٣٠١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ».
وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا الصَّدَاقُ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١٣٧):
«وَقَوْلُهُ: "نهى عن الشِّغار". الشِّغار: مصدر: شاغر، يشاغر، شغارًا. وهو مفاعلة مما لا يكون إلَّا بين اثنين. قال بعض علمائنا: إنَّ الشغار كان من أنكحة الجاهلية، تقول: شاغِرْنِي وَلِيَّتي بوليّتك؛ أي: عاوضني جماعًا بجماع. وقال أبو زيد: شغرت المرأة: رفعت رجليها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كُلُّ واحدٍ منهما: يشغر: إذا نكح. وأصله: الكلب إذا رفع رِجْلَه ليبول. وقيل: إنَّه مأخوذ من: شَغَرَ البلد: إذا بَعُد. وقيل: من: شَغَر البلدُ: إذا خلا.
قُلْتُ: وتصح ملاحظة هذه المعاني في الحديث، وحملُه عليها. لكن منها ما يبعد عن صناعة الاشتقاق. ومنها ما يقرب. وأقربها القول الأول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١١٦):
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
«قال العلماء: الشغار بكسر الشين المعجمة وبالغين المعجمة أصله في اللغة الرفع. يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأنَّه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك. وقيل: هو من شغر البلد إذا خلا لخلوه عن الصداق، ويقال: شغرت المرأة إذا رفعت رجلها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ١٣٠ - ١٣١):
«ظاهره أنَّ تفسير الشغار من تتمة المرفوع وتقدم أنَّ في رواية عبيد الله بن عمر أنَّه من قول نافع فيكون حينئذ مدرجًا في رواية مالك. وقال الشافعي ﵀: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبي ﷺ أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك حكاه عنه البيهقي في "المعرفة".
وقال الرافعي: قال الأئمة وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعًا ويجوز أن يكون من عند ابن عمر.
وقال ابن عبد البر: كلهم ذكر عن مالك في تفسير الشغار ما تقدم. انتهى.
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
وظاهر هذه العبارة أنَّ التفسير لمالك ويحتمل أن مرادهم أنَّهم ذكروا ذلك عن مالك في روايته، ثم إنَّ هذا منتقض بالقعنبي ومعن بن عيسى فإنَّهما لم يذكرا التفسير في روايتهما عن مالك رواه عن الأول أبو داود ومِنْ طَرِيْقِ الثاني الترمذي لكن رواه النسائي مِنْ طَرِيْقِ معن بن عيسى عن مالك وفيه هذا التفسير، وروى هذا الحديث مسلم مِنْ طَرِيْقِ عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وفيه تفسير الشغار موصولًا بالحديث، ورواه النسائي فجعله من قول عبيد الله، وكلام ابن حزم يقتضي أن التفسير مرفوع في حديث ابن عمر وفي حديث أبي هريرة تمسكًا بظاهر اللفظ وهو الحق إلَّا أن يقوم دليل على الإدراج.
وقال أبو العباس القرطبي: جاء تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نافع وفي حديث أبي هريرة من كلام رسول الله ﷺ، وفي مساقه وظاهره الرفع، ويحتمل أن يكون تفسيرًا من أبي هريرة أو غيره وكيف ما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان فإن كان من قول رسول الله ﷺ فهو المقصود وإن كان من قول صحابي فمقبول؛ لأنَّهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال» اهـ.
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نافع، كما روى ذلك البخاري (٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ الشِّغَارِ». قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: «يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ» اهـ.
قُلْتُ: وذكر البنت في الحديث من باب المثال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١١٦):
«وأجمعوا على أنَّ غير البنات من الأخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام والإماء كالبنات في هذا» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ١٣٩):
«لا يخفى أنَّ ذكر "البنت" في هذا الحديث مثال فكل مولية كذلك، وقد عرفت أنَّ في بعض الروايات ذكر الأخت أيضًا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم نكاح الشغار.
[ ١٠ / ٣٧١ ]
٢ - فساد نكاح الشغار، وذلك أنَّ النهي يقتضي الفساد.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ١٣٧ - ١٣٨):
«حمل أكثر العلماء هذا النهي على التحريم وقالوا ببطلان النكاح وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وذهب ابن القاسم إلى أنَّه يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ بعده وهو رواية عن مالك، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى صحته ويجب مهر المثل، وحكاه ابن المنذر عن عطاء وعمرو بن دينار ومكحول والزهري والثوري وأصحاب الرأي، وحكاه ابن عبد البر وابن حزم عن الليث بن سعد، وقال النووي في "شرح مسلم": هو رواية عن أحمد وإسحاق وبه قال أبو ثور وابن جرير، والذي حكاه ابن المنذر عن أبي ثور البطلان، والذي حكاه ابن حزم عن عطاء أيضًا البطلان.
