قالوا: وإذا ثبت بالسنة وأقوال الصحابة، ودلالة القرآن، أنَّ فرقة الخلع ليست بطلاق، بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما، فكيف تكون فرقة اللعان طلاقًا؟» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٦٥):
«فَصْلٌ: وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، تَخْتَصُّ النِّكَاحَ، فَكَانَتْ طَلَاقًا، كَالْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَنَا أَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَسَائِرِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا، لَوَقَعَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ» اهـ.
٦ - واستدل به من قال: إنَّ اللعان لا يكون إلَّا عند الحاكم، وهو كذلك لما فيه من التغليظ، ولما يترتب عليه من الأحكام المغلظة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٥): «ومنها: أنَّ النَّبي ﷺ أمره بأن يأتي بها، فتلاعنا بحضرته، فكان في هذا بيان أنَّ اللعان إنَّما يكون بحضرة الإمام أو نائبة، وأنَّه ليس لآحاد الرعية أن يلاعن بينهما، كما أنَّه ليس له إقامة الحد، بل هو للإمام أو نائبه» اهـ.
[ ١١ / ٢٠٥ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٢/ ١٩٣):
«وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْحُكَّامِ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ» اهـ.
قُلْتُ: والتغليظ في اللعان يكون بعدة أشياء:
الأول: التغليظ في ألفاظه.
الثاني: أن يكون بمجمع من الناس.
فقد جاء في البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
الثالث: أنَّ يكون في المسجد.
فقد روى البخاري (٤٢٣)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٩١):
[ ١١ / ٢٠٦ ]
«وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٢١):
«فِيهِ أَنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ الامام أو القاضي وَبِمَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ تَغْلِيظِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ تَغْلِيظٌ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمْعِ فَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ وَالْمَكَانُ فِي أَشْرَفِ مَوْضِعٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَالْجَمْعُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهَلْ هَذِهِ التَّغْلِيظَاتُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَنَا الْأَصَحُّ الِاسْتِحْبَابُ» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ اللعان يرفع عن الرجل حد القذف، ويرفع عن المرأة حد الزنا.
ولهذا فإنَّ النبي ﷺ لم يقم الحد على واحد منهما.
قُلْتُ: وإذا حصل النكول من أحدهما أقيم عليه الحد على الصحيح من أقوال العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦): «وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله ﷺ، وهو أنَّ المرأة إذا لم تلتعن، فهل تحد أو تحبس حتى تقر، أو تلاعن؟ فيه قولان للفقهاء:
[ ١١ / ٢٠٧ ]
فقال الشافعي، وجماعة من السلف والخلف: تحد، وهو قول أهل الحجاز.
وقال أحمد: تحبس حتى تقر أو تلاعن، وهو قول أهل العراق. وعنه رواية ثانية: لا تحبس ويخلى سبيلها».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩): «قال الموجبون للحد: معلوم أنَّ الله ﷾ جعل التعان الزوج بدلًا عن الشهود، وقائمًا مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم، وصرح بأنَّ لعانهم شهادة، وأوضح ذلك بقَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَؤا عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، وهذا يدل على أنَّ سبب العذاب الدنيوي قد وجد، وأنَّه لا يدفعه عنها إلَّا لعانها، والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وهذا عذاب الحد قطعًا، فذكره مضافًا، ومعرفًا بلام العهد، فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم تذكر في اللفظ، ولا دل عليها بوجه من حبس أو غيره، فكيف يخلى سبيلها، ويدرأ عنها العذاب بغير لعان، وهل هذا إلَّا مخالفة لظاهر القرآن؟.
قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئًا لحد القذف عنه، وجعل لعان الزوجة دارئًا لعذاب حد الزنى عنها، فكما أنَّ الزوج إذا لم يلاعن يحد حد القذف، فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد».
[ ١١ / ٢٠٨ ]
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره، فجوابه: أنَّ العذاب المذكور، إمَّا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعًا، فإنَّ لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها، وإنَّما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعًا فإنَّه عذاب المحدود، وهو فداء له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب، كيف وقد صرح به في أول السورة بقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم أعاده بعينه بقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها، فأين هنا عذاب غيره حتي تفسر الآية به؟ وإذا تبين هذا، فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه، ولا نرتضي إلَّا إياه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه، فما حكم نكوله؟ قلنا: يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة، وهذا الخلاف مبنى على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه؟
[ ١١ / ٢٠٩ ]
فالأول: قول الجمهور.
والثاني: قول أبو حنيفة، واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وبقوله ﷺ لهلال بن أمية: "البينة أوحد في ظهرك"، وبقوله له: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "، وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه، لم يكن لهذا معنى، وبأنَّه قذف حرة عفيفة يجرى بينه وبينها القود، فحد بقذفها كالأجنبي، وبأنَّه لو لاعنها، ثم أكذب نفسه بعد لعنها، لوجب عليه الحد، فدل على أنَّ قذفه سبب لوجوب الحد عليه، وله إسقاطه باللعان، إذ لو لم يكن سببًا لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين، إمَّا لعانه، وإمَّا إقرارها، فإذا لم يلاعن، حبس حتى يلاعن، إلَّا أن تقر فيزول موجب الدعوى، وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنَّه لا حق له عند المقذوفة، فكان قاذفًا محضًا، والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه على عرضها، فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه، فإذا لم يلاعن
[ ١١ / ٢١٠ ]
مع قدرته على اللعان، وتمكنه منه، عمل مقتضى القذف عمله، واستقل بإيجاب الحد، إذ لا معارض له، وبالله التوفيق» اهـ.
٨ - وفيه أنَّ مهر الملاعنة مستقر بالدخول.
٩ - وأخذ من تسمية اللعان شهادة من اشترط في اللعان أن يكون من زوجين مسلمين عدلين، فلا يصح اللعان من فاسق ولا كافر. وذهب إلى هذا القول أهل الرأي، والأوزاعي، والثوري، وهو رواية عن أحمد.
وذهب الإمام أحمد في الرواية الأخرى، مالك وإسحاق وقول سعيد بن المسيب، والحسن، وربيعة، وسليمان بن يسار إلى أنَّ الأزواج يلتعنون، الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والمسلم من اليهودية والنصرانية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٥): «ومأخذ القولين: أنَّ اللعان يجمع وصفين، اليمين والشهادة، وقد سماه الله سبحانه شهادة، وسماه رسول الله ﷺ يمينًا حيث يقول: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن"، فمن غلب عليه حكم الأيمان قال: يصح من كل من يصح يمينه.
[ ١١ / ٢١١ ]
قالوا: ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ قالوا: وقد سماه رسول الله ﷺ يمينًا.
قالوا: ولأنَّه مفتقر إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه.
قالوا: ولأنَّه يستوي فيه الذكر والأنثى، بخلاف الشهادة.
