٣٨٧ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٥): «والحرير معروف وهو عربي سمي بذلك لخلوصه يقال لكل خالص محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره، وقيل هو فارسي معرب» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك قولهم: طين حر إذا لم يخالطه رمل، ويقال لمن ليس برقيق حرًا لأنَّه خالص لنفسه، والحرير هو خالص الْإِبْرَيْسَمِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة لبس الحرير على الرجال.
وقد حمله ابن الزبير ﵁ حتى على النساء، فروى مسلم (٢٠٦٩) من طريق خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذِبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ، يَقُولُ: أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
[ ١٤ / ٢٤٤ ]
ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٤٦): «هذا مذهب ابن الزبير، وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء كما سبق، وهذا الحديث الذي احتج به إنَّما ورد في لبس الرجال لوجهين:
أحدهما: أنَّه خطاب للذكور، ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أنَّ النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق.
والثاني: أنَّ الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم قبل هذا وبعده صريحة في إباحته للنساء، وأمره ﷺ عليا وأسامة بأن يكسواه نساءهما مع الحديث المشهور أنَّه ﷺ قال في الحرير والذهب: "إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها". والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولم ينفرد ابن الزبير بذلك فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٥): «فقال قوم يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين» اهـ.
[ ١٤ / ٢٤٥ ]
وقد اختلف العلماء عن العلة في تحريم الحرير على الرجال على أقوال:
الأول: من جهة الفخر والخيلاء.
الثاني: من جهة التشبه بالنساء.
الثالث: من جهة التشبه بالمشركين. ويدل على هذا ما رواه البخاري (٣٠٥٤)، ومسلم (٢٠٦٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، فَقَالَ: «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ».
الرابع: من جهة السرف، وفيها نظر، إذ لو كانت هذه هي العلة لحرمت على الإناث أيضًا.
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
الخامس: لكونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال، وهو يرث للرجال التخنث والتكسر.
قُلْتُ: ويستثنى من ذلك لبسه للحاجة، فقد روى البخاري (٢٩٢٠)، ومسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقَمْلَ، «فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا».
ورواه البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٠١):
«ورجح بن التين الرواية التي فيها الحكة، وقال: لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ. وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين. وقال ابن العربي: قد ورد أنَّه أرخص لكل منهما فالإفراد يقتضي أنَّ لكل حكمه.
قُلْتُ: ويمكن الجمع بأنَّ الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب» اهـ.
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٧٧ - ٨١): «هذا الحديث يتعلق به أمران؛ أحدهما: فقهي، والآخر: طبي.
فأمَّا الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته ﷺ إباحة الحرير للنساء مطلقًا، وتحريمه على الرجال إلَّا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إمَّا من شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحكة، وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح.
والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه.
ومن منع منه، قال: أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدرى أبلغت الرخصة من بعدهما، أم لا؟
والصحيح: عموم الرخصة، فإنَّه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخص له أولًا به، كقوله لأبي بردة في تضحيته
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
بالجذعة من المعز: "تجزيك ولن تجزى عن أحد بعدك"، وكقوله تعالى لنبيه ﷺ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وتحريم الحرير: إنَّما كان سدًا للذريعة، ولهذا أبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سدًا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهى سدًا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سدًا لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب: "التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير".
فصل: وأمَّا الأمر الطبي: فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأنَّ مخرجه من الحيوان، وهو كثير المنافع، جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب، وتفريحه، والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها، وهو مقو للبصر إذا اكتحل به، والخام منه وهو المستعمل في صناعة الطب حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل: حار رطب فيها.
[ ١٤ / ٢٤٩ ]
وقيل: معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه.
قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكَتَّان، وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن، فإنَّه يهزل، ويصلب البشرة وبالعكس.
قُلْتُ: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، وملابس الكَتَّان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن. فثياب الكَتَّان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه.
قال صاحب "المنهاج": "ولبسه لا يسخن كالقطن، بل هو معتدل، وكل لباس أملس صقيل، فإنَّه أقل إسخانًا للبدن، وأقل عونًا في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة".
ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائنين في غيرها، صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلَّا عن حرارة ويبس
[ ١٤ / ٢٥٠ ]
وخشونة، فلذلك رخص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجها مخالفًا لمزاج ما يتولد منه القمل.
وأمَّا القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن، فالمتخذ من الحديد، والرصاص، والخشب، والتراب … ونحوها.
فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث؟.
قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال.
ومثبتو التعليل والحكم وهم الأكثرون منهم من يجيب عن هذا بأنَّ الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره.
ومنهم من يجيب عنه بأنَّه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء.
[ ١٤ / ٢٥١ ]
ومنهم من قال: حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب.
ومنهم من قال: حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة، فإنَّ لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلَّا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فليسلم للشارع الحكيم، ولهذا كان أصح القولين: أنَّه يحرم على الولي أن يلبسه الصبى لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث.
وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها".
وفى لفظ: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى، وأحل لإناثهم".
وفى "صحيح البخاري" عن حذيفة، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه"، وقال: "هو لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"» اهـ.
قُلْتُ: ومنع الإمام مالك من لبس الحرير للحاجة، والصحيح حل ذلك.
[ ١٤ / ٢٥٢ ]
٢ - يدخل في تحريم لبس الحرير افتراشه.
وذلك لأنَّ الافتراش داخل في مسمى اللبس لغة، ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وهذا مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٧/ ١١٣): «وأمَّا من قال: إنَّما حرم لبسه لا فرشه، وهو أبو حنيفة فهي نزغة أعجمية لم يعلم ما هو اللباس في لغة العرب ولا في الشريعة، والفرش والبسط ليس لغة، وهو كذلك حرام على الرجال في الشريعة؛ ففي الصحيح عن أنس أنَّ النبي ﷺ جاء وذكر الحديث قال فيه: "فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس". وهذا نص» اهـ.
[ ١٤ / ٢٥٣ ]
قُلْتُ: وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٥٨٣٧) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ».
٣ - واحتج بعموم الحديث من ذهب إلى حرمة كثير الحرير، وقليله كالعلم الذي في الثوب، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵄.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على حل يسير الحرير، وهو ما رواه مسلم (٢٠٦٩) من طريق عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ،
[ ١٤ / ٢٥٤ ]
فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.
قُلْتُ: كسروانية: نسبة إلى كسرى ملك الفرس، واللبنة: رقعة في جيب القميص، وفرجاها: الشق في أسفلها، والكف: عطف أطراف الثوب.
وروى البخاري (٥٨٢٨)، ومسلم (٢٠٦٩) من طريق أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ»، قَالَ: فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلَامَ.
قُلْتُ: الأعلام ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما.
وروى مسلم (٢٠٦٩) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: «نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».
وسيأتي في آخر أحاديث كتاب اللباس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٥٠): «وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب
[ ١٤ / ٢٥٥ ]
الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، إن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله أعلم» اهـ.
٤ - ويخرج من الحديث الحرير المنسوج بغيره إذا كانت الغلبة والظهور لغير الحرير، وهكذا ما كان محشوًا بحرير كالجبة والفرش.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢٨٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ حَرِيرًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٨٧٩، ٢٨٥٩)، وأبو داود (٤٠٥٥) من طريق خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ، وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: وخصيف هو ابن عبد الرحمن في حديثه ضعف.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٠٠ - ٣٠٢):
[ ١٤ / ٢٥٦ ]
«وقد صح عن خلق من الصحابة أنَّهم لبسوا الخز وارخصوا فيه منهم عبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة وعمران بن حصين وعائشة والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي أوفى وأنس بن مالك وأبو أيوب الأنصاري ابن أم حرام ووابصة ومروان في أوقات متفرقة ولم ينكر ذلك أحد فصار إجماعًا فثبت إباحة الخز وهو الذي يكون سداه حريرًا ولحمته وبرًا أو صوفًا ونحوه وكذلك في حديث ابن عباس: "فأمَّا العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس" وقد احتج به أحمد.
وإنَّما كرهنا الْمُلْحَمَ لعموم أحاديث التحريم وإنَّما استثني منها ما استثني وليس في الملحم معناه كما سيأتي ولأنَّ النبي ﷺ نهى عن لبس القسي والقسي ثياب مخلوطة بحرير قال البخاري في "صحيحه": قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي ما القسي قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الأترج.
وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث: ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير. قال بعضهم: هو ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى بها مصر نسبة إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس ويقال القسي القزي أبدلت الزاء سينًا كما
[ ١٤ / ٢٥٧ ]
يقال: ألسمته الحجة أي ألزمته الحجة، وقيل هو منسوب إلى القسي وهو الصقيع لبياضه ونسبتها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد وغيره فقد اتفقوا كلهم على أنَّها ثياب فيها حرير وليست حريرًا مصمتًا وهذا ليس هو الملحم وأيضًا فإنَّ الخز أخف من وجهين:
أحدهما: أنَّ سداه حرير والسدى أيسر من اللحمة وهو الذي بيَّن ابن عباس جوازه بقوله: "فأمَّا العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به".
والثاني: أنَّ الخز الثخين والحرير مستور فيه بين الوبر فيصير الحرير بمنزلة الحشوة ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر ومعلوم أنَّ الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر إذ ليس في الباطن سرف ولا فخر ولا خيلاء ولهذا كان الصحيح جواز حشو الجباب والفرش به، وقد ذكر أحمد ﵁ هذين الفرقين فإذا كان الحديث عامًا في التحريم بل خاصًا في الملحم وإنَّما أبيح الخز لم يجز إن يلحق به إلَّا ما في معناه فعلى هذا كل ما سوى الخز من الملحم يكره لذلك والخز ما كان لحمته من الوبر ونحوه مما له ثخانة تغطي الحرير فتكون الرخصة معلقة بكون السدى حريرًا وكون اللحمة من الوبر ونحوه.
[ ١٤ / ٢٥٨ ]
وقال القاضي: الملحم هو الذي سداه حرير ولحمته غزل أو لحمته حرير وسداه غزل، والخز ما كانت لحمته أو سداه خزًا. فجعل الاعتبار بنفس ما ينسج مع الحرير من غير فرق بين السدى واللحمة لأنَّ أحمد علل بثخانة الخز وأنَّه يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته.
وعنه إن كان السدى حريرًا حل مطلقًا على ما رواه صالح لحديث ابن عباس.
ثم كراهة الملحم كراهة تحريم ذكره القاضي وغيره وقال غيره من أصحابنا هي كراهة تنزيه إلَّا أن يكون المنسوج مع الإبريسم أكثر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ١١٣ - ١١٤): «ولو كان الظهور للحرير وهو أقل من غيره ففيه ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة والإباحة، وحديث السّيَراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن يُنسج مع غيرها من الكتان أو القطن فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن والكتان أكثر أم لا مع أنَّ العادة أنَّه أقل فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم والثياب القسية: ثياب مخطوطة بحرير.
[ ١٤ / ٢٥٩ ]
قال البخاري في "صحيحه": قال عاصم: عن أبي بردة: قلنا لعلي: ما القسية قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير كأمثال الأترج. وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير. فقد اتفقوا كلهم على أنَّها ثياب فيها حرير وليست حريرًا مصمتًا، وهذا هو الملحم، والخز أخف من وجهين:
أحدهما: أنَّ سداه من حرير والسدي أيسر من اللحمة وهو الذي بيَّن ابن عباس جوازه بقوله: فأمَّا العلم والحرير والسدي لثوب فلا بأس به.
والثاني: أنَّ الخز ثخين والحرير مستور بالوبر فيه فيصير بمنزلة الحشو.
والخز اسم لثلاثة أشياء: للوَبَر الذي يُنسج مع الحرير وهو وبر الأرنب، واسم لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير فالأول والثاني: حلال، والثالث: حرام. وجعل بعض أصحابنا المتأخرين الملحم والقسي والخز على الوجهيْن، وجعل التحريم قول أبي بكر لأنَّه حرَّم الملحم والقسي، والإباحة قول ابن البناء لأنَّه أباح الخز وهذا لا يصلح لأنَّ أبا بكر قال: ويلبس الخز ولا يلبس الملحم ولا الديباج، وأمَّا المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره فمَن زعم أنَّ في الخز خلافًا فقد غلط» اهـ.
قُلْتُ: السَدَى على وزن الحصى: ما نسج طولًا، واللُحْمَة: ما نسج عرضًا.
[ ١٤ / ٢٦٠ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣١): «فصل: فأمَّا المنسوج من الحرير وغيره، كثوب منسوج من قطن وإبريسم، أو قطن وكتان فالحكم للأغلب منهما.
لأنَّ الأول مستهلك فيه، فهو كالبيضة من الفضة، والعلم من الحرير.
وقد روي عن ابن عباس قال: "إنَّما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، وأمَّا العلم، وسدى الثوب، فليس به بأس".
رواه الأثرم بإسناده، وأبو داود. قال ابن عبد البر: مذهب ابن عباس وجماعة من أهل العلم أنَّ المحرم الحرير الصافي، الذي لا يخالطه غيره، فإن كان الأقل الحرير فهو مباح، وإن كان القطن فهو محرم.
فإن استويا ففي تحريمه وإباحته وجهان وهذا مذهب الشافعي.
قال ابن عقيل الأشبه التحريم، لأنَّ النصف كثير، فأمَّا الجباب المحشوة من إبريسم، فقال القاضي: لا يحرم.
وهو مذهب الشافعي، لعدم الخيلاء فيه.
ويحتمل التحريم؛ لعموم الخبر.
وهكذا الفرش المحشوة بالحرير» اهـ.
[ ١٤ / ٢٦١ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الحرير إذا نسج مع غيره وكان الظهور لغير الحرير فيحل لبسه، لأنَّه لا يصدق على ذلك الثوب أنَّه ثوب حرير، ويدل على حله أيضًا حديث ابن عباس الماضي.
وإن كان للحرير ظهور فإن كان الظاهر منه مقدار الأربع الأصابع فأقل فإنَّه يحل لبسه، وإن كان الظاهر منه أكثر من ذلك فيحرم لبسه.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ». الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٩٧): «قوله: "حلة سيراء". قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن والحلة إزار ورداء. ونقله ابن الأثير وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في "المحكم": الحلة برد أو غيره. وحكى عياض أنَّ أصل تسمية الثوبين حلة أنَّهما يكونان جديدين كما حل طيهما. وقيل: لا يكون الثوبان حلة حتى يلبس أحدهما فوق الآخر فإذا كان فوقه فقد حل عليه. والأول أشهر.
[ ١٤ / ٢٦٢ ]
و"السيراء" بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد قال الخليل: ليس في الكلام فعلاء بكسر أوله مع المد سوى سيراء وحولاء وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد وعنباء لغة في العنب. قال مالك: هو الوشي من الحرير كذا قال والوشي بفتح الواو وسكون المعجمة بعدها تحتانية. وقال الأصمعي: ثياب فيها خطوط من حرير أو قز وإنَّما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها، وقال الخليل: ثوب مضلع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان فيه خطوط ممتدة كأنَّها السيور» اهـ.
قُلْتُ: وهو محمول على ظهور الحرير فيها، ونحوه حديث البراء الآتي في نهي النبي ﷺ عن لبس القسي.
وهكذا إذا كان الثوب محشوًا بحرير كالجبة والفرش الذي يحشى به فلا بأس بذلك لعدم ظهور الحرير فهو أولى بجواز لبسه من الحرير المنسوج بغيره، ولأنَّه إذا كان كذلك فلا مفسدة في لبسه. والله أعلم.
٥ - وفيه أنَّ من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ١٣٥): «وقد أختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف أنَّه لا يلبس الحرير في
[ ١٤ / ٢٦٣ ]
الجنة ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فمن العام المخصوص.
وقال الجمهور: وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أنَّ الفعل مقتض لهذا الحكم وقد يتخلف عنه لمانع وقد دل النص والإجماع على أنَّ التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضًا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» اهـ.
* * *
[ ١٤ / ٢٦٤ ]
٣٨٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ».
قَوْلُهُ: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ». الديباج نوع من الحرير، ولعله سمي بذلك لنقش فيه فإنَّ الدبج بمعنى النقش والتزيين، وعطفه على الحرير من باب عطف الخاص على العام، ويقال: إنَّ الديباج ما غلظ من الحرير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُرْتَضَى الزَّبِيْدِيُّ ﵀ فِي [التَّاج] (٥/ ٥٤٤):
«وَقَالَ اللَّبْلِيّ: هُوَ ضَرْبٌ من المَنْسوج مُلَوَّنٌ أَلوانًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «صِحَافِهِمَا». الصحاف جمع صحفة وهي إناء يشبع الخمسة من الناس، وهي دون القصعة فالقصعة تَسَعُ ما يشبع العشرة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس الحرير والديباج.
٢ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
[ ١٤ / ٢٦٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٣): «ولا خلاف بين أصحابنا في أنَّ استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذلك رد على داود الظاهري حيث حرَّم الشرب في آنية الذهب والفضة دون الأكل فيهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (١/ ٢٤٩): «وهذا الذي قاله غلط فاحش ففي حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب كما سبق وهذان نصان في تحريم الأكل وإجماع من قبل داود حجة عليه» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في علة تحريم ذلك فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٣٥١): «وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فقيل: علة التحريم تضييق النقود، فإنَّها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بنى آدم.
[ ١٤ / ٢٦٦ ]
وقيل: العلة الفخر والخيلاء.
وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها.
وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد، والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان، وكسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، وغير ذلك من المباحات، وكل هذه علل منتقضة، إذ توجد العلة، ويتخلف معلولها.
فالصواب أنَّ العلة والله أعلم ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة، والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنَّها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديته، ورضى بالدنيا وعاجلها من الآخرة» اهـ.
٣ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يعم الرجال والنساء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (١/ ٢٥٠): «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء يستوى في تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الرجال والنساء وهذا لا
[ ١٤ / ٢٦٧ ]
خلاف فيه لعموم الحديث وشمول المعني الذى حرم بسببه وإنَّما فرق بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد فيهنَّ من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم» اهـ.
٤ - يلحق بالأكل والشرب سائر الاستعمالات كالوضوء والغسل والتجمر والأكل بملاعق الذهب أو الفضة والاكتحال بمكاحل الذهب أو الفضة وغير ذلك، وإنَّما ذكر في الحديث الأكل والشرب لأنَّهما الغالب في الاستعمال. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٣): «والعلة في تحريم الشرب فيها ما يتضمنه ذلك من الفخر والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهو موجود في الطهارة منها واستعمالها كيفما كان، بل إذا حرم في غير العبادة ففيها أولى» اهـ.
