٣٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
القِصَاص: مأخوذ من قص الأثر إذا تبعه، لأنَّ المقتص يتبع الجاني في فعله من قتل أو جرح أو غير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْجَوَابِ الْكَافِي] (ص: ١٦٢): «وبدأ رسول الله ﷺ بالأكثر وقوعًا، والذي يليه، فالزنى أكثر وقوعًا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعًا من الردة، وأيضًا فإنَّه تنقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم دم المسلم بغير حق، وذكر الدم في الحديث خرج مخرج الغالب وإلَّا فلو قتله بغير إراقة دم كالحرق والغرق والخنق دخل في ذلك.
٢ - وفيه أنَّ الشهادتين هما الأصل في حقن الدماء.
[ ١٢ / ٢ ]
٣ - فيه أنَّ زنا الثيب مبيح لدمه، وهو الرجم.
والثيب: هو المحصن.
وقد خالف في ذلك الخوارج فذهبوا إلى جلد البكر والثيب.
قُلْتُ: ويشترط في الإحصان عدة شروط وهي:
الشرط الأول: الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه.
الشرط الثاني: أن يكون الوطء في نكاح، والدليل على أنَّ النكاح إحصان قول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي المتزوجات.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا، وهذا قول أكثر العلماء، وخالف في ذلك أبو ثور والليث والأوزاعي فأثبتوا الإحصان في النكاح الفاسد، والصحيح مذهب الجمهور، وذلك أنَّ الأصل عدم ترتب الأحكام الشرعية على ما كان فاسدًا.
الشرط الرابع: الحرية، والدليل على عدم الرجم للعبيد قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا العذاب هو الجلد فإنَّ الرجم لا يتنصف، وإلى هذا ذهب عامة العلماء
[ ١٢ / ٣ ]
خلافًا لأبي ثور. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنا وإن كان تحته أمة لم يرجم.
الشرط الخامس: البلوغ. وهذا مذهب أكثر العلماء خلافًا لبعض أصحاب الشافعي.
الشرط السادس: العقل. وهذا مذهب أكثر العلماء خلافًا لبعض أصحاب الشافعي.
وذلك أنَّنا لو أثبتنا الإحصان للصبي والمجنون لأقمنا عليهما الحد ولا قائل به.
الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعًا حال الوطء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١١٧): «فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري واسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا صار محصنًا إلَّا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها ونحوه عن الأوزاعي، واختلف عن الشافعي فقيل له قولان:
[ ١٢ / ٤ ]
أحدهما كقولنا، والثاني أنَّ الكامل يصير محصنًا، وهذا قول ابن المنذر لأنَّه حر بالغ عاقل وطئ في نكاح صحيح فصار محصنًا كما لو كان الآخر مثله، وقال بعضهم: إنَّما القولان في الصبي دون العبد فإنَّه يصير محصنًا قولًا واحدًا إذا كان كاملًا.
ولنا أنَّه وطء لم يحصن به أحد المتواطئين فلم يحصن الآخر كالتسري، ولأنَّه متى كان أحدهما ناقصًا لم يكمل الوطء فلا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة هذا الشرط وذلك أنَّ من لم يحصل له الإحصان في نفسه فلا يحصل منه الإحصان لغيره من باب أولى. والله أعلم.
وليس الإسلام بشرط في الإحصان على الصحيح فقد أقام النبي ﷺ الرجم على اليهوديين. وهذا مذهب الإمام الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، واشترط ذلك في رواية أخرى، وهو مذهب عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري.
٤ - فيه إثبات القود في الأنفس.
وذلك لا يكون إلَّا في العمد اتفاقًا.
ويشترط في القود عدة شروط:
[ ١٢ / ٥ ]
الأول: اجتماع الأولياء على المطالبة به، وذهب الإمام الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وهي المشهورة إلى أنَّه إن كان فيهم من هو صغير انتظر كبره، أو مجنون انتظر افاقته، أو غائب انتظر مجيئه أو يوكل غيره.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٣٩ - ١٤٠): «فإذا اتفق الكبار من الورثة على قتلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. وكذا إذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار فيقتلون» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الولي يقوم مقام الطفل والمجنون في ذلك، كما يقوم مقامه في سائر أموره. والله أعلم.
وإن بادر أحد الأولياء بقتل الجاني من غير إذن من بقية الأولياء ولا حصول عفو من واحد منهم فالأظهر أنَّه أساء بفعله ولا يقاصص، ويرجع الأولياء بنصيبهم من الدية من تركة الجاني، ويرجع أولياء الجاني على قاتل الجاني بالتركة بعد إخراج قسطه منها، فإذا قتل رجل رجلًا وله وليان فبادر أحدهما بقتل الجاني بغير إذن الآخر، فإنَّ للولي -الذي لم يأذن بالقود- الرجوع بنصف الدية من تركة الجاني،
[ ١٢ / ٦ ]
ولورثة الجاني مطالبة قاتل الجاني بنصف الدية، وذلك أنَّ قسط قاتل الجاني من الجاني النصف فيسقط من الدية نصفها، وإن كانت الجانية امرأة فليس لأوليائها إلَّا نصف ديتها من قاتلها وهي ربع دية رجل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢):
«فَصْلٌ: فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِهِ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَهُ، وَقَدْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِإِتْلَافِ بَعْضِ النَّفْسِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشَارِكًا فِي مِلْكِ الْجَارِيَةِ وَوَطْئِهَا، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَمْلِكُ بَعْضَهُ، فَلَمْ تَجِبْ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ بِاسْتِيفَائِهِ كَالْأَصْلِ. وَيُفَارِقُ إذَا قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا، فَإِنَّا لَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا نَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلًا لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهُ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ بَعْضَ النَّفْسِ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْمُشَارَكَةُ لِمَنْ فَعَلَهُ، كَفِعْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَاهُنَا.
[ ١٢ / ٧ ]
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ أَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ. وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ نَصِيبَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ وَدِيعَةٌ فَأَتْلَفَهَا.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ عَفَا شَرِيكُهُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُنَا: أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ، يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَتْلَفَ مُسْتَأْجَرَهُ أَوْ غَرِيمَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ، أَوْ كَانَ الْمُتْلَفُ أَجْنَبِيًّا، وَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ، فَإِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمَا، فَوَجَبَ عِوَضُ مِلْكِهِ، أَمَّا الْجَانِي فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ غَرِيمَهُ. فَعَلَى هَذَا، يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى قَاتِلِهِ بِدِيَةِ مُوَرِّثِهِمْ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا. فَعَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ، مِثْلَ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ، فَقَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتْهُ، وَيَرْجِعُ وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا، وَهُوَ رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَرْجِعُ الِابْنُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى أَخِيهِ إلَّا نِصْفَ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّ
[ ١٢ / ٨ ]
أَخَاهُ الَّذِي قَتَلَهَا أَتْلَفَ جَمِيعَ الْحَقِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا، صِحَّةُ إبْرَاءِ مَنْ حَكَمْنَا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَمِلْكُ مُطَالَبَتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى وَرَثَةِ الْجَانِي. صَحَّ إبْرَاؤُهُمْ، وَمَلَكُوا الرُّجُوعَ عَلَى قَاتِلِ مَوْرُوثِهِمْ بِقِسْطِ أَخِيهِ الْعَافِي. وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى تَرِكَةِ الْجَانِي. وَلَهُ تَرِكَةٌ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا، سَوَاءٌ أَمْكَنَ وَرَثَتَهُ أَنْ يَسْتَوْفُوا مِنْ الشَّرِيكِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ. وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ وَرَثَةِ الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (١٢/ ١٣٣):
«قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَوْلِيَاءُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ فَقَتَلَ الْقَاتِلَ انْقَسَمَتْ حَالُهُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذَنْ أَخِيهِ وَشَرِيكِهِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ بِقَتْلِهِ مُتَعَدِّيًا، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْقَوَدَ فِي حَقِّهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَفْوِ أَخِيهِ وَعِلْمِهِ بِعَفْوِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِهَذَا الْقَتْلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِسُقُوطِهِ فِي حَقِّهِمَا بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ إِذْنٌ وَلَا عَفْوٌ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
[ ١٢ / ٩ ]
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالْقَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْمَنْعِ مِنَ القَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِرَفْعِ الشُّبْهَةِ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الحَاكِمِ فِيهِ حُكْمٌ بِتَمْكِينٍ وَلَا مَنْعٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ كَالْأَمَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، إِذَا وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ نَفْسًا اسْتُحِقَّ بَعْضُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَادَ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي لَمْ يُسْتَحَقَّ بَعْضُهَا، لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ كَمَا لَا يُقَادُ الْحُرُّ بِمَنْ نِصْفُهُ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ فِي قَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ كَمَا يَجِبُ فِي قَتْلِ جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْقَتْلِ يُقَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ مُتْلِفٌ لِبَعْضِ النَّفْسِ، كَمَا يُقَادُ بِهِ إِذَا
[ ١٢ / ١٠ ]
انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، كَذَلِكَ هَذَا الشَّرِيكُ قَدْ صَارَ قَاتِلًا لِبَعْضِ النَّفْسِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِبَعْضِ النَّفْسِ كَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْقَوَدِ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ الْقَوَدَ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا صِحَّةَ حُكْمِهِ مِنَ الأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِيجَابًا وَإِسْقَاطًا.