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ نكاح الشغار لا يجوز واختلفوا في صحته، وكذا قال النووي: أجمع العلماء على أنَّه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا فحكى الخلاف في إبطاله وصحته، وكذا قال أبو العباس القرطبي: لا خلاف بين العلماء في منع الإقدام عليه لكن اختلفوا فيما إذا وقع هل
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
يفسخ؟ وكذا قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": اتفق العلماء على المنع منه، وتبعهم والدي ﵀ في "شرح الترمذي" فحكى إجماع العلماء على تحريمه وفيما ذكروه نظر فإنَّ أبا حنيفة ومن قال بقوله يقولون بجوازه، وقد عبَّر ابن عبد البر والبيهقي والخطابي في حكاية هذا المذهب بالجواز، وكذا عبر به صاحب "الهداية" من الحنفية ويوافق هذا أنَّ المقرر في الأصول أنَّ النهي يشتمل التحريم والكراهة، والذي هو حقيقة في التحريم إنَّما هو صيغة افعل، ويمكن أن يقال: أراد هؤلاء بالجواز الصحة، وقد يقال: سلمنا أنَّ النهي للتحريم لكن لا يلزم من ذلك البطلان» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الشغار المحرم هو المشروط فيه نفي الصداق، فإذا وجد الصداق الحقيقي فلا شغار، وهذا هو الصواب في هذه المسألة. والله أعلم.
قُلْتُ: وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٣):
«وقد نهى النبي ﷺ عن نكاح الشغار وأبطله الصحابة؛ فإنَّهم أشغروا النكاح عن مهر. هذا هو العلة في نصوص أحمد المشهورة عنه وهو قول مالك وغيره. وعند طائفة من أصحابه: العلة ما قاله الشافعي وهو التشريك في
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
البضع. والأول أصح. وهذا لا معنى له؛ فإنَّ البضع لم يحصل فيه اشتراك؛ بل كل من الزوجين ملك بضع امرأة بلا شركة وإن كان قد جعل صداقها بضع الأخرى فالمرأة الحرة لم تملك بضع المرأة ولا يمكن هذا؛ فإنَّ امرأة لا تتزوج امرأة؛ ولكن جعلت لوليها ما تستحقه من المهر فوليها هو الذي ملك البضع وجعل صداقها ملك وليها البضع وهي لم تملك شيئًا؛ فلهذا كان شغارًا. والمكان الشاغر الخالي. وشغرت هذه الجهة أي خلت» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٢):
«وأيضًا فإنَّ الله أوجب الصداق في غير هذا الموضع ولم يوجب الإشهاد. فمن قال: إنَّ النكاح يصح مع نفي المهر ولا يصح إلَّا مع الإشهاد: فقد أسقط ما أوجبه الله وأوجب ما لم يوجبه الله. وهذا مما يبين أنَّ قول المدنيين وأهل الحديث أصح من قول الكوفيين في تحريمهم "نكاح الشغار" وأنَّ علة ذلك إنَّما هو نفي المهر فحيث يكون المهر: فالنكاح صحيح كما هو قول المدنيين وهو أنص الروايتين وأصرحهما عن أحمد بن حنبل واختيار قدماء أصحابه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٧ - ١٠٩):
«أمَّا الشغار: فصح النهى عنه من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية.
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
وفي صحيح مسلم: عن ابن عمر مرفوعًا "لا شغار في الإسلام".
وفى حديث ابن عمر: والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
وفى حديث أبي هريرة: والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي.
وفى حديث معاوية: أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية ﵁ إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ.
فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سموا مع ذلك مهرًا، صح العقد بالمسمى عنده، وقال الخرقي: لا يصح ولو سموا مهرًا على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيمية وغيره من أصحاب أحمد: إن سموا مهرًا وقالوا: مع ذلك: بضع كل واحدة مهر الأخرة لم يصح، وإن لم يقولوا ذلك، صح.
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
واختلف في علة النهى، فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطًا في الآخر وقيل: العلة التشريك في البضع، وجعل بضع كل واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنَّهم يقولون: بلد شاغر من أمير، ودار شاغرة من أهلها: إذا خلت، وشغر الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى مكانها. فإذا سموا مهرًا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلَّا اشتراط كل واحد على الآخر شرطًا لا يؤثر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد.
