٣١٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ: لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ: إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ. فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "» ثَلاثًا.
[ ١١ / ١٩٢ ]
وَفِي لَفْظٍ: «"لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: "لا مَالَ لَكَ. إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا"».
.
اللعان مشتق من اللعن، وسمي اللعان لما فيه من ذكر التلاعن بين الزوجين.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٩٦): «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة، وفي صورة اللعان لأنَّ لفظ اللعنة متقدم في الآية الكريمة، ولأنَّ جانب الرجل فيه أقوى من جانبها لأنَّه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنَّه قد ينفك لعانه عن لعانها، ولا ينعكس، وقيل سمي لعانًا من اللعن، وهو الطرد والإبعاد لأنَّ كلا منهما يبعد عن صاحبه، ويحرم النكاح بينهما على التأبيد بخلاف المطلق وغيره» اهـ.
وقَوْلُهُ: «أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ». هو عويمر العجلاني، فقد روى البخاري (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ
[ ١١ / ١٩٣ ]
أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، وَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، فَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، إِنَّ فِي الحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ؟ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ مَالِي؟ قَالَ: قِيلَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ».
قُلْتُ: وقد حصلت قصة الملاعنة لهلال بن أمية، لكن حديث ابن عمر وارد في قصة عويمر. والله أعلم.
تنبيه: الحديث انفرد به مسلم (١٤٩٣) بهذا السياق.
وروى البخاري (٥٣١١، ٥٣٤٩) بعضه، وهي الرواية الماضية قريبًا.
فائدة: قَوْلُهُ: «وَالْخَامِسَةَ» في الموضعين. يصح فيها النصب على الاتباع فتكون معطوفة على أربع، ويجوز نصبها على القطع بإضمار فعل تقديره: وتشهد «الْخَامِسَةَ».
ويجوز فيها الرفع على القطع، فتكون الواو اعتراضية و«الْخَامِسَةُ» مبتدأ وخبرها جملة إنَّ وما دخلت عليه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ١١ / ١٩٤ ]
١ - مشروعية اللعان.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٧): «وهو ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام فالأول: أن يراها تزني أو أقرت بالزنا فصدقها وذلك في طهر لم يجامعها فيه ثم اعتزلها مدة العدة فأتت بولد لزمه قذفها لنفي الولد لئلا يلحقه فيترتب عليه المفاسد.
الثاني: أن يرى أجنبيًا يدخل عليها بحيث يغلب على ظنه أنَّه زنى بها فيجوز له أن يلاعن لكن لو ترك لكان أولى للستر لأنَّه يمكنه فراقها بالطلاق.
الثالث: ما عدا ذلك» اهـ.
٢ - وعظ الزوجين قبل اللعان.
٣ - البداءة بالرجل في اللعان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٧): «ومنها: البداءة بالرجل في اللعان، كما بدأ الله ﷿ ورسوله به، فلو بدأت هي، لم يعتد بلعانها عند الجمهور، واعتد به أبو حنيفة. وقد بدأ الله سبحانه في الحد بذكر المرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وفي اللعان بذكر الزوج، وهذا في غاية المناسبة، لأنَّ الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل، لأنَّها تزيد على هتك
[ ١١ / ١٩٥ ]
حق الله إفساد فراش بعلها، وتعليق نسب من غيره عليه، وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من مفاسد زناها، فكانت البداءة بها في الحدث أهم، وأمَّا اللعان: فالزوج هو الذى قذفها وعرضها للعان، وهتك عرضها، ورماها بالعظيمة، وفضحها عند قومها وأهلها، ولهذا يجب عليه الحد إذا لم يلاعن، فكانت البداءة به في اللعان أولى من البداءة بها» اهـ.
٤ - ظاهر القران والسنة أنَّه يكفي الرجل أن يقول في لعانه: أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، لعنة الله عليه إن كنت من الكاذبين.
ويكفي المرأة أن تقول: أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩): «ومنها: أنَّه لا يفتقر أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة شيئًا، بل لا يستحب ذلك، فلا يحتاج أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة الذي
[ ١١ / ١٩٦ ]
يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، بل يكفيه أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي تقول: أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، ولا يحتاج أن يقول: فيما رميتها به من الزنى، ولا أن تقول هي: إنَّه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ولا يشترط أن يقول إذا ادعى الرؤية: رأيتها تزني كالمرود في المكحلة، ولا أصل لذلك في كتاب الله، ولا سنة رسوله، فإنَّ الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن تكلف زيادة عليه.
