٤١٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
قَوْلُهُ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧١): «قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ يُقَالُ مِنْهُ عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَعَتْقًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَغَيْرُهُ وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ أَيْضًا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُمْ عُتَقَاءُ وَأَعْتَقَهُ فَهُوَ مُعْتَقٌ وَهُمْ عُتَقَاءُ وَأَمَةٌ عَتِيقٌ وَعَتِيقَةٌ وَإِمَاءٌ عَتَائِقُ وَحَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَيِ الْإِعْتَاقِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ وَنَجَا وَعَتَقَ الْفَرْخُ طَارَ وَاسْتَقَلَّ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً إِنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَفَكَّ رَقَبَةً فَخُصَّتِ الرَّقَبَةُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ عَلَيْهِ وَمِلْكَهُ لَهُ
[ ١٤ / ٦٧٩ ]
كَحَبْلٍ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَالْغِلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ فَإِذَا أَعْتَقَ فَكَأَنَّهُ أُطْلِقَتْ رَقَبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: والشرك هو المشترك والنصيب.
وَقَوْلُهُ: «ثَمَنَ العَبْدِ». أي قيمة العبد، وقوله بعد ذلك: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». يبين المراد من ذلك.
والثمن عند الفقهاء هو: ما اشتري به العين.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات السراية فيمن أعتق شركًا له في عبد، فيصير بذلك حرًا يأخذ أحكام الأحرار في الميراث وغيره، ويكون جميع ولائه للمعتق، وهذا مذهب الجمهور.
ويلزم الشريك إن كان موسرًا أن يدفع قيمة سائر العبد للشركاء.
وإن أيسر في البعض دون البعض لزمه أن يدفع ما أيسر فيه وتجري حينئذ السراية في القدر الذي أيسر فيه، وهو مذهب الإمام مالك والمصحح عند الشافعية.
وهذا هو الصحيح لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ
[ ١٤ / ٦٨٠ ]
وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق وكانت القيمة دينًا في ذمته، ولو مات أخذت من تركته فإن لم تكن له تركة ضاعت القيمة واستمر عتق جميعه. وهو مذهب الجمهور.
قُلْتُ: وإذا ثبتت السراية في نصيب الشريك فمن باب أولى ثبوتها في سائر نصيب المعتق، وذلك كأن يعتق بعض عبده، أو بعض نصيبه من العبد.
٢ - وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَعْتَقَ». خرج به من أعتق عليه كمن يرث من يعتق عليه بقرابة، وذلك أنَّ في الحديث إضافة الفعل إلى الفاعل والإرث ليس من فعله.
٣ - ويخرج من ذلك عند الشافعي في أحد أقواله العبد المرهون لما في ذلك من إبطال الرهن.
وقال الجمهور: إن كان موسرًا كلف أن يأتي بقيمة الرقبة فتكون القيمة رهنًا وتخرج الرقبة من الرهن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٤ - ١٩٥):
[ ١٤ / ٦٨١ ]
«مسألة قال: "وإذا أعتق الراهن عبده المرهون، فقد صار حرًا، ويؤخذ إن كان له مال بقيمة المعتق، فيكون رهنًا".
وجملة ذلك أنَّه ليس للراهن عتق الرهن؛ لأنَّه يبطل حق المرتهن من الوثيقة، فإن أعتق، نفذ عتقه موسرًا كان أو معسرًا.
نص عليه أحمد وبه قال شريك، والحسن بن صالح وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد أقواله، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يستسعي العبد في قيمته إن كان المعتق معسرًا.
وعن أحمد رواية أخرى: لا ينفذ عتق المعسر.
ذكرها الشريف أبو جعفر وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي لأنَّ عتقه يسقط حق المرتهن من الوثيقة، من عين الرهن وبدلها، فلم ينفذ، لما فيه من الإضرار بالمرتهن، ولأنَّه عتق يبطل حق غير المالك، فنفذ من الموسر دون المعسر، كعتق شرك له من عبد وقال عطاء والبتي وأبو ثور لا ينفذ عتق الراهن موسرًا كان أو معسرًا.
وهو القول الثالث للشافعي لأنَّه معنى يبطل حد الوثيقة من الرهن، فلم ينفذ كالبيع.
