنَّ الله تعالى ذكر في أول الآية الأزواج وفرض عليهم دفع النصف من المفروض ثم ذكر الزوجات ثم عطف عليهن من بيده عقدة النكاح، وظاهر ذلك أنَّهم غير من سبق.
الثاني: أنَّ الله تعالى ذكر الزوج بلفظ الخطاب، وذكر الذي بيده عقدة النكاح بلفظ الغيبة، ولو كان المراد به الزوج لذكره بلفظ الخطاب ولقال: "أو تعفون" فدلَّ ذلك أنَّ المراد به الولي.
الثالث: أنَّ عقدة النكاح هي عقد النكاح وهو ابتداء فعله كما تدل على ذلك الآية قبلها وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. والقرآن يفسر بالقرآن، والذي بيده عقد النكاح هو الولي وليس الزوج، فالزوج ليس بيده عقد النكاح لمن أراد الزواج بها، فإن قيل له عقدة النكاح لنفسه قيل: هذا بعيد عن معنى الآية غاية البعد وأشبه ما يكون بالألغاز لا بتفسير القرآن، ثم يقال: المراد بقَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أي عقدة نكاحهن والتعريف في النكاح بدل من الضمير كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] أي مأواهم، وإن قيل: المراد أنَّ له أن يبقي النكاح
[ ١١ / ٥٤ ]
أو يفكه، فالجواب أنَّ العقدة بمعنى العقد ولا يفهم من ذلك إلَّا ابتداء النكاح دون إبقائه، وأيضًا يرد ذلك ما سيأتي في الوجه الذي بعده.
الرابع: أنَّ الله تعالى ذكر الذي بيده عقدة النكاح بعد تقدم الطلاق من الزوج، ولا يمكن أن يراد به الزوج فإنَّه بطلاقه زال عنه النكاح فلم يبق معه عقدة النكاح. وأمَّا الولي فعقد النكاح ما زال في يده.
الخامس: أنَّ الله تعالى ذكر ما يتعلق بعفو الزوجة في أول الآية في قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وذكر عفو الزوج في آخر الآية في قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وذكر ذلك بلفظ الخطاب، فبقى عفو من بيده عقدة النكاح فهو نوع ثالث ذكره بلفظ الغيبة ولا يكون إلَّا الولي.
السادس: أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ومعلوم أنَّه ليس كل زوجة يصح عفوها، فالزوجة قد تكون كبيرة راشدة يصح عفوها، وقد تكون صغيرة أو محجور عليها ولا يصح عفوها، فالعفو من الكبيرة الرشيدة يكون من جهتها، فبقت الصغيرة والمحجور عليها فإنَّه لا يصح منهما العفو وإنَّما من يكون وليها وهو الأب، ولهذا ذكر بعد ذلك عفو من بيده عقدة النكاح لبيان هذا الأمر وتقريره، والله أعلم، وبهذا تكون الآية جامعة مانعة، ولو فسرنا أنَّ بيده عقدة
[ ١١ / ٥٥ ]
النكاح بالزوج لم تكن الآية جامعة لكل ما يحتاج إلى معرفته من أمر العفو في نصف المهر، ويبقى الأشكال فيها وارد في شأن الصغيرة والمحجور عليها هل لهما العفو أو لا.
وبناء على ذلك فيكون معنى الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إن كنَّ أهلًا للعفو، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إذا لم يكنَّ أهلًا للعفو.
السابع: أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فذكر عفو الزوجة وعفو الذي بيده عقدة النكاح والأصل أن يكون العفوان بمعنى واحد، فعفو الزوجة عفو إسقاط، وعفو الذي بيده عقدة النكاح عفو إسقاط فالزوجة تعفو بإسقاط نصف مهرها إن كانت أهلًا للعفو، والذي بيده عقدة النكاح يعفو بإسقاط نصف المهر إن لم تكن الزوجة أهلًا للعفو، ولو تأولنا الذي بيده عقدة النكاح بالزوج فإنَّ عفوه إفضال وليس بإسقاط.
الثامن: أنَّ في أول الآية ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، أي فنصف ما فرضتم واجب عليكم أن تؤدوه لمن طلقتموهنَّ ثم استثنى من هذا الوجوب ما إذا عفت المرأة أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، والمعنى إذا عفوتم عن نصف المهر أو عفا عنه الولي فقد سقط الوجوب
[ ١١ / ٥٦ ]
عن الزوج بإعطائه، وأمَّا إذا فسرنا الذي بيده عقدة النكاح على الزوج فإنَّ معنى الاستثناء لا يستقيم إلَّا بكلفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ١١٤):
«قُلْتُ: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ المطلقة البائن ليس لها نفقة ولا سكنى.
وذهب إلى هذا القول من الأئمة الأربعة الإمام أحمد، ومن الصحابة ابن عباس، وجابر، وفاطمة بنت قيس راوية الحديث، وذهب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أنَّه لها السكنى والنفقة وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب الإمام مالك والشافعي إلى أنَّ لها السكنى دون النفقة.
والصحيح أنَّه ليس لها نفقة ولا سكنى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٣٢ - ٣٣): «ولهذا لما رأى عمر ﵁ أنَّ المبتوتة لها السكنى والنفقة فظن أنَّ القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة فمنهم من قال: لها السكنى فقط. ومنهم من قال: لا نفقة لها ولا سكنى. وكان من هؤلاء ابن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس
[ ١١ / ٥٧ ]
وهي التي روت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ليس لك نفقة ولا سكنى" فلما احتجوا عليها بحجة عمر وهي قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، قالت هي وغيرها من الصحابة - كابن عباس وجابر وغيرهما -: هذا في الرجعية لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فأي أمر يحدث بعد الثلاث وفقهاء الحديث كأحمد ابن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس» اهـ.