قال صاحب "الإفصاح" وهو يحيى بن محمد بن هبيرة في "إفصاحه": من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين: فيما رميتها به من الزنى، واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنى. قال: ولا أراه يحتاج إليه، لأنَّ الله تعالى أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا الاشتراط.
وظاهر كلام أحمد، أنَّه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان، فإنَّ إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد: كيف يلاعن؟ قال: على ما في كتاب الله يقول أربع مرات: أشهد بالله إنِّي فيما رميتها به لمن الصادقين، ثم يقف عند الخامسة فيقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة مثل ذلك.
[ ١١ / ١٩٧ ]
ففي هذا النص أنَّه لا يشترط أن يقول: من الزنى، ولا تقوله هي، ولا يشترط أن يقول عند الخامسة: فيما رميتها به، وتقول هي: فيما رماني به، والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا: ربما نوى: إنِّي لمن الصادقين في شهادة التوحيد أو غيره من الخبر الصادق، ونوت: إنَّه لمن الكاذبين في شأن آخر، فإذا ذكرا ما رميت به من الزنى، انتفى هذا التأويل.
قال الآخرون: هب أنَّهما نويا ذلك، فإنَّهما لا ينتفعان بنيتهما، فإنَّ الظالم لا ينفعه تأويله، ويمينه على نية خصمه، ويمينه بما أمر الله به إذا كان مجاهرًا فيها بالباطل، والكذب موجبه عليه اللعنة أو الغضب، نوى ما ذكرتم، أو لم ينوه، فإنَّه لا يموه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا» اهـ.
قُلْتُ: وهذه الزيادة وهي قوله: فيما رميتها به من الزنا. رآها جمهور العلماء، والصحيح عدم زيادتها.
٥ - واحتج بقَوْلِهِ: «ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا». من قال: إنَّ التفريق بين الزوجين لا يكون بمجرد اللعان، وإنَّما بتفريق الحاكم. وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين.
[ ١١ / ١٩٨ ]
وذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ومن تبعهم إلى أنَّ الفرقة تقع بنفس اللعان. قال مالك وغالب أصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعي وأتباعه، وسحنون من المالكية بعد فراغ الزوج.
وذهب أبو عبيد أنَّ الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان.
وذهب عثمان البتي، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد بن أبي صفرة إلى أنَّ الفرقة لا تقع إلَّا إذا أوقعها الزوج.
واحتج لذلك بما رواه البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
وَقَدْ أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٧) فَقَالَ: «وأمَّا الملاعن فإنَّ طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكدًا لموجب اللعان» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٨٨ - ٣٩٠): «الحكم الأول: التفريق بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب.
[ ١١ / ١٩٩ ]
أحدها: أنَّ الفرقة تحصل بمجرد القذف، هذا قول أبي عبيد، والجمهور خالفوه في ذلك، ثم اختلفوا.
فقال جابر بن زيد، وعثمان البتي، ومحمد بن أبي صفرة، وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة البتة، وقال ابن أبي صفرة: اللعان لا يقطع العصمة، واحتجوا بأنَّ النبي ﷺ لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف بأنَّها زنت، أو أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبي ﷺ فعله سنة.
ونازع هؤلاء جمهور العلماء، وقالوا: اللعان يوجب الفرقة، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنَّها تقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة، وهذا القول مما تفرد به الشافعي، واحتج له بأنَّها فرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق.
المذهب الثاني: أنَّها لا تحصل إلَّا بلعانهما جميعًا، فإذا تم لعانهما، وقعت الفرقة، ولا يعتبر تفريق الحاكم، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو بكر، وقول مالك وأهل الظاهر، واحتج لهذا القول بأنَّ الشرع إنَّما ورد بالتفريق بين
[ ١١ / ٢٠٠ ]
المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده، وإنَّما فرق النبي ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالف لمدلول السنة وفعل النبي ﷺ، واحتجوا بأنَّ لفظ اللعان لا يقتضى فرقة، فإنَّه إمَّا أيمان على زناها، وإمَّا شهادة به، وكلاهما لا يقتضى فرقة، وإنَّما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة، وهي أنَّ الله سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة، وجعل كلا منهما سكنًا للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام الخزي والعار والفضيحة، فإنَّه إن كان كاذبًا فقد فضحها وبهتها، ورماها بالداء العضال، ونكس رأسها ورؤوس قومها، وهتكها على رؤوس الأشهاد. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه، وعرضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي، وتعليق ولد غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوب بالنكاح، فكان من محاسن شريعة الإسلام التفريق بينهما، والتحريم المؤبد على ما سنذكره، ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتب على بعض لعان الزوج. قالوا: ولأنَّه فسخ ثبت بأيمان متحالفين، فلم يثبت بأيمان أحدهما، كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف.
