٢٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
زَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَ اللهِ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
الوصيَّةُ: تطلق على العهد بالأمر الهام، والمراد بها هاهنا الأمر بالتصرف بعد الموت، كالتبرع ببعض المال، أو رد بعض الحقوق إلى أهلها، أو غير ذلك.
وهي من حيث المعنى اللغوي تدل على معنى الوصل يقال: وصيت الشيء أصيه أي وصلته، فالموصي وصل ما كان في حياته بما بعد موته.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر بكتابة الوصية، ولا تجب الكتابة إلَّا على من كانت عليه حقوق واجبة ليس عليها بينة.
[ ١٠ / ٢ ]
ومما يدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، ولم يوص بذلك، فقد روى البخاري (٢٩١٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ».
ورواه البخاري (٢٠٦٨) مسلم (١٦٠٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا».
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٥): «فكان الرهن حجة لليهودي، ولم يحتج للوصية به مع أنَّ علمه ذلك لم يكن مختصًا به فقد علمه بعض أصحابه، ولهذا أخبرت به عائشة ﵂» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣):
«هذا الذي ذكرناه من وجوب الوصية بالحقوق الواجبة محله ما إذا لم يعلم به غيره فأمَّا إذا علم به غيره فلا تجب كذا عبر به الرافعي من أصحابنا، وقال النووي: المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله. وقصد بذلك إخراج الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة فإنَّه لا يكفي علمهم مع دخولهم في تعبير الرافعي.
[ ١٠ / ٣ ]
قال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي: وهو غير كاف أيضًا فإنَّ قول الورثة كاف في الثبوت مع أنَّ المتجه أنَّ علمهم لا يكفي لأنَّهم الغرماء فلا بد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم» اهـ.
٢ - وعموم الحديث يشمل الصحيح والمريض، وهو الذي فهمه ابن عمر ﵁.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٠):
«وفي الحديث الحض على الوصية، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصوها بالمريض وإنَّما لم يقيد به في الخبر لاطراد العادة به» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٥):
«ولا يشترط في الوصية أن تكون في المرض بل القوي يوصي بما يحتاج إليه في الصحة، ولا يحتاج في المرض إلى تجديد وصية، وقد كان والدي ﵀ يفعل ذلك فلم يحتج في مرضه إلى تجديد وصية بشيء أصلًا» اهـ.
٣ - واحتج به على وجوب الوصية بشيء من المال لمن كان عنده مال.
[ ١٠ / ٤ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨): «وبه قال الزهري، وأبو مجلز، وعطاء، وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في "القديم"، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفرايني، وابن جرير» اهـ.
قُلْتُ: ومن حجتهم أيضًا قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨):
«وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأنَّ قَوْلُهُ: "ما حق امرئ". بأنَّ المراد الحزم والاحتياط؛ لأنَّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعي، وقال غيره: الحق لغة الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، وقد يطلق على المباح أيضًا لكن بقلة قاله القرطبي. قال: فإن اقترن به على أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب وإلَّا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب بل اقترن هذا الحق بما
[ ١٠ / ٥ ]
يدل على الندب وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: "له شيء يريد أن يوصي فيه". فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته.
وأمَّا الجواب عن الرواية التي بلفظ: "لا يحل". فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح» اهـ.
قُلْتُ: حجة من قال بنسخ آية الوصية ما رواه أحمد (٢٢٣٤٨)، وأبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من هذا الوجه. وله شاهد من حديث عمرو بن خارجة رواه أحمد (١٧٧٠٢، ١٨١٠٨، ١٨١١١)، والنسائي (٣٦٤١، ٣٦٤٢)، والترمذي (٢١٢١)، وابن ماجه (٢٧١٢) من طرق عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة.
قُلْتُ: فيه شهر بن حوشب ضعيف الحديث.
[ ١٠ / ٦ ]
ورواه النسائي (٣٦٤٣) مِنْ طَرِيْقِ إسماعيل بن أبي خالد عن قتادة عن عمرو بن خارجة، وأسقط شهر بن حوشب، وعبد الرحمن بن غنم، والمحفوظ إثباتهما كما رواه شعبة، وأبو عوانة، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة عن قتادة.
وله شاهد ثالث من حديث أنس بن مالك، رواه ابن ماجه (٢٧١٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وله شواهد أخرى.
قُلْتُ: وغاية ما في هذا الحديث نسخ وجوب الوصية للوارث، وأمَّا نسخ ذلك عن غير الوارث فلا يدل عليه الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢٩٢):
«ففي هذا الحديث الحض على الوصية والتأكيد على ذلك وهذا على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك، وقد أجمع العلماء على أنَّ الوصية غير واجبة على أحد إلاَّ أن يكون عليه دين أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك، وفي إجماعهم على هذا بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية، وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية لا يعدون خلافًا على الجمهور» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٢):
[ ١٠ / ٧ ]
«وقال أبو ثور: ليست الوصية واجبة إلَّا على رجل عليه دين، أو عنده مال قوم فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأنَّ الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله؛ فليس عليه أن يوصي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١):
«وقوله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيته مكتوبة عنده" الحق في اللغة هو: الثابت مطلقًا. فإذا أطلق في الشرع، فالمراد به: ثبوت الحكم فيه. ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون: واجبًا، ومندوبًا، ومباحًا؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها، لكن إطلاق الحق على المباح قلَّ ما يقع في الشريعة، وإنَّما يوجد فيها بمعنى الواجب، والندب. فإن اقترن به "على" أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان محتملًا للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية؛ لأنَّه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلاَّ دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق: إنَّه قد اقترن به ما يدل على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق الوصية على الإرادة في قَوْلِهِ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه".
[ ١٠ / ٨ ]
واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب. ثم لو سلمنا: أنَّ ظاهره الوجوب فنقول بموجبه، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥):
«وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنَّها مندوبة لا واجبة، وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة؛ لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريح بإيجابها، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك، قال الشافعي ﵀: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلاَّ أن تكون وصيته مكتوبة عنده» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٦٩): «وتمسك الموجبون بهذا الحديث ولا دلالة لهم فيه، وليس في هذا اللفظ ما يدل على الوجوب كيف وفي رواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ عبيد الله بن عمر وأيوب السختياني: "يريد أن يوصي فيه". فجعل ذلك متعلقًا بإرادته، ولو كان واجبًا لم يكن كذلك، وبتقدير أن يكون في هذا اللفظ ما يدل على الوجوب فقد قيده في كل
[ ١٠ / ٩ ]
الروايات بِقَوْلِهِ: "له شيء يوصي فيه"، وذلك هو الديون التي تكون عليه فهو الشيء الذي يوصى فيه، ولو نظرنا إلى الرواية التي لفظها: "مال يوصى فيه". فالدين الذي عليه مال» اهـ.
