٣٠٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم متعة النساء، وصورة المتعة أن يلقى رجل امرأة فيعرض عليها التمتع، ويذكر الصيغة بأن يقول لها أريد التمتع بك، وتقول متعتك بنفسي أو نحوها، ويتفقان على المهر، ويحددان المدة.
ولا يشترط فيه الولي.
وقد دلت الأدلة الكثيرة على تحريمها، وإليك بعض الأدلة في ذلك:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، و[المعارج: ٣١].
وهذه الآية تدل على تحريم المتعة، وذلك أنَّ المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا ملك يمين.
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
قُلْتُ: والمتمتع غير محصِن بمن تمتع بها عن غيره، ولا يجوز للرجل أن ينكح امرأة لا يحصنها من غيره.
وروى مسلم (١٤٠٦) عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا».
إلى غير ذلك من الأدلة المتكاثرة في الباب.
قُلْتُ: ومع هذه الأدلة الصريحة وغيرها الدالة على تحريم المتعة بالنساء فلم يزل الرافضة يتقربون إلى الله ﷿ بهذه الفاحشة، وشأنهم في ذلك كما قال الله
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
وقد أجازت الرافضة التمتع بالنساء ولو بغير إذن أوليائهن، وأجازوا التمتع بالأبكار والثيبات، والمسلمات والكافرات على شتى مللهن كالمجوسيات والكتابيات والوثنيات والملحدات، وأجازوا التمتع بالزواني مع إصرارهن على الزنا، وأجازوا التمتع حتى بالنساء المتزوجات، وأجاز خمينيهم التمتع بالرضيعات لكن عن طريق المفاخذة من غير إيلاج، وأجازوا التمتع بهن في كل شيء حتى في الدبر، ومنهم من أجاز التمتع حتى بالذكران، ويقول قائلهم: إذا خشيت الضرر فعليك بالذكر.
ومن غلو الروافض في المتعة ما قاله قائلهم: «من تمتع بامرأة مؤمنة كأنَّما زار الكعبة سبعين مرة».
كما في [كَشْفِ الْأَسْرَارِ] للموسوي ص (٣٥).
وذكر فتح الله الكاشاني في [تَفْسِيْرِ مَنْهَجِ الصَّادِقْيْنَ] ص (٣٥٦)، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين ﵇، ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ﵇، ومن تمتع ثلاث
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
مرات كان درجته كدرجة علي ابن أبي طالب ﵇، ومن تمتع أربع مرات فدرجته كدرجتي».
ونقل المفيد في كتابه [الُمتْعَةِ] ص (٩) عن أبي عبد الله قال: «ما من رجل تمتع ثم اغتسل، إلَّا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكًا يستغفرون له إلى يوم القيامة، ويلعنون متجنبها إلى أن تقوم الساعة».
قُلْتُ: وقد كان في حل المتعة نزاع قديم ثم استقر الإجماع على تحريمها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٧٣ - ١٧٤):
«وقد اختلف السلف في نكاح المتعة قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلَّا بعض الرافضة ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله.
وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلَّا الروافض، وأمَّا ابن عباس فروى عنه أنَّه أباحها وروى عنه أنَّه رجع عن ذلك.
قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروى عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنه أصح وهو مذهب الشيعة، قال: واجمعوا على أنَّه متى وقع الآن أبطل سواء كان قبل الدخول أم بعده إلَّا قول زفر
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
أنَّه جعلها كالشروط الفاسدة ويرده قوله ﷺ: "فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها". قُلْتُ: وهو في حديث الربيع بن سبرة عن أبيه عند مسلم.
وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلَّا عن بعض الشيعة ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته فقد صح عن علي أنَّها نسخت. ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنَّه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه. قال الخطابي: ويحكى عن ابن جريج جوازها اهـ.
وقد نقل أبو عوانة في "صحيحه" عن ابن جريج أنَّه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانية عشر حديثًا.
وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز خطأ فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى ابطلوا توقيت الحل بسببه فقالوا لو علق على وقت لا بد من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنَّه توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة. قال عياض: وأجمعوا على أنَّ شرط البطلان التصريح بالشرط فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلَّا الأوزاعي فأبطله واختلفوا هل يحد ناكح
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
المتعة أو يعزر على قولين مأخذهما أنَّ الاتفاق بعد الخلاف هل يرفع الخلاف المتقدم.
وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أنَّ زمن إباحة المتعة لم يطل وأنَّه حرم ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلَّا من لا يلتفت إليه من الروافض، وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها فهي من المسألة المشهورة وهي ندرة المخالف.
ولكن قال ابن عبد البر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن على إباحتها ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها.
وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول الله ﷺ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف وجابر وعمرو بن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال ومن التابعين طاووس وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة.
قُلْتُ: وفي جميع ما أطلقه نظر أمَّا ابن مسعود فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح وقد بينت فيه ما نقله الإسماعيلي من الزيادة فيه المصرحة عنه
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
بالتحريم وقد أخرجه أبو عوانة مِنْ طَرِيْقِ أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد وفي آخره: ففعلنا ثم ترك ذلك. وأمَّا معاوية فأخرجه عبد الرزاق مِنْ طَرِيْقِ صفوان بن يعلى بن أمية أخبرني يعلى أنَّ معاوية استمتع بامرأة بالطائف وإسناده صحيح لكن في رواية أبي الزبير عن جابر عند عبد الرزاق أيضًا أنَّ ذلك كان قديمًا ولفظه: استمتع معاوية مقدمة الطائف بمولاة لبني الحضرمي يقال لها معانة. قال جابر: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية فكان يرسل إليها بجائزة كل عام وقد كان معاوية متبعًا لعمر مقتديًا به فلا يشك أنَّه عمل بقوله بعد النهي ومن ثم قال الطحاوي: خطب عمر فنهى عن المتعة ونقل ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فلم ينكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه. وأمَّا أبو سعيد فأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنَّ عطاء قال: أخبرني من شئت عن أبي سعيد قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقًا. وهذا مع كونه ضعيفًا للجهل بأحد رواته ليس فيه التصريح بأنَّه كان بعد النبي ﷺ. وأمَّا ابن عباس فتقدم النقل عنه والاختلاف هل رجع أو لا وأمَّا سلمة ومعبد فقصتهما واحدة اختلف فيها هل وقعت لهذا أو لهذا فروى عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس قال: لم يرع عمر إلَّا أم
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
أراكة قد خرجت حبلى فسألها عمر فقالت استمتع بي سلمة بن أمية، وأخرج مِنْ طَرِيْقِ أبي الزبير عن طاووس فسماه معبد بن أمية. وأمَّا جابر فمستنده قَوْلُهُ: فعلناها. وقد بينته قبل. ووقع في رواية أبي نصرة عن جابر عند مسلم: فنهانا عمر فلم نفعله بعد. فإن كان قوله فعلنا يعم جميع الصحابة فقَوْلُهُ: ثم لم نعد يعم جميع الصحابة فيكون إجماعًا. وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيناها. وأمَّا عمرو بن حريث، وكذا قوله رواه جابر عن جميع الصحابة فعجيب وإنَّما قال جابر: فعلناها. وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة بل يصدق على فعل نفسه وحده، وأمَّا ما ذكره عن التابعين فهو عند عبد الرزاق عنهم بأسانيد صحيحة، وقد ثبت عن جابر عند مسلم فعلناها مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عمر فلم نعد لها فهذا يرد عدة جابر فيمن ثبت على تحليلها، وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها لثبوت قوله ﷺ أنَّها حرام إلى يوم القيامة. قال: فأمنا بهذا القول نسخ التحريم والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٦١ - ٤٦٢):
«ولكن ههنا نظر آخر، وهو أنَّه: هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرمها عند الاستغناء عنها، وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسع فيها من توسع، ولم يقف عند الضرورة، أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلها، ورجع عنه، وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾، ففي "الصحيحين" عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا، إنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: الرد على من يحرمها، وأنَّها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله ﷺ.
والثاني: أن يكون أراد آخر هذه الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقًا، وأنَّه معتد، فإنَّ رسول الله ﷺ إنَّما رخص فيها للضرورة، وعند الحاجة في الغزو، وعند عدم النساء، وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء، وإمكان النكاح المعتاد، فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين» اهـ.
قُلْتُ: وليس من المتعة النكاح بنية الطلاق إلى أجل معين إذا لم يكن ذلك مشروطًا في العقد ولا قبله.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٧٦):
«قال القاضي: وأجمعوا على أنَّ من نكح نكاحًا مطلقًا ونيته ألَّا يمكث معها إلَّا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة، وإنَّما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس، وشذ الأوزاعي فقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥٧): «فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلَّا أنَّ في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح، في قول عامة أهل العلم، إلَّا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة.