٥ - ويستثنى من ذلك المضبب من الآنية بالفضة إذا كان ذلك يسيرًا للحاجة.
لما رواه البخاري (٣١٠٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ».
[ ١٤ / ٢٦٨ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١٠٠): «والشعب بفتح المعجمة وسكون العين المهملة هو الصدع وكأنَّه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٧): «فصل: فأمَّا المضبب بالذهب أو الفضة، فإن كان كثيرًا فهو محرم بكل حال؛ ذهبًا كان أو فضة، لحاجة أو لغيرها. وبهذا قال الشافعي.
وأباح أبو حنيفة المضبب، وإن كان كثيرًا؛ لأنَّه صار تابعًا للمباح، فأشبه المضبب باليسير، ولنا أنَّ هذا فيه سرف وخيلاء، فأشبه الخالص، ويبطل ما قاله بما إذا اتخذ أبوابًا من فضة أو ذهب، أو رفوفًا، فإنَّه يحرم، وإن كان تابعًا، وفارق اليسير، فإنَّه لا يوجد فيه المعنى المحرم.
إذا ثبت هذا، فاختلف أصحابنا؛ فقال أبو بكر يباح اليسير من الذهب والفضة؛ لما ذكرنا، وأكثر أصحابنا على أنَّه لا يباح اليسير من الذهب، ولا يباح منه إلَّا ما دعت الضرورة إليه، كأنف الذهب، وما ربط به أسنانه.
[ ١٤ / ٢٦٩ ]
وأمَّا الفضة فيباح منها اليسير؛ لما روى أنس، أنَّ قدح رسول الله ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. رواه البخاري؛ ولأنَّ الحاجة تدعو إليه، وليس فيه سرف ولا خيلاء، فأشبه الضبة من الصفر.
قال القاضي: ويباح ذلك مع الحاجة وعدمها؛ لما ذكرنا، إلاَّ أن ما يستعمل من ذلك لا يباح كالحلقة، وما لا يستعمل كالضبة يباح.
وقال أبو الخطاب لا يباح اليسير إلَّا لحاجة؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في تشعيب القدح في موضع الكسر، وهو لحاجة، ومعنى الحاجة أن تدعو الحاجة إلى ما فعله به، وإن كان غيره يقوم مقامه، وتكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال؛ كي لا يكون مستعملًا لها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٣٦٢): «مسألة: قال: "وإن كان قدح عليه ضبة، فشرب من غير موضع الضبة، فلا بأس". وجملة ذلك أنَّ الضبة من الفضة تباح بثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون يسيرة.
الثاني: أن تكون من الفضة، فأمَّا الذهب: فلا يباح، وقليله وكثيره حرام.
وروي عن أبي بكر، أنَّه رخص في يسير الذهب.
[ ١٤ / ٢٧٠ ]
الثالث: أن يكون للحاجة، أعني أنَّه جعلها لمصلحة وانتفاع، مثل أن تجعل على شق أو صدع، وإن قام غيرها مقامها» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو بقاء الذهب على المنع لأنَّه لم يأت ما يدل على تخصيصه، ولا يصح إلحاق الذهب بالفضة وذلك لأنَّ الذهب أشد من الفضة في باب الزينة والخيلاء، ولهذا أذن للرجال التحلي بالفضة دون الذهب. والله أعلم.
٦ - وفيه النهي عن التشبه بالكافرين.
* * *
[ ١٤ / ٢٧١ ]
٣٨٩ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ».
قَوْلُهُ: «ذِي لِمَّةٍ». اللمة هي الشعر الذي يلم بالمنكبين، أي المتدلي الذي جاوز شحمة الأذنين ولم يبلغ المنكبين.
وأقل ما ورد في شعر النبي ﷺ ما رواه مسلم (٢٣٣٨) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
وما رواه مسلم (٢٣٣٧) عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ».
وهو في البخاري (٥٩٠١) مختصرًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٧٢): «قال ابن التين تبعًا للداودي قوله: "يبلغ شحمة أذنيه". مغاير لقوله: "إلى منكبيه". وأجيب بأنَّ المراد أنَّ معظم شعره كان عند شحمة أذنه وما استرسل منه متصل إلى المنكب أو يحمل
[ ١٤ / ٢٧٢ ]
على حالتين، وقد وقع نظير ذلك في حديث أنس عند مسلم من رواية قتادة عنه أنَّ شعره كان بين أذنيه وعاتقه، وفي حديث حميد عنه إلى أنصاف أذنيه ومثله عند الترمذي من رواية ثابت عنه وعند بن سعد من رواية حماد عن ثابت عنه لا يجاوز شعره أذنيه وهو محمول على ما قدمته أو على أحوال متغايرة» اهـ.
قُلْتُ: حديث أنس رواه البخاري (٥٩٠٥)، ومسلم (٢٣٣٨) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنْ شَعَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجِلًا، لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلَا الجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ».
وروى أحمد (٢٤٨٧١)، وأبو داود (٤١٨٧)، وابن ماجه (٣٦٣٥)، والترمذي (١٧٥٥) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ الْجَمَّةِ، وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولفظ الترمذي: «وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ». وهي عكس ما سبق، والصحيح ما سبق.
[ ١٤ / ٢٧٣ ]
وهناك من جمع بين اللفظين بحمل الرواية الأولى على كثافة الشعر، والثانية على محل وصوله.
قَالَ أَبُو مُحَمَدٍ عَبْدُ اللهِ الْبَطْلَيُوسِيُّ ﵀ فِي [مُشْكِلَاتِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ] (ص: ١٧٦):
«والوفرة: الشعرة إِلَى شحمة الْأذن، فَإِذا زَادَت شَيْئا فَهِيَ جمة، فَإِذا لمت بالمنكب فَهِيَ لمة، وَقد قيل: اللمة والجمة سَوَاء، فَإِذا بلغ الْكَتف فَهُوَ وَارِد» اهـ.
قُلْتُ: في حديث البراء الماضي «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ». ففيه أنَّ الجمة قد تطلق على معنى الوفرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الأَزْهُرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (١٥/ ١٨٠)
«والوَفْرة: الجُمّة من الشَّعر إِذا بلغت الأُذنين. وَقد وَفّرها صاحبُها. وفلانٌ مُوَفَّر الشّعْر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٥/ ٢٨٨):
[ ١٤ / ٢٧٤ ]
«وَقِيلَ: الوَفْرَةُ أَعظم مِنَ الجُمَّةِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا غَلَطٌ إِنما هِيَ وَفْرَةٌ ثُمَّ جُمَّة ثُمَّ لِمَّة. والوَفْرَةُ: مَا جَاوَزَ شَحْمَةَ الأُذنين، واللِّمَّةُ: مَا أَلمَّ بالمَنْكِبَينِ» اهـ. وذكر بعد ذلك كلام الأزهري.
وَقَوْلُهُ: «فِي حُلَّةٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ١٠٣٥):
«الحلة: واحدة الحُلَل وهي برود اليمن ولا تُسَمَّى حُلَّة إلَّا أن تكون ثوبَين من جنس واحد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِيُّ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (١/ ٤٩٨): «ولا تكون حلة إلَّا وهي جديدة تحل عن طيها فتلبس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٩١): «وأمَّا الحلة فهي ثوبان إزار ورداء. قال أهل اللغة: لا تكون إلَّا ثوبين، سميت بذلك لأنَّ أحدهما يحل على الآخر، وقيل: لا تكون إلَّا الثوب الجديد الذي يحل من طيه» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال باستحباب تربية الشعر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٤٧): «فصل: واتخاذ الشعر أفضل من إزالته.
[ ١٤ / ٢٧٥ ]
قال أبو إسحاق: سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر؟ فقال: سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه» اهـ.
وذهب بعض العلماء إلى عدم استحباب إطالة الشرع إذا كان خلاف عادة أهل البلد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٨٠ - ٨١): «قد حلق الناس رؤوسهم وتقصصوا وعرفوا كيف ذلك قرنًا بعد قرن من غير نكير والحمد لله.
قال أبو عمر: صار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلَّا الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" أو حشر معهم، فقيل: من تشبه بهم في أفعالهم، وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم، وحسبك بهذا فهو مجمل في الاقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئًا وإنَّما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلًا صالحًا وقد كان التختم في اليمين مباحًا حسنًا لأنَّه قد تختم به جماعة من السلف في اليمين كما تختم منهم جماعة في الشمال وقد روي عن النبي
[ ١٤ / ٢٧٦ ]
ﷺ الوجهان جميعًا. فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم وكراهية للتشبه بهم لا أنَّه حرام ولا أنَّه مكروه وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا أعرض في أزماننا أهل العلم والصلاح عن إطالة شعر الرأس، واشتهر إطالة شعر الرأس عن الكفار وفساق المسلمين، وفعل ذلك بعض أهل الصلاح تأسيًا بالنبي ﷺ فأسأل الله ﷿ أن يأجرهم على هذه النية الصالحة، لكن الذي يظهر لي في ذلك أنَّ إطالة شعر الرأس ليس من سنن العبادات، وإنَّما من أمور العادات، ويدل على ذلك أنَّ العرب كانوا يربون شعورهم فبقى النبي ﷺ على ما كان عليه العرب في ذلك سواء ما كان من توفير شعر الرأس، أو ما يتعلق باللباس فقد كان الغالب في لباس العرب لبس الرداء والإزار كلبس الحجاج والمعتمرين ولا يصح أن يقال: إنَّ هذا اللباس على هذه الهيئة من السنن التي يقتدى بها، وقد صار الصالحون في هذه الأزمان يلبسون القمص الطويلة التي لا تتجاوز الكعبين، ويلبسون الأزر مع القمص القصيرة التي تصل إلى أوائل الفخذين، ولا يقال: إنَّهم بذلك قد خالفوا سنة النبي ﷺ.
[ ١٤ / ٢٧٧ ]
وهكذا ما يتعلق بالمركوب فقد كان النبي ﷺ يركب الحمار والفرس والإبل، وصار الناس في هذه الأزمان يركبون السيارات والدراجات والطائرات، ولا يقال: إنَّهم بذلك قد خالفوا سنة النبي ﷺ فإنَّ جميع ذلك من سنن العادات التي تختلف باختلاف الأزمان، فالذي ينبغي للمسلم أن يقتدي بأهل العلم والفضل والصلاح في بلده سواء فيما تعلق بالشعور، أو اللباس، أو الركوب أو غير ذلك.
ومما يدل على أنَّ توفير شعر الرأس ليس من سنن العبادات وإنَّما من سنن العادات أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ في حديث واحد الترغيب في توفير شعر الرأس. فهذا ما يظهر لي في هذه المسألة. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١١/ ٧٦): «فهؤلاء الذين يطولون شعورهم نقول لهم: هذا خلاف العادة المتبعة في زمننا هذا، واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟
[ ١٤ / ٢٧٨ ]
والراجح عندي: أنَّ هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله فإنَّه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنَّه يفعل.
ولكن البلية كل البلية أنَّ هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنَّهم يقتدون بالرسول ﷺ، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول ﷺ، إنَّك تجدهم قد أضاعوا شيئًا من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلًا، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى مما يدلك على أنَّ صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله ﷺ، وإنَّما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها» اهـ.
قُلْتُ: اتخاذ الوفرات والجمم اختيالًا لا يشرع، وقد جاء في ذلك ما رواه البخاري (٥٧٨٩)، ومسلم (٢٠٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
[ ١٤ / ٢٧٩ ]
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
قُلْتُ: واختلف العلماء في حلق الشعر، فكرهه أحمد في رواية لما رواه البخاري (٧٥٦٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ».
قُلْتُ: "التسبيد" استئصال الشعر بالحلق أو غيره.
وفي [الْوَرَعِ] للمروذي (ص: ١٩٢ - ١٩٣): «سألت أبا عبد الله عن حلق الرأس فكرهه. قُلْتُ: تكرهه، قال: أشد الكراهية، ثم قال: كان معمر يكره الحلق وأنا أكرهه، واحتج أبو عبد الله بحديث عمر بن الخطاب أنَّه قال لرجل لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك» اهـ.
وَذَكَرَ الْخَلَالِ ﵀ فِي [الْوُقُوْفِ وَالتَّرَجُلِ مِنَ الْجَامِعِ لِمَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ] ص (١١٩ - ١٢٣) عدة آثار عن الإمام أحمد وغيره في كراهة الحلق.
[ ١٤ / ٢٨٠ ]
وأثر عمر مع صبيغ رواه الآجري في [الشَّرِيْعَةِ] (١٥٢، ٢٠٦٤)، واللالكائي في [شَرْحِ أُصُوْلِ السُّنَّةِ] (١١٣٦)، وابن بطة في [الْإِبَانَةِ] (٣٣٠) من طريق مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَقِينَا رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْكِنِّي مِنْهُ قَالَ: فَبَيْنَا عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ يُغَدِّي النَّاسَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعِمَامَةٌ يَتَغَدَّى حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ هُوَ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَجْلِدُهُ حَتَّى سَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ، أَلْبِسُوهُ ثِيَابَهُ، وَاحْمِلُوهُ عَلَى قَتَبٍ، ثُمَّ أَخْرِجُوهُ حَتَّى تَقْدِمُوا بِهِ بِلَادَهُ، ثُمَّ لِيَقُمْ خَطِيبًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: إِنَّ صَبِيغًا طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَخْطَأَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَضِيعًا فِي قَوْمِهِ حَتَّى هَلَكَ وَكَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ، بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ،
[ ١٤ / ٢٨١ ]
وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي». قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».
وفي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوْيَه] (٥/ ٢٢٢٧): «قال إسحاق: كما قال، لا يحلقن أحد بغير مكة إلَّا من علة، لما يكون شبيهًا بالخوارج» اهـ.
[ ١٤ / ٢٨٢ ]
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنَّه لا يكره وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا إذا لم يكن ذلك على وجه العبادة لما رواه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨) من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعْرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وما رواه أحمد (٥٢٢٧)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) من طريق وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ»، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (٤١٩٠)، والنسائي (٥٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٣٦) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ
[ ١٤ / ٢٨٣ ]
النَّبِيَّ ﷺ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ذُبَابٌ ذُبَابٌ» قَالَ: فَرَجَعْتُ فَجَزَزْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٠): «أخبرني أبو عمر، عَنْ أبي العباس أحمد بن يحيى قال: الذباب الشؤم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٢/ ٣٨١): «الذُّبابُ: الشُّؤْمُ: أي هذا شؤمٌ. وقيل: الذُّبابُ الشَّرُّ الدائمُ. يقال: أَصَابك ذُّبابٌ من هذَا الأمْر» اهـ.
قُلْتُ: وقد احتج بهذا الحديث العلامة الطحاوي على استحباب جز الشعر فقال ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧): «فقال قائل: ففيما قد رويتموه عن رسول الله ﷺ اتخاذه الشعر كما رويتموه فيه عنه، وفيه أمره الناس بإكرام الشعر، فمن أين جاز لكم ترك استعمال ذلك، والعدول إلى غيره من إحفاء الشعر؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أنَّا تركنا ذلك إلى ما يخالفه مما أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه أحسن منه».
[ ١٤ / ٢٨٤ ]
ثم أورد حديث وائل بن حجر الماضي وقال: «فكان في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما قد دل على أنَّ جز الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله ﷺ الأحسن كان لا شيء أحسن منه، ووجب لزوم ذلك الأحسن، وترك ما يخالفه، ومقبول منه ﷺ إذ كان هذا عنه، وإذ كان أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس سواه أنَّه قد كان صار بعد هذا القول إلى هذا الأحسن، وترك ما كان عليه قبل ذلك مما يخالفه، والله نسأله التوفيق» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٣١): «وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ فَهُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً وَشِعَارَ الصَّالِحِينَ، وَهَكَذَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ، فَأَمَّا إِنْ حَلَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ تَرَكَهُ أَفْضَلُ فَلَا، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهُ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بَأْسَ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا أحسن ما يجمع فيه بين الأدلة. والله أعلم.
وقد صار الخوارج في أيامنا هذه يربون شعورهم حتى صار ذلك شعارًا لهم.
٢ - جواز لبس الأحمر.
[ ١٤ / ٢٨٥ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٠): «وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر:
فرخص فيه ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وابنه أبو جعفر.
وروي عن علي بن أبي طالب، أنَّه كان يلبس بردًا أحمر.
وفي "صحيح مسلم"، أنَّ أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني أنَّك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه مثيرتي أرجوان.
والأرجوان: الشديد الحمرة.
وكرهت طائفة الثياب الحمر، منهم: طاووس، ومجاهد، وعطاء.
وروي عن الحسن وابن سيرين، قالا: هو زينة آل قارون.
وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته.
وروى عن عطاء وطاووس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة.
وروي عن عائشة، أنَّها كانت تلبس درعًا أحمر.
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة، خرجها أبو داود وغيره، يطول ذكرها هاهنا، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٨ - ٣١٩) سبعة مذاهب لأهل العلم في لبس الأحمر، وقد نقل الجواز عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر من الصحابة، وذكر أنَّ غيرهم من الصحابة ذهبوا إلى ذلك ولم يسمهم.
ومذهب الأئمة الثلاثة حل لبس الأحمر.
وقد جاء في النهي عن لبس الأحمر أحاديث منها:
ما رواه البخاري (٥٨٣٨)، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَيَاثِرِ الحُمْرِ وَالقَسِّيِّ».
وهو في مسلم (٢٠٦٦) لكن ليس فيه وصف المياثر بكونها حمراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٥/ ٣٢٥): «المِيثَرة بالكسرِ: مِفْعَلة من الوَثَارة. يقال: وَثرُ وَثارةً فهو وَثِير: أي وَطِيءٌ لَيِّن وأصلُها: مِوْثَرة فقُلبت الواو ياء لكسرة الميم وهي من مَراكِب العَجَم تُعْمل من حرير أو دِيباج» اهـ.
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢١٩): «"المياثر": مراكب، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم.
وقد قيل: أنَّها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره.
وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع.
وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ، أنَّه نهى عن مياثر النمور» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٧٨): «فقد نهى ﷺ عن المياثر الحمر وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثرة في النهي والحديث عام في المياثر الحمر سواء كانت حريرًا أو لم تكن ولو كان المراد بها الحرير فتخصيصه الحمر بها دليل على أنَّ الأحمر من الحرير أشد كراهة من غيره وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة» اهـ.
قُلْتُ: هذا النهي وارد في المياثر إمَّا لكونها حريرًا، أو لأنَّها من مراكب العجم فلا يستفاد من ذلك النهي عن الأحمر مطلقًا، وكيف يستقيم ذلك وقد صح عن النبي ﷺ لبس الأحمر.