قالوا: ولو كان شهادة، لما تكرر لفظه، بخلاف اليمين، فإنَّه قد يشرع فيها التكرار، كأيمان القَسَامة. قالوا: ولأنَّ حاجة الزوج التي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد، كحاجة من تصح شهادته سواء، والأمر الذى ينزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذي ينزل بالعدل الحر، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين، وتجعل له فرجًا ومخرجًا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال، لا فرج له مما نزل به، ولا مخرج، بل يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت، سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وهذا تأباه الشريعة الواسعة الحنيفية السمحة.
قال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُم فَشَهَادَةُ أَحَدِهمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾، وفي الآية دليل من ثلاثة أوجه.
[ ١١ / ٢١٢ ]
أحدها: أنَّه سبحانه استثنى أنفسهم من الشهداء، وهذا استثناء متصل قطعًا، ولهذا جاء مرفوعًا.
والثاني: أنَّه صرح بأنَّ التعانهم شهادة، ثم زاد سبحانه هذا بيانًا، فقال: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبينَ﴾.
والثالث: أنَّه جعله بدلًا من الشهود، وقائمًا مقامهم عند عدمهم.
قالوا: وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا لعان بين مملوكين ولا كافرين"، ذكره أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد".
وذكر الدارقطني من حديثه أيضًا، عن أبيه، عن جده مرفوعا: "أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان".
وذكر عبد الرزاق في "مصنفه"، عن ابن شهاب، قال: من وصية النبي ﷺ لعتاب بن أسيد: أن لا لعان بين أربع، فذكر معناه.
[ ١١ / ٢١٣ ]
قالوا: ولأنَّ اللعان جعل بدل الشهادة، وقائمًا مقامها عند عدمها، فلا يصح إلَّا ممن تصح منه، ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج، ونكولها تنزيلًا للعانه منزلة أربعة شهود.
قالوا: وأمَّا الحديث: "لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن"، فالمحفوظ فيه: لولا ما مضى من كتاب الله، هذا لفظ البخاري في "صحيحه". وأمَّا قَوْلُهُ: "لولا ما مضى من الأيمان"، فمن رواية عباد بن منصور، وقد تكلم فيه غير واحد. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال على بن الحسين بن الجنيد الرازي: متروك قدري. وقال النسائي: ضعيف.
وقد استقرت قاعدة الشريعة أنَّ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، والزوج ها هنا مدع، فلعانه شهادة، ولو كان يمينًا لم تشرع في جانبه.
قال الأولون: أَّما تسميته شهادة، فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله، فسمى بذلك شهادة، وإن كان يمينًا اعتبارًا بلفظها. قالوا: وكيف وهو مصرح فيه بالقسم وجوابه، وكذلك لو قال: أشهد بالله، انعقدت يمينه فبذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يمينًا في لغتها واستعمالها. قال قيس:
فأشهد عند الله أني أحبها … فهذا لها عندي فما عندها ليا
[ ١١ / ٢١٤ ]
وفي هذا حجة لمن قال: إنَّ قَوْلَهُ: "أشهد" تنعقد به اليمين، ولو لم يقل: بالله، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية، لا يكون يمينًا إلَّا بالنية، وهو قول الأكثرين. كما أنَّ قَوْلَهُ: أشهد بالله يمين عند الأكثرين بمطلقة.
قالوا: وأمَّا استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء، فيقال أولًا: "إلَّا" ها هنا: صفة بمعنى غير، والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، فإنَّ "غير"، و"إلَّا" يتعارضان الوصفية والاستثناء، فيستثنى بـ "غير" حملًا على "إلَّا"، ويوصف بـ "إلَّا" حملًا على "غير".
ويقال ثانيًا: إنَّ "أنفسهم" مستثنى من الشهداء، ولكن يجوز أن يكون منقطعًا على لغة بني تميم، فإنَّهم يبدلون في الانقطاع، كما يبدل أهل الحجاز وهم في الاتصال.
ويقال ثالثًا: إنَّما استثنى "أنفسهم" من الشهداء لأنَّه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم، وهذا قوي جدًا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. والصحيح: أنَّ لعانهم يجمع الوصفين، اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر.
ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع.
[ ١١ / ٢١٥ ]
أحدها: ذكر لفظ الشهادة.
الثاني: ذكر القسم بأحد أسماء الرب سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى، وهو اسم الله جل ذكره.
الثالث: تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه، من "إن، واللام"، وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب.
الرابع: تكرار ذلك أربع مرات.
الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين.
السادس: إخباره عند الخامسة أنَّها الموجبة لعذاب الله وأنَّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
السابع: جعل لعانه مقتضى لحصول العذاب عليها، وهو إمَّا الحد أو الحبس، وجعل لعانها دارئًا للعذاب عنها.
الثامن: أنَّ هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة.
التاسع: التفريق بين المتلاعنين، وخراب بيتها، وكسرها بالفراق.
العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما، فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن، جعل يمينًا مقرونًا بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن
[ ١١ / ٢١٦ ]
لقبول قوله كالشاهد، فإن نكلت المرأة، مضت شهادته وحدت، وأفادت شهادته ويمينه شيئين: سقوط الحد عنه، ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها، أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجبه عليها، فكان شهادة ويمينًا بالنسبة إليه دونها، لأنَّه إن كان يمينًا محضة فهي لا تحد بمجرد حلفه، وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده. فإذا انضم إلى ذلك نكولها، قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها، فكان دليلًا ظاهرًا على صدقة، فأسقط الحد عنه، وأوجبه عليها، وهذا أحسن ما يكون من الحكم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقد ظهر بهذا أنَّه يمين فيها معنى الشهادة، وشهادة فيها معنى اليمين.
وأمَّا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فما أبين دلالته لو كان صحيحًا بوصوله إلى عمرو، ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز. قال أبو عمر بن عبد البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به.
وأمَّا حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني، فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة.
[ ١١ / ٢١٧ ]
وأمَّا حديث عبد الرزاق، فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة لا يحتج بها، وعتاب بن أسيد كان عاملًا للنبي ﷺ على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما.