والصحيح أنَّه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحسبه إن وافقته، وإلَّا طلقها» اهـ.
لَكِنْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٤٢): «ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكر أنَّه لا بأس به تصريحًا إلَّا أبا محمد» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٧ - ١٤٨):
[ ١٠ / ٣٩١ ]
«والصحيح أنَّ هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم؛ وذلك أنَّه قاصد للنكاح وراغب فيه؛ بخلاف المحلل؛ لكن لا يريد دوام المرأة معه. وهذا ليس بشرط؛ فإنَّ دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها. فإذا قصد أن يطلقها بعده مدة فقد قصد أمرًا جائزًا؛ بخلاف نكاح المتعة فإنَّه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء المدة؛ ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل. وأمَّا هذا فملكه ثابت مطلق وقد تتغير نيته فيمسكها دائمًا؛ وذلك جائز له كما أنَّه لو تزوج بنية إمساكها دائمًا ثم بدا له طلاقها جاز ذلك ولو تزوجها بنية أنَّها إذا أعجبته أمسكها وإلَّا فارقها: جاز؛ ولكن هذا لا يشترط في العقد لكن لو شرط أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان: فهذا موجب العقد شرعًا؛ وهو شرط صحيح عند جمهور العلماء ولزمه موجب الشرع: كاشتراط النبي ﷺ في عقد البيع بيع المسلم للمسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة. وهذا موجب العقد. وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أن يطلقها بعد مدة ولم يقل أحد: إنَّ ذلك متعة. وهذا أيضًا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام به ولو قدر أنَّه نواه في وقت بعينه فقد تتغير نيته فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة وعزم الطلاق لو قدر بعد عقد
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
النكاح لم يبطله ولم يكره مقامه مع المرأة - وإن نوى طلاقها - من غير نزاع نعلمه في ذلك» اهـ.
قُلْتُ: ما نقل عن الحسن أنَّه كان كثير الطلاق يحتاج فيه إلى نقل صحيح.
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٥) قَالَ: نا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَوْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لَا تُزَوِّجُوا حَسَنًا، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِطْلَاقٌ». فَلَا يَصِحُّ لإرساله فأبو جعفر الباقر محمد بن الحسين لم يسمع من جده علي بن أبي طالب ﵁.
وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى - مُتَمِمِ الصَّحَابَةِ - الطَّبَقَةِ الْخَامِسَةِ] (١/ ٢٩٠) رقم (٢٤٣) قال: أخبرنا عفان بن مسلم. قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا ابن عون. عن محمد. قال: «خطب الحسن بن علي. فلما اجتمعوا للملاك. قال: إني لأزوجك وإني لأعلم أنك علق طلق ملق ولكنك خير العرب نفسًا وأرفعها بيتا فزوجه. قال محمد: وكان الحسن ابن علي إذا أراد أن يطلق إحدى نسائه- قال: وكان مطلاقا- قال: فيجلس إليها فيقول أيسرك أن أهب لك كذا وكذا؟ هو لك مرارًا فيما وصف ثم يخرج فيرسل إليها بطلاقها».
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
قُلْتُ: إِسْنادُهُ صَحِيْحٌ لَوْ لَا أَنَّهُ مُرْسَلٌ فمحمد بن سيرين لا يصح له سماع من الحسن.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [إِقَامَةِ الدَّلِيْلِ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْلِيْلِ] (١/ ١٤ -): «لكن المنصوص عن الإمام أحمد كراهة هذا النكاح، وقال: هو متعة، فعلم أنَّها كراهة تحريم، وهذا الذي عليه عامة أصحابه. وقال في موضع آخر: يشبه المتعة. فعلى هذا يجوز أن يريد به التنزيه دون التحريم، وممن حرمه الأوزاعي. واختلفت فيه المالكية، والذي ذكره بعضهم أنَّه إذا تزوج المسافر امرأة ليستمتع بها ويفارقها إذا سافر، فهو على ثلاثة أوجه. فإن شرطا ذلك كان فاسدًا وهو نكاح متعة، واختلف إذا فهمت ذلك. أو لم يشترط، فقال محمد بن عبد الحكم: النكاح باطل، وروى ابن وهب عن مالك جوازه، فقال: إنَّما يكره التي ينكحها على أن لا يقيم وعلى ذلك يأتي، وروى عنه أشهب أنَّه قال: إذا أخبرها قبل أن ينكح، ثم أراد إمساكها فلا يقيم عليها ولا يمسكها وليفارقها.