أَقُوْلُ: تعليق الشيء على الإرادة لا يمنع الوجوب مطلقًا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٦٣): «فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كَقَوْلِهِ: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ والطهارة واجبة والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال: ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ومشيئة الاستقامة واجبة» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨):
«واختلف القائلون بوجوب الوصية فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة وعن طاووس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة أخرجه بن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ ويرد
[ ١٠ / ١٠ ]
الثلث كله إلى قرابته، وهذا قول طاووس، وقال الحسن وجابر بن زيد ثلثا الثلث، وقال قتادة ثلث الثلث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ] (٢/ ٣٣ - ٣٤):
«ومن ذلك الوصية للوالدين والأقربين فإنَّها كانت واجبة على من حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقيت مشروعة في حق الأقارب الذين لا يرثون، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيه قولان للسلف والخلف وهما في مذهب أحمد، فعلى القول الأول بالاستحباب إذا أوصى للأجانب دونهم صحت الوصية ولا شيء للأقارب، وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية كما للورثة يبطلوا وصية الوارث أو يبطلوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه كما للورثة أن يبطلوا ما زاد على ثلث المال من الوصية ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة على وجهين، وهذا الثاني أقيس وأفقه وسره أنَّ الثلث لما صار مستحقًا لهم كان بمنزلة جميع المال في حق الورثة وهم لا يكونوا أقوى من الورثة فكما لا سبيل للورثة إلى أبطال الوصية بالثلث للأجانب فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث للأجانب، وتحقيق هذه المسائل والكلام على ما أخذها له موضع آخر والمقصود
[ ١٠ / ١١ ]
هنا أنَّ إيجاب الوصية للأقارب وأنَّ نسخ لم يبطل بالكلية بل بقي منه ما هو منشأ المصلحة كما ذكرناه ونسخ منه ما لا مصلحة فيه بل المصلحة في خلافه» اهـ.
٤ - قَوْلُهُ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ». المرء هو الرجل، فهل يختص هذا الحكم بالرجل دون المرأة؟
الجواب: لا، وإنَّما خرج المرء مخرج الغالب، إذ لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
٥ - وعمومه يشمل الصبي المميز، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي في رواية، ومنعها أبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه.
وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٩٣)، والدارمي (٣٢٨٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ مِنْ غَسَّانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ لَهُ وَرَثَةٌ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ لَهُ عَمَّةٌ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَتْ: أَفَيُوصِي، قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَأَوْصَى لَهَا بِنَخْلٍ»، فَبِعْتُهُ أَنَا لَهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أبي بكر بن عمرو بن حزم وعمر بن الخطاب ﵁.
[ ١٠ / ١٢ ]
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٥٥) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ، حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصِي؟ قَالَ: «فَلْيُوصِ» قَالَ يحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ أَوِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، قَالَ: فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٤٣٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ: «أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ مَرِضَ، فَأُخْبِرَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيُوصِ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمَ، فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً».
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٥٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٣٨٧، ٢١٣٨٧)، و[الصُّغْرَى] (٢٣١٩)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٦٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «فَلْيُوصِ لَهَا». قَالَ: فَأَوْصَى
[ ١٠ / ١٣ ]
لَهَا بِمَالٍ يُقَالَ لَهُ بِئْرُ جُشَمٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا، هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ.
قُلْتُ: وهذه الطريق تبين أنَّ أبا بكر بن عمرو بن حزم لم يرو الحديث عن عمر مباشرة، وإنَّما رواه عن عمرو بن سليم الزرقي، وعمرو هذا أدرك عمر ويقال أنَّ له رؤية، فالذي يظهر لي صحة هذا الأثر من هذا الوجه. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٦): «وهو قوي فإنَّ رجاله ثقات، وله شاهد» اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ٢٨٢):
«والشافعي ﵀ علق جواز وصيته وتدبيره بثبوت الخبر فيها عن عمر ﵁، والخبر منقطع فعمرو بن سليم الزرقي لم يدرك عمر ﵁ إلاَّ أنه ذكر في الخبر انتسابه إلى صاحب القصة والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وتعقبه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٧/ ٢٨٥) فَقَالَ:
«قُلْتُ: في "الثقات" لابن حبان: قيل: إنَّه كان يوم قتل عمر بن الخطاب قد جاوز الحلم. وقال أبو نصر الكلاباذي عن الواقدي: إنَّه كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر. وجزم ابن الحذاء بأنَّه روى عنه» اهـ.
[ ١٠ / ١٤ ]
وتعقبه أيضًا الْعَلَّامَةُ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ ﵀ فِي [الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ] (٦/ ٢٨٢) فقال: «قُلْتُ: في الثقات لابن حبان قيل: إنَّه كان يوم قتل عمر بن الخطاب قد جاوز الحلم. وقال أبو نصر الكلاباذي: قال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر انتهى كلامه. وظهر بهذا أنَّه ممكن لقاؤه لعمر فتحمل روايته عنه على الاتصال على مذهب الجمهور كما عرف» اهـ.
قُلْتُ: ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٤٠٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، «أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الْغَسَّانِيَّ أَوْصَى وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ أَوْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِبِئْرٍ لَهُ قُوِّمَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا» فَأَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصِيَّتَهُ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ كما سبق، وفيه تسمية الغساني المبهم في سائر الروايات وأنَّه عمرو بن سليم.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٤١٠) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الْغَسَّانِيَّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ يَمُوتُ فَقَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُوصِ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَقَدْ قَارَبَ».
[ ١٠ / ١٥ ]
وفيه أنَّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روى الحديث عن عمرو بن سليم الغساني، لا الزرقي، وهذا وهم من عبد الرزاق، خالفه فيه سعيد بن منصور، وقد رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أنَّ عمرو بن سليم الزرقي كما سبق.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو عِصَامٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ عُثْمَانَ أَجَازَ وَصِيَّةَ ابْنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ، أبو عصام واسمه رواد بن الجراح مختلط، والزهري عن عثمان منقطع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٧٣ - ٤٧٤):
«وقول الإمام أحمد وغيره من السلف: وصية الصبي صحيحة إذا أصاب الحق. يحتمل بادئ الرأي وجهين:
أحدهما: أنَّه إذا أوصى بما يجوز للبالغ، لكن هذا فيه نظر فإنَّ هذا الشرط ثابت في حق كل موص، فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به.
والثاني: أنَّه إذا أوصى بما يستحب أن يوصي به مثل أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون فعلى هذا فلو أوصى لبعيد دون القريب المحتاج لم تنفذ وصيته بخلاف
[ ١٠ / ١٦ ]
البالغ لأنَّ الصبي لما كان قاصر التصرف فلا بد أن ينظم إليه نظر الشرع كما إذا احتاج بيعه إلى إذن الولي، وكذلك إحرامه بالحج على إحدى الروايتين، ويدل على ذلك أنَّ أصحابنا عللوا الصحة بأنَّه إن مات كان صرف ما أوصى به إلى جهة القرب، وما يحصل له به الثواب أولى متى صرفه إلى ورثته، وهذا إنَّما يتم في الوصية المستحبة فأمَّا إن كان المال قليلًا والورثة فقراء فترك المال لهم أفضل» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا الصبي غير المميز فلا عبرة بما أوصى به، وهكذا المجنون لعدم العقل. وهكذا العبد لا تصح منه الوصية.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٩): «والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية فلا تصح وصية مجنون وعبد.
وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف جوزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلط، وأحمد بن حنبل إذا جاوز العشر، وفي رواية أخرى عنه إذا جاوز السبع، وحكى عنه ابن المنذر إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة.
ومنعها أبو حنيفة، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال أكثر أصحابه، وهي رواية عن أحمد، وعن الشافعي قول آخر: أن وصيته صحيحة.
وأمَّا المحجور عليه بالسفه فوصيته صحيحة عند الجمهور ومنهم الشافعي» اهـ.
[ ١٠ / ١٧ ]
٦ - وفيه تعليق الوصية بالإسلام، وظاهرة لا تصح من كافر لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٧):
«والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع.
وقد بحث فيه السبكي من جهة أنَّ الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي. والله أعلم» اهـ.
٧ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ». ظاهره شمول المحقرات، وما جرت العادة بوفاءه عن قرب، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨):
«نعم قال العلماء: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قرب. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥):
[ ١٠ / ١٨ ]
«قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة» اهـ.
٨ - وفيه أنَّه لا يجوز له أن يتأخر في كتابة الوصية عن ليلتين، لكن روى مسلم (١٦٢٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ». وهذا يدل على أنَّ غاية التأخير ثلاث ليال. والله أعلم.
