٣٠٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب هذا الذكر عند إرادة الجماع.
٢ - وظاهر الحديث اختصاص هذا الذكر بالرجل دون المرأة، لكن إذا قالته المرأة فلا بأس بذلك، وذلك لأنَّ المرأة شقيقة الرجل في الأحكام غالبًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٣/ ٢٤٢):
«ويسن أن يقوم عند الوطء: "بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا".
قال ابن نصر الله: وتقول المرأة أيضًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ الدِّمْيَاطِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَةِ إِعَانَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٣/ ٣١٦):
[ ١٠ / ٥١٦ ]
«وقال كل منهما، ولو مع اليأس من الولد: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٤/ ١٠٧):
«ويظهر أنَّه يسن لها أن تقول ذلك أيضًا وأنَّه يسن لهما ذلك وإن كانا لا يلدان لأنَّهما قد يلدان على خلاف العادة ولأنَّ ما يرزقانه أعم من الولد» اهـ.
وقد جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٩/ ٣٥٤):
«يستحب لكل من الزوج والزوجة أن يقول عند إرادة الجماع: "بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا" ويرجو من الله ما كتب الله سبحانه لهما من العفة والنسل بسبب هذا الجماع، لا مجرد قضاء الشهوة. ولم يشرع دعاء من أجل الاستحمام لصلاة الجمعة، وليس هناك صلاة يصليها الرجل والمرأة عند إرادة الجماع. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٩/ ٣٥٦ - ٣٥٧)
«س ٣: قول: "بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا" هل تقوله المرأة أم لا؟ على وجه أن يكون سنة في حقها.
ج ٣: هذا الدعاء مشروع في حق الرجل إذا أراد أن يأتي أهله؛ لحديث ابن عباس ﵄:
"لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قضي بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" متفق عليه، ورواه أصحاب السنن وغيرهم، لكن لو دعت به فلا بأس؛ لأنَّ الأصل عدم الخصوصية. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
٣ - وعمومه يشمل من كان عقيمًا.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٤/ ١٠٧):
«ويظهر أنَّه يسن لها أن تقول ذلك أيضًا وأنَّه يسن لهما ذلك وإن كانا لا يلدان لأنَّهما قد يلدان على خلاف العادة ولأنَّ ما يرزقانه أعم من الولد» اهـ.
٤ - ويشمل من كانت امرأته حاملًا.
قُلْتُ: وذلك أنَّ وطء الحامل وإن لم يكن من أسباب وجوده لانعقاد السبب قبل ذلك لكنه من أسباب نماءه.
ويدل عليه ما رواه أحمد (١٧٠٣٨)، وأبو داود (٢١٥٨) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ - مَوْلَى تُجِيبَ، وَتُجِيبُ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ -، عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ حُنَيْنًا، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ، وَلَا أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ، وَلَا يَرْكَبَ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ١٠ / ٥١٩ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٦٩):
«فإنَّ ماء الواطئ يزيد في الحمل كما يزيد الماء في الزرع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٠٥):
«فالصواب القول الثاني، وهو أنَّه إذا وطئها حاملًا صار في الحمل جزء منه. فإنَّ الوطء يزيد في تخليقه، وهو قد علم أنَّه عبد له، فهو باق على أن يستعبده، ويجعله كالمال الموروث عنه، فيورثه أي يجعله مالًا موروثًا عنه. وقد صار فيه جزء من الأب. قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره. وقد صرح النبي ﷺ بهذا المعنى في قَوْلِهِ: "لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره"، ومعلوم أنَّ الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه، وقد شبه وطء الحامل بساقي الزرع الماء، وقد جعل الله ﵎ محل الوطء حرثًا، وشبه النبي ﷺ الحمل بالزرع، ووطء الحامل بسقي الزرع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ٤٢٢):
«فصل: قال أحمد ﵁ في من اشترى جارية حاملًا من غيره، فوطئها قبل وضعها: فإنَّ الولد لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه، ولكن يعتقه؛ لأنَّه قد شرك فيه؛ لأنَّ الماء يزيد في الولد.
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
وقد روي عن أبي الدرداء، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه مرَّ بامرأة مجح، على باب فسطاط، فقال: "لعله يريد أن يلم بها"؟
قالوا: نعم.