فصل:
فإذا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ تَفَرَّعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا قيل بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُهَا، وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ دِيَةِ أَبِيهِ إِذَا جَعَلَ الدَّيْنَ الْمُتَمَاثِلَ قَصَاصًا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَبَقِيَ لِأَخِيهِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ، وَفِي انْتِقَالِ حَقِّهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ وَيَرْجِعُ الْأَخُ بِحَقِّهِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَيَرْجِعُ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِلْ حَقُّ الْأَخِ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ فَلَمْ
[ ١٢ / ١١ ]
يَنْتَقِلْ إِلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ أَخِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَبْرَأَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبَ لِلْأَخِ الْقَاتِلِ بَرِئَ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ لَمْ يَبْرَأْ، لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدِيةِ مُسْتَحَقٌّ لِوَرَثَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَخُ ورثة قاتل أبيه برؤا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ انْتَقَلَ حَقُّ الْأَخِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْقَتْلِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِمَا مِنْ قَتْلِ أَبِيهِمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُمَا وَدِيعَةٌ فَأَخَذَهَا أَحَدُهُمَا مِنَ المُودِعِ كَانَ قَابِضًا لِحَقِّهِمَا، وَلِلْأَخِ مُطَالَبَتُهُ بِحَقِّهِ مِنْهَا دُونَ الْمُودِعِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ بَرِئَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ وَصَارَ مَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ لِأَخِيهِ دُونَهُ، فَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ بَرِئَ وَلَوْ أَبْرَأَهُ وَرَثَةُ قَاتِلِ أَبِيهِ لَمْ يَبْرَأْ، وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الْقَوَدَ عَلَى وَلِيِّ الْقَاتِلِ وَاجِبٌ فَلِوَرَثَةِ الْقَاتِلِ لِأَبِيهِ الْخِيَارُ، بَيْنَ أَنْ يَقْتَصُّوا أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
فَإِنِ اقْتَصُّوا فَقَدِ اسْتَوْفَوْا حَقَّهُمْ قَوَدًا، وَعَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ قَتِيلِهِ يَكُونُ نِصْفُهَا لِوَلِيِّهِ الْبَاقِي، وَنِصْفُهَا لِوَرَثَةِ وَلِيِّهِ الْمَقْتُولِ قَوَدًا، وَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ لَهُمْ دِيَةُ أَبِيهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ مقتولة، فيبرؤوا مِنْ نِصْفِهَا وَهُوَ حَقُّ الْقَاتِلِ، وَيَبْقَى لَهُمْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي انْتِقَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ نِصْفِهَا لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَهُوَ الْوَلِيُّ الْقَاتِلُ قَوْلَانِ
[ ١٢ / ١٢ ]
عَلَى مَا مَضَى، لَوْ قِيلَ بِسُقُوطِ الْقَوَدِ حُكْمًا وَتَفْرِيعًا فَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جميعًا سقط فِي قَتْلِ أَبِيهِمْ وَوَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ دِيَةُ قَتِيلِهِ لِوَلِيِّهِ لِيَسْتَوِيَ فِيهَا الْقَاتِلُ وَغَيْرُ الْقَاتِلِ، وَيَجْرِيَ قَتْلُ أَبِيهِمْ بَعْدَ عَفْوِهِمْ مَجْرَى مَوْتِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ سَقَطَتْ عَنْهُ دِيَةُ قَتِيلِهِ، وَوَجَبَت لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِالْمُرَاضَاةِ عِنْدَ النُّزُولِ عَنِ الْقِصَاصِ الْمُمْكِنِ، وَالْمَوْتُ قَدْ مَنَعَ إِمْكَانَ الْقِصَاصِ فَمَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَاسْتِدْلَالًا بَعْدَهُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بِتَلَفِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ يُوجِبُ سُقُوطَ الدِّيَةِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ الْقِصَاصُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى الدِّيَةِ عِنْدَ تَلَفِهِ، لَصَارَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَمَا أَحَدٌ يَضْمَنُ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا غَيْرُهُ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ بِنَائِهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ مُرَاضَاةٍ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ "فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ" وَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ حَقَّيْنِ، إِذَا فَاتَهُ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي
[ ١٢ / ١٣ ]
الْآخَرِ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ انْتَقَلَ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي أَخَفِّ الْقَتْلَيْنِ مِنَ الخَطَأِ كَانَ وُجُوبُهَا فِي أَغْلَظِهِمَا مِنَ العَمْدِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مُمَاثَلَةٌ لِجِنْسٍ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ إِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمِثْلِ أَنْ يُسْتَحَقَّ الِانْتِقَالُ إِلَى بَدَلِهِ مِنَ المَالِ، كَمَنِ اسْتَهْلَكَ ذَا مِثْلٍ مِنَ الطَّعَامِ فَأَعْوَزَ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهِ.
فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَلَمْ تَسْقُطِ الدِّيَةُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنْ لِتَعَذُّرِ وَجُودِهَا بِعَدَمِ مِلْكِهِ وَقَفَ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْحُرُّ مُعْسِرًا.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ " فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا حَيًّا بِبَذْلِ الدِّيَةِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا مَيِّتًا بِوُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ قَتِيلِهِ لا من نفسه» اهـ.
الشرط الثاني: أن يكون المقتول مكافئًا للقاتل في الإسلام، فلا يقاد مسلم بكافر، لما رواه البخاري (١١١) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ
[ ١٢ / ١٤ ]
الصَّحِيفَةِ». قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».
وما رواه أحمد (٦٦٦٢، ٦٦٩٠، ٦٧٩٦)، والترمذي (١٤١٣)، وابن ماجة (٢٦٥٩) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهذا الذي سار عليه العلماء، وشذ النخعي والشعبي وأصحاب الرأي فقالوا: يقتل المسلم بالذمي خاصة.
الثالث: ألَّا يكون المقتول ممن أبيح دمه لله تعالى كالزاني المحصن، فأمَّا لو قتل قاتلًا متعمدًا وهو من غير الأولياء ولا وكيلًا لهم فيقاد به، وذلك أنَّ قتله غير متحتم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٥٦): «فصل: وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص ولورثة الأول الدية في تركة الجاني الأول، وبهذا قال الشافعي. وقال الحسن ومالك: يقتل قاتله ويبطل دم الأول
[ ١٢ / ١٥ ]
لأنَّه فات محله فأشبه ما لو قتل العبد الجاني، وروي عن قتادة وأبي هاشم: لا قود على الثاني لأنَّه قتل مباح الدم فلم يجب بقتله قصاص كالزاني المحصن.
ولنا على وجوب القصاص على قاتله أنَّه محل لم يتحتم قتله ولم يبح لغير ولي الدم قتله فوجب القصاص بقتله كما لو كان عليه دين.
ولنا على وجوب الدية في تركة الجاني الأول أنَّ القصاص إذا تعذر وجبت الدية كما لو مات أو عفا بعض الشركاء أو حدث مانع» اهـ.
الرابع، والخامس: البلوغ، والعقل.
وذلك لما رواه أحمد (٨٩٦، ٩١٠، ١١٢٢، ١٢٥٨، ١٢٩٠، ١٢٩٢) وأبو داود (٣٨٢٣، ٣٨٢٤، ٣٨٢٥)، والترمذي (١٣٤٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵇، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ.
وأمَّا من أذهب عقله باختياره كالسكران فإنَّه يقاصص إذا قتل عمدًا، ولولا ذلك لصار من يريد قتل شخص يشرب شيئًا من الخمر قبل قتله حتى لا يقاصص به.
وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنَّه لا يقاد السكران.
[ ١٢ / ١٦ ]
السادس: أن لا يكون القاتل والدًا.
وذلك لما رواه أحمد (٣٤٦)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجة (٢٦٦٢) من طريق حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَمْدًا، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثَلاثِينَ حِقَّةً وَثَلاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ ثَنِيَّةً، وَقَالَ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ، وَلَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» لَقَتَلْتُكَ.
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف مدلس، وهذا لفظ أحمد، ورواه الترمذي (١٣٩٩) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ قَالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِيدُ الأَبَ مِنْ ابْنِهِ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ».
وفيه المثنى بن الصباح شديد الضعف، وحديث حجاج أصح منه. وابن عياش ضعيف في غير الشاميين وهذا من روايته عن غير الشاميين.
ورواه الدارقطني (٣٢٧٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٤٢)، و[الصُّغْرَى]، وفي [الْمَعْرِفَةِ] (٥٠٥٥) من طريق مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ بنْ وَارَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ
[ ١٢ / ١٧ ]
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنَ ابْنِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقَادُ وَالِدٌ مِنْ وَلَدٍ».
قُلْتُ: تصريح ابن لهيعة بالسماع في هذا الإسناد لعله من أوهام النساخ، وإلَّا فإنَّ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ قَالَ فِي [الْمَرَاسِيْلِ] (ص: ٢٢): «سمعت أبي يقول: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا» اهـ.