٩ - وفيه جواز الاقتصار على الكتابة في الوصية دون إشهاد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ١٤٠):
«مسألة؛ قال: "ومن كتب وصية، ولم يشهد فيها، حكم بها، ما لم يعلم رجوعه عنها" نص أحمد على هذا، في رواية إسحاق بن إبراهيم، فقال: من مات، فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه، ولم يشهد فيها، وعرف خطه، وكان مشهور الخط، يقبل ما فيها.
وروي عن أحمد أنَّه لا يقبل الخط في الوصية، ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه، أو تقرأ عليه، فيقر بما فيها.
[ ١٠ / ١٩ ]
وبهذا قال الحسن، وأبو قلابة، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذا هاهنا، وأبلغ من هذا أنَّ الحاكم لو رأى حكمه بخطه تحته ختمه، ولم يذكر أنَّه حكم به، أو رأى الشاهد شهادته بخطه، ولم يذكر الشهادة، لم يجز للحاكم إنفاذ الحكم بما وجده، ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به، فهاهنا أولى.
وقد نص أحمد على هذا في الشهادة.
ووجه قول الخرقي، قول النبي ﷺ: "ما من امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلَّا ووصيته مكتوبة عنده". ولم يذكر شهادته.
وما ذكرناه في الفصل الذي يلي هذا، ولأنَّ الوصية يتسامح فيها، ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر، وصحت للحمل، به، وبما لا يقدر على تسليمه، وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط، كرواية الحديث» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما دل عليه ظاهر الحديث من العمل بالكتابة إذا عرف الخط، ولو لم يكن معها شهادة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٤/ ٣٣٥): «وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان» اهـ.
[ ١٠ / ٢٠ ]
١٠ - وفيه جواز الاعتماد على الكتابة والخط.
قُلْتُ: وَلِلْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ مبحث نفيس حول الاعتماد على الكتابة والخط، وسأنقله هاهنا مع طوله لكثرة فوائده، ولدقة تحريره، فقد قال ﵀ في [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٠٠ - ٢٠٩):
«الطريق الثالث والعشرون: الحكم بالخط المجرد وله صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجةً فيها حكمه لإنسان فيطلب منه إمضاءه والعمل به فقد اختلف في ذلك فعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهن: أنَّه إذا تيقن أنَّه خطه نفذه وإن لم يذكره.
والثانية: أنَّه لا ينفذه حتى يذكره.
والثالثة: أنَّه إذا كان في حرزه وحفظه نفذه وإلَّا فلا.
قال أبو البركات: وكذلك الروايات في شهادة الشاهد بناء على خطه إذا لم يذكره.
والمشهور من مذهب الشافعي أنَّه لا يعتمد على الخط لا في الحكم ولا في الشهادة، وفي مذهبه وجه آخر أنَّه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظًا عنده كالرواية الثالثة عن أحمد.
[ ١٠ / ٢١ ]
وأمَّا مذهب أبي حنيفة فقال الخفاف قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئًا لا يحفظه كإقرار الرجل بحق من الحقوق وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه فإنَّه لا يحكم بذلك ولا ينفذه حتى يذكره.
وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه من شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق أو إقرار رجل لرجل بحق والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره فإنَّه ينفذ ذلك ويقضي به إذا كان تحت خاتمه محفوظًا ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظه.
وأمَّا مذهب مالك فقال في "الجواهر": لا يعتمد على الخط إذا لم يذكره لإمكان التزوير عليه.
قال القاضي أبو محمد: إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنَّه حكم به لم يجز له أن يحكم به إلاَّ أن يشهد عنده شاهدان.
قال: وإذا نسي القاضي حكمًا حكم به فشهد به عنده شاهدان أنَّه قضى به نفذ الحكم بشهادتهما وإن لم يذكره.
وجمهور أهل العلم على خلافها بل إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به إلَّا خلافًا شاذًا لا يعتد به، ولو لم
[ ١٠ / ٢٢ ]
يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم وسنة رسول الله ﷺ فليس بأيدي الناس بعد كتاب الله إلَّا هذه النسخ الموجودة من السنن وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم وتقوم بها حجته ولم يكن يشافه رسولًا بكتابه بمضمونه قط، ولا جرى هذا في مدة حياته ﷺ بل يدفع الكتاب مختومًا ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه وفي الصحيح عنه ﷺ أنَّه قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيته مكتوبة عنده".
ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة.
قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها أو أعلم بها أحدًا هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط فإنَّه ينفذ ما فيها. وقد نص في الشهادة أنَّه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتى يذكرها، ونص فيمن كتب وصيته وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها أنَّهم لا يشهدون إلَّا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقر بها.
[ ١٠ / ٢٣ ]
فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج.
ومنهم من امتنع من التخريج وأقر النصين وفرق بينهما.
واختار شيخنا التفريق قال والفرق أنَّه إذا كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها فإنَّهم لا يشهدون لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير، وأمَّا إذا كتب وصيته ثم مات وعرف أنَّه خطه فإنَّه يشهد لزوال هذا المحذور.
والحديث المتقدم كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصي وكتبه ﷺ إلى عماله وإلى الملوك وغيرهم تدل على ذلك؛ ولأنَّ الكتابة تدل على المقصود فهي كاللفظ، ولهذا يقع بها الطلاق.
قال القاضي: وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة لأنَّها عمل والشهادة على العمل طريقها الرؤية.
وقول الإمام أحمد: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط ينفذ ما فيها يرد ما قاله القاضي فإنَّ أحمد علق الحكم بالمعرفة والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل وهذا هو الصحيح، فإنَّ القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإنَّ الخط دال على اللفظ، واللفظ دال
[ ١٠ / ٢٤ ]
على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يعرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه لخط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته، والناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها أنَّ هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي، ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعًا لمنع من الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه لجواز المحاكاة.
وقد دلت الأدلة المتضافرة التي تقرب من القطع على قبول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت مع أنَّ تشابه الأصوات إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط فليس دونه.
وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأنَّ الوارث إذا وجد في دفتر مورثه أنَّ لي عند فلان كذا جاز له أن يحلف على استحقاقه، وأظنه منصوصًا عليها، وكذلك لو وجد في دفتره: أنِّي أديت إلى فلان ماله عليَّ جاز له أن يحلف على ذلك إذا وثق بخط مورثه وأمانته.
[ ١٠ / ٢٥ ]
ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى بعض ولا يشهدون حاملها على ما فيها ولا يقرءونها عليه هذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن.
قال البخاري في "صحيحه" باب الشهادة على الخط وما يجوز من ذلك وما يضيق منه وكتاب الحاكم إلى عامله والقاضي إلى القاضي، وقال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلاَّ في الحدود. قال: وإن كان القتل فالخطأ والعمد واحد لأنَّه مال بزعمه، وإنَّما صار مالًا بعد أن ثبت القتل فالخطأ والعمد واحد، وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت.
وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم، وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي، ويروى عن ابن عمر نحوه، وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي: شهدت عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وبلال بن أبي بردة، وعبد الله بن بريدة، وعامر بن عبيدة، وعباد بن منصور يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود، فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب: إنَّه زور. قيل له: اذهب فالتمس المخرج من ذلك.
[ ١٠ / ٢٦ ]
وأول من سأل على كتاب القاضي البينة ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله، وقال لنا أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محرز، قال: جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة وأقمت عنده البينة أنَّ لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة فجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه، وكره الحسن البصري، وأبو قلابة أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها لأنَّه لا يدري لعل فيها جورًا
وقد كتب النبي ﷺ إلى أهل خيبر: "إمَّا أن تدوا صاحبكم، وإمَّا أن تأذنوا بحرب" اهـ كلامه.