[ ١٤ / ٦٨٢ ]
ولنا، أنَّه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك، فنفذ، كعتق المستأجر، ولأنَّ الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق، فنفذ فيها عتق المالك، كالمبيع في يد البائع، والعتق يخالف البيع، فإنَّه مبني على التغليب والسراية، وينفذ في ملك الغير، ويجوز عتق المبيع قبل قبضه، والآبق، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، ويجوز تعليقه على الشروط، بخلاف البيع إذا ثبت هذا فإنه إن كان موسرًا أخذت من قيمته، فجعلت مكانه رهنًا؛ لأنَّه أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن، فلزمته قيمته، كما لو أبطلها أجنبي، أو كما لو أتلفه، وتكون القيمة رهنًا؛ لأنَّها نائبة عن العين، وبدل عنها، وإن كان معسرًا فالقيمة في ذمته، فإن أيسر قبل حلول الحق، أخذت منه القيمة فجعلت رهنًا، إلَّا أن يختار تعجيل الحق، فيقضيه، ولا يحتاج إلى رهن، وإن أيسر بعد حلول الحق، طولب بالدين خاصة؛ لأنَّ ذمته تبرأ به من الحقين معًا، والاعتبار بقيمة العبد حال الإعتاق، لأنَّه حال الإتلاف.
وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في المعسر: يستسعي العبد في قيمته، ثم يرجع على الراهن.
وفيه إيجاب الكسب على العبد، ولا صنع له، ولا جناية منه، وإلزام الغرم لمن وجد منه الإتلاف أولى، كحال اليسار، وكسائر الإتلاف» اهـ.
[ ١٤ / ٦٨٣ ]
قُلْتُ: الأظهر عندي نفوذ عتق الموسر، وذلك أنَّ الموسر إذا أعتق نصيبه من العبد فإنَّ عتقه يسري إلى ملك غيره فمن باب أولى أن يسري في ملكه الذي في يد المرتهن.
وأمَّا إذا كان معسرًا فلا يظهر لي نفوذه لما في ذلك من إبطال حق المرتهن.
٤ - قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣): «وخرج به أيضًا ما إذا أوصى بإعتاق نصيبه من عبد بعد موته فإنَّه عتق ذلك القدر ولا سراية؛ وذلك لأنَّ المال ينتقل إلى الوارث ويصير الميت معسرًا بل لو كان كل العبد له فأوصى بإعتاق بعضه أعتق ذلك البعض، ولم يسر وبهذا قال الجمهور وعند المالكية قول أنَّه يقوم في ثلثه ويجعل موسرًا بعد الموت» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ من لم يكن له مال يُقوَّم عليه قيمة عدل ويعتق منه ما عتق.
٦ - والذي يترجح في حق الموسر أن يعتق عليه في الحال، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٤٩١)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
[ ١٤ / ٦٨٤ ]
ورواه مسلم (١٥٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ».
وهذا مذهب الجمهور.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٥): «والمشهور عند المالكية أنَّه لا يعتق إلَّا بدفع القيمة فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه وهو أحد أقوال الشافعي، وحجتهم رواية سالم أول الباب حيث قال: "فإن كان موسرًا قوم عليه ثم يعتق".
والجواب: أنَّه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم ترتيبه على أداء القيمة فإنَّ التقويم يفيد معرفة القيمة وأمَّا الدفع فقدر زائد على ذلك» اهـ.
قُلْتُ: الشقص، والشقيص هو النصيب.
٧ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ مَالٌ». يشمل كل ما يتمول فيباع عليه في حصة شريكه جميع ما يباع عليه في الدين إذا كان مفلسًا.
٨ - وفي الحديث أنًّ التقويم يكون على المعتق خلافًا لابن سيرين في قوله يكون في بيت المال.
[ ١٤ / ٦٨٥ ]
٩ - وفيه رد على من أثبت استسعاء العبد مع إيسار المعتق، وهذا مما شذ به أبو حنيفة حيث ذهب إلى تخيير الشريك بين أن يقوم نصيبه على المعتق أو يعتق نصيبه أو يستسعي العبد في نصيب الشريك.
وطرد قوله في ذلك فيما لو أعتق بعض عبده فالجمهور قالوا: يعتق كله. وقال هو يستسعى العبد في قيمة نفسه لمولاه.
١٠ - ويدخل في قَوْلِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ». كل من يصح منه العتق وهم المكلفون، ويخرج من ذلك الصبيان والمجانين.