[ ١٤ / ٢٨٨ ]
وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ﵀: «وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة». قول سديد، لكن تلك الكراهة مختصة بالمياثر، فلعل الأعاجم كانوا يراعون هذا اللون دون غيره فخصه النبي ﷺ بالذكر تحذيرًا لأمته من التشبه بهم. والله أعلم.
ومن ذلك ما رواه أبو داود (٤٠٦٩)، والترمذي (٢٨٠٧) من طريق إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ التِّرْمِذِيُّ ﵀: «ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنَّهم كرهوا لبس المعصفر ورأوا أنَّ ما صبغ بالحمرة بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به إذا لم يكن معصفرًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٨٥): «وهو واقعة عين فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، فيه أبو يحيى هو القتات ضعيف الحديث.
[ ١٤ / ٢٨٩ ]
ومن ذلك ما رواه أبو داود (٤٠٧١) حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ: وَقَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ - قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ يَعْنِي ابْنَ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ الْأَبَحِّ السَّلِيحِيِّ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَتْ: «كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ زَيْنَبَ امْرَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ عَلِمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَرِهَ مَا فَعَلَتْ، فَأَخَذَتْ فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا، وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ فَاطَّلَعَ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ شَيْئًا دَخَلَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة حريث بن الأبح السليحي.
قَالَ فِي [عَوْنِ الْمَعْبُودِ] (١١/ ٩٦): «"بمغرة": بسكون غين وقد يحرك. قال في القاموس: المغرة طين أحمر، وقال في المجمع: هو المدر الأحمر الذي يصبغ به الثياب» اهـ.
[ ١٤ / ٢٩٠ ]
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٢٢٥) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِي حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا أَحْمَرَ مَعْرُورًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف حجاج وهو ابن أرطأة ولتدليسه وقد عنعن.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٧٣٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَتَوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ الْبَكْرِيُّ الْعَبْدِيُّ، ثنا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ الزِّينَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي لم أعرفه، وهكذا لم يعرفه الْهَيْثَمِيُّ ﵀ فِي [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٥/ ١٥٥) حيث قَالَ: «رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي ولم أعرفه» اهـ.
قُلْتُ: سعيد وهو ابن بشير ضعيف الحديث، وقد اختلف عليه فرواه يعقوب البكري عنه كما مضى، وتابعه بكر بن محمد ولم يعرفه الحافظ الهيثمي أيضًا وحديثه
[ ١٤ / ٢٩١ ]
عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٧٣٣)، رواه محمد بن بلال، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن يزيد بن راشد، فجعله من مسند عبد الرحمن بن يزيد لا من مسند عمران بن حصين، ومحمد بن بلال حسن الحديث وقد أخرج حديثه ابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِيِّ] (٥٢٧٨٩)، ومن طريقه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٤١٥٢).
قُلْتُ: حديث محمد بن بلال هو الصحيح، وعبد الرحمن بن يزيد بن راشد مختلف في صحبته.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٧٠٨)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٥٩١٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٢٣٧١) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، فإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، وَكُلَّ ذِي ثَوْبِ شُهْرَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ فأبو بكر الهذلي متروك الحديث.
[ ١٤ / ٢٩٢ ]
وجاء من مراسيل الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ». رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٣٢٠٢)، ومعمر في [جَامِعِةِ] (٥٧٩).
ومن مراسيل يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدَّ إِلَيْهِ النَّظَرَ حِينَ رَآهُمَا عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّ الْحُمْرَةَ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ». رواه معمر في [جَامِعِةِ] (٥٦٨).
ومن ذلك ما رواه أحمد (١٥٨٤٥)، وأبو داود (٤٠٧٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَوَاحِلِنَا وَعَلَى إِبِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ»، فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلِنَا، فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الرجل من بني حارثة.
[ ١٤ / ٢٩٣ ]
هذا غاية ما وقفت عليه من الحديث في النهي عن لبس الأحمر وليس منها كما ترى ما ينتهض للحجة ومعارضة حديث البراء المتفق عليه، فالصحيح جواز لبس الأحمر من الثياب من غير كراهة لذلك. والله أعلم.
وأمَّا إذا كانت الحمرة ناتجة من العصفر فيحرم ذلك لما رواه مسلم (٢٠٧٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ١٣٨): «ومعلوم أنَّ ذلك إنَّما يصبغ صبغًا أحمر» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٨): «فإنَّ غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر» اهـ.
٣ - وفي الحديث من صفة النبي ﷺ أنَّه كان بعيد ما بين المنكبين، وكان معتدل القامة ليس بالطويل ولا القصير.
وروى البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧) عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «كَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ، لَيْسَ
[ ١٤ / ٢٩٤ ]
بِجَعْدٍ قَطَطٍ، وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ» قَالَ رَبِيعَةُ: «فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُ فَقِيلَ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ».
أزهر اللون، هو: الأبيض المشرب بحمرة، والأمهق: خالص البياض، والآدم: شديد السمرة، والجعد: متكسر الشعر، والقطط شديد الجعودة، والسبط: مسترسل الشعر ضد الجعد.
* * *
[ ١٤ / ٢٩٥ ]
٣٩٠ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ - أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ - بِالذَّهَبِ، وَعَنْ الشُّرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر بعيادة المريض، وهي من فروض الكفاية وليست من فروض الأعيان ولو كانت من فروض الأعيان لشق ذلك لا سيما في مثل هذه الأزمان التي اتسعت فيه البلدان وكثر الناس فلا يخلوا في اليوم الواحد وفي البلد الواحد من مئات المرضى في المستشفيات وفي غيرها، فلو أراد الشخص أن يزور المرضى الذين في مستشفيات بلده لكان في ذلك الحرج العظيم فكيف بغيرهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ٤٤٣): «واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال: هو واجب على الكفاية» اهـ.
[ ١٤ / ٢٩٦ ]
قُلْتُ: وقد جاء التصريح بالوجوب فيما رواه مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ».
وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «أمَّا عيادة المريض فسنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي» اهـ. فليس بصحيح فقد أوجب ذلك الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فَقَالَ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ١٥٠ - مع فتح الباري): «باب وجوب عيادة المريض» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في فضل الزيارة ما رواه مسلم (٢٥٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ
[ ١٤ / ٢٩٧ ]
كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٣/ ٤١١): «فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء: "لوجدت ذلك عندي". وقوله في العيادة: "لوجدتني عنده". ولم يقل لوجدت ذلك عندي إيذانًا بقربه من المريض وأنَّه عنده لذله وخضوعه وانكسار قلبه وافتقاره إلى ربه فأوجب ذلك وجود الله عنده هذا وهو فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه وهو عند عبده فوجود العبد ربه ظفره بالوصول إليه» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [بَيَانِ تَلْبِيْسِ الْجَهْمِيَةِ] (٦/ ٢٦٥) - بعد كلام طويل حسن-:
«والمقصود هنا أنَّ قوله: "لو عدته لوجدتني عنده" وقوله: "أين أجدك" قال: "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت" ليس ظاهره أنَّ ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه فحمل الكلام عليه
[ ١٤ / ٢٩٨ ]
أولى وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله وجدتني عنده كقوله وجدتني في قلبه ووجدتني في نفسه ووجدتني حاضرًا في قلبه ووجدتني ثابتًا في قلبه ونحو ذلك من العبارات» اهـ.
وروى مسلم (٢٥٦٨) عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا».
قُلْتُ: والمراد بـ"الخُرْفَةِ": الثمرة إذا نضجت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٣٧٠): «أي يؤول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٣): «شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر» اهـ.
وَقَالَ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ٢٦): «وقال ابن العربي: قوله: "لم يزل في خرفة الجنة". فإنَّ ممشاه إلى المريض لما كان من الثواب على كل خطوة كان الخطا سببًا إلى نيل الدرجات في النعيم المقيم، عبر بها عنها لأنَّه بسببها مجاز انتهى» اهـ.
[ ١٤ / ٢٩٩ ]
وروى أبو داود (٣٠٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا، إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا، خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ، والحكم هو ابن عتيبة، وعبد الله بن نافع هو الكوفي صدوق، وقد اختلف في الحديث في رفعه ووقفه، والصحيح فيه الوقف، والموقوف له حكم الرفع، لكنِّي لم أقف على من أثبت سماع عبد الله بن نافع من علي ﵁.
قُلْتُ: وهناك آداب لعيادة المريض منها:
أ- الدعاء له، ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ، قَالَ: «أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٨/ ٦٤):
«و"لا يغادر"؛ أي: لا يترك. و"السقم": المرض» اهـ.
[ ١٤ / ٣٠٠ ]
وروى البخاري (٥٦٥٩)، مسلم (١٦٢٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا، فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا، وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً، فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي - فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ - حَتَّى السَّاعَةِ.
وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «باب وضع اليد على المريض» اهـ.
وروى أحمد (٢١٣٧، ٢١٣٨)، وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٢٠٨٣) من طريق الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١٤ / ٣٠١ ]
و"يَشفيك" بفتح ياء المضارعة من شفى الثلاثي يشفى شفاءً، ولا يقال بضمها فإنَّه يكون من الرباعي أشفى يُشفي إشفاء بمعنى شارف أي: قارب الهلاك، ومنه أشفى المريض على الموت أي قاربه.
ب- إدخال البشرى إلى قلبه، ويدل عليه ما رواه البخاري (٣٦١٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالَ لَهُ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ: قُلْتُ: طَهُورٌ؟ كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَعَمْ إِذًا».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٩): «قوله: "لا بأس". أي أنَّ المرض يكفر الخطايا فإن حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان وإلَّا حصل ربح التكفير. وقوله: "طهور". هو خبر مبتدأ محذوف أي هو طهور لك من ذنوبك أي مطهرة» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «لَا بَأْسَ» أي لا خوف عليك من هذا المرض، فإنَّ البأس بمعنى الخوف.
[ ١٤ / ٣٠٢ ]
ج- تخفيف الزيارة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١/ ١٩٧): «ولا خلاف بين العلماء والحكماء أنَّ السنة في العيادة التخفيف إلَّا أن يكون المريض يدعو الصديق إلى الأنس به» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ٢٧٧): «وقال الأثرم: حدثنا أبو الوليد قال حدثنا مندل بن علي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: عيادة حمقى القرى أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس.
قال أبو عمر: لقد أحسن ابن حذار في نحو هذا حيث يقول:
إنَّ العيادة يوم بين يومين … واجلس قليلًا كلحظ العين بالعين
لا تبرمنَّ مريضًا في مساءلة … يكفيك من ذاك تسأل بحرفين
ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو سعيد الجعفي قال حدثنا ضمرة قال حدثني الأوزاعي قال: خرجت إلى البصرة أريد محمد بن سيرين فوجدته مريضًا به البطن فكنا ندخل عليه نعوده قيامًا.
[ ١٤ / ٣٠٣ ]
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا محمد بن إسحاق السجزي قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: أفضل العيادة أخفها.
وقال ابن وضاح في تفسير الحديث أفضل العيادة أخفها قال هو أن لا يطول الرجل في القعود إذا عاد المريض» اهـ.
د- اختيار الوقت المناسب للعيادة.
فيجتنب وقت النوم والراحة، وأوقات الطعام.
ومن ذلك الزيارة في الليل إلَّا في رمضان فقد اعتاد كثير من الناس السهر فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٢٩٦): «وقال المروذي: عدت مع أبي عبد الله مريضًا بالليل وكان في شهر رمضان ثم قال لي: في شهر رمضان يعاد بالليل» اهـ.
هـ- عدم تكرار الزيارة في أوقات متقاربة.
وقد روى ابن المقرئ في [مُعْجَمِهِ] (٩٧٦)، والخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَادٍ] (١٠/ ١٨٢) من طريق جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
[ ١٤ / ٣٠٤ ]
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ وله شواهد متعددة.
فقد جاء من حديث أبي هريرة.
رواه ابن طاهر في [جُزْئِهِ] (١١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيْنَ كُنْتَ أَمْسِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: زُرْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِي، قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لا بأس به في الشواهد من أجل يحيى بن أبي سليمان فإنَّه ضعيف الحديث.
ورواه أبو محمد الجوهري في [حَدِيْثِ أَبِي الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ] (٣٠١) عن أَبِي الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْوَصَّابِيُّ، نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لكن لابأس به في الشواهد.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤٣٩)، و[الْأَوْسَطِ] (١٧٥٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَيُّوبَ السُّكَّرِيُّ الْحِمْصِيُّ قَالَ: نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ
[ ١٤ / ٣٠٥ ]
الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَّا الْوَلِيدُ اهـ.
قُلْتُ: الوليد بن مسلم مدلس تدليس التسوية وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانٍ] (٤٠٤٩١) حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَارُودِ، ثنا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنا مَعْمَرُ بْنُ مَخْلَدٍ السَّرُوجِيُّ، ثنا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: أبو الحسن وشيخه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
ورواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانٍ] (١٧٥١)، والعقيلي في [الضُّعَفَاءِ] (٢/ ١٣٨) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ كَرَّازٍ، ثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لا بأس به في الشواهد. سليمان بن كراز ضعيف الحديث، ومبارك مدلس تدليس التسوية وقد عنعن، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.
[ ١٤ / ٣٠٦ ]
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في [أَمْثَالِ الْحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ] (١٨)، والخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَادٍ] (٩/ ٣٠٠)، وعلي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنْ الشِّيُوخِ الْعَوَالِي] (١٠٩)، وتمام في [الْفَوَائِدِ] (٢٢٨) من ثلاث طرق إلى ضِمَامٍ- يَعْنِي ابْنِ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلاءَ «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» حَتَّى سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِطُرُقِهِ.
وجاء من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في [أَمْثَالِ الْحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ] (١٤)، وعلي بن عمر الحربي في [الْفَوَائِدِ الْمُنْتَقَاةِ عَنْ الشِّيُوخِ الْعَوَالِي] (١١١) من طريق سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ غُصْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: سويد، والقاسم، وعبد الرحمن ضعفاء، والنعمان مجهول.
وجاء من حديث معاوية بن حيدة.
[ ١٤ / ٣٠٧ ]
رواه تمام في [فَوَائِدِهِ] (١٠٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ بِمِصْرَ، ثنا أَبِي، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا».
قُلْتُ: أبو علاثة لم أقف له على جرح ولا تعديل ويقويه ما سبق من الشواهد.
وهذه أمثل طرق هذا الحديث وهناك طرق واهية أعرضت عن ذكرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٦٢٩): «الغِبُّ مِنْ أوْرَاد الإبِل: أنْ تَرِدَ الماء يَومًا وتَدَعَه يومًا ثم تَعُودَ فَنقَله إلى الزِّيارة وإنْ جاء بعد أيام. يقال: غَبَّ الرجُل إذا جاء زائرًا بعد أيام. وقال الحسَن: في كلّ أسْبُوع.
ومنه الحديث: "أغِبُّوا في عِيَادة المَريض" أي: لا تَعُودُوه في كلّ يوم لِمَا يَجِدُ مِنْ ثِقَل العُوّاد» اهـ.
٢ - وليس في الحديث تقييد العيادة بالمسلم، لكن جاء ذلك فيما رواه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ».
[ ١٤ / ٣٠٨ ]
وفي لفظ له (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
وقد جاء في عيادة الكافر ما رواه البخاري (١٣٥٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».
ومن ذلك ما رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ،
[ ١٤ / ٣٠٩ ]
وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.
وقد أخذ الإمام أحمد من هذه الأحاديث جواز عيادة المريض الكافر لمصلحة الدعوة إلى الإسلام، وهذه إحدى الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، والروايتان الأخريتان الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا.
قُلْتُ: والرواية الأولى أرجح لأنَّ النبي ﷺ جعل ذلك من حق المسلم على المسلم، ولما في العيادة من إكرام الكافر وليس هو بأهل لأن يكرم، فلا تنبغي العيادة له إلَّا لمصلحة راجحة كدعوته إلى الإسلام. والله أعلم.
٣ - وهل يدخل في عموم الحديث عيادة الرجل للمرأة والمرأة للرجل ولو من غير المحارم مع التستر، ومن غير خلوة ومع أمان الفتنة؟.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء وقد روى البخاري (٥٦٥٤) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ
[ ١٤ / ٣١٠ ]
عَنْهُمَا، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، قُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى، يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَتْ عَنْهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ … وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ».
وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «عيادة النساء الرجال». وفي بعض النسخ: «عيادة النساء والرجال» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٨): «وقد اعترض عليه بأنَّ ذلك قبل الحجاب قطعًا وقد تقدم أنَّ في بعض طرقه وذلك قبل الحجاب وأجيب بأنَّ ذلك لا يضره فيما ترجم له من عيادة المرأة الرجل فإنَّه يجوز
[ ١٤ / ٣١١ ]
بشرط التستر والذي يجمع بين الأمرين ما قبل الحجاب وما بعده الأمن من الفتنة» اهـ.
قُلْتُ: والفتنة في هذه الأزمان لا تكاد تؤمن فيجتنب ذلك، والحديث وارد قبل نزول الحجاب، والظاهر أنَّهما كانا في موضع واحد وكانت زيارة بلال تبعًا لزيارة والدها. والله أعلم.
٤ - ويدخل في الحديث عيادة الصبيان، وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": «باب عيادة الصبيان».
ثم أورد في الباب (٥٦٥٥) حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ ابْنَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَعْدٌ وَأُبَيٌّ، نَحْسِبُ: أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَحْتَسِبْ وَلْتَصْبِرْ» فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا، فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَفْسُهُ جُئِّثُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ».
[ ١٤ / ٣١٢ ]
ورواه مسلم أيضًا (٩٢٣).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٥٦): «وقد استشكل ذلك من حيث أنَّ أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنَّ أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي ﷺ عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها. ويجاب بأنَّ المراد بقوله في حديث الباب أنَّ ابنًا لي قبض أي: قارب أن يقبض، ويدل على ذلك أنَّ في رواية حماد: أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت وفي رواية شعبة: أنَّ ابنتي قد حضرت وهو عند أبي داود من طريقه أنَّ ابني أو ابنتي وقد قدمنا أنَّ الصواب قول من قال: ابنتي لا ابني ويؤيده ما رواه الطبراني في ترجمة عبد الرحمن بن عوف في "المعجم الكبير" من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: استعز بأمامة بنت أبي العاص فبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ إليه تقول له فذكر نحو حديث أسامة وفيه مراجعة سعد في البكاء وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية استعز بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاي أي أشتد بها المرض واشرفت على الموت. والذي يظهر أنَّ الله تعالى أكرم نبيه ﵊ لما سلم لأمر ربه وصبر ابنته ولم
[ ١٤ / ٣١٣ ]
يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى الله ابنة ابنته في ذلك الوقت فخلصت من تلك الشدة وعاشت تلك المدة وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة والله المستعان» اهـ.