وقد حرَّر هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ تحريرًا نفيسًا فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٢٦ - ٥٤٢) فقال: «ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النَسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللهَ رَبّكُم لا تُخْرِجُوهنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيَّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَم نفْسَهُ لا تدْرِي لعلَ الله يُحْدِثُ بعْد ذلِكَ أَمْرًا * فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أَوْ فَارقُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ وأَشهِدوا ذوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمُ وَأَقِيمُوا الشّهَادَةَ للّهِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿قدْ جعل اللهُ لِكُلّ شيءَ قَدْرًا﴾.
[ ١١ / ٥٨ ]
فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجلِ الإِمساكُ والتسريحُ بأن لا يُخرجوا أزواجهم مِنْ بيوتهم، وأمر أزواجَهنَّ أن لا يَخْرُجْنَّ، فدلَّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكُها بعدَ الطلاق، فإنَّه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة لا ينفكُّ بعضُها عن بعض.
أحدها: أنَّ الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن.
والثاني: أنَّهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن.
والثالث: أنَّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيسرحوهن بإحسان.
والرابع: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهاد على الرجعة إمَّا وجوبًا، وإمَّا استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنَّه في الرجعيات خاصة بقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا: هو المراجعة. هكذا قال السلف ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأودي، عن الشعبي: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعلك تندم، فيكون لك سبيل إلى الرجعة، وقال الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ قال: لعله أن يراجعها في العدة، وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدم قول
[ ١١ / ٥٩ ]
فاطمة بنت قيس: أي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فهذا يدل على أنَّ الطلاق المذكور: هو الرجعي الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأنَّ حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشر الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: لو أنَّ الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما تتبع رجل نفسه امرأة يطلقها أبدًا.
ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات، فقال: ﴿أَسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتم منْ وُجْدِكُم﴾ فالضمائر كلها يتحد مفسرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول النبي ﷺ: "إنَّما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة"، مشتقًا من كتاب الله ﷿، ومفسرًا له، وبيانًا لمراد المتكلم به منه، فقد تبين اتحاد قضاء رسول الله ﷺ، وكتاب الله ﷿، والميزان العادل معهما أيضًا لا يخالفهما، فإنَّ النفقة إنَّما تكون للزوجة، فإذا بانت منه، صارت أجنبية حكمها حكم سائر الأجنبيات، ولم يبق إلَّا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة أو زنى، ولأنَّ النفقة إنَّما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأنَّ النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدتها، لوجبت للمتوفى عنها من
[ ١١ / ٦٠ ]
ماله، ولا فرق بينهما البتة، فإن كل واحد منهما قد بانت عنه، وهي معتدة منه، قد تعذر منهما الاستمتاع، ولأنَّها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها. فأمَّا أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنص والقياس يدفعه، وهذا قول عبد الله بن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة وكانت فاطمة تناظر عليه، وبه يقول أحمد بن حنبل وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود بن علي وأصحابه، وسائر أهل الحديث.
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: هذا. والثاني: أنَّ لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وفقهاء الكوفة. والثالث: أنَّ لها السكنى دون النفقة، وهذا مذهب أهل المدينة، وبه يقول مالك والشافعي.
ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديمًا وحديثًا:
فأولها طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فروى مسلم في "صحيحه": عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أنَّ رسول
[ ١١ / ٦١ ]
الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا! لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ لها السكنى والنفقة قال الله ﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَةٍ﴾ قالوا: فهذا عمر يخبر أنَّ سنة رسول الله ﷺ أنَّ لها النفقة والسكنى، ولا ريب أنَّ هذا مرفوع، فإنَّ الصحابي إذا قال: من السنة كذا، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال: من سنة رسول الله ﷺ فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر ﵁، ورواية فاطمة، فرواية عمر ﵁ أولى لا سيما ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة.
ذكر طعن عائشة ﵂ في خبر فاطمة بنت قيس.
في "الصحيحين": من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك
[ ١١ / ٦٢ ]
عليهم عروة، فقالوا: إنَّ فاطمة قد خرجت، قال عروة: فأتيت عائشة ﵂، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة، اتق الله وارددها إلى بيتها. قال مروان: إنَّ عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال القاسم بن محمد: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرك ألَّا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك شر، فحسبك ما بين هذين من الشر.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شر كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر.
وفي "الصحيحين": عن عروة، أنَّه قال لعائشة ﵂: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت، فقالت: بئس ما صنعت، فقُلْتُ: ألم تسمعي إلى قول فاطمة، فقالت: أما إنَّه لا خير لها في ذكر ذلك.
وفي حديث القاسم، عن عائشة ﵂ يعني: في قَوْلِهَا: لا سكنى لها ولا نفقة. وفي "صحيح البخاري": عن عائشة ﵂ أنَّها قالت لفاطمة: ألَّا تتقي الله، تعني في قَوْلِهَا: لا سكنى لها ولا نفقة. وفي "صحيحه" أيضًا: عنها
[ ١١ / ٦٣ ]
قالت: إنَّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ لها.
وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أنَّ عائشة ﵂ أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني: "انتقال المطلقة ثلاثًا".
وذكر القاضي إسماعيل حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، عن هارون عن محمد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم، أنَّ عائشة ﵂ قالت لفاطمة بنت قيس: إنَّما أخرجك هذا اللسان.
ذكر طعن أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه على حديث فاطمة.
روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد، حدثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئًا من ذلك يعنى انتقالها في عدتها رماها بما في يده.