وهل يخرج من ذلك الكفار فيه نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٧): «وأمَّا الكفار: فلا يصح العتق الشرعي منهم. إمَّا لأنَّهم غير مخاطبين بالفروع. وإمَّا لأنَّ صحة القرب الشرعية موقوفة على الإسلام. فلو كان العبد مسلمًا وسيداه نصرانيين، فاعتق أحدهما كمل عليه؛ لأنَّه حكم بين مسلم وذمي. وكذلك لو كان العبد وأحد سيديه نصرانيين، فاعتق النصراني كمل عليه لحق المسلم على قول أشهب، ومطرف، وابن الماجشون. وفي "المختصر الكبير": لا يقوم عليه. وقال ابن
[ ١٤ / ٦٨٦ ]
القاسم: إن كان العبد مسلمًا قوم عليه، وإلَّا فلا بناء على أنَّ القربة لا تصح منهم، ولا يجبرون عليها» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٩): «وظاهره أيضًا أن لا فرق بين أن يكون المعتق والشريك والعبد مسلمين أو كفارًا أو بعضهم مسلمين وبعضهم كفارًا وبه قال الشافعية، وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركًا له في عبد مسلم هل يسري عليه أم لا، وقال المالكية: إن كانوا كفارًا فلا سراية وإن كان المعتق كافرًا دون شريكه فهل يسري عليه أم لا فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا ثلاثة أقوال، وإن كانا كافرين والعبد مسلمًا فروايتان، وإن كان المعتق مسلمًا سرى عليه بكل حال» اهـ.
قُلْتُ: الأصل إجراء الحديث على عمومه ولا يستثنى منه شيء إلَّا بحجة صحيحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١٠ - ١١): «فصل: ولا فرق في هذا بين كون الشركاء مسلمين أو كافرين، أو بعضهم مسلمًا، وبعضهم كافرًا. ذكره القاضي. وهو قول الشافعي.
[ ١٤ / ٦٨٧ ]
وقال أبو الخطاب: في الكافر وجه، أنَّه إذا أعتق نصيبه من مسلم، أنَّه لا يسري إلى باقيه، ولا يقوم عليه؛ لأنَّه لا يصح شراء الكافر عبدًا مسلمًا.
ولنا عموم الخبر، ولأنَّ ذلك ثبت لإزالة الضرر، فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب، والغرض هاهنا تكميل العتق، ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك، بخلاف الشراء ولو قدر أنَّ هاهنا تمليكًا، لكان تقديرًا في أدنى زمان، حصل ضرورة تحصيل العتق، ولا ضرر فيه، فإن قدر فيه ضرر، فهو مغمور بالنسبة إلى ما يحصل من العتق، فوجوده كالعدم، وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق، والله أعلم» اهـ.
١١ - وَقَوْلُهُ: «مِنْ عَبْدٍ» احتج به إسحاق بن راهويه في قوله: إنَّ هذا الحكم مختص بالذكور دون الإناث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٧): «و"العبد": اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه: أمة - من غير لفظه -، وقد حكي: عبدة. ولهذا قال إسحاق بن راهويه: إنَّ هذا الحديث إنَّما يتناول ذكور العبيد دون إناثهم، فلا يكمل على من أعتق شركًا في أنثى. وهو على خلاف الجمهور من السلف، ومن بعدهم: فإنَّهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى؛ إمَّا لأنَّ لفظ العبد يراد
[ ١٤ / ٦٨٨ ]
به الجنس، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، فإنَّه يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعًا. وإمَّا على طريق الإلحاق بنفي الفارق الذي هو القياس في معنى الأصل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧٣): «وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث في البخاري (٢٥٢٥) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ».
وهذا يشمل الذكر والأنثى.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». أي قوم عليه كاملًا، وليس المراد أن يقوم عليه ما بقي منه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٩٦):
[ ١٤ / ٦٨٩ ]
«فإنَّ حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد» اهـ.
وَقَالَ (٢٩/ ٧٢): «فأمر النبي ﷺ بتقويم العبد كله وبإعطاء الشريك حصته من القيمة. ومعلوم أنَّ قيمة حصته منفردة دون حصته من قيمة الجميع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٨): «وظاهر هذا الحديث: أنَّه يقوم عليه كاملًا، لا عتق فيه، وهو المعروف من المذهب. وقيل: يقوم على أنَّ بعضه حر. والأول أصح؛ لأنَّ جناية المعتق هي سبب تفويت ملك الشريك، فيقوم عليه على ما كان حال الجناية، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة» اهـ.