قُلْتُ: وتستحب عيادة الصبي وإن كان لا يميز لما في ذلك من جبر قلب الوالدين، ولما يرجى من عيادته من الدعاء له ورقيته. والله أعلم.
٥ - ويدخل في ذلك المغمى عليه.
وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": «باب عيادة المغمى عليه». ثم أورد في الباب (٥٦٥١) حديث عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، «فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ» فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ.
ورواه مسلم أيضًا (١٦١٦).
وهكذا بوَّب عليه بمثل ذلك العلامة النسائي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٧٤٥٦).
[ ١٤ / ٣١٤ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١١٤): «قال ابن المنير فائدة الترجمة أن لا يعتقد أنَّ عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائده ولكن ليس في حديث جابر التصريح بأنَّهما علما أنَّه مغمى عليه قبل عيادته فلعله وافق حضورهما. قُلْتُ: بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجيئهما وقبل دخولهما عليه ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه لأنَّ وراء ذلك جبر خاطر أهله وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك» اهـ.
٦ - ويدخل فيه عيادة صاحب الرمد.
وقد بَّوب أبو داود ﵀ في "سننه" «باب في العيادة من الرمد». وقال (٣١٠٢): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١٤ / ٣١٥ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٧٩): «وفي هذا رد على من زعم أنَّه لا يعاد من الرمد. وزعموا أنَّ هذا لأنَّ العواد يرون في بيته ما لا يراه هو. وهذا باطل من وجوه:
أحدها: هذا الحديث.
الثاني: جواز عيادة الأعمى.
الثالث: عيادة المغمى عليه، وقد جلس النبي ﷺ في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق، وهو ﷺ الحجة. وهذا القول في كراهة عيادة المريض بالرمد إنَّما هو مشهور بين العوام فتلقاه بعضهم عن بعض» اهـ.
٦ - ولا يدخل في ذلك عيادة المجذوم.
لما رواه البخاري (٥٧٠٧) عن أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ».
وما رواه مسلم (٢٢٣١) عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ».
٧ - ولا يدخل في ذلك عيادة أهل البدع لإجماع السلف على هجرهم.
[ ١٤ / ٣١٦ ]
٨ - وفيه الأمر باتباع الجنازة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا اتباع الجنائز فسنة بالإجماع أيضًا، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا حملها ودفنها فمن فروض الكفايات.
وقد سبق الكلام على اتباع الجنائز في كتاب الجنائز.
٩ - وفيه الأمر بتشميت العاطس.
وهو من فروض الأعيان على الصحيح لما رواه البخاري (٦٢٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ». الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢١/ ١٤٧):
«والأظهر من الأحاديث المتقدمة وجوب التشميت على كل من سمعه إذا حمد الله، وهو مذهب أهل الظاهر، ويروى رواية عن مالك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٣٧): «ظاهر الحديث المبدوء به: أنَّ التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله، ولا
[ ١٤ / ٣١٧ ]
يجزئ تشميت الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، واختاره ابن أبي زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له» اهـ.
قُلْتُ: وهو مشروط في حق من حمد الله، ويدل عليه الحديث السابق، وما رواه البخاري (٦٢٢١)، ومسلم (٢٩٩١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ».
وما رواه مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
وروى مسلم (٢٩٩٢) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ، فَحَمِدَتِ
[ ١٤ / ٣١٨ ]
اللهَ فَشَمَّتُّهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «قال النووي: مقتضى هذا الحديث أنَّ من لم يحمد الله لم يشمت. قُلْتُ: هو منطوقه لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه الجمهور على الثاني. قال: وأقل الحمد والتشميت أن يسمع صاحبه، ويؤخذ منه أنَّه إذا أتى بلفظ آخر غير الحمد لا يشمت» اهـ.
قُلْتُ: ويعرف التحميد بسماعه، وإذا لم يسمع التحميد لبعد العاطس أو غير ذلك وسمع تشميت الناس له فلا يجب عليه التشميت، وإن شمته فحسن، وذلك لاحتمال أنَّ المشمت له شمته من غير تحميد، نعم إن علم أنَّ الذين عنده لا يشمتون من لم يحمد فعليه التشميت لعموم الحديث.
وفي ذلك نزاع بين العلماء، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٧٧): «هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس، وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمده فيكره تشميته إذا لم يحمد، فلو حمد ولم يسمعه الإنسان لم يشمته. وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمده. قال: فإن رأيت من يليه شمته فشمته» اهـ.
[ ١٤ / ٣١٩ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦١٠): «واستدل به على أنَّه يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنَّه حمد الله وإن لم يسمعه كما لو سمع العطسة ولم يسمع الحمد بل سمع من شمت ذلك العاطس فإنَّه يشرع له التشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد. وقال النووي: المختار أنَّه يشمته من سمعه دون غيره. وحكى ابن العربي اختلافًا فيه ورجح أنَّه يشمته.
قُلْتُ: وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى بن دقيق العيد من علم أنَّ الذين عند العاطس جهلة لا يفرقون بين تشميت من حمد وبين من لم يحمد، والتشميت متوقف على من علم أنَّه حمد فيمتنع تشميت هذا ولو شمته من عنده لأنَّه لا يعلم هل حمد أو لا فإن عطس وحمد ولم يشمته أحد فسمعه من بعد عنه استحب له أن يشمته حين يسمعه، وقد أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنَّه كان في سفينة فسمع عاطسًا على الشط حمد فاكترى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة فلما رقدوا سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم» اهـ.
[ ١٤ / ٣٢٠ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «وقد اختلف الناس في مسألتين:
إحداهما: أنَّ العاطس إذا حمد الله، فسمعه بعض الحاضرين دون بعض، هل يسن لمن لم يسمعه تشميته؟ فيه قولان، والأظهر: أنَّه يشمته إذا تحقق أنَّه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنَّما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي ﷺ قال: "فإن حمد الله، فشمتوه" هذا هو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر حديث أنس بن مالك وأبي موسى أنَّه لا يلقن العاطس الحمد، وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤٢): «الثانية: إذا ترك الحمد، فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى.
[ ١٤ / ٣٢١ ]
وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي لأنَّ النبي ﷺ لم يشمت الذى عطس ولم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزير له، وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسى الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها» اهـ.
قُلْتُ: وقد بيَّنت السنة كيفية التشميت ورد العاطس على من شمته فيما رواه البخاري (٦٢٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
وفي رواية أبي داود (٥٠٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَيَقُولُ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفي الباب ما يشهد له.
قُلْتُ: و"البال" يأتي بمعنى القلب، وسعة العيش، والحال، والحديث يحتمل الدعاء بجميع ذلك.
[ ١٤ / ٣٢٢ ]
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٣٣)، ومن طريقه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٣)، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا عَطَسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: «يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ مَوْقُوفٌ.
وروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -وهو ابن مسعود- قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ يَرُدُّ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ورواية سفيان عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.
وروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٢٩) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِذَا شُمِّتَ: «عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ النَّارِ، يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وفي الباب ما رواه الترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٩٣١)، وأبو داود (٧٧٣) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةُ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ
[ ١٤ / ٣٢٣ ]
مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: «مَنَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنَ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ ابْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا».
قُلْتُ: رفاعة الزرقي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح حديثه الترمذي، ومعاذ بن رفاعة قال فيه الإمام أحمد: «لم يكن به بأس». كما في [سُؤَالَاتِ أَبِي دَاوُدَ] (٢٩٥)، واحتج به البخاري في "صحيحه"، فالحديث محتمل للتحسين إن شاء الله، لا سيما ويشهد له ما ذكره الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٠): «فقد أخرج أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به عن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي ﷺ فقال الحمد لله فقال له النبي ﷺ: "يرحمك الله". وعطس آخر فقال: الحمد
[ ١٤ / ٣٢٤ ]
لله رب العالمين حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه فقال: "ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة"» اهـ.
قُلْتُ: وأصل حديث رفاعة في البخاري (٧٩٩) من غير ذكر العطاس، قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ».
قُلْتُ: ويحتمل أن يقال إنَّ المحفوظ في حديث رفاعة رواية البخاري هذه. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٧٦): «قال القاضي: واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله. وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن
[ ١٤ / ٣٢٥ ]
جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح وأجمعوا على أنَّه مأمور بالحمد لله.
وأمَّا لفظ "التشميت" فقيل: يقول: يرحمك الله، وقيل، يقول: الحمد لله يرحمك الله، وقيل: يقول: يرحمنا الله وإياكم. قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما» اهـ.
قُلْتُ: قول العاطس: «الحمد لله رب العالمين». جاء فيما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٩٧٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ حَوْلَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
قُلْتُ: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ.
وجاء فيما رواه الترمذي (٢٧٤٠)، واللفظ له، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٥) من طريق مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
[ ١٤ / ٣٢٦ ]
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ القَوْمِ فِي سَفَرٍ فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلاَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَنْصُورٍ، وَقَدْ أَدْخَلُوا بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَسَالِمٍ رَجُلًا اهـ.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٦، ١٠٠٥٧) من طريق الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ الجرمي، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ آخَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسَ رَجُلٌ، نَحْوَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا الصَّوَابُ عِنْدَنَا، وَالْأَوَّلُ خَطَأٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
قُلْتُ: أبو أحمد الزبيري يخطئ في حديث سفيان الثوري وهذا من أخطائه. وبهذا يتبين ضعف هذا الحديث من أجل إبهام الراوي عن سالم بن عبيد.
[ ١٤ / ٣٢٧ ]
وجاء فيما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥٢) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ يَرْحَمُكُمُ اللهُ فَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَلَا أَرَى جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ إِلَّا سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَدَخَلَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ الْبَصْرَةَ مَرَّتَيْنِ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَحَدِيثُهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ آخِرَ مَرَّةٍ فَفِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدِيثُهُ عَنْهُ صَحِيحٌ اهـ.
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦١٦٥) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا نَفَخَ فِي آدَمَ، فَبَلَغَ الرُّوحُ رَأْسَهُ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ لَهُ ﵎: يَرْحَمُكَ اللَّهُ».
[ ١٤ / ٣٢٨ ]
ورواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٦٨٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الضَّبِّيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ السَّدُوسِيُّ، قَالَا: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: «لَمَّا نُفِخَ فِي آدَمَ الرُّوحُ فَبَلَغَ الْخَيَاشِيمَ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ اللَّهُ ﵎: يَرْحَمُكَ اللَّهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ بِمَرَّةَ اهـ.
قُلْتُ: الموقوف أصح وله حكم الرفع، وإسناد الموقوف صَحِيْحٌ.
وقد سبق ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -وهو ابن مسعود- قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ مَنْ يَرُدُّ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، ورواية سفيان عن عطاء قبل الاختلاط فالموقوف هو الصحيح.
[ ١٤ / ٣٢٩ ]
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٥/ ٣٣٤): «يرويه عطاء بن السائب واختلف عنه، فرفعه أبيض بن أبان، وجعفر بن سليمان، عن عطاء.
ووقفه جرير، وعلي بن عاصم، والموقوف أشهر» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ المرفوع يتقوى بمثل هذه الشواهد. والله أعلم.
وأمَّا قوله في التشميت: «الحمد لله يرحمك الله». فلم أقف عليه في شيء من الأحاديث ولا الآثار.
وأمَّا قول المشمت: «يرحمنا الله وإياكم». فقد جاء فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٢٢)، وفي [الْأَدَبِ] (٣٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا شَمَّتَ الْعَاطِسَ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، فَإِذَا عَطَسَ هُوَ فَشُمِّتَ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، وَيَرْحَمُنَا، وَإِيَّاكُمْ».
قُلْتُ: وقد خالف فيه ابن عجلان الإمام مالك والمحفوظ رواية الإمام مالك السابقة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩): «ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة، شرع له حمد الله على هذه النعمة مع
[ ١٤ / ٣٣٠ ]
بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها.
ولهذا يقال: سمته وشمته - بالسين والشين - فقيل: هما بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة وغيره. قال: وكل داع بخير، فهو مشمت ومسمت.
وقيل: بالمهملة دعاء له بحسن السمت، وبعوده إلى حالته من السكون والدعة، فإنَّ العطاس يحدث في الأعضاء حركة وانزعاجًا. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرف الله عنه ما يشمت به أعداءه، فشمته: إذا أزال عنه الشماتة، كقرد البعير: إذا أزال قراده عنه.
وقيل: هو دعاء له بثباته على قوائمه في طاعة الله، مأخوذ من الشوامت، وهي القوائم.
وقيل: هو تشميت له بالشيطان، لإغاظته بحمد الله على نعمة العطاس، وما حصل له به من محاب الله، فإنَّ الله يحبه، فإذا ذكر العبد الله وحمده، ساء ذلك الشيطان من وجوه:
منها: نفس العطاس الذى يحبه الله، وحمد الله عليه، ودعاء المسلمين له بالرحمة، ودعاؤه لهم بالهداية، وإصلاح البال، وذلك كله غائظ للشيطان، محزن له،
[ ١٤ / ٣٣١ ]
فتشميت المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته، فسمى الدعاء له بالرحمة تشميتًا له، لما في ضمنه من شماتته بعدوه، وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطس والمشمت، انتفعا به، وعظمت عندهما منفعة نعمة العطاس في البدن والقلب، وتبين السر في محبة الله له، فلله الحمد الذى هو أهله كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله» اهـ.
قُلْتُ: ومن آداب العطاس وضع اليد أو الثوب على الفم وخفض الصوت لما رواه أحمد (٩٦٦٠)، وأبو داود (٥٠٢٩)، والترمذي (٢٧٤٥) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» - شَكَّ يَحْيَى -.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
١٠ - ويخرج من الحديث من لم يحمد الله كما سبق بيان ذلك.
١١ - ويخرج من هذا من كان عطاسه من زكام.
لما رواه مسلم (٢٩٩٣) من طريق وَكِيعٍ، وَأَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَا: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ
[ ١٤ / ٣٣٢ ]
سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللهُ» ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ».
وتابعهما يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عند أبي داود (٥٠٣٧)، وبهز بن أسد العمي عند أحمد (١٦٥٤٨)، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك وحديثه عند الدارمي (٢٦٦١)، والبخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٨)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦١٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦٠٣)، وابن السني في [اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٤٨)، وعاصم بن علي الواسطي عند البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦١٠٩).
ورواه الترمذي (٢٧٤٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَاهِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ»، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[ ١٤ / ٣٣٣ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: «أَنْتَ مَزْكُومٌ». هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، هَذَا الحَدِيثَ نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الحَكَمِ البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، نَحْوَ رِوَايَةِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: «أَنْتَ مَزْكُومٌ» حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ اهـ.
قُلْتُ: ورواية يحيى بن سعيد رواها أيضًا أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٦٥٧٧)، ولفظه عنده: ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ أَوِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ مَزْكُومٌ».
قُلْتُ: وفي حديثهم ترك التشميت في الثالثة وهذه زيادة من ثقات مقبولة.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٠٥١) من طريق سُلَيْمٍ وَهُوَ ابْنُ أَخْضَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَطَسَ رَجُلٌ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «إِنَّهُ مَزْكُومٌ».
[ ١٤ / ٣٣٤ ]
وتابعه زيد بن الحباب عند ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَفِ] (٢٦٥٠٣)،. و[الْأَدَبِ] (٣٢٣).
قُلْتُ: الرواية الماضية عن عكرمة بن عمار أصح من هذه.
ورواه ابن ماجه (٣٧١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ».
قُلْتُ: علي بن محمد هو ابن إسحاق الطنافسي أحد الثقات، لكن خالفه محمد بن عبد الله بن نمير فرواه عن وكيع كما سبق في رواية مسلم وهو أوثق من الطنافسي.
وروى أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤) من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ، حُمَيْدَةَ أَوْ عُبَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُشَمِّتَهُ فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ».
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ اهـ.
[ ١٤ / ٣٣٥ ]
قُلْتُ: عمر بن إسحاق مجهول، وأمه هي حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية لم يوثقها معتبر، وأبوها هو عبيد بن رفاعة لم يوثقه معتبر، ويزيد بن عبد الرحمن أبي خالد مدلس وقد عنعن، وهو مع ذلك مرسل.
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَمِّتْهُ ثَلَاثًا فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ زُكَامٌ».
وقد رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٣٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ: إِنَّكَ مَضْنُوكٌ».
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ، ويتقوى بما مضى من مرسل عبيد بن رفاعة الزرقي، وما سيأتي من معضل محمد بن جعفر بن الزبير، وحديث أبي هريرة وقد اختلف في رفعه ووقفه، وبأثر ابن عمر. والله أعلم.
ومعنى: مضنوك أي: مزكوم.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٠٦) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ
[ ١٤ / ٣٣٦ ]
فَشَمَّتَهُ ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ الثَّالِثَةَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ فِي الرَّابِعَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «إِنَّكَ مَضْنُوكٌ فَامْتَخِطْهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُعْضَلٌ، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وروى أبو داود (٥٠٣٤) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ «شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ».
ورواه أبو داود (٥٠٣٥) من طريق ابن عجلان به مرفوعًا، وابن عجلان اضطربت عليه أحاديث أبي هريرة من روايته عن سعيد بن أبي سعيد المقبري.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥٠١)، وفي [الْأَدَبِ] (٣٢١) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: «إِنَّكَ مَضْنُوكٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وبهذا يتبين أنَّ أكثر ما ورد في الحديث هو تشميت العاطس إلى ثلاث، وقد جاء في [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةِ ابْنِهِ أَبِي الْفَضْلِ صَالِحٍ] (١/ ٣٠٨): «وسألته عن الرجل يشمت العاطس في مجلسه ثلاثًا؟ قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث» اهـ.
[ ١٤ / ٣٣٧ ]
قُلْتُ: ولو اقتصر على المرتين فلا بأس بذلك لحديث سلمة بن الأكوع الماضي. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٤١): «فإن قيل: إذا كان به زكام، فهو أولى أن يدعى له ممن لا علة به؟ قيل: يدعى له كما يدعى للمريض، ومن به داء ووجع.
وأمَّا سنة العطاس الذى يحبه الله، وهو نعمة، ويدل على خفة البدن، وخروج الأبخرة المحتقنة، فإنَّما يكون إلى تمام الثلاث، وما زاد عليها يدعى لصاحبه بالعافية.
وقوله في هذا الحديث: "الرجل مزكوم" تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأنَّ الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى» اهـ.