وأجاز مالك الشهادة على الخطوط فروى عنه ابن وهب في الرجل يقوم بذكر حق قد مات شهوده ويأتي بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط. قال: تجوز شهادتهما على الكتاب إذا كان عدلًا مع يمين الطالب، وهو قول ابن القاسم.
وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنَّه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط، وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله شذوذًا.
قال محمد بن الحارث: الشهادة على الخط خطأ، فقد قال مالك في رجل قال: سمعت فلانًا يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا، أو قال: سمعت فلانًا طلق امرأته، أو قذفها أنَّه لا يشهد على شهادته إلاَّ أن يشهده. قال: والخط أبعد من هذا وأضعف.
[ ١٠ / ٢٧ ]
قال: ولقد قلت لبعض القضاة أتجوز شهادة الموتى؟! فقال: ما هذا الذي تقول. فقُلْتُ: إنَّكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه في وثيقة فسكت.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط لأنَّ الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد قال مالك في الناس تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور.
وقد روى لي عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيعمل به حتى أتتهم الناس فصار لا يقبل إلاَّ بشاهدين.
واختلف الفقهاء فيما إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه.
فقال مالك: يجوز ذلك ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله ويقول الشاهدان له هذا كتابه دفعه إلينا مختومًا وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه وهو إحدى الروايتين عن مالك.
وحجتهم أنَّه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلاَّ بما يعلم.
[ ١٠ / ٢٨ ]
وأجاب الآخرون: بأنَّهما لم يشهدا بما تضمنه، وإنما شهدا بأنَّه كتاب القاضي وذلك معلوم لهما، والسنة الصريحة تدل على صحة ذلك، وتغير أحوال الناس وفسادها يقتضي العمل بالقول الآخر، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحسن أن يطلع عليه كل أحد مثل الوصايا التي يتخون الناس فيها، ولهذا يجوز عند مالك وأحمد في إحدى الروايتين أن يشهدا على الوصية المختومة، ويجوز عند مالك أن يشهدا على الكتاب المدرج ويقولا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب وإن لم يعلما بما أقر، والجمهور لا يجيزون الحكم بذلك.
قال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل كانت قصة عثمان ومقتله إلاَّ بسبب الخط فإنَّهم صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه حتى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدًا إلاَّ على شيء تذكره فإنَّه من شاء انتقش خاتمًا ومن شاء كتب كتابًا.
قالوا: وأمَّا ما ذكرتم من الآثار فنعم وههنا أمثالها، ولكن كان ذاك إذ الناس ناس، وأمَّا الآن فكلا ولما، وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى حتى قال مالك: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه حتى اتهم الناس فصار لا يقبل إلاَّ شاهدان، وقال
[ ١٠ / ٢٩ ]
محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط؛ لأنَّ الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي.
فإن قيل: فما تقولون في الدابة يوجد على فخذها صدقة، أو وقف، أو حبس هل للحاكم أن يحكم بذلك؟
قيل: نعم له أن يحكم به، وصرح به أصحاب مالك، فإنَّ هذه أمارة ظاهرة، ولعلها أقوى من شهادة الشاهد، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: غدوت على رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة.
وللإمام أحمد عنه قال: دخلت النبي ﷺ وهو يسم غنمًا في آذانها.
وروى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه قال لعمر بن الخطاب ﵁: إنَّ في الظهر ناقة عمياء. فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها. قال فقُلْتُ: هي عمياء. فقال عمر: يقطرونها بالإبل. قال: فقُلْتُ: كيف تأكل من الأرض. قال فقال عمر: أمن نعم الجزية هي، أم من نعم الصدقة؟ فقُلْتُ: من نعم الجزية. فقال عمر: أردتم والله أكلها. فقُلْتُ: إنَّ عليها وسم الجزية.
[ ١٠ / ٣٠ ]
ولولا أنَّ الوسم يميز الصدقة من غيرها ويشهد لما هو وسم عليه لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلَّا ذلك، ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده.
فإن قيل: فما تقولون في الدار يوجد على بابها أو حائطها الحجر مكتوبًا إنَّها وقف أو مسجد هل يحكم بذلك.
قيل: نعم يقضي به، ويصير وقفًا صرح به بعض أصحابنا وممن ذكره الحارثي في "شرحه".
فإن قيل: أليس يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع.
قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين، بل هذا أقرب لأنَّ الحجر المشاهد جزء من الحائط داخل فيه ليس عليه شيء من أمارات النقل، بل يقطع غالبًا بأنَّه بني مع الدار، ولا سيما إذا كان حجرًا عظيمًا وضع عليه الحائط بحيث يتعذر وضعه بعد البناء فهذا أقوى من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم يوجد على ظهرها وهوامشها كتابة الوقف هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفًا بذلك.
قيل: هذا يختلف باختلاف قرائن الأحوال فإذا رأينا كتبًا مودعة في خزانة وعليها كتابة الوقف وهي كذلك مدة متطاولة، وقد اشتهرت بذلك لم نسترب في كونها
[ ١٠ / ٣١ ]
وقفًا، وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك، وانقطعت كتب وقفها، أو فقدت ولكن تعالم الناس على تطاول المدة كونها وقفًا فتكفي في ذلك الاستفاضة، فإنَّ الوقف يثبت بالاستفاضة وكذلك مصرفه، وأمَّا إذا رأينا كتابًا لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف فهذا يوجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله.
والمعول في ذلك على القرائن فإن قويت حكم بموجبها وإن ضعفت لم يلتفت إليها وإن توسطت طلب الاستظهار وسلك طريق الاحتياط وبالله التوفيق.
وقد قال أصحاب مالك في الرجلين يتنازعان في حائط: فينظر إلى عقده ومن له عليه خشب أو سقف وما أشبه ذلك مما يرى بالعين يقضى به لصاحبه، ولا يكلف الطالب البينة، وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا سدها الذي شقت داره وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحد فإذا نظروا إلى القناة التي شقت داره وشهدوا بذلك عند القاضي ولم يكن عنده في شهادة الشهود الذين وجههم لذلك مدفع ألزموه مرور القناة على داره ونهى عن سدها ومنع منه.
قالوا: فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها وهي قناة قديمة والبنيان فيها ظاهر حتى تصب في مستقرها فللحاكم أن يلزمه بمرور القناة كما وجدت في داره.
[ ١٠ / ٣٢ ]
وقال ابن القاسم فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلف الرجلان في جدار بين داريهما كل يدعيه فإن كان بنائه إليهما فهو بينهما، وإن كان معقودًا إلى أحدهما ومنقطعًا عن الآخر فهو إلى من إليه العقد، وإن كان منقطعًا بينهما جميعًا فهو بينهما، وإن كان لأحدهما فيه كوى ولا شيء للآخر فيه وليس بمنعقد إلى واحد منهما فهو إلى من إليه مرافقه، وإن كانت فيه كوى لكليهما فهو بينهما، وإن كانت لأحدهما عليه خشب ولا عقد فيه لواحد منهما فهو لمن له عليه الحمل، فإذا كان عليه حمل لهما جميعًا فهو بينهما. والمقصود أنَّ الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة، ولا سيما عند عدم المعارض، وأمَّا إذا عارض ذلك بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد البديل بذكر سبب الملك واستمراره فإنَّها تقدم على هذه.