١٣ - وَقَوْلُهُ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». أي يوم العتق لا يوم الحكم.
١٤ - وفيه أنَّ القيمة تكون بالعدل بلا زيادة ولا نقص.
١٥ - وظاهر الحديث أنَّه لو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه كان إعتاقه لغوًا لأنَّه قد صار كله حرًا.
[ ١٤ / ٦٩٠ ]
١٦ - وفيه إثبات التقويم والأخذ بما يقوله أهل المعرفة بالقيمة وإن كان ظنًا وتخمينًا.
١٧ - وَقَوْلُهُ: «فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ». أي على قدر الملك.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٧): «قوله: "فأعطى شركاءه حصصهم" أي إن كان له شركاء فإن كان له شريك واحد أعطاه جميع ثمن الباقي أو شريكان أعطاهما.
والعطية هنا على قدر الملك بلا شك فلو كان للمعتق النصف وهو موسر بالباقي، وله شريكان لأحدهما الثلث والآخر السدس كان المدفوع بينهما أثلاثًا، وإنَّما اختلف المالكية في عكس ذلك، وهو أن يعتق كل من صاحب الثلث والسدس حصته وهما موسران فهل يقوم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية أو يكون ذلك على قدر الحصص حتى يكون التقويم عليهما أثلاثًا، والصحيح عندهم الثاني والخلاف عند الحنابلة والصحيح عندهم الأول وهو نظير الخلاف في الشفعة إذا كانت لاثنين هل يأخذانها بالسوية أو على قدر الملك والخلاف في ذلك مشهور والصحيح عند الكل أنَّه على قدر الملك والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: التساوي في المسألة الأخيرة أقرب وذلك أنَّ صاحب السدس والثلث تسببا تسببًا مستويًا في عتق نصيب شريكهما. والله أعلم.
[ ١٤ / ٦٩١ ]
وصورة هذه المسألة: أن يتلفظوا بعتقه معًا، أو يعلقوا عتقه على صفة واحدة، فتوجد، أو يوكلوا واحدًا، فيعتقه، أو يوكل نفسان منهم الثالث، فيعتقه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ٣٨): «مسألة قال: "وإذا كان لرجل نصف عبد ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معًا وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه نصفين وكان ولاؤه بينهما أثلاثًا لصاحب النصف ثلثاه ولصاحب السدس ثلثه".
وجملته أنَّ العبد إذا كان مشتركًا بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو أكثر وهم موسرون سرى عتقهم إلى باقي العبد ويكون الضمان بينهم على عدد رءوسهم يتساوون في ضمانه وولائه، وبهذا قال الشافعي، ويحتمل أن يقسم بينهما على قدر أملاكهم، وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه لأنَّ السراية حصلت بإعتاق ملكيهما، وما وجب بسبب الملك كان على قدره كالنفقة واستحقاق الشفعة.
ولنا أنَّ عتق النصيب إتلاف لرق الباقي وقد اشتركا فيه فيتساويان في الضمان كما لو جرح أحدهما جرحًا والآخر جرحين فمات منهما أو ألقى أحدهما جزءًا من النجاسة في مائع وألقى الآخر جزأين، يفارق الشفعة فإنَّها تثبت لإزالة الضرر عن نصيب الذي لم يبع فكان استحقاقه على قدر نصيبه، ولأنَّ الضمان هاهنا لدفع
[ ١٤ / ٦٩٢ ]
الضرر منهما وفي الشفعة لدفع الضرر عنهما والضرر منهما يستويان في إدخاله على الشريك وفي الشفعة ضرر صاحب النصف أعظم من ضرر صاحب السدس فاختلفا» اهـ.
١٨ - واحتج بالحديث على أنَّ ضمان ما تتفاوت صفاته يكون بالقيمة لا بالمثل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٨): «فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنَّها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل.
ولأنَّ هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى» اهـ.
١٩ - وفيه إثبات التبعيض في العبد فيكون بعضه حر وبعضه عبد.
وقد اختلف العلماء في إرث المبعض، والإرث منه إلى أربعة أقوال:
القول الأول: أنَّه كالقنّ في جميع أحكامه؛ فلا يرث، ولا يورث، ولا يحجب. وهذا قول زيد ابن ثابت ﵁ وأهل المدينة، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم.
القول الثاني: أنَّه كالحر في جميع أحكامه؛ فيرث، ويورث، ويحجب كالحر. وهذا قول الحسن، وجابر، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر.