ذكر طعن مروان على حديث فاطمة.
[ ١١ / ٦٤ ]
روى مسلم في "صحيحه": من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا: أنَّه حدث به مروان، فقال مروان، لم نسمع هذا إلَّا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.
ذكر طعن سعيد بن المسيب.
روى أبو داود في "سننه": من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقُلْتُ: فاطمة بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس إنَّها كانت امرأة لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى.
ذكر طعن سليمان بن يسار.
روى أبو داود في "سننه" أيضًا، قال في خروج فاطمة: إنَّما كان من سوء الخلق.
ذكر طعن الأسود بن يزيد.
تقدم حديث مسلم: أنَّ الشعبي حدث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفًا من حصباء فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟! وقال النسائي: ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنَّهما سمعاه من رسول الله ﷺ، وإلَّا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.
[ ١١ / ٦٥ ]
ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أنَّه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إنَّ عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي ﷺ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" ذكره أبو محمد في "المحلى"، فهذا نص صريح يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة رواته، وترك إنكار الصحابة عليه وموافقته لكتاب الله.
ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها.
وحاصلها أربعة:
أحدها: أنَّ راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها.
الثاني: أنَّ روايتها تضمنت مخالفة القرآن.
[ ١١ / ٦٦ ]
الثالث: أنَّ خروجها من المنزل لم يكن لأنَّه لا حق لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته، هذا مع أنَّ في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبه عليه، وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك.
فأمَّا المطعن الأول: وهو كون الراوي امرأة، فمطعن باطل بلا شك، والعلماء قاطبة على خلافه، والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له، فإنَّهم لا يختلفون في أنَّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلَّا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين، وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها وليست فاطمة بدونها علمًا وجلالة وثقة وأمانة، بل هي أفقه منها بلا شك، فإنَّ فريعة لا تعرف إلَّا في هذا الخبر وأمَّا شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب
[ ١١ / ٦٧ ]
الله، ومناظرتها على ذلك، فأمر مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره، وقد كان الصحابة ﵃ يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي ﷺ شيئًا، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنَّما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهنَّ أزواج رسول الله ﷺ، وإلَّا فهي من المهاجرات الأول، وقد رضيها رسول الله ﷺ لحبه وابن حبه أسامة بن زيد، وكان الذي خطبها له. وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله ﷺ على المنبر، فوعته فاطمة وحفظته، وأدته كما سمعته، ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته، فكيف بقصة جرت لها وهي سببها، وخاصمت فيها، وحكم فيها بكلمتين: وهى لا نفقة ولا سكنى، والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره، واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب، وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله ﷺ لهما بالتيمم من الجنابة، فلم يذكره عمر ﵁، وأقام على أنَّ الجنب لا يصلي حتى يجد الماء.
[ ١١ / ٦٨ ]
ونسي قوله تعالى: ﴿وإِنْ أَرَدْتُم استِبْدَالَ زَوجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَآْتيتُم إحْدَاهن قِنْطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئا﴾. حتى ذكرته به امرأة، فرجع إلى قولها، ونسي قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ ميِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيّتونَ﴾ حتى ذكر به، فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته، سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته، بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو ردت السنن بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلَّا اليسير، ثم كيف يعارض خبر فاطمة، ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصابًا، وعمر ﵁ أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتًا منه ﵁ حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله ﷺ، وإلَّا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي، وقبل لعائشة ﵂ عدة أخبار تفردت بها، وبالجملة، فلا يقول أحد: إنَّه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة.
[ ١١ / ٦٩ ]
فصل: وأمَّا المطعن الثاني: وهو أنَّ روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصل:
أمَّا المجمل: فنقول: لو كانت مخالفة كما ذكرتم، لكانت مخالفة لعمومه، فتكون تخصيصًا للعام، فحكمها حكم تخصيص قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُم اللهُ في أَوْلَادِكُم﴾، بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قَوْلِهِ:
﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُم﴾ بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ونظائره، فإنَّ القرآن لم يخص البائن بأنَّها لا تخرج ولا تخرج، وبأنَّها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إمَّا أن يعمها ويعم الرجعية، وإمَّا أن يخص الرجعية.
فإن عمَّ النوعين، فالحديث مخصص لعمومه، وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق الذي من تدبره وتأمله قطع بأنَّه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله، بل موافق له، ولو ذُكِّرَ أميرُ المؤمنين ﵁ بذلك، لكان أول راجع إليه، فإنَّ الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه، وكثيرًا ما يذهل عن دخول الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها، فهذا كثير جدًا، والتفطن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من
[ ١١ / ٧٠ ]
ذلك بالمنزلة التي لا تجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أنَّ النسيان والذهول عرضة للإنسان، وإنَّما الفاضل العالم من إذا ذُّكِّرَ ذَكَرَ ورجع.
فحديث فاطمة ﵂ مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرج عن واحد منها:
إمَّا: أن يكون تخصيصًا لعامه.
الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه.
الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به وموافقًا لما أرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافق له لا مخالف، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذ الله أن يحكم رسول الله ﷺ بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ هذا من قول عمر ﵁، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثًا، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أَمْرًا﴾ وأي أمر يحدث بعد الثلاث، وقد تقدم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فإِذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ﴾، يشهد بأنَّ الآيات كلها في الرجعيات.