وأمَّا إن عارضها مجرد اليد لم يلتفت إليها فإنَّ هذه الأمارات بمنزلة البينة والشاهد واليد ترفع بذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٨) - عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. -:
[ ١٠ / ٣٣ ]
«وأخبر أنَّ ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة، فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه فيقيمها، وفي ذلك تنبيه على أنَّ له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه وإلَّا لم يكن بالتعليل بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ فائدة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظ إذا عرف أنَّه خطه، أو أعلمه به من يسكن إلى قوله، ويجوز له قبول قول الرسول: إنَّ هذا خطه وإن كان عبدًا أو امرأة أو صبيًا أو فاسقًا كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول اعتمادًا على القرائن والعرف، وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به، وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أنَّ له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنَّه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط، وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي الى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبينا ﷺ وإلى الآن وإن أنكره من أنكره. ومن العجب
[ ١٠ / ٣٤ ]
أنَّ من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلَّا مجرد كتاب قيل: إنَّه كتاب فلان فهو يقضى به ويفتى ويحل ويحرم ويقول هكذا في الكتاب والله الموفق.
وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه الى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه، وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق» اهـ.
١١ - وفيه أنَّ الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ شَيْءٌ». يشمل الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود وأتباعه وابن عبد البر.
١٣ - وفيه الحث على الاستعداد للموت وعدم الغفلة عنه.
* * *
[ ١٠ / ٣٥ ]
٢٨٩ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغنياءَ خيرٌ منْ أَنْ تَذَرَهمْ عالَةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: «يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». قيل: مدرج من كلام الزهري.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٩١):
[ ١٠ / ٣٦ ]
«وَقَوْلُهُ: "يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن مَاتَ بِمَكَّةَ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٧٨):
«قوله: "يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة" من قول سعد في بعض الطرق، وأكثر الطرق أنَّه من قول الزهري، وليس هو من قول الرسول» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١١/ ٧٩):
«قَوْلُهُ: "يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ" قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَلِ انْتَهَى كَلَامُهُ ﷺ بِقَوْلِهِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَقَالَ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَرْثِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَتَوَجَّعُ لَهُ وَيَرِقُّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ مَنْ هُوَ فَقِيلَ هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ» اهـ.
قُلْتُ: في هذا انظر فليس في الروايات التصريح بذلك.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْنُكَتِ] (٢/ ٨٢١):
[ ١٠ / ٣٧ ]
«فإنَّ قوله: "يرثي له .. " إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٦٥):
«وَأَفَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْقَائِلَ يَرْثِي لَهُ إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ هَاشِمَ بْنَ هَاشِمٍ وَسَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِيهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا» اهـ.
قُلْتُ: وذهب بعض العلماء أنَّ ذلك من كلام سعد وليس بمدرج لما رواه البخاري (٦٣٧٣) «قَالَ سَعْدٌ: رَثَى لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٥):
«فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ» اهـ.
قُلْتُ: والمراد بالصدقة في الحديث الوصية، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٧٤٢)، ومسلم (١٦٢٨) عنه أنَّه قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ».
وَقَوْلُهُ: «عَادَنِي». أي زارني.
[ ١٠ / ٣٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤):
«عادني: زارني. ولا يقال ذلك إلَّا لزيارة المريض. فأمَّا الزيارة فأكثرها للصحيح. وقد تقال للمريض» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٥): «وَقَوْلُهُ: قال: "الثلث، والثلث كثير" بنصب الأول على الإغراء، أو بفعل مضمر نحو: عين الثلث. وبالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أو المبتدأ والخبر محذوف والتقدير يكفيك الثلث، أو الثلث كاف، ويحتمل أن يكون قَوْلُهُ: "والثلث كثير" مسوقًا لبيان الجواز بالثلث وأنَّ الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي ﵀: وهذا أولى معانيه يعني أنَّ الكثرة أمر نسبي، وعلى الأول عول ابن عباس كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ». المراد من أولادي، وإلَّا فإنَّ له ورثة آخرون، ومنهم هشام بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخيه، وغيره من أولاد أخيه. وقد قال سعد هذا قبل أن يولد له سائر ولده، وقد جاء ذكر لبعض ولده فيما رواه مسلم (١٦٢٨)
[ ١٠ / ٣٩ ]
فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: «مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ …». الحديث.
وقد جاء تسميتهم في طرق هذا الحديث في مسلم بعامر بن سعد، ومصعب بن سعد، وثالثهم محمد بن سعد جاء ذكره في بعض الأحاديث في مسلم (١٠٨٦، ٢٢٥٨، ٢٣٩٦)، وله غير هؤلاء من الأولاد، وقد بلغوا أكثر من سبعة عشر ابنًا، وأكثر من ثنتي عشرة بنتًا.
وَقَوْلُهُ: «خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً». أي: فقراء. ومنه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وَقَوْلُهُ: «يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». أي يسألون الناس بأكفهم. أو بمعنى يسألون الناس ما يكف عنهم الجوع، أو يسألون الصدقة من أكف الناس.
[ ١٠ / ٤٠ ]
وَقَوْلُهُ: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». تعليل للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، فكأنَّه قال له: إنَّك إذا مت وقد تركت ورثتك أغنياء خير لك من هذه الوصية التي تضر بهم، وإن عشت فتصدقت في حياتك فالخير حاصل لك.
ومعنى: «تَذَرَ» تترك.
وَقَوْلُهُ: «أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي». جاء في بعض ألفاظ الحديث: «أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي». رواه أحمد (١٥٤٦)، والترمذي (٢١١٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
ويحتمل هذا معنيان:
الأول: أخلف في مكة بسبب الموت.
الثاني: أخلف في مكة بسبب المرض بحيث أنَّ أصحابه يسبقونه إلى الرجوع إلى المدينة.
والمعنى الثاني أرجح من الأول، ويدل عليه قول النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً». فالتخلف الذي فيه عمل إنَّما هو التخلف بالمرض دون الموت.
[ ١٠ / ٤١ ]
وَقَوْلُهُ: «لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ». هذا غير والتخلف هاهنا، وهو تخلف بطول العمر.
وَقَوْلُهُ: «فِي فِي امْرَأَتِكَ» أي فمها.
وَقَوْلُهُ: «لَكِنِ البَائِسُ». أي: الذي أصابه البؤس وهو الضر والفقر. والمراد من ذلك توجع النبي ﷺ مما حصل لسعد بن خولة ﵁ من الموت في مكة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية عيادة المريض.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٤٣):
«واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال: هو واجب على الكفاية» اهـ.
٢ - سؤال أهل العلم في كيفية التصرف بالمال.
٣ - النهي عن الوصية بثلثي المال.
٤ - النهي عن الوصية بشطر المال، وهو نصفه.
[ ١٠ / ٤٢ ]
وهذا محمول على من كان له ورثة لقول النبي ﷺ في الحديث: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». وأمَّا من لا وارث له فيجوز له أن يوصي بجميع ماله، وقد أجاز ذلك الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود، ومنع من ذلك الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٩):
«المثال الثامن بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصى بجميع أمواله في أبواب البر فهل له ذلك على قولين: أصحهما أنَّه يملك ذلك؛ لأنَّه إنَّما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله» اهـ.
٥ - جواز الوصية بثلث المال، والانقاص عن ذلك هو الأفضل. وقد روى البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وقد أورد المصنف هذا الحديث بعد حديث سعد.
[ ١٠ / ٤٣ ]
لكن هل المراد بالثلث عند الوصية، أو عند الموت في ذلك نزاع بين العلماء فقال بالأول مالك وأكثر العراقيين، وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ وجماعة من التابعين قَالَهُ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٩)، والصحيح هو اعتبار الثلث بما كان عند الموت؛ فإننا لو اعتبرنا الثلث عند الوصية، فقد يأتي عليه الموت وذلك الثلث هو جميع ماله فيحصل بذلك الضرر على الورثة، ومن أجل هذا الضرر جاء النهي عن الوصية بأكثر من الثلث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٧٠):
«واختلفوا أيضًا هل يحسب الثلث من جميع المال أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به، وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحجة الجمهور أنَّه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقًا ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز» اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
٦ - النهي عن الوصية بما زاد على الثلث، وإن كانت دون الشطر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٤):
[ ١٠ / ٤٤ ]
«ذكر الله الوصية في كتابه ذكرًا مجملًا، ثم بين النبي ﷺ أنَّ الوصايا مقصورة على ثلث مال الميت؛ لإطلاقه ﷺ لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث، وأجمع العلماء على القول به» اهـ.