قال مالك: إن تزوج لعزبة، أو هوى لقضاء أربه ويفارق فلا بأس، ولا أحسب إلَّا أنَّ من النساء من لو علمت ذلك لما رضيت.
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
الثاني: أنَّ أحمد قال في رواية عبد الله: إذا تزوجها ومن نيته أن يطلقها أكرهه هذه متعة، ونقل عنه أبو داود: إذا تزوجها على أن يحملها إلى خراسان ومن رأيه إذا حملها أن يخلي سبيلها، فقال: لا، هذا يشبه المتعة حتى يتزوجها على أنَّها امرأته ما حييت، وهذا يبين أنَّ هذه كراهة تحريم، لأنَّه جعل هذا متعة، والمتعة حرام عنده، وكذلك قال القاضي، في خلافه: ظاهر هذا إبطال العقد، وكذلك استدرك بعض أصحابنا على أبي الخطاب يقول أحمد هذه متعة.
قال: فهذا يدل على أنَّها كراهة تحريم، لكن قول أبي الخطاب يقوى في رواية أبي داود، فإنَّه قال: يشبه المتعة، والمشبه بالشيء قد ينقص عنه، لأنَّ ظاهر الرواية المنع، لأنَّه قال: حتى يتزوجها على أنَّها امرأته ما حييت في الجملة، أمَّا إذا نوى أن يتزوجها ليحلها، فلم يذكر عن أحمد فيه لفظ محتمل لعدم التحريم، وأمَّا إذا نوى أن يطلقها في وقت فقد نص على التحريم في رواية، والرواية الأخرى من أصحابنا من جعلها مثل تلك الرواية، ومنهم من قال تقتضي الكراهة دون التحريم، وعلى قول الشيخ أبي محمد: لا بأس به» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في ذلك العلماء المعاصرون.
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
فأفتى بجواز ذلك العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ فقد جاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٤/ ٢٩ - ٣٠):
«سمعت لك فتوى على أحد الأشرطة بجواز الزواج في بلاد الغربة، وهو ينوي تركها بعد فترة معينة، لحين انتهاء الدورة أو الابتعاث. فما هو الفرق بين هذا الزواج وزواج المتعة، وماذا لو أنجبت زوجته طفلة، هل يتركها في بلاد الغربة مع أمها المطلقة أرجو الإيضاح؟
ج ٤: نعم لقد صدر فتوى من اللجنة الدائمة وأنا رئيسها بجواز النكاح بنية الطلاق إذا كان ذلك بين العبد وبين ربه، إذا تزوج في بلاد غربة ونيته أنَّه متي انتهى من دراسته أو من كونه موظفًا وما أشبه ذلك أن يطلق فلا بأس بهذا عند جمهور العلماء، وهذه النية تكون بينه وبين الله سبحانه، وليست شرطًا.
والفرق بينه وبين المتعة: أنَّ نكاح المتعة يكون فيه شرط مدة معلومة كشهر أو شهرين أو سنة أو سنتين ونحو ذلك، فإذا انقضت المدة المذكورة انفسخ النكاح، هذا هو نكاح المتعة الباطل، أمَّا كونه تزوجها على سنة الله ورسوله، ولكن في قلبه أنَّه متى انتهى من البلد سوف يطلقها، فهذا لا يضره وهذه النية قد تتغير وليست معلومة وليست شرطًا بل هي بينه وبين الله فلا يضره ذلك، وهذا من أسباب
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
عفته عن الزنى والفواحش، وهذا قول جمهور أهل العلم، حكاه عنهم صاحب المغني موفق الدين ابن قدامة ﵀» اهـ.
وللجنة الدائمة فتوى بحرمته برئاسة عبد العزيز آل الشيخ فقد جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٨/ ٤٤٨ - ٤٤٩):
«س: انتشر بين أوساط الشباب السفر خارج البلاد للزواج بنية الطلاق، والزواج هو الهدف في السفر استنادًا على فتوى بهذا الخصوص، وقد فهم الكثير من الناس الفتوى خطأ، فما حكم هذا؟
ج: الزواج بنية الطلاق زواج مؤقت، والزواج المؤقت زواج باطل؛ لأنَّه متعة، والمتعة محرمة بالإجماع، والزواج الصحيح: أن يتزوج بنية بقاء الزوجية والاستمرار فيها، فإن صلحت له الزوجة وناسبت له وإلَّا طلقها، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ» اهـ.