[ ١١ / ٧١ ]
فصل: وأما المطعن الثالث: وهو أنَّ خروجها لم يكن إلَّا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل وأسمجه، فإنَّ المرأة من خيار الصحابة ﵃ وفضلائهم، ومن المهاجرات الأول، وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على فحش يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبًا! كيف لم ينكر عليها النبي ﷺ هذا الفحش؟ ويقول لها: اتقي الله، وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقري في مسكنك؟ وكيف يعدل عن هذا إلى قَوْلِهِ: "لا نفقة لك ولا سكنى"، إلى قَوْلِهِ: "إنَّما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة؟! " فيا عجبًا! كيف يترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي ﷺ، ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله ﷺ البتة ولا أشار إليه، ولا نبه عليه؟ هذا من المحال البين. ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها الله من ذلك، لقال لها النبي ﷺ، وسمعت وأطاعت: كفي لسانك حتى تنقضي عدتك، وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه.
فصل: وأمَّا المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر ﵁، فهذه المعارضة تورد من وجهين:
[ ١١ / ٧٢ ]
أحدهما: قَوْلُهُ: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا"، وأنَّ هذا من حكم المرفوع.
الثاني: قَوْلُهُ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة". ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبدًا.
قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطني: بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمام بسنة رسول الله ﷺ يشهد شهادة الله أنَّه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول الله ﷺ أنَّ للمطلقة ثلاثًا، السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرص في تبليغ سنن رسول الله ﷺ في أن تكون هذه السنة عنده، ثم لا يرويها أصلًا، ولا تبينهًا ولا يبلغها عن رسول الله ﷺ.
وأمَّا حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر ﵁، رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة"، فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنَّ هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ، وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه
[ ١١ / ٧٣ ]
وسلم الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عند عمر ﵁ عن النبي ﷺ، لخرست فاطمة وذووها، ولم ينبسوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قدر؟ وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لا نقطع نخاعه، فإنَّ إبراهيم لم يولد إلَّا بعد موت عمر ﵁ بسنين، فإن كان مخبرٌ أخبر به إبراهيم عن عمر ﵁، وحسنَّا به الظن، كان قد روى له قول عمر ﵁ بالمعنى، وظن أنَّ رسول الله ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة، حتى قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا ويكون مغفلًا، ليس تحمل الحديث وحفظه وروايته من شأنه، وبالله التوفيق.
وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنَّما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في
[ ١١ / ٧٤ ]
رسول الله ﷺ أسوة حسنة، مع أنَّها أحرم الناس عليه ليس لها عليه رجعة، ولا بينهما ميراث. انتهى.
ولا يعلم أحد من الفقهاء ﵏ إلَّا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعي. وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلًا، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث، لأنَّ في بعض، ألفاظه: فطلقني ثلاثًا، وقد بينا أنَّه إنَّما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على، جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول، واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه، أو يعامله، أو تسافر معه، وأنَّ ذلك ليس بغيبة، واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي، واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنَّه لا يشترط حضوره ومواجهته به، واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعملت بها، فما بال روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتقبل
[ ١١ / ٧٥ ]
فيما عداه؟! فإن كانت حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق.
فإن قيل: بقي عليكم شيء واحد، وهو أنَّ قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِنْ وُجْدِكُم﴾، إنَّما هو في البوائن لا في الرجعيات، بدليل قوله عقيبه: ﴿وَلَا تُضارُوهُنَ لِتُضَيِّقوا عَلَيْهِن وَإِنْ كُنْ أولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَى يَضَعْنَ حَملَهُنَ﴾، فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعية، لما قيد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنَّها تستحقها حائلًا كانت أو حاملًا، والظاهر: أنَّ الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو، والضمير في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَ أولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ﴾، واحد.
فالجواب: أنَّ مورد هذا السؤال إمَّا أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه، لأنَّه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهنَّ حوامل، والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدل على أنَّ البائن الحائل لا نفقة لها.
فإن قيل: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
[ ١١ / ٧٦ ]
قيل: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه، لم يكن شرطًا.
وإن كان فمن يوجب السكنى وحدها فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخص الرجعية قطعًا، كقَوْلِهِ: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهنَّ بمَعْروفٍ﴾، ونوع يحتمل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعية، وأن يكون لهما، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حيثُ سكنتُمْ مِنْ وجْدِكُم﴾ فحمله على الرجعية هو المتعين لتتحد الضمائر ومفسرها، فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى.
فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص، نفقة الرجعية بكونها حاملًا؟
قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنَّه، لا نفقة للرجعية الحائل، بل الرجعية نوعان، قد بين الله حكمهما في كتابه: حائل، فلها النفقة بعقد الزوجية، إذ حكمها حكم الأزواج، أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإنَّ الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت، صارت نفقتها على من
[ ١١ / ٧٧ ]
تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنَّه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل، كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه» اهـ.
٤ - احتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٤٠): «وقد احتج به بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنَّه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهمْ …﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهنَّ﴾ ولأنَّ الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به، ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أنَّها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي ﷺ: "احتجبا منه" فقالتا: إنَّه أعمى لا يبصر فقال النبي ﷺ: "أفعمياوان أنتما فليس
[ ١١ / ٧٨ ]
تبصرانه؟ ". وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
وأمَّا حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم، فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنَّها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك» اهـ.
قُلْتُ: حديث نبهان رواه أحمد (٢٦٥٧٩)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) من طريق ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَبْهَانُ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا، وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ».
قُلْتُ: والصحيح أنَّ هذا الحديث لا يثبت لجهالة حال نبهان، وليس يكفي ذكر ابن حبان له في كتابه "الثقات" فقد أورد فيه كثيرًا من المجاهيل.
٥ - وفيه جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول.