فقال رسول الله ﷺ: "لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه في قبره، كيف يرثونه وهو لا يحل له، أم كيف يستخدمه وهو لا يحل له".
رواه أبو داود.
يعني إن استلحقه وشركه في ميراثه، لم يحل له؛ لأنَّه ليس بولده، فإن اتخذه مملوكًا يستخدمه لم يحل له؛ لأنَّه قد شرك فيه؛ لكون الماء يزيد في الولد» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي الدرداء رواه مسلم (١٤٤١) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (٢/ ٧٣):
[ ١٠ / ٥٢١ ]
«فنص على أنَّه لا يجوز له استعباده ولا أن يجعله ميراثًا عنه إذا كان قد سقاه ماءه وزاد في سمعه وبصره فصار فيه ما هو بعض له فهي أم ولده من هذه الوجه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٣٠):
«أي: كيف يجعله عبدًا له يستخدمه، وذلك لا يحل، فإنَّ ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره.
وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه وهو لا يحل له"، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: أي: كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنَّه يعتقده عبده، فيجعله تركة تورث عنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه.
وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنَّه ابنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورثه ماله، وهذا يرده أول الحديث، وهو قَوْلُهُ: "كيف يستعبده"؟ أي: كيف يجعله عبده؟ وهذا إنَّما يدل على المعنى الأول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [التِّبْيَانِ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ] (ص: ٢٢٠) (ص: ٢٢٠):
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
«والمجح الحامل المقرب. وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه" أي يجعل له تركة موروثة عنه كأنَّه عبده ولا يحل له ذلك؟ فهذا دليل على أنَّ وطء الحامل إذا وطئت كثيرًا جاء الولد عبلًا ممتلئًا وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلًا ضعيفًا» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ من قال هذا الذكر عند إرادة الجماع لم يضر الشيطان ولده أبدًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٩):
«واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكأنَّ سبب ذلك ما تقدم في بدء الخلق أنَّ كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلَّا من استثنى، فإنَّ في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة مع أنَّ ذلك سبب صراخه، ثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ويؤيده مرسل الحسن المذكور.
وقيل: المراد لم يطعن في بطنه وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا.
وقيل: المراد لم يصرعه.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
وقيل: لم يضره في بدنه، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه أيضًا ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب بأنَّ اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدًا وأن لم يكن ذلك واجبًا له.
وقال الداودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية.
وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد أنَّ الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه ولعل هذا أقرب الأجوبة ويتأيد الحمل على الأول بأنَّ الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل فإذا كان ذلك نادرًا لم يبعد» اهـ.
قُلْتُ: يمكن حمل الحديث على أنَّه لا يضره في دينه بأن يوقعه في الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ولا يضره في بدنه بصرع وجنون، ولا غير ذلك من أنواع الضرر إلَّا ما استثناه الدليل من الطعن في خاصرته أثناء ولادته، لما رواه البخاري (٣٢٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
«كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٧٠): «"فطعن في الحجاب" أي: في المشيمة التي فيها الولد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٤١٥):
«وقال بعض العلماء: بل الحديث عام لم يضره الشيطان أبدًا، والتأبيد يدل على أنَّ ذلك مستمر، ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، أن يقال: إنَّ هذا سبب، والأسباب قد تتخلف بوجود موانع، كما قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، وإلَّا فكلام الرسول ﵊ حقٌ وصدق، ولكن هذا سببٌ من الأسباب، وقد يوجد موانع.
فإذا قال لنا قائل: إذا كان هذا سببًا وقد يوجد موانع، إذًا ما الفائدة؟! نقول: هذا غلط ليس بصحيح، الفائدة أنَّك فعلت السبب، والموانع عارضة، والأصل عدم وجودها.
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
فعليك أن تفعل السبب موقنًا بأنَّه سينفع، ثم الأمر بيد الله ﷿، وكل إنسان يريد أن يفعل شيئًا له أسباب لا يقول: أخشى من الموانع، بل يفعل الأسباب، والموانع عارضة» اهـ.
٦ - وفيه بركة اسم الله.
٧ - وفيه السعي في الأسباب المصلحة للذرية.
٨ - وفيه طلب الولد في الجماع.
* * *
[ ١٠ / ٥٢٦ ]