[ ١٤ / ٦٩٣ ]
القول الثالث: أنَّ لكل من البعضين حكمه؛ يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرَّية. وهذا قول علي، وابن مسعود، وعثمان- ﵃ والليث، والمزني، وأهل الظاهر، والإمام أحمد.
القول الرابع: أنَّه لا يرث، ولا يحجِب، ويورث عنه ما ملكه ببعضه الحرّ، وهذا قول طاووس، وعمرو بن دينار، وأبى ثور والشافعي في الجديد.
قُلْتُ: القول الثالث هو الصحيح الموافق لفتاوى بعض الخلفاء الراشدين مع موافقته للقياس والنظر.
وبناء على ذلك فلو مات ميت عن ابن نصفه حر، وأم، وعم فالمسألة على فرض حرية جميعه من ستة للأم السدس واحد، وللابن الباقي خمسة ولا شيء للعم.
والخمسة التي للابن بالنسبة إلى الستة هي: نصفٌ: ثلاثة، وثلثٌ: اثنان.
والمسألة على تقدير أنَّ نصفه حر من اثني عشر، للابن نصف النصف، ونصف الثلث، وهما: الربع والسدس، وربع الاثني عشر ثلاثة، وسدسها اثنان فالمجموع خمسة من اثني عشر، وللأم السدس: اثنان، ونصف السدس واحد، ومجموع ذلك: ثلاثة، والباقي للعم وهو: أربعة.
* * *
[ ١٤ / ٦٩٤ ]
٤١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًَا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ كُلُّهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اُسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
قَوْلُهُ: «شِقْصًَا». أي نصيبًا سواءً كان قليلًا أو كثيرًا.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - ثبوت الاستسعاء للعبد فيما بقي من نصيب الشريك الذي لم يعتق.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في معنى الاستسعاء على قولين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧٣): «قال العلماء: ومعنى الاستسعاء في هذا الحديث أنَّ العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى تحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق فعلى هذا تتفق الأحاديث» اهـ.
قُلْتُ: والمراد بالاستسعاء الاستسعاء بالقيمة لا السعي بالخدمة بقدر ما للسيد من الرق، ويدل على ذلك ما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٤٩٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
[ ١٤ / ٦٩٥ ]
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ ذَلِكَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلِهِ، وَاسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِصَاحِبِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد ذهب إلى الاستسعاء على المعنى الأول: الكوفيون، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، وابن أبي ليلي، ورواية عن أحمد، وخالف في ذلك الجمهور فلم يروا الاستسعاء بالكلية.
وفي ثبوت الاستسعاء في حديث أبي هريرة نزاع كبير بين حفاظ الحديث فمنهم من رآها مدرجة من قول قتادة، ومنهم من رأى ثبوتها من كلام النبي ﷺ وقد اختار صاحبا الصحيح ثبوتها في الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥١٤): «والذين لم يقولوا بالاستسعاء: تعللوا في تضعيفه بتعللات لا تصبر على النقد ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات فلنقصر على هذا القدر ههنا في الاعتماد على تصحيح الشيخين ونترك البسط فيه إلى موضع البسط إن شاء الله» اهـ.
[ ١٤ / ٦٩٦ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٧): «وبالغ ابن العربي فقال: اتفقوا على أنَّ ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي ﷺ وإنَّما هو من قول قتادة.
ونقل الخلال في "العلل" عن أحمد أنَّه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء وضعفها أيضًا الأثرم عن سليمان بن حرب واستند إلى أنَّ فائدة الاستسعاء أن لا يدخل الضرر على الشريك، قال: فلو كان الاستسعاء مشروعًا للزم أنَّه لو أعطاه مثلًا كل شهر درهمين أنَّه يجوز ذلك وفي ذلك غاية الضرر على الشريك اهـ. وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة قال النسائي: بلغني أنَّ همامًا رواه فجعل هذا الكلام - أي الاستسعاء - من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله: "ثم استسعى العبد" ليس في الخبر مسندًا وإنَّما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام. وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن.
قُلْتُ: ورواية همام قد أخرجها أبو داود عن محمد بن كثير عنه عن قتادة لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلًا ولفظه: أنَّ رجلًا أعتق شقصًا من غلام فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه. نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همام
[ ١٤ / ٦٩٧ ]
فذكر فيه السعاية وفصلها من الحديث المرفوع أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدارقطني والخطابي والحاكم في "علوم الحديث" والبيهقي والخطيب في "الفصل والوصل" كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمد بن كثير سواء وزاد قال فكان قتادة يقول أن لم يكن له مال استسعى العبد.
قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ضبطه وفصل بين قول النبي ﷺ وبين قول قتادة. هكذا جزم هؤلاء بأنَّه مدرج وأبي ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعًا وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة لأنَّ سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه وإنَّما اقتصرا من الحديث على بعضه وليس المجلس متحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد فإنَّ ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره وهذا كله لو انفرد وسعيد لم ينفرد وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة هشام: وسعيد أثبت في قتادة من همام.
[ ١٤ / ٦٩٨ ]
وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنَّه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه فإنَّه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكمًا عامًا فدل على أنَّه لم يضبطه كما ينبغي، والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي: "وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". بكون أيوب جعله من قول نافع كما تقدم شرحه ففصل قول نافع من الحديث وميزه كما صنع همام سواء فلم يجعلوه مدرجًا كما جعلوا حديث همام مدرجًا مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك وهمام لم يوافقه أحد.
وقد جزم بكون حديث نافع مدرجًا محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أنَّ الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقًا لعمل صاحبي الصحيح.
وقال ابن المواق: والإنصاف أن لا نوهم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به فليس بين تحديثه به مرة وفتياه به أخرى منافاة.
[ ١٤ / ٦٩٩ ]
قُلْتُ: ويؤيد ذلك أنَّ البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنَّه أفتى بذلك والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي» إلى آخر ما ذكره ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٦٥) - بعد أن أطال النفس حول الحديث -:
«فالحديث صحيح محفوظ بلا شك» اهـ.
قُلْتُ: ولا تعارض بين حديث ابن عمر الماضي وحديث أبي هريرة لإمكان الجمع بينهما فيقال: حديث ابن عمر فيه أنَّ بقية العبد يبقى على الرق إن كان المعتق لبعضه معسرًا، وحديث أبي هريرة فيه زيادة حكم هو استسعاء العبد بعد ذلك لفك باقيه من الرق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٩): «فللذي صحح رفعه أن يقول معنى الحديثين: أنَّ المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق ثم يستسعى في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب وهو الذي جزم به البخاري» اهـ.
[ ١٤ / ٧٠٠ ]
قُلْتُ: وهكذا لا تعارض بين حديث الاستسعاء وبين حديث عمران بن حصين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٦٥): «وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين، وحديث ابن عمر. أمَّا حديث عمران فقال الشافعي في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة: وصح حديث نافع عن ابن عمر، وحديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء. ومراده بذلك: أنَّ الرجل في حديث عمران بن حصين لما أعتق الستة المملوكين لم يكمل النبي ﷺ عتقهم بالسعاية، بل أعتق ثلثهم، ولم يستسع باقيهم. وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء فإنَّ الرجل أعتق العبيد، وهم كل التركة، وإنَّما يملك التبرع في ثلثها، فكمل النبي ﷺ الحرية في عبدين مقدار الثلث، وكأنَّهما هما اللذان باشرهما بالعتق. والشارع حجر عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم، وكملها في اثنين. فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟ بل هو حجة على من يبعض العتق في جميعهم، فإنَّه لم يقل بالسعاية بعض أصله، وإن قال بها، وأعتق الجميع: ناقض الحديث صريحًا، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية» اهـ.
٢ - أنَّه لا يلزم العبد بالاستسعاء.
[ ١٤ / ٧٠١ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٩): «والذي يظهر أنَّه في ذلك باختياره لقوله: "غير مشقوق عليه" فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنَّها غير واجبة فهذه مثلها» اهـ.
٣ - واحتج بقوله: «فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ». من قال: إنَّ السراية لا تكون بنفس العتق.
وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح حديث ابن عمر، ويمكن حمل هذا الحديث على معنى: فعليه عوض خلاصه.
٤ - وَقَوْلُهُ: «فِي مَالِهِ». رد على ابن سيرين في قوله إنَّه يعتق من بيت مال المسلمين.
٥ - وفيه أنَّ استسعاء العبد لا يكون عند يسار المعتق.
قُلْتُ: وسائر مباحث الحديث مرت في الحديث الذي قبله.
* * *
[ ١٤ / ٧٠٢ ]