والعلامة ابن عثيمين ﵀ يفتي بحرمته لا لكونه من نكاح المتعة ولكن لما فيه من الغش والخداع للزوجة ولأهلها.
وذهب ﵀ أنَّ من سافر لبعض البلدان من أجل ذلك فهذا زان فقد جاء في "لقاء الباب المفتوح":
«س/ فضيلة الشيخ: سمعتُ بعض الشباب في هذه الإجازة يقولون: نحن لا نقدر على الزواج، ونريد أن نذهب إلى بعض البلدان ونتزوج بنية الطلاق، فما حكم فعلهم؟
ج/ ما شاء الله، هؤلاء ذهبوا للزنا، فإذا فعلوا ذلك فهم زناة؛ لأنَّ الذين أجازوا النكاح بنية الطلاق من أهل العلم إنَّما أرادوا الرجل الغريب الذي ذهب لغير هذا القصد، ذهب لتجارة، أو لطلب علم، أو لعلاج وبقوا هناك، فهنا اختلف العلماء: هل له أن يتزوج بنية الطلاق أم لا يجوز؟ فمنهم من جوَّزه، ومنهم من منعه، وأمَّا أن يذهب لهذا الغرض فلا شك أنَّ هذا زنا، وأنَّه لا يقول به أحد من الناس أبدًا» اهـ.
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
قُلْتُ: من أجاز ذلك ممن تقدم من أهل العلم لم يقيده بما ذكره العلامة ابن عثيمين ﵀ فإنَّهم لم يفرقوا بين حضر وسفر، وبين من سافر لغرض غير الزواج ومن سافر بنية الزواج، وأي فرق بين رجل بقى في بلده وصار يتزوج بنية الطلاق، وبين آخر سافر بنية الزواج، وقد كان الحسن بن علي ﵁ كثير النكاح كثير الطلاق حتى قيل أنَّه أحصن سبعين امرأة وظاهر الحال أنَّه كان ينكح وفي نيته الفراق ومع هذا لم ينكر عليه أحد من الصحابة ولم يقولوا له هذا متعة أو زنا. وقد سبق أن ذكرت قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أن يطلقها بعد مدة ولم يقل أحد: إنَّ ذلك متعة» اهـ.
وسبق قول الإمام مالك ﵀: «إن تزوج لعزبة، أو هوى لقضاء أربه ويفارق فلا بأس، ولا أحسب إلَّا أنَّ من النساء من لو علمت ذلك لما رضيت» اهـ.
وسبق أن ذكرت كلام القاضي عياض وهو قَوْلُهُ: «وأجمعوا على أنَّ من نكح نكاحًا مطلقًا ونيته ألَّا يمكث معها إلَّا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة» اهـ.
ولم يفرق بين حضر وسفر وبين من سافر لغرض غير النكاح أو لغرض النكاح.
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
وكون بعض الفقهاء ذكر ذلك فإنَّهم لم يذكروا ذلك شرطًا في حله لكن باعتبار الحالة الغالبة وهي أنَّ غالب من يفعل ذلك يكون بعيدًا عن أهله؛ ولهذا تجدهم يعطفون بينها وبين غيرها كقول ابن قدامة السابق: «فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلَّا أنَّ في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح، في قول عامة أهل العلم، إلَّا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة» اهـ.
فذكر ﵀ نية طلاقها بعد شهر ولم يقيد ذلك بشيء ثم عطف عليه قَوْلُهُ: «أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد».
والذي يظهر لي في هذا النكاح أنَّه لا يدخل في نكاح المتعة لأنَّه ليس بنكاح مؤقت بأجل ولا مشروط فيه الطلاق، وكونه مع ذلك نوى الطلاق فقد نوى ما يباح له ولكنني أكره كراهة شديدة لأنَّ المرأة لو علمت بذلك لما رضيت به، وهكذا أوليائها إذا علموا بذلك لما رضوا به.
فإن قيل: قد ذهب أصحاب رسول الله ﷺ وعامة التابعين لهم بإحسان، وعامة فقهاء الإسلام، مثل: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وهؤلاء الأربعة أركان التابعين.
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
ومثل: أبي الشعثاء جابر بن زيد، والشعبي، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وهو مذهب مالك بن أنس، وجميع أصحابه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وهؤلاء الأربعة أركان تابعي التابعين، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في فقهاء الحديث، منهم: إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وسليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني وغيرهم، وهو قول للشافعي إلى حرمة أن يتزوج الرجل بامرأة بنية التحليل من غير أن تعلم المرأة بذلك ولا طليقها ولا أولياؤها وجعلوا ذلك من التحليل، فأي فرق بين نية التحليل ونية المتعة.
أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ فِي [إِقَامَةِ الدَّلِيْلِ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْلِيْلِ] (١/ ١٤):
«وبينهما فرق بين فإن المحلل لا رغبة له في النكاح أصلًا، وإنَّما غرضه إعادتها إلى المطلق، والمستمتع له رغبة في النكاح إلى مدة، ولهذا أبيح نكاح المتعة في بعض الأوقات، ثم حرم ولم يبح التحليل قط» اهـ.
قُلْتُ: ولو تزوج امرأة واشترط أن يطلقها في أجل معلوم أو مجهول فهو نكاح متعة على الصحيح.
[ ١٠ / ٤٠١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥٨): «مسألة؛ قال: "ولو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه، لم ينعقد النكاح".
يعني إذا تزوجها بشرط أن يطلقها في وقت معين، لم يصح النكاح سواء كان معلومًا أو مجهولًا، مثل أن يشترط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو أخوها.
وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط.
وهو أظهر قولي الشافعي، قاله في عامة كتبه؛ لأنَّ النكاح وقع مطلقًا، وإنَّما شرط على نفسه شرطًا، وذلك لا يؤثر فيه، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها، ولا يسافر بها.
ولنا، أنَّ هذا شرط مانع من بقاء النكاح، فأشبه نكاح المتعة، ويفارق ما قاسوا عليه، فإنَّه لم يشترط قطع النكاح» اهـ.
٢ - احتج بالحديث من قال: إنَّ المتعة حرمت يوم خيبر، والذي يظهر لي أنَّها حرمت في فتح مكة، وذلك لما رواه مسلم (١٤٠٦) عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، أَنَّ أَبَاهُ، غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ، قَالَ: «فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي وَلِي عَلَيْهِ فَضْلٌ فِي الْجَمَالِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الدَّمَامَةِ مَعَ
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ فَبُرْدِي خَلَقٌ وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ أَوْ بِأَعْلَاهَا فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ فَقُلْنَا هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا. قَالَتْ: وَمَاذَا تَبْذُلَانِ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا فَقَالَ إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ وَبُرْدِي جَدِيدٌ غَضٌّ. فَتَقُولُ: بُرْدُ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٢٧٨): «قال صاحب "العين": العَنَطْنَطَة: الطويلة العنق مع حسن قوام. والعنط: طوال العنق» اهـ.
وأمَّا ما جاء في مسلم (١٤٠٥) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ، فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا». فعام أوطاس هو عام الفتح، وأوطاس وادٍ في الطائف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٦٢): «وعام أوطاس: هو عام الفتح، لأنَّ غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١١١): «وأمَّا نكاح المتعة، فثبت عنه أنَّه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنَّه نهى عنها عام الفتح واختلف هل نهى عنها يوم
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
خيبر؟ على قولين، والصحيح: أنَّ النهى إنَّما كان عام الفتح، وأنَّ النهى يوم خيبر إنَّما كان عن الحمر الأهلية، وإنَّما قال عليٌّ لابن عباس: إنَّ رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجًا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أنَّ التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين وقيده بيوم خيبر» اهـ.
ويدل على ذلك أنَّ الحديث جاء في البخاري (٥١١٥) حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، زَمَنَ خَيْبَرَ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٧٠) - بعد ذكره للأحاديث المختلفة في وقت تحريم المتعة -: «فلم يبق من المواطن كما قلنا صحيحًا صريحًا سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم» اهـ.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
٣ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٧٠): «والحكمة في جمع على بين النهي عن الحمر والمتعة أنَّ ابن عباس كان يرخص في الأمرين معًا» اهـ.
٤ - وفي الحديث تحريم لحوم الحمر الأهلية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٨٩):
«وفي هذا تحريم لحوم الحمر الإنسية، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلَّا طائفة يسيرة من السلف، فقد روي عن ابن عباس وعائشة وبعض السلف إباحته، وروي عنهم تحريمه، وروي عن مالك كراهته وتحريمه» اهـ.
٥ - وفيه ما يدل على حل الحمر الوحشية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٥): «والتقييد بالأهلية: يخرج الحمر الوحشية ولا خلاف في إباحتها» اهـ.
* * *
[ ١٠ / ٤٠٥ ]