قُلْتُ: وترك التشميت بعد الثالثة محمول عند التوالي أو التقارب، وأمَّا إذا كان بينهنَّ تباعد فيشمته السامع وإن زاد عن الثلاث.
وهكذا إذا توالت عليه أكثر من ثلاث فحمد الله بعدها فعلى المستمع أن يشمته.
[ ١٤ / ٣٣٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُصْطَفَى الرُّحَيْبَانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [مَطَالِبِ أُوِلِي النُّهَى] (٥/ ٢٨):
«فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات شمته بعدها إذا لم يتقدم تشميت، قال في "شرح المنظومة": قولًا واحدًا» اهـ.
قُلْتُ: وإذا علم الشخص من حال العاطس ابتداءً أنَّه مزكوم هل يشمته أو يدعو له بالعافية، الذي يظهر لي هو الثاني. والله أعلم.
١٢ - وهل يخرج من التشميت من تسبب في العطاس بشيء من المعالجة كشم بعض الروائح التي تهيج العطاس ونحو ذلك.
جَاءَ فِي [حَاشِيَةِ سُلَيْمَانَ الْجَمَلِ عَلَى الْمَنْهَجِ] (٢١/ ٣٤٢): «لا يشمت العاطس بعلاج لأنَّ عطاسه ليس ناشئًا عن الطبيعة» اهـ.
لكن قد يقال بالتشميت لعموم الحديث، ولما سيأتي في حديث أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
[ ١٤ / ٣٣٩ ]
فقد كان ﵊ يرد عليهم بما يناسب حالهم مع أنَّهم يتكلفون ذلك، فهكذا المسلم إذا تكلف ذلك بشيء من المعالجة فينبغي أن يشمت. والله أعلم.
١٣ - ويخرج من ذلك من كان في صلاة.
ويدل عليه ما رواه مسلم (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قُلْتُ: وأمَّا العاطس فله أن يحمد الله تعالى لحديث رفاعة الماضي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٨): «واستدل بأمر العاطس بحمد الله أنَّه يشرع حتى للمصلي وقد تقدمت الإشارة إلى حديث
[ ١٤ / ٣٤٠ ]
رفاعة بن رافع في باب الحمد للعاطس وبذلك قال الجمهور من الصحابة والأئمة بعدهم وبه قال مالك والشافعي وأحمد ونقل الترمذي عن بعض التابعين أنَّ ذلك يشرع في النافلة لا في الفريضة ويحمد مع ذلك في نفسه، وجوز شيخنا في شرح الترمذي أن يكون مراده أنَّه يسر به ولا يجهر به وهو متعقب مع ذلك بحديث رفاعة بن رافع فإنَّه جهر بذلك ولم ينكر النبي ﷺ عليه نعم يفرق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها من أجل اشتراط الموالاة في قراءتها، وجزم بن العربي من المالكية بأنَّ العاطس في الصلاة يحمد في نفسه ونقل عن سحنون أنَّه لا يحمد حتى يفرغ وتعقبه بأنَّه غلو» اهـ.
١٤ - ويخرج من هذا أيضًا تشميت المستمع للخطبة.
لما رواه البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». مع أنَّ هذا القول من إنكار المنكر، فدل ذلك على أنَّ من حضر الخطبة فيمنع من الكلام مطلقًا.
١٥ - ويخرج من ذلك من سمع عاطسًا حمد الله وهو في حالة غير مناسبة للتشميت كمن كان في الخلاء أو في حال جماع.
[ ١٤ / ٣٤١ ]
١٦ - وهل يدخل في ذلك تشميت الرجل للمرأة والعكس؟
الذي يظهر لي أنَّه يشرع ذلك في حق المحارم ومن لا إربة له من الرجال، ويشرع ذلك في حق المرأة العجوز، وأمَّا الشابة من غير المحارم فله أن يشمتها من غير أن يسمعها، ولا يشرع اسماعها خشية الفتنة ودرء المفاسد مقدمة على جلب المصالح.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٢/ ٣١١): «وسئل معمر: هل يشمت المرأة الرجل إذا عطست؟ قال: نعم لا بأس بذلك. قُلْتُ: وكذلك تشميت المرأة، المرأة، والمرأة الرجل» اهـ.
قُلْتُ: وروى معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٦٨١) عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الْعُطَاسُ ثَلَاثًا»، وَقَالَ رَجُلٌ لِمَعْمَرٍ: هَلْ يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إِذَا عَطَسَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٨/ ١١):
«وَكَذَلِكَ: تشميت الْعَاطِس، وَلَو سلم على جمَاعَة وَفِيهِمْ صبي فَرد الصَّبِي إِنْ كَانَ لَا يعقل لَا يَصح، وَإِنْ كَانَ يعقل هَلْ يَصح؟ فِيهِ اخْتِلَاف، وَيجب على الْمَرْأَة رد
[ ١٤ / ٣٤٢ ]
سَلام الرجل وَلَا ترفع صَوتهَا لِأَنَّ صَوتهَا عَورَة، وَإِنْ سلمت عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ عجوزًا رد عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَابة رد فِي نَفسه، وعَلى هَذَا التَّفْصِيل تشميت الرجل الْمَرْأَة وَبِالْعَكْسِ» اهـ.
وَقَالَ حَرْبٌ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ] (٢/ ٨٧٥):
«قلت لأحمد: فالرجل يشمت المرأة إذا عطست. قال: إن أراد إن يستنطقها ليسمع كلامها فلا، لأنَّ الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتهن» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (٢/ ٣٤١):
«قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الشَّابَّةَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يُشَمِّتَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَقِيلَ: عَجُوزًا وَشَابَّةً بَرْزَةً وَلَا تُشَمِّتُهُ هِيَ وَقِيلَ: لَا يُشَمِّتُهَا.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يُشَمِّتَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْعَجُوزِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعُبَّادِ فَعَطَسَتْ امْرَأَةُ أَحْمَدَ فَقَالَ لَهَا الْعَابِدُ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ فَقَالَ أَحْمَد ﵀: عَابِدٌ جَاهِلٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
[ ١٤ / ٣٤٣ ]
وَقَالَ حَرْبٌ قُلْتُ: لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ؟ فَقَالَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْطِقَهَا وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا فَلَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِتْنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشَمِّتَهُنَّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهِ عُمُومٌ فِي الشَّابَّةِ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إذَا عَطَسَتْ قَالَ: نَعَمْ قَدْ شَمَّتَ أَبُو مُوسَى امْرَأَتَهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً تَمُرُّ أَوْ جَالِسَةً فَعَطَسَتْ أُشَمِّتُهَا قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَيُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْبَرْزَةَ وَيُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ الْبَزْرَةَ وَتُشَمِّتُهُ وَلَا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَشْمِيتُ الْمَرْأَةِ الْبَرْزَةِ وَالْعَجُوزِ وَيُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ الْخَفِرَةِ فَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ هَلْ يُشَمِّتُ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهَا أَمْ لَا وَيُشَمِّتُهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا وَسَبَقَتْ نُصُوصُهُ فِي التَّسْلِيمِ عَلَيْهَا مِثْلُ هَذَا، وَلَا فَرْقَ وَسَبَقَ أَنَّ صَاحِبَ النَّظْمِ سَوَّى بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّشْمِيتِ، وَقِيلَ: يُشَمِّتُ عَجُوزًا أَوْ شَابَّةً بَرْزَةً وَمَنْ قُلْنَا: يُشَمِّتُهَا فَإِنَّهَا تُشَمِّتُهُ وَعَلَى مَا فِي الرِّعَايَةِ لَا» اهـ.
١٧ - ويخرج من ذلك من شرع هجره كأهل البدع.
[ ١٤ / ٣٤٤ ]
١٨ - ويشرع تشميت الكافر بما رواه أحمد (١٩٦٠١)، وأبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ دَيْلَمَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
١٩ - ويدخل في الحديث من تتابع عليه العطاس من غير زكام ولم يحمد الله إلَّا في آخرها فإنَّه يشمت على قدر تحميده فإنَّ حمد واحدة للجميع شمت مرة واحدة وإن حمد لكل عطسة شمت على قدر ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٥): «فلو تتابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه ثم كرر الحمد بعدد العطاس فهل يشمت بعدد الحمد فيه نظر وظاهر الخبر نعم» اهـ.
٢٠ - وفي الحديث الأمر بإبرار القسم أو المقسم، وهو أن يفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارًا.
وهذا مشروط بعدم الإثم أو الحرج على المقسم عليه.
[ ١٤ / ٣٤٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٣٨): «وإبرار القسم ندب وحض إذا أقسم الرجل على أخيه في شيء لا مكروه فيه ولا يشق عليه، فعليه أن يبر قسمه، وذلك من مكارم الأخلاق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا إبرار القسم فهو سنة أيضًا مستحبة متأكدة وإنَّما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبر قسمه كما ثبت أنَّ أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال: "لا تقسم" ولم يخبره» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
[ ١٤ / ٣٤٦ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اعْبُرْهَا» قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ، حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» قَالَ: فَوَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».
٢١ - وفيه الأمر بنصرة المظلوم، وهو من فروض الكفاية، ويتعين على ولي أمر المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٧٣): «نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه» اهـ.
[ ١٤ / ٣٤٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣٩): «وأمَّا نصر المظلوم فمن فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنَّما يتوجه الأمر به على من قدر عليه، ولم يخف ضررًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٩٩): «وشرط الناصر أن يكون عالمًا بكون الفعل ظلمًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت السنة أيضًا بنصر الظالم، وذلك يكون بحجزه عن ظلمه، وذلك فيما رواه البخاري (٦٩٥٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ».
وروى مسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوِ الْمُهَاجِرُونَ، يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، قَالَ:
[ ١٤ / ٣٤٨ ]
«فَلَا بَأْسَ وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ».
٢٢ - وفيه الأمر بإجابة الدعوى.
وقد سبق الكلام على إجابة الدعوى في كتاب النكاح بما فيه الكفاية والحمد لله.
٢٣ - وفيه الأمر بإشفاء السلام، وهو إشاعته وإكثاره، والسلام سنة اتفاقًا إلَّا السلام من الصلاة، والسلام لرفع الهجر فهو واجب، والرد فريضة على الكفاية في مذهب أكثر العلماء خلافًا للحنفية.
قُلْتُ: وأمَّا من تحمل سلام الغير فيجب عليه أداؤه لأنَّه من باب تحمل الأمانة وأداؤها وهذا مما يجب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ] (١/ ٤١٩): «وهذا ينبغي أن يجب إذا تحمله لأنَّه مأمور بأداء الأمانة، وإلَّا فلا يجب» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٨): «والتحقيق أنَّ الرسول إنِ ألتزمه أشبه الأمانة، وإلَّا فوديعة، والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شيء» اهـ.
[ ١٤ / ٣٤٩ ]
وإفشاء السلام من أسباب المودة بين المسلمين ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
ومن أجل ذلك حرص السلف عليه، ومن أعجب ما قرأت من حرص السلف على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٢٦)، ومن طريقه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (١٠٠٦)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٨٤١١)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (١/ ٣١٠) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطٍ، وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ، وَلَا مِسْكِينٍ، وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ؟ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ، وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ قَالَ: وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ، قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «يَا أَبَا بَطْنٍ - وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ - إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا».
[ ١٤ / ٣٥٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد بيَّن النبي ﷺ من الذي يبدأ بالسلام في صحيح سنته فروى البخاري (٦٢٣٣)، ومسلم (٢١٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ».
وفي لفظ للبخاري (٦٢٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ».
قُلْتُ: وإذا التقى راكب كبير وماشٍ صغير، فالذي يظهر لي أنَّ الكبير هو الذي يبتدئ بالسلام لعموم الحديث، وحديث تسليم الصغير على الكبير يكون عند التساوي بالمشي أو الركوب. والله أعلم.
وإذا كثر الراكبون وقلَّ القاعدون، أو مرَّ كبير على صغير قاعد، فالذي يظهر لي أنَّ الوارد يبدأ بالسلام مطلقًا.
ويدل على ذلك ما سيأتي من تسليم النبي ﷺ على الصبيان عند مروره عليهم.
[ ١٤ / ٣٥١ ]
وما رواه البخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».
والشاهد أنَّ النبي ﷺ جعل على الجالسين رد السلام لا الابتداء به.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٦): «لكن لو عكس الأمر فمر جمع كثير على جمع قليل وكذا لو مرَّ الصغير على الكبير لم أر فيهما نصًا واعتبر النووي المرور فقال: الوارد يبدأ سواء كان صغيرًا أم كبيرًا قليلًا أم كثيرًا» اهـ.
قُلْتُ: وكلام الْعَلَّامَة الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٥٩٩) حيث قال:
«فأمَّا إذا ورد على قاعد أو قوم فإنَّ الوارد يبدأ بالسلام سواء كان صغيرًا أو كبيرًا قليلًا أو كثيرًا» اهـ. وهكذا في [رَوْضَةِ الطَّالِبْينَ] (١٠/ ٢٢٩).
[ ١٤ / ٣٥٢ ]
وَقَالَ فِي [الْإِقْنَاعِ] (١/ ٢٣٩): «ويسن أن يسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم فإن عكس حصلت السنة هذا إذا تلاقوا في طريق أمَّا إذا وردوا على قاعد أو قعود فإنَّ الوارد يبدأ مطلقًا» اهـ.
قُلْتُ: وإذا كان كثر الراكبون، وقل الماشون فقد يقال: لا يتعين أحدهما بالبداءة بالسلام لاستواء الحالين من غير مرجح، وقد يقال: يبدأ الراكب فإنَّ الراكب مع الماشي كالماشي مع القاعد، وقد سبق أنَّ الوارد هو الذي يبدأ بالسلام مطلقًا وهذا أظهر القولين. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء في السلام هل هو اسم من أسماء الله تعالى أم المراد به الدعاء بالسلامة من الشرور، والصحيح أنَّ فيه المعنيين جميعًا.
أمَّا المعنى الأول: فيدل عليه ما رواه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ
[ ١٤ / ٣٥٣ ]
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو».
ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ] (٩٨٩) حَدَّثَنَا شِهَابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وشهاب هو ابن عباد العبدي.
ويكون على هذا المعنى قول المسلم: السلام عليكم. أي: اسم السلام عليكم، والمعنى: نزلت بركة اسمه عليكم، وحلت عليكم.
ومما يدل على أنَّه يتوسل به في طلب السلامة مجيئه منكرًا في قول المُسلِّم: «سلام عليكم».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٤٢): «القول الثاني: أنَّ السلام مصدر بمعنى السلامة وهم المطلوب المدعو به عند التحية.
ومن حجة أصحاب هذا القول أنَّه يذكر بلا ألف ولام بل يقول المسلم: سلام عليكم ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفة كما
[ ١٤ / ٣٥٤ ]
يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فإنَّ التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلًا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنَّه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
ومن حججهم أيضًا أنَّ عطف الرحمة والبركة عليه في قوله: "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته" يدل على أنَّ المراد به المصدر ولهذا عطف عليه مصدرين مثله».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢/ ١٤٣): «وفصل الخطاب في هذه المسألة أن يقال: الحق في مجموع القولين فلكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما».
إِلَى أَنْ قَالَ: «وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:
أحدهما: ذكر الله كما في حديث ابن عمر، والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسمًا من أسماء الله وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة» اهـ.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٧٨): «وأمَّا السؤال العشرون: وهو ما الحكمة في اقتران الرحمة والبركة بالسلام؟.
[ ١٤ / ٣٥٥ ]
فالجواب عنه أن يقال: لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلَّا بثلاثة أشياء:
أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يضاد حياته وعيشه، والثاني: حصول الخير له، والثالث: دوامه وثباته له فإنَّ بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة شرعت التحية متضمنة للثلاثة فقوله: سلام عليكم يتضمن السلامة من الشر، وقوله: ورحمة الله يتضمن حصول الخير، وقوله: وبركاته يتضمن دوامه وثباته كما هو موضوع لفظ البركة وهو كثرة الخير واستمراره» اهـ.
٢٤ - ويخرج من ذلك السلام على الكافر، والمصر على المعصية أو البدعة حتى تظهر توبته.
فأمَّا الكافر فلما رواه مسلم (٢١٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦): «لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: "لا تبدؤوهم بالسلام" فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقًا، أو يختص بمن كانت حاله بمثل
[ ١٤ / ٣٥٦ ]
حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروه إلى أضيقه" والظاهر أنَّ هذا حكم عام.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روى ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي ﵀، لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك، فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضى ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت، فقد سلم الصالحون، وإن تركت، فقد ترك الصالحون.
واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب، وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول،
[ ١٤ / ٣٥٧ ]
والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرًا لهم، وتحذيرًا منهم، بخلاف أهل الذمة» اهـ.
وأمَّا قول الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] ليس المراد به التحية، وإنَّما كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي: قالوا قولًا سلامًا أي سدادًا وصوابًا وسليمًا من الفحش والخنا ليس مثل قول الجاهلين الذين يخاطبونهم بالجهل.
وأمَّا قول إبراهيم ﵊ لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فأكثر أهل العلم حملوا ذلك على غير التحية فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٥/ ٥٥٥): «يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إلي ما توعدتني عليه بالعقوبة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ١١١): «والجمهور على أنَّ المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية» اهـ.
[ ١٤ / ٣٥٨ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٢٣٦): «يعني: أمَّا أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا عند مكاتبة الكفار فالسنة في ذلك أن يكتب لهم: «سلام على من اتبع الهدى». وهكذا كان النبي ﷺ يكاتب الكفار كما كاتب بذلك هرقل وهو ثابت في البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس.
وأمَّا قول الله تعالى في شأن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].
فليس هذا من قبيل التحية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١١/ ٢٠٣): «قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله ﷿ وعذابه. قال: وليس بتحية، والدليل على ذلك أنَّه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٢٧٦): «ليس المراد منه التحية، إنَّما معناه سلم من عذاب الله من أسلم» اهـ.
[ ١٤ / ٣٥٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٩٦): «وأمَّا قول موسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ فليس بسلام تحية فإنَّه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض فإنَّ من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنَّه قال له: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ أفلا ترى أنَّ هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته وإنَّما وقع متوسطًا بين الكلامين إخبارًا محضًا عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدي ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه وإيثاره من السلامة وأنَّه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله تعالى أعلم» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٥١٠) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَأَلِجُ؟».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٤١، ١٩٤٥٩) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «التَّسْلِيمُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمُ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى».
[ ١٤ / ٣٦٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا رد السلام عليهم فقد جاء مبينًا فيما رواه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».
وقد بيَّن النبي ﷺ السبب في مثل هذا الرد فيما رواه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ».