ورواه أحمد (٩٨) حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَذَفَ رَجُلٌ ابْنًا لَهُ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لَقَتَلْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَبْرَحَ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مجاهد وعمر.
ورواه الدارقطني (٣٢٨١) حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَيَّارٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
[ ١٢ / ١٨ ]
الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُقَادُ الْأَبُ بِالِابْنِ».
قُلْتُ: ابن رستم مختلف فيه وثقه ابن معين، وقال فيه ابن عدي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بذاك، محله الصدق، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وفي سماع ابن المسيب من عمر نزاع.
ويشهد له ما رواه الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجة (٢٦٦١) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ».
هذا لفظ ابن ماجة، ولفظ الترمذي: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، وَلَا يُقْتَلُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ».
قُلْتُ: فيه إسماعيل بن مسلم وهو المكي ضعيف الحديث، لكنه متابع تابعه عبيد الله بن الحسن العنبري الثقة، وحديثه عند الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٢٧٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٤٥)، لكن في السند إليه عمر بن عامر أبو حفص السعدي التمار، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٢٠٩): «روى عنه أبو قلابة، ومحمد بن مرزوق حديثًا باطلًا» اهـ.
[ ١٢ / ١٩ ]
وتابعهما قتادة، وحديثه عند البزار (٤٨٣٤) لكن في الإسناد إليه شيخ البزار محمد بن هارون البغدادي أبو نشيط لم يوثقه معتبر، وفيه سعيد بن بشير ضعيف الحديث.
ورواه الدارقطني (٣٢٧٧) من طريق يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا».
قُلْتُ: يحيى بن أبي أنيسة متروك الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٣٩): «وجملته أنَّ الأب لا يقتل بولده والجد لا يقتل بولد ولده وإن نزلت درجته وسواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات وممن نقل عنه أنَّ الوالد لا يقتل بولده عمر بن الخطاب ﵁، وبه قال ربيعة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذر: يقتل به لظاهر آي الكتاب والأخبار الموجبة للقصاص، ولأنَّهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين. وقال ابن المنذر: قد رووا في هذا
[ ١٢ / ٢٠ ]
أخبارًا. وقال مالك: إن قتله حذفًا بالسيف ونحوه لم يقتل به، وإن ذبحه أو قتله قتلًا لا يشك في أنَّه عمد إلى قتله دون تأديبه أقيد به» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما دلت عليه السنة.
ويدخل في الوالد القريب والبعيد، ويدخل في معناه الأم والجدة.
ولعل النبي ﷺ لم ينص على الأم لندور هذا الفعل منها لقوة شفقتها على ولدها. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٠ - ٣٤١): «فصل: والجد وإن علا كالأب في هذا وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب وقال الحسن بن حي: يقتل به.
ولنا أنَّه والد فيدخل في عموم النص ولأنَّ ذلك حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد كالمحرمية والعتق إذا ملكه والجد من قبل الأب كالجد من قبل الأم لأنَّ ابن البنت يسمى ابنًا قال النبي ﷺ في الحسن: "إنَّ ابني هذا سيد".
مسألة: قال: والأم في ذلك كالأب.
[ ١٢ / ٢١ ]
هذا الصحيح من المذهب وعليه العمل عند مسقطي القصاص عن الأب وروي عن أحمد ﵀ ما يدل على أنَّه لا يسقط عن الأم فإنَّ مهنا نقل عنه في أم ولد قتلت سيدها عمدًا تقتل وقال من يقتلها؟ قال: ولدها. وهذا يدل على إيجاب القصاص على الأم بقتل ولدها وخرجها أبو بكر على روايتين إحداهما: أنَّ الأم تقتل بولدها لأنَّه لا ولاية لها عليه فيقتل به كالأخ والصحيح الأول لقول النبي ﷺ: "لا يقتل والد بولده". ولأنَّها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأنَّها أولى بالبر فكانت أولى بنفي القصاص عنها والولاية غير معتبرة بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه وعن الجد ولا ولاية له وعن الأب المخالف في الدين أو الرقيق والجدة وإن علت في ذلك كالأم وسواء في ذلك من قبل الأب أو من قبل الأم لما ذكرنا في الجد.
فصل: وسواء كان الوالد مساويًا للولد في الدين والحرية أو مخالفًا له في ذلك لأنَّ انتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال فلو قتل الكافر ولده المسلم أو قتل المسلم ولده الكافر أو قتل العبد ولده الحر أو قتل الحر ولده العبد لم يجب القصاص لشرف الأبوة فيما إذا قتل ولده وانتفاء المكافأة فيما إذا قتل والده» اهـ.
[ ١٢ / ٢٢ ]
ويدخل في معنى ذلك ما إذا كان الولد وارثًا لدم أبيه أو بعضه فلا يصح منه أن يقاصص أباه.
ومن أمثلة ذلك: إذا قتل أحد الزوجين الآخر ولهما ولد، فإنَّه لا يقاد أحد الزوجين بالآخر، وذلك أنَّه لا يحق للولد أن يقيد أحد والديه، وإذا كان لا يشرع للوالد قصاص إذا قتل ولده، لقول النبي ﷺ: «لا يقاد الوالد بالولد» فمن باب أولى أن لا يقتص الولد من الوالد إذا جنى الوالد على غير ولده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٣): «فصل: ولو قتل أحد الأبوين صاحبه، ولهما ولد، لم يجب القصاص؛ لأنَّه لو وجب لوجب، لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده؛ لأنَّه إذا لم يجب بالجناية عليه، فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، أو كان للمقتول ولد سواه، أو من يشاركه في الميراث، أو لم يكن؛ لأنَّه لو ثبت القصاص، لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه، سقط كله؛ لأنَّه لا يتبعض. وصار كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه.
فإن لم يكن للمقتول ولد منهما، وجب القصاص، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
[ ١٢ / ٢٣ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٤): «فصل: ولو قتل رجل أخاه، فورثه ابنه، أو أحدًا يرث ابنه منه شيئًا من ميراثه، لم يجب القصاص؛ لما ذكرنا.
ولو قتل خال ابنه، فورثت أم ابنه القصاص أو جزءًا منه، ثم ماتت بقتل الزوج أو غيره، فورثها ابنه، سقط القصاص؛ لأنَّ ما منع مقارنًا أسقط طارئًا، وتجب الدية.
ولو قتلت المرأة أخا زوجها، فصار القصاص أو جزء منه لابنها، سقط القصاص، سواء صار إليه ابتداء، أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره؛ لما ذكرنا» اهـ.
السابع: واشترط الأكثر أن لا يكون شريكًا لمخطئ.
قُلْتُ: وفي هذا نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٦٧): «مسألة: قال: "وإذا قتلاه، وأحدهما مخطئ، والآخر متعمد، فلا قود على واحد منهما، وعلى العامد نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة المخطئ نصفها، وعليه في ماله عتق رقبة مؤمنة".
أمَّا المخطئ، فلا قصاص عليه؛ للكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
[ ١٢ / ٢٤ ]
وأمَّا السنة، فقول النبي ﷺ: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
وأجمع أهل العلم على أنَّه لا قصاص عليه، وأمَّا شريكه فأكثر أهل العلم لا يرون عليه قصاصًا.
وبه قال النخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن أحمد، أنَّ عليه القصاص. وحكي ذلك عن مالك؛ لأنَّه شارك في القتل عمدًا عدوانًا، فوجب عليه القصاص، كشريك العامد؛ ولأنَّ مؤاخذته بفعله، وفعله عمد وعدوان لا عذر له فيه.
ولنا، أنَّه قتل لم يتمحض عمدًا، فلم يوجب القصاص، كشبه العمد، وكما لو قتله واحد بجرحين عمدًا وخطأ، ولأنَّ كل واحد من الشريكين مباشر ومتسبب، فإذا كانا عامدين، فكل واحد متسبب إلى فعل موجب للقصاص، فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه، وها هنا إذا أقمنا المخطئ مقام العامد، صار كأنَّه قتله بعمد وخطأ، وهذا غير موجب» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي معنىً قويًا في إسقاط القصاص، والأقوى أن يؤاخذ المتعمد بفعله فيقاصص به. والله أعلم.
[ ١٢ / ٢٥ ]
وأمَّا إذا كانت المشاركة في القتل بين رجلين أو أكثر قد تعمدوا القتل لكن في بعضهم مانع في نفسه يمنع من مقاصصته كالأب مثلًا ففي ذلك نزاع بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: لا قصاص عليه، وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، والأكثر وجوب القصاص عليه وهو الصحيح إن شاء الله تعالى فإنَّ القتل العمد قد حصل من جميعهم، وكون بعضهم وجد فيه مانع شرعي من مقاصصته فلا يمنع ذلك من مقاصصة من لم يوجد فيه ذلك المانع الشرعي، وشَبِيْهُ ذلك عفو بعض الأولياء عن بعض القتلة فإنَّه لا يمنع من مقاصصة غيرهم.