قالوا: وأمَّا ردكم لقَوْلِهُ: "لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن"، وهو حديث رواه أبو داود في سننه، وإسناده لا بأس به، وأمَّا تعلقكم فيه على عباد بن منصور، فأكثر ما عيب عليه أنَّه قدري داعية إلى القدر، وهذا لا يوجب رد حديثه، ففي الصحيح: الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة ممن علم صدقه، ولا تنافي بين قَوْلِهِ: "لولا ما مضى من كتاب الله تعالى"، "ولولا ما مضى من الأيمان"، فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين، وتقديمه على الآخر، بل الأيمان المذكورة هي في كتاب الله، وكتاب الله تعالى حكمه الذى حكم به بين المتلاعنين، وأراد ﷺ: لولا ما مضى من حكم الله الذى فصل بين المتلاعنين، لكان لها شأن آخر.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ قاعدة الشريعة استقرت على أنَّ الشهادة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه، فجوابه من وجوه:
[ ١١ / ٢١٨ ]
أحدها: أنَّ الشريعة لم تستقر على هذا، بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ بأيمان المدعين، وهذ لقوة جانبهم باللوث، وقاعدة الشريعة أنَّ اليمين تكون من جنبة أقوى المتداعيين، فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية، شرعت اليمين في جانبه، فلما قوى جانب المدعى في القسامة باللوث كانت اليمين في جانبه، وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه فيقال له: احلف واستحق، وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب الإمكان، ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائمًا، لذهبت قوة الجانب الراجح هدرًا، وحكمة الشارع تأبى ذلك، فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة.
وإذا عرف هذا، فجانب الزوج ها هنا أقوى من جانبها، فإنَّ المرأة تنكر زناها، وتبهته، والزوج ليس له غرض في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أشوش عليه، وأكره شيء إليه، فكان هذا لوثًا ظاهرًا، فإذا انضاف إليه نكول المرأة قوى الأمر جدًا في قلوب الناس خاصهم وعامهم، فاستقل ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعًا، فحدت بلعانه، ولكن لما تكن أيمانه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقة، كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ
[ ١١ / ٢١٩ ]
عنها بها العذاب عذاب الحد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان لعانه بينة حقيقة، لما دفعت أيمانها عنها شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو أنَّه لا يشترط في اللعان الإسلام والعدالة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].
١٠ - وفيه أنَّ النبي ﷺ كان يقضي في السنن الكلية بالوحي لا بالرأي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٥): «ومنها: أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما كان يقضى بالوحي، وبما أراه الله، لا بما رآه هو، فإنَّه ﷺ لم يقض بين المتلاعنين حتى جاءه الوحي، ونزل القرآن، فقال لعويمر حينئذ: "قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، وقد قال ﷺ: "لا يسألني الله ﷿ عن سنة أحدثتها فيكم لم أومر بها" وهذا في الأقضية، والأحكام، والسنن الكلية، وأمَّا الأمور الجزئية التي لا ترجع إلى أحكام، كالنزول في منزل معين، وتأمير رجل معين، ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة المأمور بها بقَوْلِهِ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ فتلك للرأي فيها مدخل،
[ ١١ / ٢٢٠ ]
ومن هذا قوله ﷺ في شأن تلقيح النخل: "إنَّما هو رأى رأيته". فهذا القسم شيء، والأحكام والسنن الكلية شيء آخر» اهـ.
١١ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٨): «ومنها: أنَّه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات، ولا من المرأة، ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب والإبعاد والسخط، ولا منها إبدال الغضب باللعنة والإبعاد والسخط، بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعًا وقدرًا، وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٨٦ - ٨٧):
«وَعَدَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَرْطٌ فِي اللِّعَانِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظًا مِنْهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ. بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ. لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَيَجُوزُ لَهَا إبْدَالُ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ. بِقَوْلِهَا: لَقَدْ كَذَبَ. لِأَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ اللِّعَانِ كَذَلِكَ. وَاتِّبَاعُ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى وَأَحْسَنُ. وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ: "أَشْهَدُ" بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أُولِي. لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ. بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ.
[ ١١ / ٢٢١ ]
وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي هَذَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَالشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّغْلِيظُ، وَاعْتِبَارُ لَفْظِ الشَّهَادَاتِ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسِمَ بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَ أَشْهَدُ. وَالثَّانِي، يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، أَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّعْنَةِ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَأَشَدُّ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
وَإِنْ أَبْدَلَتْ الْمَرْأَةُ لَفْظَةَ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ أَغْلَظُ، وَلِهَذَا خُصَّتْ الْمَرْأَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ، وَإِثْمُهَا بِفِعْلِ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِهِ بِالْقَذْفِ. وَإِنْ أَبْدَلَتْهَا بِالسَّخَطِ، خُرِّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ. وَإِنْ أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْصُوصَ» اهـ.
١٢ - وقَوْلُهُ: «لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا». يدل بعمومه تحريمها عليه أبدًا.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٥٩): «وهو نكرة في سياق النفي فيشمل المال والبدن ويقتضي نفى تسليطه عليها بوجه من الوجوه» اهـ.
ويدل عليه قول النبي ﷺ في المتلاعنين: «لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا».
جاء ذلك في حديث سهل بن سعد عند أبي داود (٢٢٥٠) وفيه عياض بن عبد الله الفهري ضعيف الحديث لكنه متابع في نفس السند بمبهم.
وتابعهما محمد بن الوليد الزبيدي عند الدارقطني (٣٧٠٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥١٣٤) وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وتابعهم محمد بن إسحاق عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٥٢٨٨).
وللحديث شواهد واهية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩١ - ٣٩٤): «الحكم الثالث: أنَّ هذه الفرقة توجب تحريمًا مؤبدًا لا يجتمعان بعدها أبدًا.
قال الأوزاعي: حدثنا الزبيدي، حدثنا الزهري، عن سهل بن سعد، فذكر قصة الملاعنين، وقال: ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: "لا يجتمعان أبدًا".
[ ١١ / ٢٢٣ ]
وذكر البيهقي من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا".
قال: وروينا عن علي، وعبد الله بن عباس ﵃، قالا: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدًا. قال: وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا. وإلى هذا ذهب أحمد، والشافعي ومالك، والثوري، وأبو عبيد، وأبو يوسف.
وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله، وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره، وقال صاحب "المغني": وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما. فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله.
قُلْتُ: الرواية مطلقة، ولا أثر لتفريق الحاكم في دوام التحريم، فإنَّ الفرقة الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذاب نفسه مؤثرًا في تلك الفرقة القوية، رافعًا للتحريم الناشئ منها، فلأن يؤثر في الفرقة التي هي دونها، ويرفع تحريمها أولى.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
وإنَّما قلنا: إنَّ الفرقة بنفس اللعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم، لأنَّ فرقة اللعان تستند إلى حكم الله ورسوله، وسواء رضى الحاكم والمتلاعنان التفريق أو أبوه، فهي فرقة من الشارع بغير رضى أحد منهم ولا اختياره، بخلاف فرقة الحاكم فإنَّه إنَّما يفرق باختياره.
وأيضًا: فإنَّ اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه، بخلاف ما إذا توقف على تفريق الحاكم، فإنَّه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة، ولا كان له سلطان عليها، وهذه الرواية هي مذهب سعيد بن المسيب، قال: فإن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخطاب، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطرد، لأنَّ فرقة اللعان عنده طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، ردت إليه ما دامت في العدة.