لكن لو أفصح بالسلام وتحقق أنَّه أتى به بلفظه من غير تحريف له فذهب بعض العلماء أنَّه يرد عليهم بقوله: وعليكم السلام. وذلك لانتفاء العلة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢٢٦): «فصل: إذا تحقق من قول الذمي سلام عليك.
هذا كله إذا تحقق أنَّه قال: السام عليكم أو شك فيما قال: فلو تحقق السامع أنَّ الذمي قال له: "سلام عليكم" لا شك فيه فهل له أن يقول وعليك السلام أو يقتصر على قوله وعليك فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال:
[ ١٤ / ٣٦١ ]
له وعليك السلام فإنَّ هذا من باب العدل والله يأمر بالعدل والإحسان وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فندب إلى الفضل وأوجب العدل.
ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجه ما فإنَّه ﷺ إنَّما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم وأشار إليه في حديث عائشة ﵂ فقالت: "ألا ترينني قلت وعليكم لما قالوا: السام عليكم" ثم قال: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنَّما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. فإذا زال هذا السبب وقال: الكتابي سلام عليكم ورحمة الله فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب قوي. والله أعلم.
وأمَّا ترك السلام ورده على أهل المعاصي حتى تظهر توبتهم فلما رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك وفي حديثه أنَّه قال: «وَنَهَى
[ ١٤ / ٣٦٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟».
وإذا كان هذا فيمن وقع بمعصية فمن وقع ببدعة من باب أولى.
٢٥ - ويخرج من ذلك قاضي الحاجة.
لما رواه مسلم (٣٧٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٢/ ٨٦): «فيه أنَّ المسلم في هذا الحال لا يستحق جوابًا، وهذا متفق عليه. قال أصحابنا: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم عليه كره له رد السلام» اهـ.
[ ١٤ / ٣٦٣ ]
وإذا قضى حاجته فله أن يرد عليه بعد تيممه لما رواه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩) معلقًا عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
٢٦ - ويخرج من ذلك السلام على مستمع الخطبة.
٢٧ - ولا يدخل في إفشاء السلام، السلام على النساء الشابات من غير المحارم لما في ذلك من الفتنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤١٢): «وهذا هو الصواب في مسألة السلام على النساء: يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٢): «وأمَّا النساء فإن كنَّ جميعًا سلم عليهن، وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها، سواء كانت جميلة أو غيرها. وأمَّا الأجنبي فإن كانت عجوزًا لا تشتهى استحب له السلام عليها، واستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزم الآخر
[ ١٤ / ٣٦٤ ]
رد السلام عليه. وإن كانت شابة أو عجوزًا تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي، ولم تسلم عليه. ومن سلم منهما لم يستحق جوابًا، ويكره رد جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال ربيعة: لا يسلم الرجال على النساء، ولا النساء على الرجال، وهذا غلط. وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في التسليم على العجوز ما رواه البخاري (٦٢٤٨) من طريق ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ:
«كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ- قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ - فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ وَمَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».
٢٨ - ويدخل في إفشاء السلام، السلام مع قرب العهد.
ويدل عليه ما رواه أبو داود (٥٢٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي
[ ١٤ / ٣٦٥ ]
هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا».
قَالَ مُعَاوِيَةُ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُ الْمَرْفُوْعِ حَسَنٌ.
وما رواه ابن السني في [عَمَلِ اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٤٤) أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا ثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَمَاشَوْنَ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ، فَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، ثُمَّ الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وأبو القاسم بن منيع هو الحافظ البغوي، قَالَ الْعَلَّامَةُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (١٤/ ٤٤١): «البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه، الحافظ، الإمام، الحجة، المعمر، مسند العصر، أبو القاسم البغوي الأصل، البغدادي الدار والمولد.
[ ١٤ / ٣٦٦ ]
منسوب إلى مدينة بغشور من مدائن إقليم خراسان، وهي على مسيرة يوم من هراة.
كان أبوه وعمه الحافظ علي بن عبد العزيز البغوي منها.
وهو أبو القاسم بن منيع نسبة إلى جده لأمه الحافظ أبي جعفر أحمد بن منيع البغوي الأصم» اهـ.
ورواه البيهقي في [الشُّعَبِ] (٨٤٧٢) من طريق حميد عن أنس به.
ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَدَّ وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٢٩ - ومن إفشاء السلام، السلام على الصبيان.
[ ١٤ / ٣٦٧ ]
وقد روى البخاري (٦٢٤٧)، ومسلم (٢١٦٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ٢٧): «سلام النبي ﷺ على الصبيان من خلقه العظيم، وأدبه الشريف وتواضعه ﵇، وفيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام، وقد كان ﵇ يمازح الصبيان ويداعبهم ليقتدى به في ذلك، فما فعل شيئًا إلَّا ليسن لأمته الاقتداء به، والاقتداء لأثره، وفى ممازحته للصبيان تذليل النفس على التواضع ونفى التكبر عنها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٢): «ففيه استحباب السلام على الصبيان المميزين، والندب إلى التواضع، وبذل السلام للناس كلهم، وبيان تواضعه ﷺ، وكمال شفقته على العالمين. واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان، ولو سلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم هل يسقط فرض الرد عن الرجال؟ ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما
[ ١٤ / ٣٦٨ ]
يسقط. ومثله الخلاف في صلاة الجنازة هل يسقط فرضها بصلاة الصبي؟ الأصح سقوطه، ونص عليه الشافعي، ولو سلم الصبي على رجل لزم الرجل رد السلام. وهذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور. وقال بعض أصحابنا: لا يجب، وهو ضعيف أو غلط» اهـ.
قُلْتُ: وفي ذكره للاتفاق نظر فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٢): «قوله: باب التسليم على الصبيان.
سقط لفظ باب لأبي ذر وكأنَّه ترجم بذلك للرد على من قال: لا يشرع لأنَّ الرد فرض وليس الصبي من أهل الفرض وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال: كان الحسن لا يرى التسليم على الصبيان. وعن ابن سيرين أنَّه كان يسلم على الصبيان ولا يسمعهم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٧٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: «كَانَ مُحَمَّدٌ يُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَلَا يُسْمِعُهُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا أثر الحسن فلم أقف عليه ولعله موجود في بعض النسخ دون بعض.
٣٠ - ومن إفشاء السلام، السلام عند الانصراف من المجلس.
[ ١٤ / ٣٦٩ ]
ويدل عليه ما رواه أحمد (٧٨٣٩، ٩٦٦٢)، وأبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٢٠١) من طريق ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وأمَّا السلام عند الانصراف من المسجد فقد أجازه بعض العلماء، ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "فتاوى نور على الدرب": «أمَّا إذا سلم عند الانصراف من المسجد فلا أرى في هذا بأسًا وإن كنت لا أعلم أنَّ في ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن عموم الأدلة في مشروعية السلام عند الانصراف قد تدخل فيه هذه المسألة» اهـ.
قُلْتُ: وفي هذا نظر، والأظهر ترك ذلك، إذ لو كان من السنن لنقل، ولا أعلم أحد ممن تقدم استحب ذلك.
٣١ - ومن إفشاء السلام، السلام عند دخول البيوت ومن ذلك المساجد.
[ ١٤ / ٣٧٠ ]
لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].
وكان من أدب النبي ﷺ أنَّه إذا دخل منزله ليلًا سلم سلامًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان، كما جاء ذلك فيما رواه مسلم (٢٠٥٥) عَنِ الْمِقْدَادِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا»، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا صَنَعْتَ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ
[ ١٤ / ٣٧١ ]
رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ، أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي»، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ،
[ ١٤ / ٣٧٢ ]
أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا»، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.
٣٢ - ويدخل في إفشاء السلام، السلام على من عرفه الشخص ومن لم يعرفه لما رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
٣٣ - ومن إفشاء السلام تكريره ثلاثًا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
لما رواه البخاري (٩٤) عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤١٨ - ٤١٩): «ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أنَّ الأول لم يحصل به الإسماع كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثًا، فلما لم يجبه أحد رجع، وإلَّا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثًا لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من
[ ١٤ / ٣٧٣ ]
لقيه ثلاثًا، وإذا دخل بيته ثلاثًا، ومن تأمل هديه، علم أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السلام كان منه أمرًا عارضًا في بعض الأحيان، والله أعلم» اهـ.
٣٣ - ومن إفشاء السلام، السلام عند الاستئذان.
ويدل عليه ما رواه أبو داود (٥١٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟». فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَدَخَلَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣٤ - وليس في الحديث بيان لصيغة السلام، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلَامُ
[ ١٤ / ٣٧٤ ]
عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».
قُلْتُ: وأقل السلام أن يقول للجماعة السلام عليكم، وللفرد السلام عليك، أو سلام عليكم، أو سلام عليك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٩١):
«وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم، فإن كان المسلم عليه واحدًا فأقله السلام عليك» اهـ.
قُلْتُ: وأتمه أن يضيف في سلامه الرحمة والبركة.
فقد روى أحمد (١٩٩٦٢)، وأبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
[ ١٤ / ٣٧٥ ]
قُلْتُ: وجاء في بعض الأحاديث زيادة "ومغفرته"، فمن ذلك ما رواه أبو داود (٥١٩٦) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْتُ نَافِعَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ، زَادَ: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: «أَرْبَعُونَ» قَالَ: «هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف سهل بن معاذ بن أنس، وأبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون مختلف فيه.
ومن ذلك ما رواه البخاري في [التَّارِيْخِ] (١٠٣٧)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٢٧)، البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] من طريق مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: نا أَزْهَرُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ قُلْنَا: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ».
قُلْتُ: وفيه محمد بن حميد وهو الرازي كذبه غير واحد، ورواية البخاري معلقة، وأمَّا قَولُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (١٤٤٩): «ومحمد الراوي عنه هو ابن سعيد بن الأصبهاني، وهو من شيوخ البخاري في "الصحيح" فالإسناد
[ ١٤ / ٣٧٦ ]
متصل غير معلق» اهـ. فليس بصحيح بل هو محمد بن حميد الرازي كما صرح به عند ابن عدي والبيهقي.
وقد رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤٨٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ».
ولم يذكر لفظة: «ومغفرته». وجعل ذلك في السلام من الصلاة.
ومن ذلك ما رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٩١٢)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٥٧١٥) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ الأَرْحَبِيِّ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ سَلامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
[ ١٤ / ٣٧٧ ]
فَذَاكُمْ أَنِّي اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ عُرْبِهِمْ وَخُمُورِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَحَاشِيَتِهِمْ وَأَعْطَيْتُكَ مِنْ ذُرَةِ يَسَارٍ مِائَتَيْ صَاعٍ، وَمِنْ زَبِيبِ خَيْوَانَ مِائَتَيْ صَاعٍ جَارٍ ذَلِكَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَبَدًا أَبَدًا».
قَالَ قَيْسٌ: وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَبَدًا. أَبَدًا».
أَحَبُّ إِلَيَّ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَبْقَى لِي عَقِبِي أَبَدًا.
قَالَ يَحْيَى: عُرْبُهُمْ: أَهْلُ الْبَادِيَةِ.
وَخُمُورُهُمْ: أَهْلُ الْقُرَى.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٢٩٣): «عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة. قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. قد رأيته» اهـ.
ومن ذلك ما رواه ابن السني في [عَمَلِ اليَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (٢٣٤) أَخْبَرَنِي أَبُو عَرُوبَةَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا بَقِيَّةُ، ثنا يُوسُفُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَرْعَى دَوَابَّ أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ».
[ ١٤ / ٣٧٨ ]
وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَى هَذَا سَلَامًا مَا تُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ؟ هُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل نوح بن ذكوان فإنَّه شديد الضعف، وبقية مدلس وقد عنعن، وشيخه يوسف بن أبي كثير مجهول.
وروى ابن المنذر في [التَّفْسِيْرِ] (٢٠٧٣) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «وَعَلَيْكَ رَحْمَةُ اللهِ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «وَعَلَيْكَ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ»، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَعَلَيْكَ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَقَصْتَنِي، فَأَيْنَ مَا قَالَهُ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فَقَالَ: «إِنَّ هَؤُلاءِ تَرَكُوا لِي فَضْلا، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ لَمْ تَدَعْ لِي فَضْلًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ: وَعَلَيْكَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ.
[ ١٤ / ٣٧٩ ]
ورواه الطبري في [تَفْسِيْرِه] (٧/ ٢٧٧) من طريق هِشَامِ بْنِ لَاحِقٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ موصولًا، والصحيح فيه الإرسال.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه لم تثبت الزيادة على وبركاته في السلام، وقد ثبتت آثار عن الصحابة ﵃ في استنكار الزيادة على ذلك، فمن ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٧٢٢) عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِي الَّذِي يَغْشَاكَ فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٨٧) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: نا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَاهُمْ يَوْمًا فِي مَجْلِسٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»،
[ ١٤ / ٣٨٠ ]
فَقُلْتُ: عَطَاءٌ، فَقَالَ: «انْتَهِ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ»، قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٨٨) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَهُ ابْنُهُ، فَجَاءَهُ سَائِلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ، وَعَدَدٌ مِنْ ذَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «مَا هَذَا السَّلَامُ؟». وَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ: يَا أَبَتَاهُ إِنَّهُ سَائِلٌ مِنَ السُّؤَّالِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ حَدَّ السَّلَامَ حَدًّا، وَنَهَى عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَرَأَ إِلَى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ثُمَّ انْتَهَى».
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٤٠) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَلْقَى ابْنَ عُمَرَ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَغْفِرَتُهُ وَمُعَافَاتُهُ، قَالَ: يُكْثِرُ مِنْ هَذَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «وَعَلَيْكَ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَئِنْ عُدْتَ إِلَى هَذَا لَأَسُوءَنَّكَ».
[ ١٤ / ٣٨١ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إن كان شيخ أيوب هو نافع.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٤٩٠) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: نا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَيْهِ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَانْتَهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: «حَسْبُكَ إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى: وَبَرَكَاتُهُ، إِلَى مَا قَالَ اللهُ ﷿».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وقد كره النبي ﷺ البداءة بالسلام بقوله: "عليك السلام".
فروى أبو داود (٥٢٠٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ أَبِي غِفَارٍ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٥٩٩٧) من طريق أخرى صحيحة إلى أبي تميمة الهجيمي.
[ ١٤ / ٣٨٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٤٢١): «وقد أشكل هذا الحديث على طائفة، وظنوه معارضًا لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: "السلام عليكم" بتقديم السلام، فظنوا أنَّ قوله: "فإنَّ عليك السلام تحية الموتى" إخبار عن المشروع، وغلطوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظن التعارض، وإنَّما معنى قوله: "فإنَّ عليك السلام تحية الموتى" إخبار عن الواقع، لا المشروع، أي: إنَّ الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما
فكره النبي ﷺ أن يحيى بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم بها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١): «وهنا نكتة بديعة ينبغي التفطن لها وهي أنَّ السلام شرع على الأحياء والأموات بتقديم اسمه على المسلم عليهم لأنَّه دعاء بخير والأحسن في دعاء الخير أن يتقدم الدعاء به على المدعو له كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى
[ ١٤ / ٣٨٣ ]
إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.
وأمَّا الدعاء بالشر فيقدم فيه المدعو عليه المدعو به غالبًا كقوله تعالى لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾.
وسرُّ ذلك والله أعلم أنَّ في الدعاء بالخير قدموا اسم الدعاء المحبوب الذي تشتهيه النفوس وتطلبه ويلذ للسمع لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب المطلوب ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له القلب والسمع فيبقى السامع كالمنتظر لمن يحصل هذا وعلى من يحل فيأتي باسمه فيقول عليك أو لك فيحصل له من السرور والفرح ما يبعث على التحاب والتواد والتراحم الذي هو المقصود بالسلام، وأمَّا في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء وأنَّه عليه وحده كأنَّه قيل له هذا عليك وحده لا يشركك فيه السامعون بخلاف الدعاء بالخير فإنَّ المطلوب عمومه وكل ما عم به الداعي كان أفضل، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض» اهـ.
[ ١٤ / ٣٨٤ ]
قُلْتُ: ويجوز تنكير السلام في الابتداء لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقول الله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦].
وقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
وقول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وغير ذلك من الآيات.
[ ١٤ / ٣٨٥ ]
ولما رواه مسلم (١٤٢٨) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبِعْتُهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ اسْتَأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَخْرُجَا فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟» فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: «بِخَيْرٍ». الحديث.
وأمَّا رد السلام فهل يكون معرفًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ١٥٥ - ١٥٦): «فقول الراد وعليك السلام بالتعريف متضمن للدلالة على أنَّ مقصوده من الرد مثل ما ابتدئ به وهو هو بعينه فكأنَّه قال ذلك السلام الذي طلبته لي مردود عليك وواقع عليك فلو أتى بالرد منكرًا لم يكن فيه إشعار بذلك لأنَّ المعرف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد بخلاف المنكر.
ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ: "لن يغلب عسر يسرين". فإنَّه أشار إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد واليسر تكرر
[ ١٤ / ٣٨٦ ]
بلفظ النكرة فهو يسران فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله ويسر بعده فلن يغلب عسر يسرين.
وفائدة ثانية وهي: أنَّ مقامات رد السلام ثلاثة مقام فضل ومقام عدل ومقام ظلم فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته، والعدل أن ترد عليه نظيرها، والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها فاختير للراد أكمل اللفظين وهو المعرف بالأداة التي تكون للاستغراق والعموم كثيرًا ليتمكن من الإتيان بمقام الفضل.
وفائدة ثالثة وهي: أنَّه قد تقدم أنَّ المناسب في حقه تقديم المسلم عليه على السلام فلو نكره وقال: عليك سلام لصار بمنزلة قولك عليك دين وفي الدار رجل فخرجه مخرج الخبر المحض وإذا صار خبرًا بطل معنى التحية لأنَّ معناها الدعاء والطلب فليس بمسلم من قال: عليك سلام إنَّما المسلم من قال سلام عليك فعرف سلام الراد باللام إشعارًا بالدعاء للمخاطب وأنَّه راد عليه التحية طالب له السلامة من اسم السلام والله أعلم» اهـ.
لكن بقى إشكال في رد الخليل إبراهيم ﵊ على الملائكة السلام منكرًا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩].