وهكذا اختلف العلماء إذا ما اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ، هل يجب القصاص على البالغ؟ على قولين:
القول الأول: أنَّه لا يجب القصاص عليه. وهو قول الحسن والأوزاعي وإسحاق. وإليه ذهب الحنفية، والشافعية في أحد القولين وأحمد في رواية. وهو أيضًا قول المالكية في اشتراك المجنون والبالغ.
القول الثاني: يجب القصاص عليه. وهو قول قتادة والزهري وحماد. وهو القول الثاني للشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى. وإليه ذهب المالكية في اشتراك الصبي والبالغ.
[ ١٢ / ٢٦ ]
قُلْتُ: الأظهر في جميع ما سبق وجوب القصاص على المتعمد. والله أعلم.
الشرط الثامن: أن لا يكون القاتل وارثًا لبعض دمه أو لجميعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٦ - ٣٤٨): «فصل: ابنان قتل أحدهما أباه، والآخر أمه، فإن كانت الزوجية بينهما موجودة حال قتل الأول، فالقصاص على قاتل الثاني دون الأول؛ لأنَّ القتيل الثاني ورث جزءًا من دم الأول، فلما قتل ورثه قاتل الأول، فصار له جزء من دم نفسه، فسقط القصاص عنه، ووجب له القصاص على أخيه، فإن قتله، ورثه إن لم يكن وارث سواه؛ لأنَّه قتل بحق، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت، وتقاصا بما بينهما، وما فضل لأحدهما فهو له على أخيه.
وإن لم تكن الزوجية بين الأبوين قائمة، فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه؛ لأنَّه ورث الذي قتله أخوه وحده دون قاتله، فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه، فقد استوفى حقه، وسقط القصاص عنه؛ لأنَّه يرث أخاه؛ لكونه قتلًا بحق، فلا يمنع الميراث، إلَّا أن يكون للمقتول ابن، أو ابن ابن يحجب القاتل، فيكون له قتل عمه، ويرثه إن لم يكن له وارث سواه.
[ ١٢ / ٢٧ ]
وإن تشاحا في المبتدئ منهما بالقتل، احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول؛ لأنَّه أسبق، واحتمل أن يقرع بينهما.
وهذا قول القاضي، ومذهب الشافعي؛ لأنَّهما تساويا في الاستحقاق، فيصيرا إلى القرعة، وأيهما قتل صاحبه أولًا، إمَّا بمبادرة أو قرعة، ورثه، في قياس المذهب، إن لم يكن له وارث سواه، وسقط عنه القصاص، وإن كان محجوبًا عن ميراثه كله، فلو ورث القتيل قتل الآخر.
وإن عفا أحدهما عن الآخر، ثم قتل المعفو عنه العافي، ورثه أيضًا، وسقط عنه ما وجب عليه من الدية.
وإن تعافيا جميعًا على الدية، تقاصا بما استويا فيه، ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب؛ لأنَّ عقل الأم نصف عقل الأب.
ويتخرج أن يسقط القصاص عنهما؛ لتساويهما في استحقاقه، كسقوط الديتين إذا تساوتا، ولأنَّه لا سبيل إلى استيفائهما معًا، واستيفاء أحدهما دون الآخر حيف، فلا يجوز، فتعين السقوط.
[ ١٢ / ٢٨ ]
وإن كان لكل واحد منهما ابن يحجب عمه عن ميراث أبيه، فإذا قتل أحدهما صاحبه، ورثه ابنه، ثم لابنه أن يقتل عمه، ويرثه ابنه، ويرث كل واحد من الابنين مال أبيه ومال جده الذي قتله عمه دون الذي قتله أبوه.
وإن كان لكل واحد منهما بنت، فقتل أحدهما صاحبه، سقط القصاص عنه؛ لأنَّه ورث نصف مال أخيه ونصف قصاص نفسه، فسقط عنه القصاص، وورث مال أبيه الذي قتله أخوه ونصف مال أخيه ونصف مال أبيه الذي قتله هو، وورثت البنت التي قتل أبوها نصف مال أبيها ونصف مال جدها الذي قتله عمها، ولها على عمها نصف دية قتيله» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٥٦): «وكذلك لو قتل كل واحد منهما أحد الأبوين، ولم يكونا زوجين، فلكل واحد منهما القصاص على أخيه، إلَّا أنَّه لا يمكن أحدهما الاستيفاء إلَّا بإبطال حق الآخر فيسقطان» اهـ.
قُلْتُ: القول بسقوط القصاص عنهما لعله أقرب إلى الصواب لما فيه من العدل بين القاتلين. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٨): «فصل: أربعة إخوة، قتل الأول الثاني، والثالث الرابع، فالقصاص على الثالث؛ لأنَّه لما قتل الرابع، لم
[ ١٢ / ٢٩ ]
يرثه، وورثه الأول وحده، وقد كان للرابع نصف قصاص الأول، فرجع نصف قصاصه إليه، فسقط، ووجب للثالث نصف الدية، وكان للأول قتل الثالث؛ لأنَّه لم يرث من دم نفسه شيئًا، فإن قتله، ورثه في ظاهر المذهب، ويرث ما يرثه عن أخيه الثاني، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت عليه بكمالها يقاصه بنصفها.
وإن كان لهما ورثة، كان فيها من التفصيل مثل الذي في التي قبلها» اهـ.
قُلْتُ: ومن أمثلة ذلك أن يقتل ولد أباه، وللولد أخ، ثم يموت الأخ صاحب الحق في القصاص، ولا وارث له إلَّا أخوه القاتل، فيصبح القاتل وارث دم نفسه من أخيه، فيسقط القصاص؛ لأنَّ القصاص لا يتجزأ أو لا يتبعض.
٥ - ويدخل في عمومه قتل الحر بالعبد المسلم.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح لعموم الحديث، ولا أعلم لمن منع من ذلك حجة صحيحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٢٣): «فصل: ولا يقتل السيد بعبده، في قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن النخعي وداود، أنَّه يقتل به» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٨٥):
[ ١٢ / ٣٠ ]
«وليس في العبد نصوص صريحة صحيحة» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على ذلك عموم ما رواه أحمد (٩٥٩، ٧٠١٢)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٥) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ …». الحديث.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وله عدة شواهد يصح بها.
٦ - ويحتج بِقَوْلِهِ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» لمذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايات عنهما، من أنَّه يتعين في قتل العمد القود، فليس للأولياء أن ينتقلوا إلى غيره إلَّا برضا القاتل.
قُلْتُ: لكن يرد هذا المذهب ما رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ». وهذا مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن مالك وأحمد، وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٦): «فصل: وقوله ﷺ في الخطبة: "ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إمَّا
[ ١٢ / ٣١ ]
أن يقتل، وإمَّا أن يأخذ الدية" فيه دليل على أنَّ الواجب بقتل العمد لا يتعين في القصاص، بل هو أحد شيئين: إمَّا القصاص، وإمَّا الدية.
وفى ذلك ثلاثة أقوال: وهي روايات عن الإمام أحمد.
أحدها: أنَّ الواجب أحد شيئين، إمَّا القصاص، وإمَّا الدية، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانًا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدية، فيه وجهان. أشهرهما مذهبًا: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلَّا الدية أو دونها، وهذا أرجح دليلًا، فإن اختار الدية، سقط القود، ولم يملك طلبه بعد، وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والقول الثاني: أنَّ موجبه القود عينًا، وأنَّه ليس له أن يعفو إلى الدية إلَّا برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني، فقوده بحاله، وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة.
والقول الثالث: أنَّ موجبه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم يرض
[ ١٢ / ٣٢ ]
الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية، فرضى الجاني، فلا إشكال، وإن لم يرض، فله العود إلى القصاص عينًا، فإن عفا عن القود مطلقًا، فإن قلنا: الواجب أحد الشيئين، فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينًا، سقط حقه منها.
فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟
قلنا: في ذلك قولان: أحدهما: تسقط الدية، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنَّ الواجب عندهم القصاص عينًا، وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإنَّ أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيد، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن، حيث لا يسقط الحق لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.
وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته، لأنَّه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجب الدية لئلا يذهب الورثة من الدم والدية مجانًا.
فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص، ثم اختار بعده العفو إلى الدية، هل له ذلك؟.
قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أنَّ له ذلك، لأنَّ القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، والثاني: ليس له ذلك، لأنَّه لما اختار القصاص، فقد أسقط الدية باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها.
[ ١٢ / ٣٣ ]
فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث، وبين قوله ﷺ: "من قتل عمدًا، فهو قود"؟
قيل: لا تعارض بينهما بوجه، فإنَّ هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد، وقَوْلُهُ: "فهو بخير النظرين" يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله، وهو الدية، فأي تعارض؟، وهذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾، وهذا لا ينفى تخيير المستحق له بين ما كتب له، وبين بدله. والله أعلم» اهـ.
٧ - وقَوْلُهُ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» يدل على أنَّه لا يقتل غير القاتل كمن أمسك شخصًا فقتله آخر من غير أن يكون قد حصل تمالوءٌ منهما.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ] (٦/ ١٧٥): «ثم إذا أمسك واحد وقتله الآخر فمالك يوجب القود على الممسك والقاتل وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت كما روي عن ابن عباس، وقيل: لا قود إلَّا على القاتل كقول أبي حنيفة والشافعي» اهـ.