[ ١١ / ٢٠١ ]
المذهب الثالث: أنَّ الفرقة لا تحصل إلَّا بتمام لعانهما، وتفريق الحاكم، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنَّه قال: ومتى تلاعنا، وفرق الحاكم بينهما، لم يجتمعا أبدًا. واحتج أصحاب هذا القول بقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله ﷺ بينهما. وهذا يقتضي أنَّ الفرقة لم تتحصل قبله، واحتجوا بأنَّ عويمرًا قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ، وهذا حجة من وجهين:
أحدهما: أنَّه يقتضي إمكان إمساكها.
والثاني: وقوع الطلاق، ولو حصلت الفرقة باللعان وحده، لما ثبت واحد من الأمرين، وفي حديث سهل بن سعد: أنَّه طلقها ثلاثًا، فأنفذه رسول الله ﷺ. رواه أبو داود.
قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم: اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد، كما سنذكره، فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع.
قالوا: ولأنَّ الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان، كالتفريق بالعيب والإعسار.
[ ١١ / ٢٠٢ ]
قالوا: وقَوْلُهُ: فرق النبي ﷺ، يحتمل أمورًا ثلاثة:
أحدها: إنشاء الفرقة. والثاني: الإعلام بها. والثالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية.
وأمَّا قَوْلُهُ: "كذبت عليها إن أمسكتها"، فهذا لا يدل على أنَّ إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعًا، بل هو بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائرًا إلى ما بادر إليه، وأمَّا طلاقه ثلاثة، فما زاد الفرقة الواقعة إلَّا تأكيدًا، فإنَّها حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا، فالطلاق تأكيد لهذا التحريم، وكأنَّه قال: لا تحل لي بعد هذا، وأمَّا إنفاذ الطلاق عليه، فتقرير لموجبه من التحريم، فإنَّها إذا لم تحل له باللعان أبدًا، كان الطلاق الثلاث تأكيدًا للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى إنفاذه، فلما لم ينكره عليه، وأقره على التكلم به وعلى موجبه، جعل هذا إنفاذًا من النبي ﷺ، وسهل لم يحك لفظ النبي ﷺ أنَّه قال: وقع طلاقك، وإنَّما شاهد القصة، وعدم إنكار النبي ﷺ للطلاق، فظن ذلك تنفيذًا، وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير جيد.
[ ١١ / ٢٠٣ ]
وقد تنازع العلماء في فرقة اللعان هل هي طلاق أم فسخ، والذي يظهر لي أنَّها من قبيل الفسخ وليست من قبيل الطلاق؛ لقول النبي ﷺ في المتلاعنين: «لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا». وهو حديث صحيح، وسيأتي الكلام فيه، فلو كان اللعان طلاقًا لما حصل به الفرقة المؤبدة كشأن الطلاق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١) «الحكم الثاني: أنَّ فرقة اللعان فسخ، وليست بطلاق، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، ومن قال بقولهما، واحتجوا بأنَّها فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا، فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، واحتجوا بأنَّ اللعان ليس صريحًا في الطلاق، ولا نوى الزوج به الطلاق، فلا يقع به الطلاق.
قالوا: ولو كان اللعان صريحًا في الطلاق، أو كناية فيه، لوقع بمجرد لعان الزوج، ولم يتوقف على لعان المرأة.
قالوا: ولأنَّه لو كان طلاقًا، فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث، فكان يكون رجعيًا.
قالوا: ولأنَّ الطلاق بيد الزوج، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، وهذا الفسخ حاصل بالشرع وبغير اختياره.
[ ١١ / ٢٠٤ ]