والصحيح: القول الأول الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وأقوال الصحابة ﵃، وهو الذي تقتضيه حكمة اللعان، ولا تقتضي سواه، فإنَّ لعنة الله تعالى وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة، ولهذا قال النبي ﷺ عند الخامسة: "إنَّها الموجبة"، أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم عين من حلت به يقينًا، ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت
[ ١١ / ٢٢٥ ]
عليه لعنة الله وباء بها، فيعلو امرأة غير ملعونة، وحكمة الشرع تأبى هذا، كما أبت أن يعلو الكافر مسلمة والزاني عفيفة.
فإن قيل: فهذا يوجب ألا يتزوج غيرها لما ذكرتم بعينه؟
قيل: لا يوجب ذلك، لأنَّا لم نتحقق أنَّه هو الملعون، وإنَّما تحققنا أنَّ أحدهما كذلك، وشككنا في عينه، فإذا اجتمعا، لزمه أحد الأمرين ولابد، إمَّا هذا وإمَّا إمساكه ملعونة مغضوبًا عليها قد وجب عليها غضب الله، وباءت به، فأمَّا إذا تزوجت بغيره، أو تزوج بغيرها، لم تتحقق هذه المفسدة فيهما.
وأيضًا: فإنَّ النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدًا، فإنَّ الرجل إن كان صادقًا عليها، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وحقق عليها الخزي والغضب، وقطع نسب ولدها، وإن كان كاذبًا، فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه الفرية العظيمة، وإحراق قلبها بها والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الاشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والوحشة، وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملهما أبدًا، فاقتضت
[ ١١ / ٢٢٦ ]
حكمة من شرعه كله حكمة ومصلحة وعدل ورحمة تحتم الفرقة بينهما، وقطع الصحبة المتمحضة مفسدة.
وأيضًا: فإنَّه إذا كان كاذبًا عليها، فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها، وإن كان صادقًا، فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها، ويرضى لنفسه أن يكون زوج بغي.
فإن قيل: فما تقولون: لو كانت أمة ثم اشتراها، هل يحل له وطؤها بملك اليمين؟ قلنا: لا تحل له لأنَّه تحريم مؤبد، فحرمت على مشتريها كالرضاع، ولأنَّ المطلق ثلاثًا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة، فهاهنا أولى، لأنَّ هذا التحريم مؤبد، وتحريم الطلاق غير مؤبد» اهـ.
١٣ - وفيه وعظ المتلاعنين بالتوبة بعد اللعان.
١٤ - وفي قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ». ما يدل على جواز استعمال أحد في الإثبات.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٤٨): «وفيه رد على من قال من النحاة: إنَّ لفظة أحد لا تستعمل إلَّا في النفي، وعلى قول من قال منهم لا تستعمل إلَّا في الوصف، ولا تقع موقع واحد، وقد وقعت في هذا الحديث في غير
[ ١١ / ٢٢٧ ]
وصف ولا نفي، ووقعت موقع واحد، وقد أجازه المبرد، ويؤيده قوله تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٥٨): «قال الفاكهي: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته وحذقه فإنَّ الذي قاله النحاة إنَّما هو في أحد التي للعموم نحو ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأمَّا أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الاثبات نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ونحو: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ونحو: "أحدكما كاذب"» اهـ.
قُلْتُ: ونحو قول الله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، و[المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: ٦].
١٥ - وفي قَوْلِهِ: «إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ». أنَّ من جملة أسباب النهي عن المسائل قبل نزول الوحي أنَّ العبد قد يبتلى بما سأل عنه.
لكن جاء ما يدل على أنَّه سأل عن أمر قد حدث له، فروى البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ: أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ
[ ١١ / ٢٢٨ ]
رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا».
قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
* * *
[ ١١ / ٢٢٩ ]
٣١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاعَنَا، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ».
وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا: أَنكَرَهُ وبَرِئ منْهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - ثبوت اللعان.
٢ - التفريق بين المتلاعنين، وقد مضى الكلام في ذلك.
٣ - انتساب ولد الملاعنة لأمه دون أبيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٩): «الحكم السادس: انقطاع نسب الولد من جهة الأب، لأنَّ رسول الله ﷺ قضى ألَّا يدعى ولدها لأب، وهذا هو الحق، وهو قول الجمهور، وهو أجل فوائد اللعان، وشذ بعض أهل العلم، وقال: المولود للفراش لا ينفيه اللعان البتة، لأنَّ النبي ﷺ قضى أنَّ الولد للفراش، وإنَّما ينفي اللعان الحمل،
[ ١١ / ٢٣٠ ]
فإن لم يلاعنها حتى ولدت، لاعن لإسقاط الحد فقط، ولا ينتفي ولدها منه، وهذا مذهب أبي محمد بن حزم، واحتج عليه بأنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الولد لصاحب الفراش، قال: فصح أنَّ كل من ولد على فراشه ولد، فهو ولده إلَّا حيث نفاه الله على لسان رسوله ﷺ، أو حيث يوقن بلا شك أنَّه ليس ولده، ولم ينفه ﷺ إلَّا وهي حامل باللعان فقط، فبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب، قال: ولذلك قلنا: إن صدقته في أنَّ الحمل ليس منه، فإنَّ تصديقها له لا يلتفت إليه لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْسِب كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾ فوجب أنَّ إقرار الأبوين يصدق على نفي الولد، فيكون كسبًا على غيرهما، وإنَّما نفى الله الولد إذا أكذبته الأم، والتعنت هي والزوج فقط، فلا ينتفى في غير هذا الموضع، انتهى كلامه.
وهذا ضد مذهب من يقول: إنَّه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع، كما يقول أحمد وأبو حنيفة، والصحيح: صحته على الحمل، وعلى الولد بعد وضعه، كما قاله مالك والشافعي، فالأقوال ثلاثة.
ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم بكون الولد للفراش بوجه ما، فإنَّ الفراش قد زال باللعان، وإنَّما حكم رسول الله ﷺ بأنَّ الولد للفراش
[ ١١ / ٢٣١ ]
عند تعارض الفراش، ودعوى الزاني، فأبطل دعوى الزاني للولد وحكم به لصاحب الفراش، وهاهنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه.
فإن قيل: فما تقولون: لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش، فقال: لم تزن، ولكن ليس هذا الولد ولدي؟
قيل: في ذلك قولان للشافعي، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد.
إحداهما: أنَّه لا لعان بينهما، ويلزمه الولد، وهي اختيار الخرقي.
والثانية: أنَّ له أن يلاعن لنفي الولد، فينتفي عنه بلعانه وحده، وهي اختيار أبي البركات ابن تيمية، وهي الصحيحة.
فإن قيل: فخالفتم حكم رسول الله ﷺ أنَّ الولد للفراش.