[ ١٢ / ٣٤ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٧٤ - ٧٧) - عند كلامه على قضاء علي بن أبي طالب ﵁: «وقضى في رجل فرَّ من رجل يريد قتله فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله وبقربه رجل ينظر إليهما وهو يقدر على تخليصه فوقف ينظر إليه حتى قتله فقضى أن يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت وتفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر.
فذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم إلى القول بذلك إلَّا في فقء عين الناظر، ولعل عليًا رأى تعزيره بذلك مصلحة للأمة، وله مساغ في الشرع في مسألة فقء عين الناظر إلى بيت الرجل من خص أو طاقة كما جاءت بذلك السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا دافع لكونه جنى على صاحب المنزل ونظر نظرًا محرمًا لا يحل له أن يقدم عليه فجوز له النبي ﷺ أن يحذفه فيفقأ عينه وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية له ولا قصاص".
[ ١٢ / ٣٥ ]
وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سهل قال: اطلع رجل في حجرة رسول الله ﷺ ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: "لو أعلم أنَّك تنظر لطعنت بها في عينك إنَّما جعل الاستئذان من أجل النظر".
وفي صحيح مسلم عنه أنَّ رجلًا اطلع على النبي ﷺ من ستر الحجرة وفي يد النبي ﷺ مدرى فقال: "لو أعلم أنَّ هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينه وهل جعل الاستئذان إلَّا من أجل البصر".
أي لو أعلم أنَّه يقف لي حتى آتيه.
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ أنَّ رجلًا اطلع في بعض حجر النبي ﷺ فقال النبي ﷺ بمشقص فذهب نحو الرجل يختله ليطعنه به قال فكأني أنظر الى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه.
وفي سنن البيهقي وغيره عن أنس بن مالك أنَّ أعرابيًا أتى باب النبي ﷺ فألقم عينه خصاص الباب فبصر به النبي ﷺ فأخذ عودًا محددًا فوجأ عين الأعرابي فانقمع فقال: "لو ثبت لفقأت عينك". وفي الصحيحين من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ
[ ١٢ / ٣٦ ]
قال: "لو أنِّ امرءًا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما لكان عليك من جناح".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه".
وفي سنن البيهقي عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو أنَّ رجلًا اطلع في بيت رجل ففقأ عينه ما كان عليه فيه شيء".
فالحق هو الأخذ بموجب هذه السنن الصحيحة الصريحة، والناظر إلى القاتل يقتل المسلم وهو يستطيع أن يخلصه وينهاه أعظم إثمًا عند الله تعالى وأحق بفقء العين والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في ذلك حديث معضل، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٧٢، ٢٩٧٠٤)، والدارقطني (٣٢٧١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٤٥٣) من طريق وَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَجُلٍ أَمْسَكَ رَجُلًا، وَقَتَلَهُ آخَرُ أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسَ الْمُمْسِكُ».
[ ١٢ / ٣٧ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٨٩٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُصْبَرُ الصَّابِرُ».
قُلْتُ: هَذَا مُعْضَلٌ صَحِيْحُ الْإِسْنَادِ.
وجاء موصولًا فيما رواه الدارقطني (٣٢٧٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٤٥٢) من طريق أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ».
قُلْتُ: المحفوظ حديث وكيع.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٨/ ٥٠): «هذا غير محفوظ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٣٦٣): «وقال الدارقطني: والإرسال في هذا الحديث أكثر. وتبعه عبد الحق» اهـ.
ورواه الدارقطني (٣٢٦٨) نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، نا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا قَتَلَ، وَالْآخَرُ أَمْسَكَ، «فَقَتَلَ الَّذِي قَتَلَ، وَحَبَسَ الْمُمْسِكَ».
[ ١٢ / ٣٨ ]
قُلْتُ: محمد بن الفضل هو ابن عطية كذبه غير واحد.
وأمَّا الموقوف على علي بن أبي طالب ﵁ فقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٨٩٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ أَمْسَكَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ آخَرُ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُحْبَسُ الْمُمْسِكُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ».
قُلْتُ: إِسْنادُهُ صَحِيْحٌ إلى عطاء، وعطاء لم يسمع من علي بن أبي طالب ﵁.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (١٢/ ٦٠): «وعطاء عن علي، مرسل» اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٧٦) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِرَجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا وَأَمْسَكَ الْآخَرُ، فَقَتَلَ الَّذِي قَتَلَ وَقَالَ لِلَّذِي أَمْسَكَ: «أَمْسَكْتَهُ لِلْمَوْتِ، فَأَنَا أَحْبِسُكَ فِي السِّجْنِ حَتَّى تَمُوتَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ. فالأثر حسن من هذين الوجهين.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٧٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ قَضَى بِقَتَلِ الْقَاتِلَ، وَبِحَبَسِ الْمُمْسِكَ».
[ ١٢ / ٣٩ ]
قُلْتُ: وفيه جابر الجعفي متروك الحديث وقد كذبه ابن معين وغيره.
٨ - وقَوْلُهُ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» يدخل فيه المتسبب في القتل إذا لم يمكن تضمين المباشر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٧٤): «وقضى علي أيضًا في امرأة تزوجت فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة سرًا وجاء الزوج فدخل الحجلة فوثب إليه الصديق فاقتتلا فقتل الزوج الصديق، فقامت إليه المرأة فقتلته فقضى بدية الصديق على المرأة، ثم قتلها بالزوج، وإنَّما قضى بدية الصديق عليها لأنَّها هي التي عرضته لقتل الزوج له فكانت هي المتسببة في قتله وكانت أولى بالضمان من الزوج المباشر لأنَّ المباشر قتله قتلًا مأذونًا فيه دفعًا عن حرمته، فهذا من أحسن القضاء الذي لا يهتدي إليه كثير من الفقهاء وهو الصواب» اهـ.
ويدخل في ذلك من جمع بين شخص وبين أسد أو نمر في مكان ضيق، أو جمع بينه وبين حية في مكان ضيق فأكله السبع، أو نهشته الحية حتى مات فيقاد المتسبب في ذلك.
[ ١٢ / ٤٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٢٨٤): «الضرب الثالث: أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر، في مكان ضيق، كزبية ونحوها، فيقتله، فهذا عمد، فيه القصاص إذا فعل السبع به فعلًا يقتل مثله، وإن فعل به فعلًا لو فعله الآدمي لم يكن عمدًا، لم يجب القصاص به؛ لأنَّ السبع صار آلة للآدمي، فكان فعله كفعله.
وإن ألقاه مكتوفًا بين يدي الأسد، أو النمر، في فضاء، فأكله، فعليه القود.
وكذلك إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق، فنهشته فقتلته، فعليه القود.
وقال القاضي: لا ضمان عليه في الصورتين.
وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنَّ الأسد والحية يهربان من الآدمي، ولأنَّ هذا سبب غير ملجئ.
ولنا، أنَّ هذا يقتل غالبًا، فكان عمدًا محضًا، كسائر الصور.
وقولهم: إنَّهما يهربان. غير صحيح، فإنَّ الأسد يأخذ الآدمي المطلق، فكيف يهرب من مكتوف ألقي إليه ليأكله، والحية إنَّما تهرب في مكان واسع، أمَّا إذا ضاق المكان، فالغالب أنَّها تدفع عن نفسها بالنهش، على ما هو العادة.
وقد ذكر القاضي في من ألقي مكتوفًا في أرض مسبعة، أو ذات حيات، فقتلته، أنَّ في وجوب القصاص روايتين.
[ ١٢ / ٤١ ]
وهذا تناقض شديد؛ فإنَّه نفى الضمان بالكلية في صورة كان القتل فيها أغلب، وأوجب القصاص في صورة كان فيها أندر، والصحيح أنَّه لا قصاص ها هنا، ويجب الضمان؛ لأنَّه فعل به فعلًا متعمدًا تلف به لا يقتل مثله غالبًا» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الجمهور القود، وخالف أبو حنيفة فلم ير القود ولا الدية.
وهكذا لو ناول غيره طعامًا فيه سم ليأكله، أو شرابًا فيه سم يقتل غالبًا ليشربه دون أن يُعلمه بذلك فمات من ذلك فعليه القود، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنَّه لا قود عليه، وهذا قول غريب.
وهو مذهب الحنفية أيضًا.
قَالَ الْكَسَّانيُّ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (٧/ ٢٣٥):
«وَلَوْ أَطْعَمَ غَيْرَهُ سُمًّا فَمَاتَ، فَإِنْ كَانَ تَنَاوَلَ بِنَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي أَطْعَمَهُ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، لَكِنَّهُ يُعَزَّرُ، وَيُضْرَبُ، وَيُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، وَهِيَ الْغَرُورُ فَإِنْ أَوْجَرَهُ السُّمَّ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ» اهـ.
[ ١٢ / ٤٢ ]
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (١١/ ٢٨): «فصح أنَّ من أطعم آخر سمًا فمات منه: أنَّه لا قود عليه، ولا دية عليه، ولا على عاقلته؛ لأنَّه لم يباشر فيه شيئًا أصلًا، بل الميت هو المباشر في نفسه» اهـ.