٧ - واحتج به أهل الظاهر على منع الوصية بالثلث وإن أجازها الورثة.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ الورثة إن أجازوا ذلك فإنَّها تصح؛ وذلك لأنَّ النبي ﷺ إنَّما منع من ذلك لحق الورثة، فإذا أجازوا ذلك فقد تنازلوا عن حقهم فصحت الوصية. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥):
«ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك في الكافة إذا أجازها الورثة. وهو الصحيح؛ لأنَّ المريض إنَّما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الورثة، بدليل قوله ﷺ: "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة"، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢١):
[ ١٠ / ٤٥ ]
«وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء» اهـ.
قُلْتُ: والإجازة المعتبرة من الورثة في وقتها نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢٤):
«فصل: ولا يعتبر الرد والإجازة إلَّا بعد موت الموصي، فلو أجازوا قبل ذلك، ثم ردوا، أو أذنوا لموروثهم في حياته بالوصية بجميع المال، أو بالوصية لبعض ورثته، ثم بدا لهم فردوا بعد وفاته، فلهم الرد، سواء كانت الإجازة في صحة الموصي أو مرضه. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب. وروي ذلك عن ابن مسعود. وهو قول شريح، وطاووس، والحكم، والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي حنيفة، وأصحابه.
وقال الحسن، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلى، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأنَّ الحق للورثة، فإذا رضوا بتركه سقط حقهم، كما لو رضي المشتري بالعيب.
وقال مالك: إن أذنوا له في صحته، فلهم أن يرجعوا، وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم.
[ ١٠ / ٤٦ ]
ولنا، أنهم أسقطوا حقوقهم فيما لم يملكوه، فلم يلزمهم، كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، أو أسقط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع، ولأنَّها حالة لا يصح فيها ردهم للوصية، فلم يصح فيها إجازتهم، كما قبل الوصية» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٢٢):
«ولو وصى لوارث أولًا حين يزايد على الثلث فأجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي صحت الإجازة بلا نزاع وكذا قبله في مرض الموت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (١/ ٩):
«إذا أذن الورثة في التصرف فيما زاد على الثلث قبل المرض فلغو، وإجازتهم بعد الموت معتبرة، وإذنهم بعد المرض مختلف فيه، فأحمد بن حنبل ﵁ لا يعتبره لأنَّه إجازة من غير مالك، ومالك بن أنس ﵁ يعتبره وقوله أظهر» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الجمهور لعله الأقرب؛ وذلك أنَّ هذا الإذن قبل الملك كالإذن في حال الصحة، ولأنَّه قد يحصل الإذن عن طريق الحياء من المورث. والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٧ ]
٨ - وفيه ذكر علة النهي، فإنَّ المنهي إذا ذكرت علته كان أقوى لابتعاد النفس عنه.
٩ - وفيه أنَّ الصدقة لا تقبل إلَّا ما ابتغي بها وجه الله تعالى.
١٠ - وفيه فضل النفقة على الزوجة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٧):
«ولعله خص المرأة بالذكر لأنَّ نفقتها مستمرة بخلاف غيرها» اهـ.
١١ - وفيه آيتان من آيات النبي ﷺ:
الأولى: أنَّه أخبر بتأخر موت سعد، وكان كما قال ﵊، فقد عاش سعد بعد ذلك خمسًا وأربعين، أو ثمانيًا وأربعين سنة.
والأخرى: إخباره بما سيحصل لسعد من جهاد الكفار، وفتح بلدانهم بحيث ينتفع المسلمون بما يلقونه من غنائم الكافرين ويتضرر من ذلك الكفار، وكان الأمر كما أخبر النبي ﷺ فقد فتحت القادسية على يديه، وفتحت مدائن كسرى على يديه ﵁.
و"لعل" وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالبًا.
[ ١٠ / ٤٨ ]
١٢ - وفيه جواز ذكر الإنسان ما به من الوجع لا على سبيل التسخط والتشكي وعدم الرضًا، فإنَّ سعدًا أخبر النبي ﷺ بما به من الوجع الذي خشى منه الموت حتى يستفسر النبي ﷺ عمَّا أراده من الوصية، فلم يفعل ذلك تشكيًا ولا تسخطًا.
١٣ - وفيه كراهة الموت في الأرض التي هاجر منها الإنسان من أجل الله ﷿.
١٤ - وفيه إباحة جمع المال إذا لم يصد عن واجب، أو يوقع في حرام.
١٥ - وفيه أنَّ الإحسان إلى الورثة أفضل من الإحسان إلى غيرهم.
١٦ - واحتج به من منع من نقل الميت من بلد إلى آخر، ووجه الشاهد منه أنَّه لو كان ذلك مشروعًا لأمر النبي ﷺ بنقل سعد بن خولة من موطن هجرته إلى موضع آخر، فلما لم يفعل ذلك دلَّ ذلك على عدم مشروعيته.
قُلْتُ: وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٦٤):
«واختلفوا في نقل الميت من بلد، فممن كره ذلك عائشة أم المؤمنين، قالت: "لو حضرت أخي ما دفن إلَّا حيث مات"، وكان مات بالحبشي فدفن بأعلى مكة،
[ ١٠ / ٤٩ ]
وكره ذلك الأوزاعي، وسئل الزهري عن هذه المسألة، قال: "قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب من العقيق إلى المدينة، فدفناه بها"، وقال ابن عيينة، مات ابن عمر ههنا، يعني بمكة، فأوصى أن لا يدفن بها، وأن يدفن بسرف، فغلبهم الحر، وكان رجلًا باديًا» اهـ.
قُلْتُ: أثر الزهري رواه ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٣/ ١٤٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٦٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٨/ ٨٣)، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فالزهري لم يدرك سعدًا.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ، ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: «مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِالْعَقِيقِ، وَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ».
قُلْتُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ أيضًا فابن بكير من أتباع التابعين.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٦٥)، ومن طريقه رواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٠/ ٣٦٥) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنبأ عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، أنبأ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، قَالَتْ: «مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِالْعَقِيقِ»
[ ١٠ / ٥٠ ]
قَالَ دَاوُدُ: وَهُوَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، قَالَتْ: «فَرَأَيْتُهُ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ فَأُدْخِلَ بِهِ الْمَسْجِدَ مِنْ نَحْوِ بَابِ دَارِ مَرْوَانَ، فَوُضِعَ عِنْدَ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِنَاءِ الْحُجَرِ فَصَلَّى الْإِمَامُ عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ».
قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غير أم داود فلم أقف لها على ترجمة، والْأَثَرُ حَسَنٌ بهذه الطرق. والله أعلم.
وأثر ابن عيينة منقطع أيضًا، ولم أقف عليه مسندًا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٧٤):
«فصل: ويستحب دفن الشهيد حيث قتل قال أحمد: أمَّا القتلى فعلى حديث جابر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" وروى ابن ماجه أنَّ رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم.
فأمَّا غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلَّا لغرض صحيح. وهذا مذهب الأوزاعي، وابن المنذر.
قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: "والله لو حضرتك ما دفنت إلَّا
[ ١٠ / ٥١ ]
حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك"؛ ولأنَّ ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير.
فأمَّا إن كان فيه غرض صحيح جاز.