[ ١١ / ٧٩ ]
٦ - وفيه جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه، أو يعامله، أو تسافر معه، وأنَّ ذلك ليس بغيبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «وفيه ما يدلُّ على أنَّ ذكر مساوئ الخاطب، أو من يعامل، أو من يحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز. ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة الإخبار، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الكفاءة بالنسب غير معتبرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «فيه ما يدل على جواز نكاح المولى للقرشية؛ فإنَّ أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإنَّ الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٣٢): «واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور، وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا، والعرب كذلك وليس أحد من العرب كفأ لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفأ للعرب، وهو وجه للشافعية، والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم ومن عدا
[ ١١ / ٨٠ ]
هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فأرد به النكاح وإنَّما هو تقصير بالمرأة والأولياء فإذا رضوا صح ويكون حقًا لهم تركوه فلو رضوا إلَّا واحدًا فله فسخه وذكر أنَّ المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفء انتهى.
ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأمَّا ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: "العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض" فإسناده ضعيف، واحتج البيهقي بحديث وائلة مرفوعًا "أنَّ الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل" الحديث وهو صحيح أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضم بعضهم إليه حديث: "قدموا قريشًا ولا تقدموها" ونقل ابن المنذر عن البويطي أنَّ الشافعي قال: الكفاءة في الدين. وهو كذلك في "مختصر البويطي"، قال الرافعي: وهو خلاف مشهور، ونقل الأبزي عن الربيع أنَّ رجلًا سأل الشافعي عنه فقال: أنا عربي لا تسألني عن هذا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ العبرة بالكفاءة هو الدين فقط، والكفاءة بالدين مجمع على اعتبارها من حيث الجملة فلا يجوز تزويج المسلمة من الكافر.
[ ١١ / ٨١ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢٨ - ٢٩): «وما ذكره كثير من العلماء من أنَّ غير العرب ليسوا أكفاء للعرب في النكاح فهذه مسألة نزاع بين العلماء فمنهم من لا يرى الكفاءة إلَّا في الدين ومن رآها في النسب أيضًا فإنَّه يحتج بقول عمر: لأمنعنَّ ذوات الأحساب إلَّا من الأكفاء؛ لأنَّ النكاح مقصوده حسن الألفة فإذا كانت المرأة أعلى منصبًا اشتغلت عن الرجل فلا يتم به المقصود. وهذه حجة من جعل ذلك حقًا لله حتى أبطل النكاح إذا زوجت المرأة بمن لا يكافئها في الدين أو المنصب.
ومن جعلها حقًا لآدمي قال: إنَّ في ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها والأمر إليهم في ذلك. ثم هؤلاء لا يخصون الكفاءة بالنسب بل يقولون: هي من الصفات التي تتفاضل بها النفوس كالصناعة واليسار والحرية وغير ذلك وهذه مسائل اجتهادية ترد إلى الله والرسول؛ فإن جاء عن الله ورسوله ما يوافق أحد القولين فما جاء عن الله لا يختلف وإلَّا فلا يكون قول أحد حجة على الله ورسوله. وليس عن النبي ﷺ نص صحيح صريح في هذه الأمور بل قد قال ﷺ: "إنَّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان: مؤمن تقي؛ وفاجر شقي" وفي صحيح مسلم عنه
[ ١١ / ٨٢ ]
ﷺ أنَّه قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب؛ والطعن في الأنساب؛ والنياحة؛ والاستسقاء بالنجوم"» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن منده في [الْفَوَائِدِ] (٨٥) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «لأَمْنَعَنَّ ذَوَاتَ الأَحْسَابِ، فَزَوِّجُهُنَّ إِلَّا مِنَ الأَكْفَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين إبراهيم بن محمد بن طلحة وعمر بن الخطاب ﵁.
لكن روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٨٣، ١٠٣٢٩)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٥٣)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (١/ ١٨٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٣٩) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا - أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ - مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا: تَقَدَّمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّا لَا نَؤُمُّكُمْ، وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ هَدَانَا بِكُمْ». قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ سَلْمَانُ: «مَا لَنَا وَلِلْمَرْبَعَةِ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِينَا نِصْفُ الْمَرْبَعَةِ، وَنَحْنُ إِلَى الرُّخْصَةِ أَحْوَجُ».
[ ١١ / ٨٣ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٥٩٣) قَالَ: نا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ به.
وروى ابن الجعد في [مُسْنَدِه] (٤٤٢)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٥٩٤) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: «لَا نَؤُمُّكُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ. يَعْنِي الْعَرَبَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ١٨٠ - ١٨١):
«وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ سُفْيانُ، وإسرائيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الكِنْدي، عَنْ سَلْمان؛ قَالَ: لا نَؤُمُّكُمْ، ولا نَنكِحُ نساءَكُمْ.
قلتُ: وَرَوَاهُ شُعْبة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَوْس بْنِ ضَمْعَج، عَنْ سَلْمان.
قلتُ: أيُّهما الصَّحيحُ؟.
فَقَالا: سُفْيانُ أحفَظُ من شُعْبة، وحديثُ الثوريُّ أصَحُّ» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْاقْتِضَاءِ] (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦):
[ ١١ / ٨٤ ]
«وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها.
واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢٦ - ٢٧):
«وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ بِالنَّسَبِ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا" فَقَدَّمَهُ ﷺ بِالْفَضِيلَةِ الْعِلْمِيَّةِ ثُمَّ بِالْفَضِيلَةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَدَّمَ الْعَالِمَ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْعَالِمِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِاخْتِيَارِهِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِسِنِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فَرَتَّبَ الْأَئِمَّةَ كَمَا رَتَّبَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَمْ
[ ١١ / ٨٥ ]
يُرَجِّحُوا بِالنَّسَبِ وَلَكِنْ رَجَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد؛ كالخرقي وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: إنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَلَّا نَؤُمَّكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ وَلَا نَنْكِحَ نِسَاءَكُمْ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّمَا قَالَ سَلْمَانُ هَذَا تَقْدِيمًا مِنْهُ لِلْعَرَبِ عَلَى الْفُرْسِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ: حَقُّك عَلَيَّ كَذَا وَلَيْسَ قَوْلُ سَلْمَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَلْزَمُ جَمِيعَ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ مَنْ تَأَسَّى مِنْ الْفُرْسِ بِسَلْمَانَ فَلَهُ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ فَإِنَّ سَلْمَانَ سَابِقُ الْفُرْسِ. وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يَقُولُ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ذَكَرَتْ عَنْهُ رِوَايَتَانِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ اعْتِبَارَ النَّسَبِ مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ» اهـ.
والحديث الأول الذي أورده شيخ الإسلام رواه أحمد (٨٧٢١، ١٠٧٩١)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٦) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ
[ ١١ / ٨٦ ]
شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ».
قُلْتُ: هشام بن سعد مختلف فيه، لكن قال فيه أبو زرعة. وهشام أحب إلى من محمد بن إسحاق، فالذي يظهر لي حسن حديثه. والله أعلم.
والحديث الآخر رواه مسلم (٩٣٤) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٥٨ - ١٦١): «فصل: في حكمه ﷺ في الكفاءة في النكاح.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، وقال: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
[ ١١ / ٨٧ ]
وقال ﷺ: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض، إلَّا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب".
وقال ﷺ: "إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنَّ أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا". وفي الترمذي: عنه ﷺ: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلَّا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه"، ثلاث مرات.
وقال النبي ﷺ لبنى بياضة: "أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه". وكان حجامًا.
وزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية. من أسامة ابنه، وتزوج بلال ابن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِين والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، وقد قال تعالى: ﴿فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
[ ١١ / ٨٨ ]
فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا، وكمالًا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنَّه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعة، ولا غنى ولا حرية، فجوز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات.
وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة:
فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنَّها الدين، وفي رواية عنه: إنَّها ثلاثة: الدين، والحرية، والسلامة من العيوب.
وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين.
وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين والنسب خاصة.
وفي رواية أخرى: هي خمسة: الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، والمال. وإذا اعتبر فيها النسب، فعنه فيه روايتان:
إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعض أكفاء.
الثانية: أنَّ قريشًا لا يكافئهم إلَّا قرشي، وبنو هاشم لا يكافئهم إلَّا هاشمي.
[ ١١ / ٨٩ ]
وقال أصحاب الشافعي: يعتبر فيها الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، والسلامة من العيوب المنفرة.
ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي.
فالعجمي ليس عندهم كفئًا للعربي، ولا غير القرشي للقرشية، ولا غير الهاشمي للهاشمية، ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين كفئًا لمن ليس منتسبًا إليهما، ولا العبد كفئًا للحرة، ولا العتيق كفئًا لحرة الأصل، ولا من مس الرق أحد آبائه كفئًا لمن لم يمسها رق، ولا أحدًا من آبائها، وفي تأثير رق الأمهات وجهان، ولا من به عيب مثبت للفسخ كفئًا للسليمة منه، فإن لم يثبت الفسخ وكان منفرًا كالعمى والقطع، وتشويه الخلقة، فوجهان. واختار الروياني أنَّ صاحبه ليس بكفء، ولا الحجام والحائك والحارس كفئًا لبنت التاجر والخياط ونحوهما، ولا المحترف لبنت العالم، ولا الفاسق كفئًا للعفيفة، ولا المبتدع للسنية.
ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق المرأة والأولياء.
[ ١١ / ٩٠ ]
ثم اختلفوا، فقال أصحاب الشافعي: هي لمن له ولاية في الحال. وقال أحمد في رواية: حق لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدهم، فمن لم يرض منهم، فله الفسخ وقال أحمد في رواية ثالثة: إنَّها حق الله، فلا يصح رضاهم بإسقاطه، ولكن على هذه الرواية لا تعتبر الحرية ولا اليسار، ولا الصناعة ولا النسب، إنَّما يعتبر الدين فقط، فإنَّه لم يقل أحمد، ولا أحد من العلماء: إنَّ نكاح الفقير للموسرة باطل وإن رضيت، ولا يقول هو ولا أحد: إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمي، والقرشية لغير القرشي باطل، وإنَّما نبهنا على هذا لأنَّ كثيرًا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة، هل هي حق لله أو للآدمي؟ ويطلقون مع قولهم: إنَّ الكفاءة هي الخصال المذكورة، وفى هذا من التساهل وعدم التحقيق ما فيه» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الأول الذي أورده العلامة ابن القيم ﵀ رواه أحمد (٢٣٥٣٦) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١١ / ٩١ ]
والحديث الثاني رواه مسلم (٢١٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلَانًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».
والحديث الثالث رواه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجة (١٩٦٧) من طريق عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ ابْنِ وَثِيمَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُعَلٌ.
قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ -بعد روايته للحديث-: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ خُولِفَ عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَشْبَهُ وَلَمْ يَعُدَّ حَدِيثَ عَبْدِ الحَمِيدِ مَحْفُوظًا» اهـ.
قُلْتُ: وعبد الحميد بن سليمان مع مخالفته لليث فهو ضعيف الحديث.