قلنا: معاذ الله، بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلًا، فإنَّه إنَّما حكم بالولد للفراش حيث ادعاه صاحب الفراش، فرجح دعواه بالفراش، وجعله له، وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه، وقطع نسبه منه، وقضى ألَّا يدعى لأب، فوافقنا الحكمين، وقلنا بالأمرين، ولم نفرق تفريقًا باردًا جدًا سمجًا لا أثر له في نفي الولد حملًا ونفيه مولودًا، فإنَّ الشريعة لا تأتي على هذا الفرق الصوري الذي لا معنى تحته البتة، وإنَّما يرتضي هذا من قل نصيبه
[ ١١ / ٢٣٢ ]
من ذوق الفقه وأسرار الشريعة وحكمها ومعانيها، والله المستعان، وبه التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي صحة اللعان بنفي الولد من غير القذف بالزنا فقد يحصل وطء المرأة في غير الزنا من جهتها كوطء الشبهة، ووطء النائمة، والمغمى عليها، والمجنونة، أو عن طريق الإكراه، أو إدخال ماء الغير في الرحم من غير وطء، فإذا حصل مثل هذا، وقد تيقن الزوج برآءة رحمها من مائه فله أن يلاعن بنفي الولد دون الرمي بالزنا، بل يحرم رميها بالزنا لعدم حصوله منها.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٩ - ٤٠١): «الحكم السابع: إلحاق الولد بأمه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه، وهذا الإلحاق يفيد حكمًا زائدًا على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب، وإلَّا كان عديم الفائدة فإنَّ خروج الولد منها أمر محقق، فلابد في الإلحاق من أمر زائد عليه، وعلى ما كان حاصلًا مع ثبوت النسب من الأب، وقد اختلف في ذلك.
فقالت طائفة: أفاد هذا الإلحاق قطع توهم انقطاع نسب الولد من الأم، كما انقطع من الأب، وأنَّه لا ينسب إلى أم، ولا إلى أب، فقطع النبي ﷺ
[ ١١ / ٢٣٣ ]
هذا الوهم وألحق بالأم، وأكد هذا بإيجابه الحد على من قذفه أو قذف أمه، وهذا قول الشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وكل من لا يرى أنَّ أمه وعصباتها له.
وقالت طائفة ثانية: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدة زائدة، وهي تحويل النسب الذي كان إلى أبيه إلى أمه، وجعل أمه قائمة مقام أبيه في ذلك، فهي عصبته وعصباتها أيضًا عصبته، فإذا مات، حازت ميراثه، وهذا قول ابن مسعود، ويروى عن علي، وهذا القول هو الصواب، لما روى أهل السنن الأربعة، من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنه قال: "تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه"، ورواه الإمام أحمد وذهب إليه.
وروى أبو داود في "سننه": من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ، أنَّه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها.
وفي السنن أيضًا مرسلًا: من حديث مكحول، قال: جعل رسول الله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. هذه الآثار موافقة لمحض القياس، فإنَّ النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته صار للأم، كما أنَّ الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقًا كان لمعتق الأم. فلو أعتق
[ ١١ / ٢٣٤ ]
الأب بعد هذا، انجر الولاء من موالي الأم إليه، ورجع إلى أصله، وهو نظير ما إذا كذب الملاعن نفسه، واستلحق الولد، رجع النسب والتعصيب من الأم وعصبتها إليه. فهذا محض القياس، وموجب الأحاديث والآثار، وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبد الله بن مسعود، ومذهب إمامي أهل الأرض في زمانهما، أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعليه يدل القرآن بألطف إيماء وأحسنه، فإنَّ الله سبحانه جعل عيسى من ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمه، وهي من صميم ذرية إبراهيم، وسيأتي مزيد تقرير لهذا عند ذكر أقضية النبي ﷺ وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في "صحيحه" في قصة اللعان: وفي آخره: ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها؟ قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجًا من كلام ابن شهاب وهو الظاهر، فإنَّ تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولابد فإن فضل شيء أخذته بالتعصيب، وإلَّا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه» اهـ.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
٥ - وفيه أنَّ الولد ينتفي في اللعان بنفيه.
وهل ينتفي باللعان من غير نفي له فيه نزاع، والذي يظهر لي أنَّه لا ينتفي إلَّا بنفيه له، وذلك أنَّه لا تلازم بين قذفه لامرأته بالزنا، وكون الحمل ليس منه، فإنَّ الزنا قد يحصل بعد حملها منه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦٠): «واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان وفيه نظر لأنَّه لو استلحقه لحقه وإنَّما يؤثر لعان الرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها. وقال الشافعي: إنَّ نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ فِي [الْمُقَدِمَاتِ] (١/ ٦٣٥):
«فصل: فإذا لاعن على الرؤية وادعى الاستبراء انتفى الولد بإجماع. وأمَّا إن لم يدع الاستبراء فاختلف هل ينتفي الولد بذلك اللعان أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الولد ينفيه اللعان على كل حال وإن ولد لأقل من ستة أشهر وهو أحد قولي مالك في المدونة.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
والثاني: أنه لا ينفيه بحال وإن ولد لأكثر من ستة أشهر ويلحق به وهو قول عبد الملك وأشهب.
والثالث: التفرقة بين أن يولد لأقل من خمسة أشهر أو لأكثر منها، وهو القول الثاني لمالك في المدونة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٩٧): «وفيه دليل على صحة لعان الحامل لنفي الحمل، وبه قال مالك والشافعي والجمهور، وذهب أبو حنيفة وأحمد وعبد الملك بن الماجشون إلى أنَّه لا يصح لعان الحامل لنفي الحمل، وإنَّما يكون لدفع العقوبة عند القذف فإن كانت مع ذلك حاملًا لم ينتف الحمل. قال الحنابلة إلَّا أن يصف زنًا يلزم منه نفيه كمن ادعى زناها في طهر لم يصبها فيه، واعتزلها حتى ظهر حملها ثم لاعنها لذلك ثم وضعته لمدة الإمكان من دعواه فإنَّه ينتفي عنه، واعتل هؤلاء في إنكار نفي الحمل بأنَّه لا يتحقق، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه ﵊ عرف وجود الحمل بالوحي، وفيه نظر لأنَّه ﵊ إنَّما يرتب الأحكام على الأمور الظاهرة التي يمكن أن يشاركه فيها الحكام بعده» اهـ.
[ ١١ / ٢٣٧ ]
٦ - واحتج بنفي الولد في اللعان من قال: إنَّ الولد لو كان بنتًا جاز للملاعن الزواج بها، وهو قول لبعض الشافعية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦١): «واستدل به على أنَّ الولد المنفي باللعان لو كان بنتًا حل للملاعن نكاحها وهو وجه شاذ لبعض الشافعية والأصح كقول الجمهور أنَّها تحرم لأنَّها ربيبته في الجملة» اهـ.
قُلْتُ: وقد مضى الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لحديث أم حبيبة.
* * *
[ ١١ / ٢٣٨ ]
٣١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "هَلْ لَك إبِلٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ ". قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: "فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ"».