وقال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسًا.
وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، من العقيق إلى المدينة.
وقال ابن عيينة مات ابن عمر هنا، فأوصى أن لا يدفن هاهنا، وأن يدفن بسرف» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٥/ ٣٠٣):
«"الثالثة" في نقل الميت من بلد إلى بلد قبل دفنه قال صاحب "الحاوي" قال الشافعي ﵀ تعالي: لا أحبه إلَّا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها.
وقال البغوي والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله.
وقال القاضي حسين والدارمي والمتولي: يحرم نقله. قال القاضي حسين والمتولي: ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته. وهذا هو الأصح لأنَّ الشرع أمر بتعجيل دفنه وفي
[ ١٠ / ٥٢ ]
نقله تأخيره، وفيه أيضًا انتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغير ذلك، وقد صح عن جابر ﵁ قال "كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادى النبي ﷺ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة قال الترمذي حديث حسن صحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٣٢٧):
«وكره جماعة من الشافعية نقل الميت مطلقًا، وحرمه آخرون منهم، وجوز الحنفية نقله ميلين، وقيل: ودون السفر، وقيل عندهم: لا يكره السفر، قال أبو المعالي: ويجب لضرورة، نحو كونه بدار حرب، أو مكان يخاف نبشه، وتحريقه، أو المثلة به، قال: وإن تعذر نقله بدار حرب فالأولى تسويته بالأرض، وإخفاؤه، مخافة العدو، ومعناه كلام غيره، فيعايا بها» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٠٧):
«واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد فقيل يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة وتختلف الكراهة في
[ ١٠ / ٥٣ ]
ذلك فقد تبلغ التحريم والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها والله أعلم» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٨/ ٤٣٩) برقم (٣٩١٣):
«أمَّا نقل الميت إلى بلاده لغير ضرورة فغير مشروع، وكون الميت يدفن في تابوت في محل موته ليس مبررًا لنقله ما دام هناك مقبرة للمسلمين يدفن بها في محل موته وكان دفنه في التابوت.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: ولهم فتوى بعد ذلك برقم (١٩٤٢٨) (٧/ ٢٦٣): قالوا فيها: «نقل الميت من مكان وفاته ليدفن في مكان آخر جائز لا سيما إذا كان لمصلحة، أمَّا إذا لم يكن هناك مصلحة في نقله فالأولى دفنه في مكان وفاته إذا لم يكن هناك مانع من دفنه
[ ١٠ / ٥٤ ]
فيه؛ لأنَّ ذلك فيه مبادرة بتجهيز الميت ودفنه، كما أمر بذلك النبي ﷺ، ولا بأس بتكرار الصلاة عليه خصوصًا لمن لم يحضر الصلاة عليه في المرة الأولى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٣/ ١٨٢ - ١٨٤):
«من محمد بن إبراهيم إلى صاحب السمو الملكي وزير الداخلية سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا رفق خطاب سموكم رقم ٦٧٣٤ وتاريخ ١/ ٦/ ٨٢ هـ من المدعو س أ ملك المتضمن استفتاءه عن حكم نقله بعد موته من بلده إلى المدينة المنورة لدفنه فيها.
نفيد سموكم أنَّه لا يظهر لنا جواز ذلك، لما روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أسرعوا بالجنازة
[ ١٠ / ٥٥ ]
فإن تلك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تلك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم"، وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره" ولا شك أنَّ في نقله تأخيرًا لجنازته وحبسًا لها، زيادة على تعريضها للتغيير والانتهاك، وإلزام تركته بزيادة كبيرة في مؤنة نقله وما يستتبعه النقل من تصبير ونحوه، وهذا هو الذي دفع عائشة ﵂ أن تقول بشأن أخيها عبد الرحمن ما قالت مما رواه الحاكم في مستدركه بسنده إلى صفية بنت شيبة قالت: قدمت عائشة ﵂ فأتيتها أعزيها بأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنَّه لم يدفن حيث مات.
قالت رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنَّه لم يدفن حيث مات.
قالت: وكان أخوها قد توفي بالحبشي فخرجت إليه فئة قريش فحملوه إلى أعلى مكة.
قال في "المغني والشَّرْحُ الكبير": ولا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلَّا لغرض صحيح، وهذا قول الأوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره، ثم
[ ١٠ / ٥٦ ]
قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلَّا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. ولأنَّ ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير اهـ.
وقال في "فتح القدير" لابن الهمام الحنفي: أمَّا إذا أرادوا نقله قبل الدفن وتسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين. قال المصنف في " التجنيس" لأنَّ المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار. وقال السرخسي: قول محمد بن مسلمة ذلك دليل على أنَّ نقله من بلد إلى بلد مكروه، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها - إلى أن قال: ثم قال المصنف: وذكر أنَّه إذا مات في بلده كره نقله إلى أخرى لأنَّه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة اهـ.
ولم ينقل إلينا أنَّ أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهم نقل بعد موته من بلد إلى بلد، اللهم إلَّا ما ورد عن حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة، وكذلك ما ذكره ابن عيينة من أنَّ ابن عمر مات هنا يعني في مكة فأوصى ألَّا يدفن ههنا وأن يدفن بسرف، فهذان الموضعان قريبان، مع أنَّ عائشة ﵂ أنكرت نقل أخيها من الحبشي إلى مكة، والحبشي موضع قريب من مكة. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(الختم) (ص - ف - ١٦٨ - ١ وتاريخ ٢٨/ ٨/ ١٣٨٣ هـ)» اهـ.
[ ١٠ / ٥٧ ]
قُلْتُ: حديث ابن عمر رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٣٤٣٨)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٨٥٤)، والخلال في [الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيِّ عَنِ الْمُنْكَرِ] (٢٤٥)، وفي [الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقُبُورِ] (٢)
مِنْ طَرِيْقِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَابْلُتِّيُّ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعِفِ، فالبابلي ضعيف، وشيخه أيوب بن نهيك شديد الضعف قال فيه أبو زرعة: "هو منكر الحديث"، وضعفه أبو حاتم كما في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٢/ ٢٥٩) لا بن أبي حاتم
أمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الضُّعَفَاءِ والْمَتْرُوكِيْن] (١/ ١٣٣):
«قال أبو حاتم الرازي ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة متروك الحديث، وقال أبو الفتح الأزدي متروك الحديث» اهـ.
قُلْتُ: الموجود في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم أنَّ أبا زرعة قال فيه: «هو منكر الحديث» كما سبق.
[ ١٠ / ٥٨ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمُغْنِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ] (١/ ٩٧): «تركوه» اهـ.
وبهذا يتبين أنَّ تحسين العلامة محمد بن إبراهيم ﵀ لإسناد الحديث وهم ظاهر.
وأمَّا أثر عائشة فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٩٣٣)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٣٥)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥٥)، ورواه الترمذي (١٠٥٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٠١٣)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٨٨٣)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٦٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤٠)، والبلاذري في [أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ] (٢/ ١٢٨/ ٣/ ٣٢٤)
مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالْحُبْشِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْحُبْشِيُّ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، فَدُفِنَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَهُ فَقَالَتْ:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
ثُمَّ قَالَتْ: «أَمَّا وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ لَدَفَنْتُكَ حَيْثُ مِتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ».
[ ١٠ / ٥٩ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وابن جريج قد صرح بالسماع عند عبد الرزاق، وتابعه عبد الله بن عمرو بن علقمة الكناني عند الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٩٠٣) وعبد الله هذا ثقة، وعبد الله بن لاحق الثقة عند ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤١).
ورواه الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٥١٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ الْحَجبِّيِّ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ أُعَزِّيهَا بِأَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ وَمَاتَ بِالْحُبْشِيِّ جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ فَنُقِلَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَتْ ﵂: «يَرْحَمُ اللهُ أَخِي، مَا مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ آسَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُدْفَنْ حَيْثُ مَاتَ».