[ ١٤ / ٣٨٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٨٦) حيث قال: «وحكى عن إبراهيم لفظ سلامه فأتى به على لفظه مرفوعًا بالابتداء محكيًا بالقول ولولا قصد الحكاية لقال سلامًا بالنصب لأنَّ ما بعد القول إذا كان مرفوعًا فعلى الحكاية ليس إلَّا فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سلام إبراهيم ورفعه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جدًا وهو أنَّ قوله: "سلام عليكم" من دين الإسلام المتلقى عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأنَّه من ملة إبراهيم التي أمر الله بها وباتباعها فحكى لنا قوله ليحصل الاقتداء به والإتباع له ولم يحك قول أضيافه وإنَّما أخبر به على الجملة دون التفصيل والله أعلم فزن هذا الجواب والذي قبله بميزان غير جائر يظهر لك أقواهما وبالله التوفيق فصل نصب السلام ورفعه» اهـ.
قُلْتُ: فإذا كان الأمر كذلك فإنَّ الخليل ﵊ رد السلام منكرًا، فالأظهر جواز ذلك في حق من نكر السلام.
والسنة في التسليم بالقول دون الاقتصار على الإشارة لما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٠١٧٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ
[ ١٤ / ٣٨٨ ]
بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَالرُّؤوسِ وَالْإِشَارَةِ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة أبي الزبير لكن يشهد له ما رواه الترمذي (٢٦٩٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ».
قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَرَوَى ابْنُ المُبَارَكِ، هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٤): «والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسًا وشرعًا وإلَّا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم» اهـ.
[ ١٤ / ٣٨٩ ]
قُلْتُ: وجميع من سبق غير المصلي والأخرس يمكنهم أن يجمعوا بين الإشارة والتلفظ بالسلام وإن لم يحصل الإسماع، وذلك أنَّ التلفظ به من غير إسماع أولى من تركه بالكلية لما في ذلك من الدعاء بالخير. والله أعلم.
وقد جاء في إشارة المصلي بالسلام ما رواه مسلم (٥٤٠) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤١٨): «ويحتمل أنَّه إنَّما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ، لم يكن ردًا للسلام؛ ولهذا قالَ جابر: فلم يرد علي، وذكر أنَّه وجد في نفسه ما الله به عليم، ولو علم أنَّه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه» اهـ.
قُلْتُ: ولعله وجد في نفسه لأنَّه لم يعلم أنَّ ذلك ردًا لسلامه، ولم يعلم أيضًا أنَّ السلام بالقول للمصلي قد نهي عنه. ومما يدل على أنَّ هذه الإشارة كانت ردًا لسلامه أنَّ النبي ﷺ اقتصر عليها ولم يرد عليه بعد انصرافه من صلاته. والله أعلم
[ ١٤ / ٣٩٠ ]
ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه أحمد (٤٥٦٨)، والنسائي (١١٨٧) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَسْجِدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَسْجِدَ قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ رِجَالُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ مَعَهُ صُهَيْبٌ فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَصْنَعُ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ؟، قَالَ: «يُشِيرُ بِيَدِهِ».
قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لِرَجُلٍ سَلْ زَيْدًا أَسَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِبْتُ أَنَا أَنْ أَسْأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَامَةَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُهُ فَكَلَّمْتُهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٥٩٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ، وَلْيُشِرْ إِشَارَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ رَدَّهُ».
وروى (٣٥٩٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي فَرُدَّ عَلَيْهِ إِشَارَةً». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
[ ١٤ / ٣٩١ ]
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٥٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عليه الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: «إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في صفة الإشارة ما رواه أبو داود (٩٢٧) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ الدَّامِغَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ»، قَالَ: «فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي»، قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟، قَالَ: «يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ»، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وهشام بن سعد فيه نزاع والذي يظهر أنَّ حديثه من قبيل الحسن.
وروى أحمد (١٨٩٥١)، وأبو داود (٩٢٥)، والنسائي (١١٨٦)، والترمذي (٣٦٧) من طريق اللَّيْثَ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَابِلٍ، صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ
[ ١٤ / ٣٩٢ ]
صُهَيْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ إِشَارَةً»، قَالَ: «وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ للنزاع في نابل.
فائدة في صفة رد السلام:
أكمل الرد أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وقد سبق أنَّ أكمل السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والرد يقابل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
ويجزئ حذف الواو في الرد فيقول: عليكم السلام، أو السلام عليكم، فقد روى البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ».
ويجوز في الرد حذف كلمة السلام فيقول: وعليك ورحمة الله.
[ ١٤ / ٣٩٣ ]
فروى مسلم (٢٤٧٣) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٦/ ٣٠):
«هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَعَلَيْكَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السَّلَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَعَلَيْكَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَوَابًا وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ وَأَحْوَالِ السَّلَفِ رَدُّ السَّلَامِ بِكَمَالِهِ فَيَقُولُ وعليكم السلام ورحمة الله أو ورحمته وبركاته» اهـ.
قُلْتُ: وروى الترمذي (٢٧٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: طَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ هُوَ فِيهِمْ وَلَا أَعْرِفُهُ وَهُوَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَيِّتِ، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَيِّتِ» ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: «إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسْلِمَ فَلْيَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
[ ١٤ / ٣٩٤ ]
وَبَرَكَاتُهُ»، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ، اللَّهِ وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ومما يدل على مشروعية ذلك من الآثار ما رواه البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (١٠٣٣) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ يَقُولُ: «وَعَلَيْكَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
٣٥ - وفيه النهي عن التختم بالذهب بالنسبة للرجال.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٦٣):
«بخلاف خاتم الذهب: فإنَّها حرام باتفاق الأئمة الأربعة فإنَّه قد صح عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن ذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢١/ ٨٧ - ٨٨): «ولا ريب أنَّ هذا محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي» اهـ.
[ ١٤ / ٣٩٥ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٨٦): «وقد روي عن البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنَّهم لبسوا خواتيم الذهب. وهذا - إن صح عنهم - فلعلهم لم يبلغهم النهي. وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف. وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال وإباحته للنساء والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا استعمال الذهب في السيف فلم يثبت هذا عن النبي ﷺ.
وأمَّا ما رواه الترمذي (١٦٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ أَبُو جَعْفَرٍ البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا طَالِبُ بْنُ حُجَيْرٍ، عَنْ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَدِّهِ مَزِيدَةَ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ» قَالَ طَالِبٌ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِضَّةِ؟ فَقَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ السَّيْفِ فِضَّةً». فَلَا يَصِّحُ فإنَّ فيه هود بن عبد الله بن سعد مجهول.
قُلْتُ: والقبيعة هي رأس مقبض السيف ويقال لها الثومة لمشابهتها لشكلها.
وهكذا ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِهِ عَلَى فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ] (٣٢٥) حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ نا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ
[ ١٤ / ٣٩٦ ]
الْمَلِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ سَيْفُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي شَهِدَ بَدْرًا فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ». فَلَا يَثْبُتُ فإنَّ في إسناده سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك منكر الحديث.
وقد صحت التحلية عن بعض الصحابة فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٩١) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي قَائِمِ سَيْفِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارَ ذَهَبٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقائِم السيف مَقْبِضه.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٩٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ سَيْفُ عُمَرَ مُحَلًّى»، فَقُلْتُ لَهُ: عُمَرُ حَلَّاهُ؟ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَقَلَّدُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وليس فيه أنَّه كان محلى بالذهب فلعله كان بالفضة.
وقد روى أبو داود (٢٥٨٣) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً».
وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
[ ١٤ / ٣٩٧ ]
وروى البخاري (٣٩٧٤) حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ» قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ سَيْفُ عُرْوَةَ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ.
وقد نصر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ القول بحل الذهب اليسير التابع لغيره فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٨٧ - ٨٨): «وفي يسير الذهب في "باب اللباس" عن أحمد أقوال:
أحدها: الرخصة مطلقًا؛ لحديث معاوية: "نهى عن الذهب إلَّا مقطعًا" ولعل هذا القول أقوى من غيره وهو قول أبي بكر.
والثاني: الرخصة في السلاح فقط.
والثالث: في السيف خاصة، وفيه وجه بتحريمه مطلقًا؛ لحديث أسماء "لا يباح الذهب ولا خريصة". والخريصة عين الجرادة لكن هذا قد يحمل على الذهب المفرد دون التابع؛ ولا ريب أنَّ هذا محرم عند الأئمة الأربعة؛ لأنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهي. ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفردًا كالتكة فنهى عنه؛ وبين يسيره تبعًا كالعلم؛ إذ الاستثناء وقع في هذا النوع فقط. فكما
[ ١٤ / ٣٩٨ ]
يفرق في الرخصة بين اليسير والكثير: فيفرق بين التابع والمفرد ويحمل حديث معاوية "إلَّا مقطعًا" على التابع لغيره» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٥/ ٦٤): «وكذلك يسير الذهب التابع لغيره كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره فإنَّ النبي ﷺ نهى عن الذهب إلَّا مقطعًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٨/ ٢٨): «وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء؛ والأظهر جوازه أيضًا؛ فإنَّ في السنن عن النبي ﷺ إنَّه نهى عن الذهب إلَّا مقطعًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٥٣):
«وَتَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهَا: لَا تُبَاحُ.
وَالثَّانِي: تُبَاحُ فِي السَّيْفِ خَاصَّةً.
وَالثَّالِثُ: تُبَاحُ فِي السِّلَاحِ. وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ.
[ ١٤ / ٣٩٩ ]
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ، فَيُبَاحُ طِرَازُ الذَّهَبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعِ فَمَا دُونَهَا، وَخَزُّ الْقَبَّانِ وَحِيلَةُ الْقَوْسِ كَالسَّرْجِ وَالْبُرْدَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ: "لَا يُبَاحُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَوْ خَزُّ بِصِيصَةٍ" وَخَزُّ بِصِيصَةٍ: عَيْنُ الْجَرَادَةِ؛ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ: كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٠): «وسمعت شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعًا. هو في التابع غير المفرد، كالزر والعلم ونحوه وحديث الخريصة: هو في الفرد كالخاتم وغيره. فلا تعارض بينهما. والله أعلم» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَسَائِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ] (ص: ٤٤٦): «سألت أبي عن حديث النبي ﷺ أنَّه نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعًا قال: الشيء اليسير.
قُلْتُ: فالخاتم.
قال: روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب» اهـ.
[ ١٤ / ٤٠٠ ]
قُلْتُ: حديث معاوية رواه أحمد (١٦٨٩٠)، وأبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٥١٥٠) من طريق خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ مَيْمُونٍ الْقَنَّادِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ، وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو قِلَابَةَ لَمْ يَلْقَ مُعَاوِيَةَ اهـ.
قُلْتُ: وأضف إلى ذلك أنَّ ميمون النقاد لا تعرف حاله. وقد أُسقط في بعض الروايات للحديث فرواه النسائي (٥١٤٩) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» خَالَفَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَوَاهُ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ اهـ.
ثم روى (٥١٥٠) حديث عبد الوهاب فقال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا، وَعَنْ رُكُوبِ الْمَيَاثِرِ».
[ ١٤ / ٤٠١ ]
قُلْتُ: وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري، وقد تابعه ابن علية عند أحمد، وأبي داود، والصواب ذكره. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى، فروى أحمد (١٦٩٤٧)، والنسائي (٥١٥٩) من طريق بَيْهَسِ بْنِ فَهْدَانَ، عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْهُنَائِيِّ، سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وفي رواية النسائي التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية.
قُلْتُ: رواية أحمد من طريق وكيع، والنسائي من طريق النضر بن شميل، وقد خالفهما علي بن غراب، فروى النسائي (٥١٦٠) أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَيْهَسُ بْنُ فَهْدَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو شَيْخٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «حَدِيثُ النَّضْرِ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
ورواه أحمد (١٦٨٧٩، ١٦٩١٠، ١٦٩٥٥)، والنسائي (٥١٥١) من طرق عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي عن معاوية.
[ ١٤ / ٤٠٢ ]
وفي رواية النسائي التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية.
ومنهم من ذكر واسطة بين أبي شيخ الهنائي وبين معاوية.
فروى النسائي (٥١٥٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو شَيْخٍ الْهُنَائِيُّ، عَنْ أَبِي حِمَّانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ، عَامَ حَجَّ، جَمَعَ نَفَرًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ». خَالَفَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي شَيْخٍ، عَنْ أَخِيهِ حِمَّانَ اهـ.
قُلْتُ: وأبو حمان هذا مجهول.
ثم أورد الطريق الأخرى (٥١٥٤) فَقَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شَيْخٍ، عَنْ أَخِيهِ حِمَّانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ، عَامَ حَجَّ جَمَعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبُوسِ الذَّهَبِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» خَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ فِيهِ اهـ.
[ ١٤ / ٤٠٣ ]
قُلْتُ: حمان هذا مجهول.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٨٤): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، عن معاوية، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الذهب إلَّا مقطعًا، وعن ركوب النمور".
قال: رواه يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو شيخ، عن أخيه حمان، عن معاوية، عن النبي ﷺ.
قال: أدخل أخاه، وهو مجهول، فأفسد الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ يحيى بن أبي كثير ذكر واسطة بين أبي شيخ الهنائي وبين معاوية وهو حمان أو أبو حمان، وقد رواه قتادة عنه من غير واسطة، وتابعة على ذلك مطر الوراق عند النسائي (٥١٥٢)، وبيهس بن فهدان عند أحمد والنسائي كما مر.
فرواية هؤلاء الثلاثة أرجح من رواية يحيى بن أبي كثير لا سيما وقد جاء التصريح بسماع أبي شيخ الهنائي من معاوية في رواية بيهس وقتادة، فلعل الحافظ أبو حاتم ﵀ لم يقف على هذه الطرق فحكم بفساد الحديث تمسكًا برواية يحيى بن أبي كثير، ويدل على ذلك أنَّه لم يتعرض لتلك الطرق في كلامه الماضي.
[ ١٤ / ٤٠٤ ]
فالذي يظهر لي صحة الحديث. والله أعلم.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَافِظَ الدَّارَقُطْنِيَّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٧/ ٧٢ - ٧٤) ذكر الاختلاف في هذا الحديث ثم قال في آخر كلامه: «واضطرب به يحيى بن أبي كثير فيه.
والقول عندنا قول قتادة، وبيهس بن فهدان. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: فإذا تبين لك صحة الحديث فقد اختلف العلماء في تأويله:
فمنهم من حمله على حل الذهب اليسير التابع لغيره في حق الرجال كما مرَّ في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ومنهم من حمله في حق النساء فكره الذهب الكثير للنساء لما قد يورث من الخيلاء والسرف، ولما يخشى من عدم إخراج زكاته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٦): «أراد بالمقطع الشيء اليسير نحو الشنف والخاتم للنساء وكره من ذلك الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر. واليسير هو ما لا يجب فيه الزكاة، ويشبه أن يكون إنَّما كره استعمال الكثير منه لأنَّ صاحبه ربما ضنَّ بإخراج الزكاة منه فيأثم ويحرج وليس جنس الذهب بمحرم عليهنَّ كما حرم على الرجال قليله وكثيره» اهـ.
[ ١٤ / ٤٠٥ ]
ومنهم من حمله على الرجال والنساء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشُّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٢/ ٨٠): «قال ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود": والمراد بالنهي الذهب الكثير لا المقطع قطعًا يسيرة منه تجعل حلقة أو قرطًا أو خاتمًا للنساء أو في سيف الرجل وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر. وقد يضبط الكثير منه بما كان نصابًا تجب فيه الزكاة واليسير بما لا تجب فيه انتهى. وقد ذكر مثل هذا الكلام الخطابي في "المعالم" وجعل هذا الاستثناء خاصًا بالنساء قال: لأنَّ جنس الذهب ليس بمحرم عليهنَّ كما حرم على الرجال قليله وكثيره» اهـ.
ومنهم من حمله على الحاجة دون الزينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٠٩): «قال في رواية صالح وعبد الله وأبي طالب وأبي الحارث واللفظ له: إنَّ النبي ﷺ نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعًا. قال: الشيء اليسير كشد أسنانه وما كان مثله مما لا يتزين به الرجل فأمَّا الخاتم ونحوه فلا. وذلك لأنَّه قد دل ذلك على أنَّ القطع من الذهب وهو اليسير منه مباح مطلقًا لكن لا بد إن يكون لحاجة لأنَّه قد دلت النصوص على تحريم خاتم الذهب ونحوه» اهـ.
[ ١٤ / ٤٠٦ ]
قُلْتُ: وهذا القول أقرب من غيره لثبوت الأدلة على تحريم الذهب على الرجال ومن ذلك ما رواه أحمد (٧٥٠، ٩٣٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٤٤، ٥١٤٥، ٥١٤٦، ٥١٤٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ يَعْنِي الْغَافِقِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ: أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
٣٦ - وفيه النهي عن الشرب بالفضة، وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث حذيفة.
٣٧ - وفيه النهي عن المياثر.
والمياثر أصلها من الوثارة والوثير هو الفراش الوطيء.
والمياثر من أوطئة العجم كانت توضع على الفرس أو البعير للجلوس عليها، والأكثر على أنَّها كانت من حرير.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢١٩): «"المياثر": مراكب، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم.
[ ١٤ / ٤٠٧ ]
وقد قيل: أنَّها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره.
وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع.
وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ، أنَّه نهى عن مياثر النمور» اهـ.
قُلْتُ: حديث المقدام رواه أحمد (١٧٢٢٤)، والنسائي (٤٢٥٤) من طريق بَقِيَّةَ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ، وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ».
قُلْتُ: فيه عنعنة بقية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٩٣): «وقال الزبيدي اللغوي: والميثرة مرفقة كصفة السرج، وقال الطبري: هو وطاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج وكانت مراكب العجم، وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير، وقيل: هي سروج من الديباج فحصلنا على أربعة أقوال في تفسير الميثرة هل هي وطاء للدابة أو لراكبها أو هي السرج نفسه أو غشاوة، وقال أبو عبيد المياثر: الحمر كانت من مراكب العجم من حرير أو ديباج» اهـ.
[ ١٤ / ٤٠٨ ]
وَقَالَ ﵀ (١٠/ ٣٠٧): «قال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقال الطبري: هي وعاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير من الأرجوان، وحكى في المشارق قولًا أنَّها سروج من ديباج، وقولًا أنَّها أغشية للسروج من حرير، وقولًا أنَّها تشبه المخدة تحشى بقطن أو ريش يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفة بل الميثرة تطلق على كل منها وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني والثالث، وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير وقد تقدم القول فيه ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريرًا ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم.
قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه سواء كانت من حرير أم من غيره فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبه أو للسرف أو التزين وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأمَّا تقييدها بالحمرة فمن يحمل المطلق على المقيد وهم الأكثر يخص المنع بما كان أحمر، والأرجوان المذكور في الرواية التي أشرت إليها بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو
[ ١٤ / ٤٠٩ ]
خفيفة وحكى عياض ثم القرطبي فتح الهمزة وأنكره النووي وصوب أنَّ الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب واختلفوا في المراد به فقيل هو صبغ أحمر شديد الحمرة وهو نور شجر من أحسن الألوان، وقيل الصوف الأحمر، وقيل كل شيء أحمر فهو أرجوان، ويقال ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان وحكى السيرافي أحمر أرجوان فكأنَّه وصف للمبالغة في الحمرة كما يقال أبيض يقق وأصفر فاقع، واختلفوا هل الكلمة عربية أو معربة.
فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر فالمعنى في النهي عنها ما في غيرها كما تقدم في الباب قبله، وإن قلنا لا يختص بالأحمر فالمعنى بالنهي عنها ما فيه من الترفه وقد يعتادها الشخص فتعوزه فيشق عليه تركها فيكون النهي نهي إرشاد لمصلحة دنيوية، وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة والله أعلم» اهـ.
٣٨ - وفيه النهي عن القَسِّي. وهي ثياب مخططة بالحرير تصنع، والقسي بالقاف المشددة المفتوحة والسين المهملة المشددة المكسورة نسبة إلى قرية في مصر يقال لها: قَسٌّ.
[ ١٤ / ٤١٠ ]
وقد روى مسلم (٢٠٧٨) عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «نَهَانِي - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ أَجْعَلَ خَاتَمِي فِي هَذِهِ، أَوِ الَّتِي تَلِيهَا - لَمْ يَدْرِ عَاصِمٌ فِي أَيِّ الثِّنْتَيْنِ - وَنَهَانِي عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ.
قَالَ: فَأَمَّا الْقَسِّيِّ: فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ فِيهَا شِبْهُ كَذَا، وَأَمَّا الْمَيَاثِرُ: فَشَيْءٌ كَانَتْ تَجْعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ الْأُرْجُوَانِ».
ورواه البخاري معلقًا في "بَابِ لُبْسِ القَسِّيِّ" حيث قال: «وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: قُلْتُ: لِعَلِيٍّ: مَا القَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّأْمِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ، مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الأُتْرُنْجِ، وَالمِيثَرَةُ: كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ، مِثْلَ القَطَائِفِ يُصَفِّرْنَهَا».
وقد وصله أبو يعلى (٦٠٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٣٣٨).
ومعنى مضلعة: فيها خطوط عريضة كالأضلاع.
٣٩ - وفيه النهي عن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج.
فأمَّا الحرير: فمعروف وقد سبق الكلام فيه.
[ ١٤ / ٤١١ ]
وأمَّا الإستبرق فهو: ما غلظ من الديباج، وقد روى البخاري (٦٠٨١)، ومسلم (٢٠٦٨) من طريق يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا الإِسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَخَشُنَ مِنْهُ.
وأمَّا الديباج: بفتح الدال وكسرها جمعه دبابيج نوع من ألبسة الحرير الخالص ملون ألوانًا، وأصل الدبج النقش والتزيين، وقد سبق الكلام فيه في شرح حديث حذيفة بن اليمان.
* * *
[ ١٤ / ٤١٢ ]
٣٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ»، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ، لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
وَفِي لَفْظٍ: «جَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى».
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة التختم بالذهب، وإنَّما لبسه النبي ﷺ قبل أن ينهى عنه.
٢ - جعل فص الخاتم مما يلي الكف لأنَّه أبعد عن الزهو والإعجاب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٢):
«قال العلماء: لم يأمر النبي ﷺ في ذلك بشيء، فيجوز جعل فصه في باطن كفه، وفي ظاهرها، وقد عمل السلف بالوجهين، وممن اتخذه في ظاهرها ابن عباس ﵁. قالوا: ولكن الباطن أفضل اقتداء به ﷺ. ولأنَّه أصون لفصه، وأسلم له، وأبعد من الزهو والإعجاب» اهـ.
[ ١٤ / ٤١٣ ]
٣ - وفيه أنَّ التختم داخل في مسمى اللبس.
٤ - وفيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاقتداء بالنبي ﷺ.
٥ - وفيه مشروعة الحلف من غير استحلاف.
٦ - وفيه مشروعية الحلف لتوكيد الامتناع مما يحرم.
٧ - وفيه التختم في اليد اليمنى.
قُلْتُ: وأكثر الأحاديث واردة في التختم في اليد اليمنى، وجاء في التختم في اليد اليسرى ما رواه مسلم (٢٠٩٥) فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى».
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَوَانَةَ ﵀ فِي [مُسْتَخْرَجِهِ] (٩/ ٢٧٦): «هذا أصح من قوله: في يمينه» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء حديث أنس بذكر التختم في اليمين، وهو ما رواه مسلم (٢٠٩٤) فَقَالَ: وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الزُّرَقِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ
[ ١٤ / ٤١٤ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ».
لكن ذكر التختم باليمين في حديث أنس مما انتقده الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ باعتبار أنَّ ثقات أصحاب يونس لم يذكروا هذه اللفظة في حديثهم، ورجح ﵀ رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بذكر التختم باليسار، فقال ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ١٧٨): «وروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ النبي ﷺ كان يتختم في يساره. وأشار إلى خنصره اليسرى. وهو المحفوظ عن أنس» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٨): «وأمَّا الحكم في المسألة عند الفقهاء فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، اختلفوا أيتهما أفضل؟ فتختم كثيرون من السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار، واستحب مالك اليسار، وكره اليمين. وفي مذهبنا وجهان لأصحابنا: الصحيح أنَّ اليمين أفضل لأنَّه زينة، واليمين أشرف، وأحق بالزينة والإكرام» اهـ.
[ ١٤ / ٤١٥ ]
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٢٧): «قُلْتُ: ويظهر لي أنَّ ذلك يختلف باختلاف القصد فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل وإن كان للتختم به فاليسار أولى لأنَّه كالمودع فيها ويحصل تناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها ويترجح التختم في اليمين مطلقًا لأنَّ اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم باب التختم في اليمين واليسار ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح» اهـ.
قُلْتُ: وكان خاتم النبي ﷺ في خنصره كما سبق في حديث أنس، ويشرع التختم في جميع الأصابع ما عدى الوسطى والتي تليها، لما رواه مسلم (٢٠٩٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ»، قَالَ: «فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا».
والمراد بها السبابة والوسطى كما جاء التصريح بذلك في رواية أحمد (١٠١٩)، والنسائي (٥٢١١، ٥٢٨٦).
[ ١٤ / ٤١٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٨٨): «وأجمع المسلمون على أنَّ السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأمَّا المرأة فإنَّها تتخذ خواتيم في أصابع. قالوا: والحكمة في كونه في الخنصر أنَّه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونَّه طرفًا، ولأنَّه لا يشغل اليد عمَّا تتناوله من أشغالها بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث، وهي كراهة تنزيه» اهـ.
قُلْتُ: والسبب في اتخاذ النبي ﷺ للخاتم جاء مبينًا فيما رواه البخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ، أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ، أَوْ بِبَصِيصِ الخَاتَمِ فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ فِي كَفِّهِ».
وكان خاتم النبي ﷺ في يد خلفائه حتى سقط من يد عثمان في بئر أريس، فقد روى البخاري (٥٨٧٩)، ومسلم (٢٠٩١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَدِهِ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي
[ ١٤ / ٤١٧ ]
بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ قَالَ: فَأَخْرَجَ الخَاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ، فَنَزَحَ البِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ».
وقد جاء أنَّه سقط من معيقيب كما روى مسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه سقط على عثمان ونسب السقوط إلى معيقيب باعتبار أنَّه هو الذي دفعه إلى عثمان، فإن استقام هذا الجمع وإلَّا فما في الصحيحين وهو الصحيح.
وقد روى البخاري (٥٨٦٦)، ومسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ: «لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا». ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الفِضَّةِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ.
[ ١٤ / ٤١٨ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٩):
«وهذا يدل على أنَّ نسبة سقوطه إلى عثمان نسبة مجازية أو بالعكس وأنَّ عثمان طلبه من معيقيب فختم به شيئًا واستمر في يده وهو مفكر في شيء يعبث به فسقط في البئر أو رده إليه فسقط منه، والأول هو الموافق لحديث أنس وقد أخرج النسائي من طريق المغيرة بن زياد عن نافع هذا الحديث وقال في آخره: وفي يد عثمان ست سنين من عمله فلمَّا كثرت عليه دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يختم به فخرج الأنصاري إلى قليب لعثمان فسقط فالتمس فلم يوجد» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب الْحَافِظُ البَّيْهَقِيُّ ﵀ إلى أنَّ تختم النبي ﷺ بيمينه إنَّما كان بخاتم الذهب أمَّا خاتم الفضة فكان بيساره، فقد قَالَ ﵀ فِي [الْجَامِعِ فِي الْخَاتَمِ] (ص: ٦): «ثم الروايات الصحيحة عن ابن عمر، تدل على أنَّ الذي طرحه هو الخاتم الذي اتخذه من ذهب، وأنَّ الذي اتخذه من ورق كان في يده حتى مات، وأنَّ الذي جعله في يمينه هو الذي اتخذه من ذهب، دون الذي اتخذه من ورق، وأنَّ الذي اتخذه من ورق جعله في يساره» اهـ.
[ ١٤ / ٤١٩ ]
قُلْتُ: جاءت أحاديث متعددة في الباب في تختم النبي ﷺ باليمين وليس فيها أنَّ ذلك التختم كان بخاتم الذهب، فما ذكره الحافظ البيهقي لا أعلم له حجة قوية والأمر فيه محتمل.
فائدة: كان فص خاتم النبي ﷺ منه.
روى البخاري (٥٨٧٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ».
وروى مسلم (٢٠٩٤) عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٤/ ٧١):
«قَوْلُهُ: "وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا" قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَعْنِي حَجَرًا حَبَشِيًّا أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَإِنَّ مَعْدِنَهُمَا بِالْحَبَشَةِ وَالْيَمَنِ وَقِيلَ لَوْنُهُ حَبَشِيٌّ أَيْ أَسْوَدُ وَجَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عن أنس أيضًا فصه منه قال بن عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ وَقَالَ غَيْرُهُ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْتٍ خَاتَمٌ فَصُّهُ مِنْهُ وَفِي وَقْتٍ خَاتَمٌ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَصُّهُ مِنْ عَقِيقٍ» اهـ.
[ ١٤ / ٤٢٠ ]
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الخاتم الذي كان فصه حبشيًا اتخذه للزينة لا للختم، وذلك لأنَّ الفص الحبشي لا ينقش فيه عادة لصلابته.
فائدة: سبق أنَّ نقش خاتم النبي ﷺ هو: محمد رسول الله.
وروى البخاري (٣١٠٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ نَقْشُ الخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللَّهِ سَطْرٌ».
وقد جاء في نقش بعض الصحابة ما قد يستنكر فمن ذلك:
ما رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٣٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٧٦٩)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٤٤٣) من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَسَدٌ رَابِضٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦٠٩) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَنَسٍ أَسَدٌ رَابِضٌ حَوْلَهُ فَرَائِسٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، معاذ هو ابن معاذ العنبري، وأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني حسن الحديث، ومحمد وهو ابن سيرين.
[ ١٤ / ٤٢١ ]
وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٤٤٢) أَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْخَوَاتِيمِ شَيْءٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ وَكَانَ فِي خَاتَمِ أَنَسٍ ذِئْبٌ أَوْ ثَعْلَبٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٦٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ مُنْقَطِعٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦١٠) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: «أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ».
وروى البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٥٨٤) حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي نا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد قال: «كَانَ فِي خَاتَمِ الْأَشْعَرِيِّ أَسَدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ بَيْنَ أَسَدِيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ مُنْقَطِعٌ أيضًا لكن يتقوى بالذي قبله.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٥٦١١) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَقْشُهُ تِمْثَالُ رَجُلٍ
[ ١٤ / ٤٢٢ ]
مُتَقَلِّدٍ سَيْفًا»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَرَأَيْتُهُ أَنَا فِي خَاتَمٍ عِنْدَنَا فِي طِينٍ، فَقَالَ أَبِي: هَذَا خَاتَمُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وإبراهيم وإن كان لا يعتمد عليه إذا نفرد لكن القصة التي ذكرها تقوي حفظه.
وقد تؤول ذلك الحنفية على الصورة الصغيرة، فمن ذلك قَولُ الْكَسَّانيُّ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (١/ ٤٧٥): «فأمَّا إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد فلا بأس به؛ لأنَّ من يعبد الصنم لا يعبد الصغير منها جدًا، وقد روي أنَّه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي موسى الأشعري لم أقف عليه والثابت ما سبق.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (١/ ٦٥٠): «صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الصَّغِيرَةَ لَا تُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ. قَالَ: وَنُقِلَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ اهـ وَلَوْ كَانَتْ تَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ كُرِهَ إبْقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَكُونُ شَرَّ الْبِقَاعِ» اهـ.
قُلْتُ: هذا النقش في خاتم أبي هريرة لم أقف عليه مسندًا، وقد ذكره جماعة من الحنفية.
[ ١٤ / ٤٢٣ ]
تنبيه: الخاتم الذي نبذه النبي ﷺ لم يكن منقوشًا عليه محمد رسول الله، وإنَّما ذلك خاتم الفضة الذي اتخذه بعد ذلك كما يدل عليه ما رواه مسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ: «لَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا»، وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
وحينئذ فلا إشكال في نبذه وإلقائه.
* * *
[ ١٤ / ٤٢٤ ]
٣٩٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ، وَالْوُسْطَى».
ولمسلم: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ».
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣):
«وأخرج مسلم حديث قتادة عن الشعبي عن سويد بن غفلة عن عمر عن النبي ﷺ: ونهى عن لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين. من حديث هشام وشعبة وسعيد عنه.
ولم يرفعه عن الشعبي غير قتادة وهو مدلس لعله بلغه عنه. وقد رواه شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي عن سويد عن عمر قوله. وكذلك رواه بيان، وداود بن أبي هند عن الشعبي عن سويد قوله، وكذلك رواه شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد عن عمر. وإبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد وأبو حصين عن إبراهيم النخعي عن سويد عن عمر قوله» اهـ.
[ ١٤ / ٤٢٥ ]
قُلْتُ: وقد جاء من وجه آخر مرفوعًا بذكر الأصبعين رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩) من طرق عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا هَكَذَا»، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ.
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس الحرير للرجال.
٢ - إباحة العلم من الحرير إذا لم يزد على أربع أصابع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٥٠): «وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، إن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله أعلم» اهـ.
٣ - الأربع الأصابع هي الأصابع المضمومة لا المنفرجة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٥): «ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعًا لغيره مثل العلم
[ ١٤ / ٤٢٦ ]
والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته» اهـ.
لكن يشكل على هذا ما رواه أحمد (٢٦٩٨٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَ: «أَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةً طَيَالِسَةً، عَلَيْهَا لَبِنَةُ شَبْرٍ مِنْ دِيبَاجٍ كِسْرَوَانِيٍّ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِهِ، قَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا، كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَلَمَّا قُبِضَتْ عَائِشَةُ، قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرِيضِ مِنَّا، يَسْتَشْفِي بِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
واللبنة: الرقعة، والشبر بالكسر من طرف الخنصر إلى طرف الإبهام، وهذا أكثر من الأربع الأصابع، والحديث رواه مسلم (٢٠٦٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ خَالَ وَلَدِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً: الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ، وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ؟ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ
[ ١٤ / ٤٢٧ ]
الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الْأُرْجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا هِيَ أُرْجُوَانٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَسْمَاءَ فَخَبَّرْتُهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.
وَقَدْ جَمَعَ الْعَلَّامَةُ الشُّوْكَانِيُّ ﵀ بَيْنَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٢/ ٧٩):
«نعم يمكن أن يكون التقدير بالشبر لطول تلك اللبنة لا لعرضها فيزول الإشكال» اهـ.
قُلْتُ: وشذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ٣٥٤):
«مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ - لِلرَّجُلِ خَاصَّةً - فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ
أَصَابِعَ عَرْضًا فِي طُولِ الثَّوْبِ، إلَّا اللَّبِنَةَ وَالتَّكْفِيفَ فَهُمَا مُبَاحَانِ» اهـ.
قُلْتُ: مراده أنَّه تراعى في الأربع الأصابع العرض دون الطول فلك أن تتخذ من الحرير أربع أصابع عرضًا ممتدة طولًا من أول أعلى الثوب إلى أسفله، وأنَّ اللبنة
[ ١٤ / ٤٢٨ ]
وهي الرقعة في الثوب تجوز مطلقًا وإن كانت أكثر من هذا المقدار، ومثلها التكفيف وهو عطف أطراف الثوب، وكل هذا من الشذوذ الذي لا يستغرب عن الظاهرية.
٤ - لا يدخل في الرخصة اليسير المفرد وإن لم يزد على الأربع الأصابع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧):
«فأمَّا اليسير المفرد كالتكة والشرابة والمنطقة والخيط ونحو ذلك فيحرم في المنصوص لأنَّه نهى عن الحرير إلَّا مقطعًا والمقطع المفرق في غيره وكذلك قوله ﵇: "إلَّا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" يدل على أنَّه موضوع في غيره، ولأنَّه قرن الحرير بالذهب والذهب يحرم منفردًا فكذلك الحرير، ولأنَّ الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنَّما يباح يسيره إذا كان تابعًا فكذلك يسير الحرير لأنَّ هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء» اهـ.
٥ - لو كان عنده أكثر من ثوب في كل ثوب أربع أصابع فلبس جميع تلك الثياب جاز ذلك، كأن يكون عليه عمامة فيها أربع أصابع من الحرير، ورداء فيه أربع أصابع من الحرير، وإزار فيه أربع أصابع من الحرير، وسروال فيه أربع أصابع من الحرير جاز ذلك لأنَّه لم يتجاوز في الثوب الواحد عن أربع أصابع.
[ ١٤ / ٤٢٩ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٩٧): «ولو لبس ثيابًا في كل ثوب حرير يسير بحيث لو جمع ما في جميعها صار ثوبًا جاز ذلك، وإن لم يجز لبس ذلك الحرير لو جمع ونسج ثوبًا على حده لأنَّ هذا هو معنى قوله: "نهى عن لبس الحرير إلَّا مقطعًا". فإنَّه إذا فرق في الثياب صار مقطعًا، لأنَّ كل ثوب له حكم نفسه» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «نهى عن لبس الحرير إلَّا مقطعًا». لا أعرفه وإنَّما هو في الذهب كما جاء في حديث معاوية وقد سبق القول فيه.
* * *
[ ١٤ / ٤٣٠ ]