قُلْتُ: هذا فتح لباب القتل على مصراعيه، فإنَّه يسهل على من أراد قتل غيره أن يفعل به ذلك.
وهكذا يدخل في ذلك تضمين المتسبب إن كانت المباشرة مبنية على السبب كالمُكره لغيره على القتل فإنَّه يقتل ويقتل المُكْرَه أيضًا.
وهكذا إذا قُتل شخص بشهادة زور ثم رجع شاهد الزور عن شهادته فإنَّه يُقتل شاهد الزور وإن لم يكن مباشرًا وذلك لتسببه في قتل نفس بغير حق. وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فيهما فلم ير القود بذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ] (٦/ ١٧٥): «وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلَّا على المباشر خاصة وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قويًا وجب على المباشر والمتسبب كالمكره والمكره وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد» اهـ.
[ ١٢ / ٤٣ ]
٩ - ويدخل فيه قتل الردء، كقطاع الطريق يقتل فيهم الردء والمباشر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ] (٦/ ١٧٥): «وأمَّا الردء فيما يحتاج فيه إلى المعاونة كقطع الطريق فجمهورهم على أنَّ الحد يجب على الردء والمباشرة جميعًا وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد وكان عمر بن الخطاب يأمر بقتل الربيئة وهو الناطور لقطاع الطريق» اهـ.
قُلْتُ: والمخالف في ذلك الإمام الشافعي.
١٠ - واحتج بِقَوْلِهِ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ». من ذهب إلى عدم قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله.
قُلْتُ: قتل الجماعة بالواحد هو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وعن أحمد رواية لا يقتلون بل يجب عليهم الدية، وهو قول جماعة من السلف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٥٠ - ٣٥١): «مسألة: قال: "ويقتل الجماعة بالواحد" وجملته أنَّ الجماعة إذا قتلوا واحدًا، فعلى كل واحد منهم القصاص، إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص.
[ ١٢ / ٤٤ ]
روي ذلك عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة. وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وحكي عن أحمد رواية أخرى، لا يقتلون به، وتجب عليهم الدية. وهذا قول ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود وابن المنذر.
وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس.
وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري، أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأنَّ كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
فمقتضاه أنَّه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، ولأنَّ التفاوت في الأوصاف يمنع، بدليل أنَّ الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت في العدد أولى.
قال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد.
[ ١٢ / ٤٥ ]
ولنا، إجماع الصحابة ﵃، روى سعيد بن المسيب، أنَّ عمر بن الخطاب، قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا.
وعن ابن عباس أنَّه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعًا، ولأنَّها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، كحد القذف.
ويفارق الدية، فإنَّها تتبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأنَّ القصاص لو سقط بالاشتراك، أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح مذهب الجمهور، إذ كل فرد من أفراد المشتركين بالقتل إن قتل قصاصًا فهو داخل في قَوْلِهِ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ». وإنَّما معنى من الحديث أنَّه لا يُقتل غير القاتل لا أنَّه لا يُقتل الجماعة بالواحد، ثم الألف واللام للجنس فيدخل فيه الجماعة.
[ ١٢ / ٤٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٥٢٦): «ولو لم تقتل الجماعة بالواحد لأدى ذلك إلى رفع الحياة في القصاص الذى جعله الله حياة ولم يشأ أحد أن يقتل أحدًا ثم لا يقتل به إلَّا دعا من يقتله معه لسقط عنه القتل» اهـ.
وروى البخاري (٦٨٩٦) فقال: وَقَالَ لِي ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: «لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ».
وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: ظاهر كلام الْحِافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (١٢/ ٢٢٧) أنَّ الحديث معلق حيث قال:
«وَهَذَا الْأَثَرُ مَوْصُولٌ إِلَى عُمَرَ بِأَصَحِّ إِسْنَادٍ وَقد أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ» إلخ.
وذكره أيضًا في [تَغْلِيْقِ الْتَعْلِيقِ] (٥/ ٢٥٠) برقم (٦٨٩٦).
وَقَال الْعَيْنِي ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٢٤/ ٥٥):
[ ١٢ / ٤٧ ]
«وَهَذَا الْأَثر مَوْصُول إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِسَنَد صَحِيح، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا الْعمريّ عَنْ نَافِع عَنْ ابْن عمر: أَنْ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ» إلخ.
ثم رأيت الْحَافِظَ الزَّيْلَعِيَّ ﵀ يَقُوْلُ فِي [نَصْبِ الرَّايَةِ] (٤/ ٣٥٣):
«وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَلَمْ يَصِلْ بِهِ سَنَدَهُ، وَلَفْظُهُ: وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً» إلخ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّه وقع التعليق في بعض نسخ البخاري فسقط منها لفظة "لي"، واقتصر فيها على لفظة: "وقال ابن بشار"، أو أنَّ زيادة "لي" في النسخ المطبوعة خطأ من قبل النسَّاخ، فالله أعلم.
وبناء على هذا فتكون زيادة "لي" في فتح الباري، وفي التغليق من قبيل النساخ إذ يبعد أن تكون موجودة فيهما ويحكم الحافظ ابن حجر على الحديث بالتعليق.
وعلى كل حال فقد وصله ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٦٩٥) فَقَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ بِرَجُلٍ وَقَالَ: «لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ».
[ ١٢ / ٤٨ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ العمري هو المصغر الثقة كما تدل عليه رواية البخاري، فإن قيل: وكيع روى عن العمري المكبر الضعيف ولم يرو عن المصغر.
فالجواب: أنَّ البيهقي قال في [الْمَعْرِفَةِ] (٦/ ٧٢): «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُكَاتَبِ، قَدْ رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ» اهـ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٥٢) لكن في إسناده أبو عبد الرحمن السلمي لا يعتمد عليه في الحديث.
ووصله (١٥٧٥٣) من وجه آخر بِإِسْنِادٍ حَسَنٍ.
ورواه الإمام مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٦١)، ومن طريقه الشافعي في [الْأُمِّ] (٦/ ٢٢)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٢٦٦)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٧٥) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁، قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ قُتِلَ غِيلَةً وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا».
قُلْتُ: ابن المسيب لم يسمع من عمر لكن مراسله جياد.
وهكذا رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٦٩) بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ بين ابن أبي مليكة وعمر.
[ ١٢ / ٤٩ ]
وللأثر طرق أخرى كثيرة.
قُلْتُ: وصح ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٢٦٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجَ رِجَالٌ سَفَرٌ فَصَحِبَهُمْ رَجُلٌ فَقَدِمُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَاتَّهَمَهُمْ أَهْلُهُ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: شُهُودُكُمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِلَّا حَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ، فَأَتَوْا بِهِمْ عَلِيًّا وَأَنَا عِنْدَهُ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فَاعْتَرَفُوا، فَسَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: «أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقُرُمُ» فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
واحتج جماعة من أهل العلم على قتل الجماعة بالواحد بما رواه البخاري (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١) عن أنس، ﵁: «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَبِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ
[ ١٢ / ٥٠ ]
فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ».
١١ - أنَّ الحديث حجة لأكثر العلماء في قتل الرجل بالمرأة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٤٩٠): «مسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة؛ ولقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة» اهـ.
قُلْتُ: وفي كتاب عمرو بن حزم: «وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ». رواه النسائي (٤٨٥٣) وغيره، وإسناد النسائي لا يثبت، وأصل الكتاب متلقى بالقبول عند أهل العلم.
١٢ - ويخرج من عموم الحديث ما إذا عفى بعض الورثة عن القود.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ جميع من كان وارثًا له حق العفو عن القصاص سواء كان من الذكور أو من الإناث، لما رواه أحمد (٢٧٢٠٤)، وأبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ١٢ / ٥١ ]
وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَإِنِّي عَاقِلُهُ، فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ويدخل في أهل الرجل جميع الوارثين له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٥٠٠/ ١٩/ ١ - ٢): «مسألة: قال: "ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، لم يكن إلى القصاص سبيل، وإن كان العافي زوجًا أو زوجة". أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنَّه أفضل.
والأصل فيه الكتاب والسنة؛ أمَّا الكتاب، فقول الله تعالى في سياق قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. إلى قَوْلُهُ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
قيل في تفسيره: فهو كفارة للجاني، يعفو صاحب الحق عنه.
وقيل: فهو كفارة للعافي بصدقته.
[ ١٢ / ٥٢ ]
وأمَّا السنة، فإنَّ أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص، إلَّا أمر فيه بالعفو. رواه أبو داود.
وفي حديثه في قصة الربيع بنت النضر، حين كسرت سن جارية، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعفا القوم.
إذا ثبت هذا، فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق لأحد إليه سبيل.
هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي.
وروي معنى ذلك عن عمر، وطاووس، والشعبي.
وقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو، والمشهور عن مالك، أنَّه موروث للعصبات خاصة.
وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأنَّه ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات. كولاية النكاح.
[ ١٢ / ٥٣ ]
ولهم وجه ثالث، أنَّه لذوي الأنساب دون الزوجين؛ لقول النبي ﷺ: "من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين؛ بين أن يقتلوا أو يأخذوا العقل".