[ ١١ / ٩٢ ]
لكن رواه الترمذي (١٠٨٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ البَلْخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدٍ، ابْنَيْ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ المُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قُلْتُ: عبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف، وابنا عبيد مجهولان.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ مَعِيْنٍ ﵀ فِي [تَارِيْخِهِ-رِوَايَةِ الدُّوْرِيِّ] (١٦٤): «وابن عجلان سمعه من عبد الله بن هرمز هذا» اهـ.
قُلْتُ: بهذا يتبين أنَّ مرجع الحديثين على رجل واحد ضعيف، فلا يثبت هذا الحديث. والله أعلم.
ثم رأيت له شاهدًا مرسلًا وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٣٢٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ أَمَانَتَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِنْ لَا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»، أَوْ قَالَ: «عَرِيضٌ».
[ ١١ / ٩٣ ]
ورأيت له شاهدًا آخر من حديث أبي أمامة رواه البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٤٧٧٣) من طريق سَلْمِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ بَنِي لَيْثٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا أَنَا وَأَمَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، سَفْعَاءُ الْمِعْصَمَيْنِ، آمَنَتْ بِرَبِّهَا، وَتَحَنَّنَتْ عَلَى وَلَدِهَا إِلَّا كَهَاتَيْنِ - وَفَرَّقَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - وَاللهُ أَذْهَبَ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، فَمَنْ أَتَاكُمْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ اهـ.
فيتقوى الحديث بهذه الشواهد. والله أعلم.
والحديث الرابع حديث أبي هند رواه أبو داود (٢١٠٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا هِنْدٍ، حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْيَافُوخِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ».
وَقَالَ: «وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَدَاوُونَ بِهِ خَيْرٌ فَالْحِجَامَةُ».
[ ١١ / ٩٤ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ٣٣٣): «هذا إسناد جيد» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ٣٥٦): «إسناده حسن» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بُلُوْغِ الْمَرَامِ] (١٠٠٥): «رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (٢٤٤٦): «قُلْتُ: وهذا إسناد حسن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ ﵀ فِي [الصَّحِيْحِ الْمُسْنَدِ] (١٣٦٨): «هذا حديث حسن» اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٥): «رواه أبو داود، إلَّا أنَّ أحمد ضعفه، وأنكره إنكارًا شديدًا» اهـ.
[ ١١ / ٩٥ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٩/ ٢٨٩): «يرويه محمد بن عمرو واختلف عنه؛ فرواه حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وغيره يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا، والمرسل أشبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٠٦): «في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أنَّ الكفاءة بالدين وحده دون غيره وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم. والكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء بالدين والحرية والنسب والصناعة، ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب واليسار فيكون جماعها ست خصال» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٩/ ١٦٥): «وأبو هند مولى وبنو بياضة فخذ من العرب في الأنصار» اهـ.
قُلْتُ: واعتبر بعض العلماء كفاءة الحرفة في الأصول أيضًا.
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ الْشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَمَلِ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ] (٤/ ١٦٧):
[ ١١ / ٩٦ ]
«"قَوْلُهُ "لَيْسَ كُفْءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ" الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لِخِيَاطَةٍ لِأَنَّ حِرْفَةَ الْآبَاءِ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ اتِّحَادِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْحِرْفَةِ اهـ ح ل قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ لَمْ يَقُلْ لَيْسَ كُفْءَ خِيَاطَةٍ مَعَ أَنَّهُ الْمُلَائِمُ لِمَا قَبْلَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْحِرْفَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأُصُولِ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّوْجَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٧/ ٨٢):
«الْحِرْفَةُ الدَّنِيَّةُ فِي الْآبَاءِ، وَالِاشْتِهَارُ بِالْفِسْقِ، مِمَّا يُعَيَّرُ بِهِ الْوَلَدُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَالُ مَنْ كَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ حِرْفَةٍ دَنِيَّةٍ، أَوْ مَشْهُورًا بِفِسْقٍ، مَعَ مَنْ أَبَوْهَا عَدْلٌ، كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ مَعَ مَنْ أَبَوْهَا مُسْلِمٌ» اهـ.
قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء أنَّ الكفاءة ليست بشرط في النكاح، واشترطها الإمام أحمد في رواية وهو محمول على كفاءة الدين كما سبق في كلام ابن القيم ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٤): «والرواية الثانية عن أحمد أنَّها ليست شرطًا في النكاح. وهذا قول أكثر أهل العلم.
[ ١١ / ٩٧ ]
روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز، وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾» اهـ.
قُلْتُ: لكن لا بد أن تستثنى كفاءة الدين فإنَّه لا بد من اشتراطها، أعني أنَّه لا يصح تزويج المسلمة من الكافر، وأمَّا ما سوى الإيمان الكفر، من البدع والفسق فيدخل في النزاع.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٦ - ٤١٧): «فإن قلنا: ليست شرطًا. فرضيت المرأة والأولياء كلهم، صح النكاح، وإن لم يرض بعضهم، فهل يقع العقد باطلًا من أصله أو صحيحًا؟ فيه روايتان عن أحمد وقولان للشافعي:
أحدهما، هو باطل؛ لأنَّ الكفاءة حق لجميعهم، والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم، فلم يصح، كتصرف الفضولي.
والثانية، هو صحيح؛ بدليل أنَّ المرأة التي رفعت إلى النبي ﷺ أنَّ أباها زوجها من غير كفئها خيرها، ولم يبطل النكاح من أصله.
[ ١١ / ٩٨ ]
ولأنَّ العقد وقع بالإذن، والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته، وإنَّما يثبت الخيار، كالعيب من العنة وغيرها. فعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخ.