قَوْلُهُ: «فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ». الأورق الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الْغُبْرَةِ، وهو الرمادي، وقيل: هو الأسمر.
وقَوْلُهُ: «نَزَعَهُ عِرْقٌ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٤): «والمراد بالعرق الأصل من النسب شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة أي أنَّ أصله متناسب وكذا معرق في الكرم أو اللؤم، وأصل النزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام حين سئل عن شبة الولد بأبيه أو بأمه: نزع إلى أبيه أو إلى أمة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - لحوق النسب بالزوج مع اختلاف اللون.
[ ١١ / ٢٣٩ ]
٢ - عدم إقامة الحد بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء.
قُلْتُ: وأمَّا ما كان على وجه المشاتمة ففيه الحد على الصحيح إذا كان تعريضًا مفهمًا وهو مذهب الإمام مالك، ورواية عن أحمد، وهو مذهب إسحاق أيضًا رحمهم الله تعالى.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٣): «ويؤخذ منه أنَّ التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدل الشافعي بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية يجب به الحد إذا كان مفهومًا وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر لأنَّ المستفتي لا يجب عليه حد ولا تعزير.
قُلْتُ: وفي هذا الإطلاق نظر لأنَّه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف وبلفظ يقتضيه، فمن الأول: أن يقول مثلًا: إذا كان زوج المرأة أبيض فأتت بولد أسود ما الحكم؟.
ومن الثاني: أن يقول مثلًا: إنَّ امرأتي أتت بولد أسود وأنا أبيض. فيكون تعريضًا، أو يزيد فيه مثلًا: زنت، فيكون تصريحًا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني فيتم الاستدلال.
[ ١١ / ٢٤٠ ]
وقد نبه الخطابي على عكس هذا فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأنَّ الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حد قذف لجواز أن يريد أنَّها وطئت بشبهة أو وضعته من الزوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكنًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وهذا الحديث من الفقه: أنَّ الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء، ومن أخذ منه أنَّه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة، فقد أبعد النجعة، ورب تعريض أفهم، وأوجع للقلب، وأبلغ في النكاية من التصريح، وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال، ويجعل الكلام قطعي الدلالة على المراد» اهـ.
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه أنَّ مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد» اهـ.
قُلْتُ: لكن إن وجدت التهمة جاز اللعان ونفي الولد، وذلك كأن يكون الزوج متهمًا لزوجته بالوقوع في الفاحشة مع رجل معين فولدت مولودًا يشبه لونه لون ذلك الرجل.
[ ١١ / ٢٤١ ]
وقد روى البخاري (٤٧٤٥) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا»، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.
قُلْتُ: الأسحم هو شديد السواد، والدعج في العين شدة سوادها، والخدلج العظيم، والأحيمر تصغير أحمر، والحرة دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعضاة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٤): «وفيه أنَّ الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن وأنَّ الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمة.
وقال القرطبي تبعًا لابن رشد: لا خلاف في أنَّه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء.
وكأنَّه أراد في مذهبه وإلَّا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به
[ ١١ / ٢٤٢ ]
جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس الآتي في اللعان ما يقويه، وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا والخلاف إنَّما هو عند عدمها وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام، ومن تراجم البخاري في "صحيحه" على هذا الحديث: باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمه ليفهم السائل، وساق معه حديث: "أرأيت لو كان على أمك دين؟ "» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤١): «وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلامًا أسود فأنكر ذلك فقال له النبي ﷺ: "ألك إبل". قال: "نعم". قال: "فما لونها" قال: سود. قال: "هل فيها من أورق". قال: "نعم". قال: "فأني له ذلك". قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإنَّ مثل هذا لا يوجب ريبة وأنَّ نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بني آدم وهو الخلاق العليم فكما أنَّ الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين
[ ١١ / ٢٤٣ ]
فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإنَّ ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم.
فهذا من أصح المناظرة والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإنَّ العلل والمعاني حق شرعًا وقدرًا» اهـ.
قُلْتُ: وهو من حجج أهل العلم في إثبات القياس.
وذلك أنَّه ﵊ شبه هذا الرجل المخالف للونه بولد الإبل المخالف لألوانها، وذكر العلة الجامعة، وهي نزوع العرق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ المولود قد يشبه جدًا بعيدًا.
٦ - وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به من مخالفة الشبه.
٧ - وفيه الاحتياط للأنساب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه: الاحتياط للأنساب، وإلحاقها بمجرد الإمكان» اهـ.
[ ١١ / ٢٤٤ ]
٨ - وفيه الابتعاد عن سوء الظن.
٩ - الرجوع إلى أهل العلم عند اشتباه الأمور.
* * *
[ ١١ / ٢٤٥ ]
٣٢٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلامٍ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: "هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ».
قَوْلُهُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ». أي لمالك الفراش وهو السيد أو الزوج، وسميت الزوجة أو الأمة فراشًا لأنَّ الزوج أو السيد يستفرشها أي: يصيرها بوطئه لها فراشًا له.
وقَوْلُهُ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٤٨): «واختلف في معنى: "للعاهر الحجر". فمنهم من قال: عنى به الرَّجم للزاني المحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة؛ أي: لا حظَّ له في الولد؛ لأنَّ العرب تجعل هذا مثلًا. كما يقولون: امتلأت يده ترابًا؛ أي: خيبة.
قُلْتُ: وكان هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلة؛ أي: الخيبة لكل الزناة. فيكون اللفظ محمولًا على عمومه. وهو الأصل. ويؤخذ دليل الرَّجم
[ ١١ / ٢٤٦ ]
من موضع آخر. وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الولد للفراش أي لصاحب الفراش.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٠): «فأمَّا ثبوت النسب بالفراش، فأجمعت عليه الأمة، وجهات ثبوت النسب أربعة: الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة. فالثلاثة الأول، متفق عليها» اهـ.
٢ - أنَّ الفراش مقدم على الشبه.
٣ - أنَّ الأمة تكون فراشًا بالوطء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٠ - ٤١٥): «واتفق المسلمون على أنَّ النكاح يثبت به الفراش، واختلفوا في التسري، فجعله جمهور الأمة موجبًا للفراش، واحتجوا بصريح حديث عائشة الصحيح، وأنَّ النبي ﷺ قضى بالولد لزمعة، وصرح بأنَّه صاحب الفراش، وجعل ذلك علة للحكم بالولد له فسبب الحكم ومحله إنَّما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحمله على الحرة التي لم تذكر البتة، وإنَّما كان الحكم في غيرها، فإنَّ
[ ١١ / ٢٤٧ ]
هذا يستلزم إلغاء ما اعتبره الشارع وعلق الحكم به صريحًا، وتعطيل محل الحكم الذى كان لأجله وفيه.