وأهله ذوو رحمه.
وذهب بعض أهل المدينة إلى أنَّ القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأنَّ حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه، وقد تؤخذ النفس ببعض النفس، بدليل قتل الجماعة بالواحد.
ولنا، عموم قوله ﵇: "فأهله بين خيرتين".
وهذا عام في جميع أهله، والمرأة من أهله، بدليل قول النبي ﷺ: "من يعذرني من رجل يبلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلاَّ خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاَّ خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي". يريد عائشة.
وقال له أسامة: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلاَّ خيرًا.
وروى زيد بن وهب، أنَّ عمر أتي برجل قتل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي.
فقال عمر: الله أكبر، عتق القتيل. رواه أبو داود.
[ ١٢ / ٥٤ ]
وفي رواية عن زيد، قال: دخل رجل على امرأته، فوجد عندها رجلًا، فقتلها، فاستعدى إخوتها عمر، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية.
وروى قتادة، أنَّ عمر رفع إليه رجل قتل رجلًا، فجاء أولاد المقتول، وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: إنَّه قد أحرز من القتل.
فضرب على كتفه، وقال: كنيف ملئ علمًا. والدليل على أنَّ القصاص لجميع الورثة، ما ذكرناه في مسألة القصاص بين الصغير والكبير، ولأنَّ من ورث الدية ورث القصاص كالعصبة، فإذا عفا بعضهم، صح عفوه، كعفوه عن سائر حقوقه، وزوال الزوجية لا يمنع استحقاق القصاص، كما لم يمنع استحقاق الدية، وسائر حقوقه الموروثة.
ومتى ثبت أنَّه حق مشترك بين جميعهم، سقط بإسقاط من كان من أهل الإسقاط منهم؛ لأنَّ حقه منه له، فينفذ تصرفه فيه، فإذا سقط، سقط جميعه؛ لأنَّه مما لا يتبعض، كالطلاق والعتاق، ولأنَّ القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض، مبناه على الدرء والإسقاط، فإذا أسقط بعضهم، سرى إلى الباقي كالعتق، والمرأة أحد المستحقين، فسقط بإسقاطها كالرجل.
ومتى عفا أحدهم، فللباقين حقهم من الدية سواء عفا مطلقًا أو إلى الدية.
[ ١٢ / ٥٥ ]
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. ولا أعلم لهما مخالفًا ممن قال بسقوط القصاص؛ وذلك لأنَّ حقه من القصاص سقط بغير رضاه، فثبت له البدل كما لو ورث القاتل بعض دمه أو مات، ولما ذكرنا من خبر عمر ﵁» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر بن الخطاب لا أصل له عند أبي داود وقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨١٨٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا، فَأَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُ، فَقَالَتْ أُخْتُ الْمَقْتُولِ: وَهِيَ امْرَأَةُ الْقَاتِلِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ حِصَّتِي مِنْ زَوْجِي، فَقَالَ عُمَرُ: «عُتِقَ الرَّجُلُ مِنَ الْقَتْلِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأثر عمر الآخر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨١٨٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا، فَجَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَقَدْ عَفَا أَحَدُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَقُولُ: «إِنَّهُ قَدْ أُحْرِزَ مِنَ الْقَتْلِ» قَالَ: فَضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ ثُمَّ قَالَ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين قتادة وعمر.
١٣ - ويشمل الحديث من قتل بمحدد أو غيره كالمثقل.
[ ١٢ / ٥٦ ]
وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين.
وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة فقال: لا يجب القصاص إلَّا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفًا بقتل الناس كالمنجنيق، والإلقاء في النار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٢٧٨): «النوع الثاني: القتل بغير المحدد، مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهذا عمد موجب للقصاص أيضًا.
وبه قال النخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال الحسن: لا قود في ذلك. وروي ذلك عن الشعبي.
وقال ابن المسيب، وعطاء، وطاووس: العمد ما كان بالسلاح.
وقال أبو حنيفة: لا قود في ذلك، إلَّا أن يكون قتله بالنار. وعنه في مثقل الحديد روايتان» اهـ.
١٤ - وفي الحديث إباحة دم المرتد.
وقد دلت الأدلة المتكاثرة على ذلك فمنها:
[ ١٢ / ٥٧ ]
الدليل الأول: ما رواه البخاري (٣٠١٧) عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: «لَنْ، أَوْ: لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى اليَمَنِ». ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي.
الدليل الثالث: الإجماع.
[ ١٢ / ٥٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٤٤٤): «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد.
وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢٩٥): «وقد أجمعوا على قتله» اهـ.
قُلْتُ: وحصل النزاع في المرأة المرتدة فالأكثر على قتلها وهو الصحيح، وذهب بعض العلماء إلى حبسها ومنهم من ذهب إلى استرقاقها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٦٨):
«قال ابن المنذر قال الجمهور تقتل المرتدة. وقال علي: تسترق. وقال عمر بن عبد العزيز: تباع بأرض أخرى. وقال الثوري: تحبس ولا تقتل. وأسنده عن ابن عباس. قال: وهو قول عطاء. وقال أبو حنيفة: تحبس الحرة ويؤمر مولى الأمة أن يجبرها» اهـ.
١٥ - واحتج بالحصر الذي في الحديث من قال: إنَّ شارب الخمر لا يقتل في المرة الرابعة.
[ ١٢ / ٥٩ ]
وإلى هذا ذهب أكثر العلماء.
ومما يدل على أنَّ شار الخمر لا يُقتل في الرابعة حدًا ما رواه البخاري (٦٧٨٠) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وحجة من قال بقتله في الرابعة ما رواه أحمد (٧٧٤٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكن الحافظ الدارقطني يرى أنَّ الصحيح في حديث حديث أبي صالح إنَّما هو عن معاوية.
[ ١٢ / ٦٠ ]
ورواه أحمد (١٠٧٤٠) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ». فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «فَاقْتُلُوهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (٤٤٨٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣) من طريق عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٦٨٩٣) حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَعْبَدٍ الْقَاصِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
[ ١٢ / ٦١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ، فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ، فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ، فَاقْتُلُوهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وفي الباب أحاديث أخرى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٨٣): «وهذا من أجود ما يحتج به على أنَّ الأمر بقتل الشارب في "الثالثة" و"الرابعة" منسوخ؛ لأنَّ هذا أتى به ثلاث مرات وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث؛ ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك فإنَّ ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقدرًا في أصح قولي العلماء كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين؛ بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام فيفعلها عند المصلحة كغيرها من أنواع التعزير وكذلك صفة الضرب فإنَّه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب بخلاف الزاني والقاذف فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب» اهـ.
[ ١٢ / ٦٢ ]
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٦٠١): «وهذا التعزير ليس يقدر بل ينتهي إلى القتل كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلَّا بالقتل قُتل وحينئذ فمَن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلَّا بالقتل فيقتل قيل: ويمكن أن يخرج شارب الخمر في الرابعة على هذا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧): «وأمَّا ما ذكره من قتل شارب الخمر بعد الرابعة: فقد قال طائفة من العلماء: إنَّ الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع، وهذا هو الذي ذكره الترمذي وغيره. وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار أنَّ النبي ﷺ لم يقتله في الرابعة. وقال الإمام أحمد وقد قيل له: لم تركته؟ فقال: لحديث عثمان: "لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث". وفي ذلك كله نظر.
أمَّا دعوى الإجماع على خلافه: فلا إجماع. قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: ائتوني به في الرابعة، فعلي أن أقتله. وهذا مذهب بعض السلف.
[ ١٢ / ٦٣ ]
وأمَّا ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار. فإنَّما يتم بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله.
وأمَّا دعوى نسخه بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث". فلا يصح، لأنَّه عام، وحديث القتل خاص. والذي يقتضيه الدليل: أنَّ الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيز بحسب المصلحة فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل، ولهذا كان عمر ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر أربعين. فقتله في الرابعة: ليس حدًا، وإنَّما هو تعزيز بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق، إن صح، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ هذا الحديث من الأحاديث المنسوخة لما رواه أبو داود (٤٤٨٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنَا، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ»، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرَفَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةٌ.
[ ١٢ / ٦٤ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ. لكن يشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨١) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ» قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ: «فَإِذَا شَرِبُوا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُمْ».
قَالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَقَالَ: «قَدْ تُرِكَ الْقَتْلُ قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ أَوْ أَكْثَرَ».
ورواه أيضًا الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الآثَارِ] (٤٩٤٣) من وجه آخر عن ابن المنكدر.
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ، فَإِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ ذَكَرَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا.
[ ١٢ / ٦٥ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الثَّانِيَةَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الثَّالِثَةَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ، فَاقْتُلُوهُ» قَالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ قَدْ شَرِبَ فَضُرِبَ بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَحَدَّهُ وَوَضَعَ الْقَتْلَ.
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا وِإسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ.
قُلْتُ: فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.
وهو يدل على نسخ القتل في الرابعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٧): «وحديث قبيصة: فيه دلالة على أنَّ القتل ليس بحد، أو أنَّه منسوخ» اهـ.