وبهذا قال الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء، لم يكن لباقي الأولياء فسخ؛ لأنَّ هذا الحق لا يتجزأ، وقد أسقط بعض الشركاء حقه، فسقط جميعه، كالقصاص.
ولنا، أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه، فلم يسقط برضا غيره، كالمرأة مع الولي فأمَّا القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملًا، فإذا سقط بعضه، تعذر استيفاؤه، وهاهنا بخلافه، ولأنَّه لو زوجها بدون مهر مثلها، ملك الباقون عندهم الاعتراض، مع أنَّه خالص حقها، فهاهنا مع أنَّه حق لهم أولى.
وسواء كانوا متساوين في الدرجة، أو متفاوتين، فزوج الأقرب، مثل أن يزوج الأب بغير كفء، فإنَّ للإخوة الفسخ.
وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب؛ لأنَّه لا حق للأبعد معه، فرضاؤه لا يعتبر.
ولنا، أنَّه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة، فملك الفسخ كالمتساويين» اهـ.
[ ١١ / ٩٩ ]
أقول: لا أعلم للفسخ حجة، والصواب أنَّ المرأة إذا رضيت بالرجل، ووافق على ذلك وليها القريب صح النكاح، وليس لأحد من الأولياء فسخ ذلك النكاح.
والكفاءة التي اعتبرها بعض العلماء متعلقة بالمرأة دون الرجل، فأمَّا الرجل فله أن يتزوج بامرأة لا تكافؤه كالكتابية، والمعتقة، وقد تزوج النبي ﷺ بصفية وهي من مواليه، وقد توسع الناس في هذه العصور المتأخرة في ذلك فمنعوا الرجل من الزواج بمن ليست بكفوء له، ولا أعلم لهذا أصلًا.
وكثير من الناس في هذه الأزمان حصروا الكفاءة في الحرف والصناعات ولم يعتبروا الدين.
ومن العجب أنَّ المرأة قد تكون فاسقة وأهلها فساق ويتقدم رجل صالح في دينه لكنَّ وجد في بعض آبائه من كان صاحب مهنة رديئة فلا يقبلونه ولا يرونه كفئًا لها، وكل هذا من انقلاب الموازين فراعوا ما لم تراعيه الشريعة وتركوا ما راعته الشريعة.
٨ - واحتج بقَوْلِهِ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ». على من قال بالكفاءة بالمال. وقد اشترط ذلك الإمام أحمد في إحدى الروايتين.
[ ١١ / ١٠٠ ]
أَقُوْلُ: الصَّحِيْحُ أنَّ الكفاءة في المال لا تعتبر لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وقد زوج النبي ﷺ رجلًا لم يجد شيئًا، فأنكحه بما معه من القرآن كما سبق في حديث سهل بن سعد في كتاب النكاح.
وغاية ما يدل عليه الحديث هو دلالة المرأة على الرجل الصالح ذي اليسار، وهذا إذا تقدم لها من كان من ذوي اليسار من الصالحين، ومن لم يكن كذلك، لا أنَّ الكفاءة في المال معتبرة. والله أعلم.
وما رواه أحمد (٢٠١٠٢)، والترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجة (٤٢١٩) من طريق يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
فيه سلام وروايته عن قتادة فيها ضعف، والحسن لم يسمع عن سمرة سوى حديث العقيقة.
[ ١١ / ١٠١ ]
لكن له شاهد رواه البزار (٨٣٨٥)، والدارقطني (٣٧٩٩) من طريق بُنْدَارٍ، نا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
وفيه معدي بن سليمان ضعيف الحديث، لكنَّه يتقوى بحديث سمرة.
ولا ذكر في هذا الحديث للنكاح، وليس فيه أنَّ الكفاءة المال شرط في النكاح، وكون المال يشرف صاحبه باعتبار الدنيا فلا يدل ذلك على اعتباره واشتراطه في النكاح.
٩ - ويدل على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنَّه لا يشترط حضوره ومواجهته به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٤٠): «فيه أنَّ الطلاق يقع في غيبة المرأة وجواز الوكالة في أداء الحقوق وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ المعتدة تنتقل من بيت زوجها لأجل الضرر، ولأنَّه ليس لها سكنى.
[ ١١ / ١٠٢ ]
وقد جاء في مسلم (١٤٨٢) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: «فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ».
وجاء في البخاري (٥٣٢٦) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ».
١١ - وفيه جواز استعمال المبالغة في الكلام، فإنَّه قد كان لمعاوية ثوب يلبسه ونحو ذلك من المال المحقر، وأنَّ أبا الجهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه وأكله وغيرهما ولكن لما كان كثير الحمل للعصا وكان معاوية قليل المال جدًا جاز إطلاق هذا اللفظ عليهما.
١٢ - واحتج به من قال بجواز إيقاع الثلاث التطليقات دفعة واحدة، ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد بطلاقه لها البتة أنَّه طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
١٣ - وفي قَوْلِهِ: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». جواز التعريض في عدة البائن.
[ ١١ / ١٠٣ ]
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
١٤ - وفيه جواز اعتداد المرأة في غير بيت محارمها، إذا دعت الحاجة إلى ذلك وأمنت الفتنة.
فروى مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٠٣):
«قَوْلُهُ: "فقال انتقلى إلى بيت بن عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَزَادَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ هَذَا وَلَيْسَ هُمَا مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ هِيَ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤى.
قلت: وهو بن عَمِّهَا مَجَازًا يَجْتَمِعَانِ فِي فِهْرٍ» اهـ.
* * *
[ ١١ / ١٠٤ ]