ثم لو لم يرد الحديث الصحيح فيه، لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزل له الله تعالى ليقوم الناس بالقسط، وهو التسوية بين المتماثلين، فإنَّ السرية فراش حسًا وحقيقة وحكمًا، كما أنَّ الحرة كذلك، وهي تراد لما تراد له الزوجة من الاستمتاع والاستيلاد، ولم يزل الناس قديمًا وحديثًا يرغبون في السراري لاستيلادهن واستفراشهن، والزوجة إنَّما سميت فراشًا لمعنى هي والسرية فيه على حد سواء.
وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشًا بأول ولد ولدته من السيد، فلا يلحقه الولد إلَّا إذا استلحقه، فيلحقه حينئذ بالاستلحاق، لا بالفراش، فما ولدت بعد ذلك لحقه إلَّا أن ينفيه، فعندهم ولد الأمة لا يلحق السيد بالفراش، إلَّا أن يتقدمه ولد مستلحق، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ ألحق الولد بزمعة، وأثبت نسبه منه، ولم يثبت قط أنَّ هذه الأمة ولدت له قبل ذلك غيره، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك ولا استفصل فيه.
قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيل أصل في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا تقتضيه قواعد الشرع وأصوله.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
قالت الحنفية: ونحن لا ننكر كون الأمة فراشًا في الجملة، ولكنَّه فراش ضعيف، وهي فيه دون الحرة، فاعتبرنا ما تعتق به بأن تلد منه ولدًا فيستلحقه، فما ولدت بعد ذلك، لحق به إلَّا أن ينفيه، وأمَّا الولد الأول، فلا يلحقه إلَّا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنَّه إذا استحلق ولدًا من أمته لم يلحقه ما بعده إلَّا باستلحاق مستأنف، بخلاف الزوجة، والفرق بينهما: أنَّ عقد النكاح إنَّما يراد للوطء والاستفراش، بخلاف ملك اليمين، فإنَّ الوطء والاستفراش فيه تابع، ولهذا يجوز وروده على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النكاح.
قالوا: والحديث لا حجة لكم فيه، لأنَّ وطء زمعة لم يثبت، وإنَّما ألحقه النبي ﷺ لعبد أخًا، لأنَّه استلحقه، فألحقه باستلحاقه، لا بفراش الأب.
قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءة، فهي فراش حقيقة وحكمًا، واعتبار ولادتها السابقة في صيرورتها فراشًا اعتبار ما لا دليل على اعتباره شرعًا، والنبي ﷺ لم يعتبره في فراش زمعة، فاعتباره تحكم.
وقولكم: إنَّ الأمة لا تفرد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت سرية وفراشًا، وجعلت كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أخته من الرضاع ونحوها.
[ ١١ / ٢٤٩ ]
وقولكم: إنَّ وطء زمعة لم يثبت حتى يلحق به الولد، ليس علينا جوابه، بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزمعة، وقال لابنه: هو أخوك.
وقولكم: إنَّما ألحقه بالأخ لأنَّه استلحقه: باطل، فإنَّ المستلحق إن لم يقر به جميع الورثة، لم يلحق بالمقر إلَّا أن يشهد منهم اثنان أنَّه ولد على فراش الميت، وعبد لم يكن يقر له جميع الورثة، فإنَّ سودة زوجة النبي ﷺ أخته، وهي لم تقر به، ولم تستلحقه، وحتى لو أقرت به مع أخيها عبد، لكان ثبوت النسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإنَّ النبي ﷺ صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب، بأنَّ الولد للفراش معللًا بذلك، منبهًا على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة وغيرها. ثم جواب هذا الاعتراض الباطل المحرم، أنَّ ثبوت كون الأمة فراشًا بالإقرار من الواطئ، أو وارثه كاف في لحقوق النسب، فإنَّ النبي ﷺ ألحقه به بقَوْلِهِ: "ابن وليدة أبي ولد على فراشه"، كيف وزمعة كان صهر النبي ﷺ، وابنته تحته، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النسب؟.
وأمَّا ما نقضتم به علينا أنَّه إذا استحلق ولدًا من أمته، لم يلحقه ما بعده إلَّا بإقرار مستأنف، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد، هذا أحدهما، والثاني: أنَّه يلحقه وإن لم
[ ١١ / ٢٥٠ ]
يستأنف إقرارًا، ومن رجح القول الأول قال: قد يستبرئها السيد بعد الولادة، فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يلحقه ما بعد الأول باعتراف مستأنف أنَّه وطئها، كالحال في أول ولد.
ومن رجح الثاني قال: قد يثبت كونها فراشًا أولًا، والأصل بقاء الفراش حتى يثبت ما يزيله، إذ ليس هذا نظير قولكم: إنَّه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتى يستلحقه، وأبطل من هذا الاعتراض قول بعضهم، إنَّه لم يلحقه به أخًا، وإنَّما جعله له عبدًا، ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: "هو لك"، أي: مملوك لك، وقوى هذا الاعتراض بأنَّ في بعض ألفاظ الحديث "هو لك عبد"، وبأنَّه أمر سودة أن تحتجب منه، ولو كان أخًا لها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدل على أنَّه أجنبي منها. قال: وقَوْلُهُ: "الولد للفراش"، تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أي: لم تكن هذه الأمة فراشًا له، لأنَّ الأمة لا تكون فراشًا، والولد إنَّما هو للفراش، وعلى هذا يصح أمر احتجاب سودة منه، قال: ويؤكده أنَّ في بعض طرق الحديث: "احتجبي منه، فإنَّه ليس لك بأخ" قالوا: وحينئذ فتبين أنَّا أسعد بالحديث وبالقضاء النبوي منكم.
[ ١١ / ٢٥١ ]
قال الجمهور: الآن حمى الوطيس، والتقت حلقتا البطان فنقول والله المستعان: أمَّا قولكم: إنَّه لم يلحقه به أخًا، وإنَّما جعله عبدًا، يرده ما رواه محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه" في هذا الحديث: "هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة" وليس اللام للتمليك، وإنَّما هي للاختصاص، كقَوْلِهِ: "الولد للفراش". فأمَّا لفظة قَوْلِهِ: "هو لك عبد"، فرواية باطلة لا تصح أصلًا. وأمَّا أمره سودة بالاحتجاب منه، فإمَّا أن يكون على طريق الاحتياط لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البين بعتبة، وإمَّا أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالًا للدليلين، فإنَّ الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعى لقوته، وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها، وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه، فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة والولاية وغيرها، وقد يتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة، فلا يفكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلَّا محض الفقه؟ وقد علم بهذا معنى قَوْلِهِ: "ليس لك بأخ"، لو صحت هذه اللفظة مع أنَّها لا تصح، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث،
[ ١١ / ٢٥٢ ]
ولا نبالي بصحتها مع قوله لعبد: "هو أخوك"، وإذا جمعت أطراف كلام النبي ﷺ، وقرنت قَوْلَهُ: "هو أخوك"، بقَوْلِهِ: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، تبين لك بطلان ما ذكروه من التأويل، وأنَّ الحديث صريح في خلافه لا يحتمله بوجه والله أعلم. والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزوجة فراشًا لمجرد العقد، وإن كان بينها وبين الزوج بعد المشرقين، ولا يجعلون سريته التي يتكرر استفراشه لها ليلًا ونهارًا فراشًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٥ - ٤١٦): «واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشًا، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه نفس العقد وإن علم أنَّه لم يجتمع بها، بل لو طلقها عقيبه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة.