ومِنْ طَرِيْقِ عبد الجبار رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٨٨٢)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤٠).
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١٧/ ٤٢):
[ ١٠ / ٦٠ ]
«يجوز نقل الميت من بلد إلى آخر إذا كان هناك غرض صحيح، ولم يخف على الميت من التفسخ، لكن الأفضل دفنه في البلد الذي مات فيه لأنَّه أسرع في تجهيزه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه، وأمَّا كون سعد بن خولة دفن في مكة ولم ينقل فلعل السبب في ذلك انشغال الناس بأمور الحج، وفي تأخير دفنه حتى انتهائهم من أمور الحج مضرة ببدنه، فلم يكن لهم بد من دفنه بمكة. والله أعلم.
١٧ - وفيه تقييد القران بالسنة، فإنَّ الله ﷿ أطلق الوصية بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١ - ١٢]. وجاءت السنة بتقييد ذلك بالثلث.
والقول بجواز تخصيص، وتقييد القران بالسنة هو قول جمهور الأصوليين.
١٨ - وفيه أنَّ من ترك شيئًا لله تعالى لا ينبغي أن يرجع فيه باختياره، فإنَّ المهاجرين تركوا أوطانهم لله ﷿ فلم يكن لهم أن يرجعوا في ذلك.
لكن هل هذا الحكم مختص بالمهاجرين الأول الذين هاجروا من مكة إلى المدينة أم يدخل فيها جميع من هاجر من بلد الكفر إلى بلاد الإسلام.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٧/ ٢٥٥):
[ ١٠ / ٦١ ]
«وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ مُقْتَصَرَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطَنِ وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الهجرة المفترض فيها البقاء مع النبي ﷺ حَيْثُ اسْتَقَرَّ وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ.
وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ" فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ.
وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ» اهـ.
[ ١٠ / ٦٢ ]
قُلْتُ: ويدل على صحة ذلك أنَّ النبي ﷺ لم يمنع أحدًا من الرجوع إلى بلده الذي هاجر منه غير المهاجرين من مكة، ومن هؤلاء أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس فإنَّه هاجر من اليمن، ومع ذلك فإنَّ النبي ﷺ أرسله إلى اليمن واليًا على بعض مدنها.
١٩ - وفيه التأسف على من لم تتم له هجرته.
٢٠ - وفيه أنَّ من ترك مالًا قليلًا فالأحسن في حقه ترك الوصية، ويبقي المال لورثته.
٢١ - وألحق العلماء بذلك سائر هبات المريض وصدقاته قبل موته فلم يمضوا منها إلَّا ما كان من الثلث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٥):
«ثم تكلم الناس بعد هذا في هبات المريض وصدقاته إذا مات من مرضه، فقال قوم، وهم أكثر العلماء: هي من الثلث كسائر الوصايا. واتفق على ذلك فقهاء الحجاز والعراق.
وقالت فرقة: هي من جميع المال كأفعاله وهو صحيح. وهذا القول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله، وأظنه قول أهل الظاهر إذا قبضت هبة المريض وعطاياه فهي
[ ١٠ / ٦٣ ]
في رأس ماله؛ لأنَّ ما قبض قبل الموت ليس بوصية، وإنَّما الوصية ما يستحق بموت الموصي، وسواء قبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تقبض؛ هي من الثلث. قال الطحاوي: وحديث عائشة أنَّ أباها نحلها جداد عشرين وسقًا بالغابة فلما مرض قال: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنَّما هو اليوم مال وإرث. فأخبر الصديق أنَّها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه، وأنَّها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها ملكه، وفعل ذلك غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به، ولم تنكر ذلك عائشة على أبى بكر ولا سائر الصحابة، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه، وفي هذا أعظم الحجة على من خالف قول جماعة العلماء. وكذلك فعل النبي ﷺ في الذى أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم، فأقرع النبي ﷺ بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، فجعل العتاق في المرض من الثلث، فكذلك الهبات والصدقات؛ لأنَّها كلها سواء في تفويت المال» اهـ.
قُلْتُ: أثر الصديق رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣٨) مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ:
[ ١٠ / ٦٤ ]
«وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ. وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ، وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ الله».
قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وحديث الأعبد رواه مسلم (١٦٦٨) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا».
قُلْتُ: والمرض الذي يجعل تبرعات المريض لا تتعدى الثلث هو المرض الشديد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٢٤٩):
[ ١٠ / ٦٥ ]
«كما أنَّ ضعف المرض في اصطلاح الفقهاء نوعان: نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث كما إذا صار صاحب فراش، ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه» اهـ.
٢٢ - فضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح.
وقد روى أحمد (١٧٧١٦، ١٧٧٣٤)، والترمذي (٢٣٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٢٣ - وفيه ملاطفة الزوج لزوجه، وهو مأخوذ من قول النبي ﷺ: «حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».
* * *
[ ١٠ / ٦٦ ]
٢٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
قَوْلُهُ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ». "لو" هنا: حرف تمن بمعنى: ليت.
قَوْلُهُ: «غَضُّوا». أي نقصوا، وأصله من غض البصر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب الإنقاص من الثلث، وهو مأخوذ من وصف الثلث بالكثرة، وهو على معنى اعط الثلث، أو أمض الثلث، أو يكفيك الثلث، أو الثلث كافيك مع أنَّه ما زال كثيرًا.
٢ - أنَّ الانقاص يكون إلى الربع، وهو مذهب إسحاق.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٢):
«واختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور: على أنَّه الثلث. وذهب بعضهم: إلى أنَّ ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له، وروي عن بعض السَّلف: النقص منه.
[ ١٠ / ٦٧ ]
فأوصى أبو بكر بالخمس، وقال: إنَّ الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن علي. وأوصى عمر بالربع. وهو ظاهر قول ابن عباس. وبه قال إسحاق.
وقال الحسن: السدس، أو الخمس، أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. واختار آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ -؛ أنَّه قال: العشر. وروي عن عليٍّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَنْ ماله قليل، وله ورثة، ترك الوصية؛ لقوله ﷺ: "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة"» اهـ.
قُلْتُ: هكذا نقل العلامة القرطبي ﵀ عن جمهور العلماء استحباب الوصية بالثلث، وخالفه في هذا النقل الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨) حيث قال: «وفيه: استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقًا، ومذهبنا أنَّه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلَّا فيستحب النقص منه» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا أثر الصديق فهو حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ، فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٥٦٣)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٣٤٦٤)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٠/ ٤٢٣)، والبلاذري في [أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ] (٣/
[ ١٠ / ٦٨ ]
٣١٧): مِنْ طَرِيْقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عَزَّةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ. أَوْ قَالَ: «آخُذُ مِنْ مَالِي مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: خالد بن أبي عزة ذكره ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٣/ ٣٤٦) فقال: «خالد بن أبي عزة روى عن أبي بكر ﵁ روى عنه جعفر بن برقان سمعت أبي يقول ذلك» اهـ. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٣٥٤): أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْمُنَادِي، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ وَقَالَ: «لَا أَرْضَى مِنْ مَالِي إِلَّا بِمَا رَضِيَ اللهُ بِهِ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، لم يذكر قتادة من حدثه بهذا.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٣) عن قتادة مرسلًا.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ: «أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، فالثوري لم يذكر من حدثه، ثم هو مع ذلك مرسل.
[ ١٠ / ٦٩ ]
ورواه أبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَاتِ] (١٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوْصَى بِالْخُمُسِ».
قُلْتُ: رواية ابن المسيب عن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلة.
* * *
[ ١٠ / ٧٠ ]