قُلْتُ: الآثار ظاهرة في النسخ. والله أعلم.
١٦ - واحتج بالحصر الذي في الحديث من قال: إنَّ السارق لا يقتل بعد الرابعة.
وعلى هذا استقر إجماع العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٠٠): «قُلْتُ: نقل المنذري تبعًا لغيره فيه الإجماع ولعلهم أرادوا أنَّه استقر على ذلك وإلَّا فقد جزم
[ ١٢ / ٦٦ ]
الباجي في اختلاف العلماء أنَّه قول مالك، ثم قال: وله قول آخر لا يقتل. وقال عياض: لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به إلَّا ما ذكره أبو مصعب صاحب مالك في "مختصره" عن مالك وغيره من أهل المدينة. فقال: ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه، ثم إن عاد فرجله اليسرى، ثم إن عاد فيده اليسرى، ثم إن عاد فرجله اليمنى فإن سرق في الخامسة قتل كما قال رسول الله ﷺ وعمر بن عبد العزيز انتهى» اهـ.
وجاء في قتل السارق بعد الرابعة ما رواه أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي (٤٩٧٨) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْطَعُوهُ»، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ «اقْطَعُوهُ»، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْطَعُوهُ»، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ»، فَأُتِيَ بِهِ
[ ١٢ / ٦٧ ]
الْخَامِسَةَ، فَقَالَ «اقْتُلُوهُ»، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لضعف مصعب بن ثابت.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّسَائِي ﵀: «وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث، والله تعالى أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٤٨): «وهذا الحديث ليس بصحيح ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ» اهـ.
وقد تابع مصعبًا هشام بن عروة عند الدارقطني (٣٣٨٩) لكن في الإسناد إليه محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه، وهو ضعيف، وأبوه متروك الحديث.
ورواه (٣٣٩٠) من طريق ثانية إلى هشام لكن في الإسناد إليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة وقد رمي بالكذب والوضع.
ورواه (٣٣٩١) من طريق ثالثة حسنة إلى هشام بن عروة.
وروى النسائي (٤٩٧٧) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْمَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُوسُفُ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
[ ١٢ / ٦٨ ]
إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: «اقْطَعُوا يَدَهُ». قَالَ: ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا، ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ: «اقْتُلُوهُ» ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْإِمَارَةَ، فَقَالَ: أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ. فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ. لكن سبق كلام النسائي وهو قوله: «ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي - متعقبًا على الحاكم في قوله في [الُمسْتَدْرَكِ] (٤/ ٤٢٣): «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». -: «بل منكر» اهـ.
وذلك أنَّ فيه الأمر بقتل السارق في الأولى وهذا خلاف القرآن.
وروى أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٣٥٦٧)، وفي [الْحِلْيَّةِ] (٢/ ٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ أَبُو مَعْمَرٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَقَ
[ ١٢ / ٦٩ ]
مَتَاعًا فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدَيْدِ الضَّعْفِ من أجل حرام بن عثمان فإنَّه منكر الحديث.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٨/ ١٠): «حديث القتل لا أصل له، وقد ثبت عن النبي أن لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. ولم يذكر فيها السارق.
وقال في السرقة: "فاحشة وفيها عقوبة" ولم يذكر قتلًا.
وعلى هذا جمهور أهل العلم في الآفاق على المسلمين والحمد لله رب العالمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد تأول الحديث جماعة من أهل العلم على فرض ثبوته فَقَال الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٩٩): «وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي أنَّ هذا منسوخ، وقال بعضهم: هو خاص بالرجل المذكور فكأنَّ النبي ﷺ اطلع على أنَّه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة، ويحتمل أنَّه كان من المفسدين في الأرض» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٣١٤): «فقد يحتمل أن يكون هذا رجلًا مشهورًا بالفساد مخبورًا بالشر معلومًا من أمره أنَّه سيعود إلى
[ ١٢ / ٧٠ ]
سوء فعله ولا ينتهي عنه حتى ينتهي خبره ويحتمل أن يكون ما فعله إن صح الحديث فإنَّما فعله بوحي من الله سبحانه واطلاع منه على ما سيكون منه فيكون معنى الحديث خاصًا فيه والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٧) - عند كلامه على قتل الشارب في الرابعة -: «قتله في الرابعة: ليس حدًا، وإنَّما هو تعزيز بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق، إن صح، والله أعلم» اهـ.
١٧ - يشكل على الحصر الذي في الحديث مسائل منها:
الأولى: قتل المنازع للسلطان بالبيعة.
فقد روى مسلم (١٨٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا».
الثانية: قتل الساعي في شق عصا المسلمين.
لما رواه مسلم (١٨٥٢) عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ».
[ ١٢ / ٧١ ]
وفي لفظ له: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٢٤): «فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، وينهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلَّا بقتله فقتل كان هدرًا، فقوله ﷺ: "فاضربوه بالسيف"، وفي الرواية الأخرى: "فاقتلوه" معناه: إذا لم يندفع إلَّا بذلك» اهـ.
الثالثة: قتل الصائل إمَّا على النفس، أو العرض، أو المال.
لما رواه مسلم (١٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ».
قُلْتُ: ويمكن الجمع بين حديث الباب وبين هذه الأحاديث بحمل حديث الباب على من تعين قتله، فأمَّا ما في هذه الأحاديث فالقتل غير متعين، فإنَّه إذا اندفع شره بغير القتل فلا يقتل، وإذا ما أُسر أيضًا فلا يقتل.
[ ١٢ / ٧٢ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٠٢): «والتحقيق في جواب ذلك أنَّ الحصر فيمن يجب قتله عينًا وأمَّا من ذكرهم فإنَّ قتل الواحد منهم إنَّما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة بدليل أنَّه لو أسر لم يجز قتله صبرًا اتفاقًا في غير المحاربين وعلى الراجح في المحاربين أيضًا» اهـ.
الرابعة: قتال الفئة الباغية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
والجواب: أنَّه لا يلزم من المقاتلة القتل، ولهذا إذا أمكن إزالة البغي من غير مقاتلة لزم ذلك، وهكذا من أُسر من الفئة الباغية فلا يقتل، والحديث وارد فيمن تُعين قتله.
الخامسة: قتل الخوارج.
وقد جاء في قتلهم ما رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) عَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ،
[ ١٢ / ٧٣ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وما رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ فِي الْخَوَارِجِ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».
وفي لفظ عند البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤): «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».
قُلْتُ: من ذهب من أهل العلم إلى كفر الخوارج فهم داخلون عنده في قول النبي ﷺ: «وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
ومن لم ير كفرهم فيرى أنَّهم يعاملون معاملة البغاة فيقاتلون حتى ينكسر شرهم، ولا يلزم من المقاتلة القتل كما سبق بيانه. والله أعلم.
[ ١٢ / ٧٤ ]
١٨ - واحتج بالحديث من قال بعدم قتل تارك الصلاة لعدم ذكره في الثلاثة الأمور المبيحة للدم.
قُلْتُ: لا حجة في ذلك فإنَّ تارك الصلاة يعتبر مرتدًا على الصحيح من أقوال العلماء فيدخل في التارك لدينه.
* * *
[ ١٢ / ٧٥ ]
٣٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - شدة حرمة الدماء المعصومة.
٢ - ظاهر الحديث أنَّ الدماء يُقضى بها قبل كل شيء مطلقًا، ويشكل هذا مع ما رواه أحمد (١٦٦٦٥)، والنسائي (٤٦٧) من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والرجل هو أبو هريرة كما في رواية النسائي.
[ ١٢ / ٧٦ ]
ولحديث أبي هريرة طرق أخرى فرواه أحمد (٩٤٩٠)، وأبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١٤٢٥) من طريق أنس بن حكيم الضبي عن أبي هريرة. وأنس لا يعرف حاله.
ورواه النسائي (٤٦٥) من طريق قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة. وحريث ضعيف الحديث.
ورواه النسائي (٤٦٦) من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.
ورواه ابن ماجة (١٤٢٦) من طريق حميد عن الحسن عن رجل عن أبي هريرة.
قُلْتُ: المحفوظ حديث قتادة. والله أعلم.
وجاء من حديث ابن مسعود ﵁، رواه النسائي (٣٩٩١) أَخْبَرَنَا سَرِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ الْخَصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ».
قُلْتُ: وفيه سريع لا يعرف حاله، وشريك وهو النخعي القاضي ضعيف الحديث، والمعروف من الحديث رواية الصحيحين.
[ ١٢ / ٧٧ ]
وجاء من حديث تميم الداري عند ابن ماجة (١٤٢٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. وللحديث شواهد أخرى.
قُلْتُ: والجمع بين حديث الباب وهذا الحديث هو أن يحمل حديث الباب على ما يتعلق بحقوق العباد، وهذا الحديث على ما يتعلق بحقوق الله تعالى. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٩٦): «ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: "إنَّ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته". الحديث أخرجه أصحاب السنن لأنَّ الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق» اهـ.
٣ - ويدل الحديث على أنَّ أعظم حقوق الآدميين الدماء.
٤ - وفيه إثبات القضاء يوم القيامة.
* * *
[ ١٢ / ٧٨ ]