وأمَّا من فرق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بضع كل واحدة مهر للأخرى، فسد، لأنَّها لم يرجع إليها مهرها، وصار بضعها لغير المستحق، وإن لم يقولوا ذلك، صح، والذى يجيء على أصله أنَّهم متى عقدوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم أنَّه لا يصح، لأنَّ القصود في العقود معتبرة، والمشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطؤ عليه ونيته، فإن سمى لكل واحدة مهر مثلها، صح، وبهذا تظهر حكمة النهى واتفاق الأحاديث في هذا الباب» اهـ.
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
قُلْتُ: حديث معاوية رواه أحمد (١٦٩٠٢)، وأبو داود (٢٠٧٥) مِنْ طَرِيْقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جُعِلَا صَدَاقًا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: «هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقد تأوله بعض العلماء، فقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ١٣٩):
«وَقَوْلُهُ: "وَكَانَا جُعِلَا صَدَاقًا" هو بضم الجيم مبني للمفعول أي ذلك الفعلان أو النكاحان وقد ضبطناه كما ذكرته بالضم في "سنن البيهقي الكبرى"، ويدل عليه أنَّ في "معالم السنن" للخطابي في هذا الحديث "وكانا جعلاه صداقًا" بزيادة ضمير، وفهم ابن حزم من اللفظ الأول أنَّهما سميا مع ذلك صداقًا فيرد به على من قال من الشافعية: إنَّه لو سمى مع ذلك صداقًا صح قال: فهذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف يفسخ هذا النكاح وإن ذكرا فيه الصداق
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
ويقول الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فارتفع الإشكال. انتهى. وفيه نظر لما عرفته» اهـ.
قُلْتُ: لفظة: «وَقَدْ كَانَا جَعَلَاهُ صَدَاقًا». أخرجها أبو يعلى (٧٣٧٠)، وابن حبان (٤١٥٣) مِنْ طَرِيْقِ يعقوب به.
وَقَالَ صَاحِبُ [عَوْنِ الْمَعْبُودِ] (٦/ ٨٧):
«"وكانا جعلا صداقًا": مفعول جعلا الأول محذوف أي: كانا جعلا إنكاح كل واحد منهما الآخر ابنته صداقًا» اهـ.
٤ - ويؤخذ منه تحريم النكاح المشروط فيه نفي المهر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٣ - ٦٤):
«وتنازعوا في "النكاح إذا شرط فيه نفي المهر" هل يصح النكاح؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: يبطل النكاح كقول مالك.
والثاني: يصح ويجب مهر المثل كقول أبي حنيفة والشافعي. والأولون يقولون: هو "نكاح الشغار" الذي أبطله النبي ﷺ لأنَّه نفى فيه المهر وجعل البضع مهرًا للبضع. وهذا تعليل أحمد بن حنبل في غير موضع من كلامه؛ وهذا
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
تعليل أكثر قدماء أصحابه. والآخرون: منهم من يصحح نكاح الشغار كأبي حنيفة؛ وقوله أقيس على هذا الأصل؛ لكنه مخالف للنص وآثار الصحابة فإنَّهم أبطلوا نكاح الشغار. ومنهم من يبطله ويعلل البطلان إمَّا بدعوى التشريك في البضع وإمَّا بغير ذلك من العلل كما يفعله أصحاب الشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد: كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. "والقول الأول" أشبه بالنص والقياس الصحيح كما قد بسط في موضعه» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على وجوب المهر في النكاح قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢١٣): «قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة: المهر.
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: نحلة: فريضة. وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة: أي فريضة. زاد ابن جريج: مسماه. وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلَّا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلَّا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
ومضمون كلامهم: أنَّ الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا طيبًا».
وقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].
ولو جاز النكاح بنفي المهر لجاز نكاح الهبة لغير النبي ﷺ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٢٢):
«فلما أحل له أن ينكح الموهوبة بين أنَّ ذلك خالص له من دون المؤمنين فليس لأحد أن ينكح امرأة بلا مهر غيره ﷺ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٤):
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
«لما جوز للنبي ﷺ أن يتزوج بلا مهر فرض عليهم أن لا يتزوجوا بلا مهر. وكذلك دل عليه القرآن في غير موضع فلا بد من مهر مسمى مفروض أو مسكوت عن فرضه، ثم إن فرض ما تراضيا به وإلَّا فلها مهر نسائها كما قضى به النبي ﷺ في بروع بنت واشق» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ٣٨١ ]