والثاني: أنَّه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
والثالث: أنَّه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إنَّ أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنَّه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء، وأتت امرأته بولد، فأنكره أنَّه ينتفي عنه بغير لعان وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلَّا فكيف تصير المرأة فراشًا ولم يدخل بها الزوج ولم يبن
[ ١١ / ٢٥٣ ]
لمجرد إمكان بعيد؟ وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشًا قبل البناء بها وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته، ولا دخل بها، ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشًا إلَّا بدخول محقق، وبالله التوفيق. وهذا الذي نص عليه في رواية حرب، هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه والله أعلم.
واختلفوا أيضًا فيما تصير به الأمة فراشًا، فالجمهور على أنَّه لا تصير فراشًا إلَّا بالوطء، وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أنَّ الأمة التي تشترى للوطء دون الخدمة، كالمرتفعة التي يفهم من قرائن الأحوال أنَّها إنَّما تراد للتسري، فتصير فراشًا بنفس الشراء، والصحيح أنَّ الأمة والحرة لا تصيران فراشًا إلَّا بالدخول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٨٨): «أمَّا ما تصير به المرأة فراشًا، فإن كانت زوجة صارت فراشًا بمجرد عقد النكاح ونقلوا في هذا الإجماع وشرطوا إمكان الوطء بعد ثبوت الفراش. فإن لم يمكن بأن ينكح المغربي مشرقية ولم يفارق واحد منهما وطنه ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحقه لعدم إمكان كونه منه. وهذا قول مالك والشافعي والعلماء كافة إلَّا أبا حنيفة فلم
[ ١١ / ٢٥٤ ]
يشترط الإمكان بل اكتفى بمجرد العقد. قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد، وهذا ضعيف ظاهر الفساد ولا حجة له في إطلاق الحديث، لأنَّه خرج على الغالب وهو حصول الإمكان عند العقد، هذا حكم الزوجة.
وأمَّا الأمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشًا بالوطء، ولا تصير فراشًا بمجرد الملك حتى لو بقيت في ملكه سنين وأتت بأولاد ولم يطأها ولم يقر بوطئها لا يلحقه أحد منهم، فإذا وطئها صارت فراشًا، فإذا أتت بعد الوطء بولد أو أولاد لمدة الإمكان لحقوه.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشًا إلَّا إذا ولدت ولدًا واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك يلحقه إلَّا أن ينفيه، قال لو صارت فراشًا بالوطء لصارت بعقد الملك كالزوجة. قال أصحابنا: الفرق أنَّ الزوجة تراد للوطء خاصة فجعل الشرع العقد عليها كالوطء لما كان هو المقصود، وأمَّا الأمة تراد لملك الرقبة وأنواع من المنافع غير الوطء ولهذا يجوز أن يملك أختين وأمَّا وبنتها ولا يجوز جمعهما بعقد النكاح فلم تصر بنفس العقد فراشًا فإذا حصل الوطء صارت كالحرة وصارت فراشًا» اهـ.
[ ١١ / ٢٥٥ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا تيقن عدم دخول الزوج بامرأته فلا تعد المرأة فراشًا ولا يلحق به الولد، ولا يحتاج في نفيه إلى لعان، لكن إن أمكن الدخول عليها بحصول الخلوة فالذي يظهر لي ثبوت الفراش بذلك وإن لم نتحقق الوطء، وليس له حينئذ أن ينفي ولده إلَّا بلعان، فإنَّ الخلوة تقوم مقام الدخول، فإنَّ تحقق البناء مما لا يطلع عليه فتقوم الخلوة مقام ذلك. والله أعلم.
٤ - وفيه أنَّ أحكام النسب تتبعض، وذلك أنَّ النبي ﷺ أثبت النسب لعبد بن زمعة وأمر سودة بالاحتجاب عنه مع أنَّه أخ لها من حيث النسب. فجعله أخًا في الميراث دون المحرمية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١): «لما رأى من شبهه البين بعتبة. فقد جعله النبي ﷺ ابن زمعة لأنَّه ولد على فراشه وجعله أخًا لولده بقَوْلِهِ: "فهو لك يا عبد بن زمعة" وقد صارت سودة أخته يرثها وترثه؛ لأنَّه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه. ومع هذا فأمرها النبي ﷺ أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة فإنَّه قام فيه دليلان متعارضان: الفراش والشبه، والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى ولأنَّها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا
[ ١١ / ٢٥٦ ]
إظهاره كما قال: "للعاهر الحجر" كما يقال: بفيك الكثكث، وبفيك الأثلب أي: عليك أن تسكت عن إظهار الفجور فإنَّ الله يبغض ذلك، ولما كان احتجابها منه ممكنًا من غير ضرر أمرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنَّه ليس أخاها في الباطن. فتبين أنَّ الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم. فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية» اهـ.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ الولد لا يلحق الزاني، فإنَّ النبي ﷺ قضى أنَّ الولد للفراش، وليس للعاهر غير الحجر.
وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، ونازع في ذلك بعض العلماء فألحق الولد بالزاني عند عدم وجود الفراش المنازع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٢٥ - ٤٢٩): «فإن قيل: فقد دل الحديث على حكم استلحاق الولد، وعلى أنَّ الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولدًا لا فراش هناك يعارضه، هل يلحقه نسبه، ويثبت له أحكام النسب؟.
قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهل العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أنَّ المولود من الزنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه
[ ١١ / ٢٥٧ ]
الزاني، ألحق به، وأول قول النبي ﷺ: "الولد للفراش"، على أنَّه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادعى ولدها فقال: يجلد ويلزمه الولد، وهذا مذهب عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار ذكر عنهما أنَّهما قالا: أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنَّه ابن له، وأنَّه زنى بأمه ولم يدع ذلك الغلام أحد، فهو ابنه، واحتج سليمان، بأنَّ عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، وهذا المذهب كما تراه قوة ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثر من "الولد للفراش" وصاحب هذا المذهب أول قائل به، والقياس الصحيح يقتضيه، فإنَّ الأب أحد الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وجد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنَّه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟ فهذا محض القياس، وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب.
[ ١١ / ٢٥٨ ]
فإن قيل: فهل لرسول الله ﷺ في هذه المسألة حكم؟ قيل: قد روى عنه فيها حديثان، نحن نذكر شأنهما.
فصل: ذكر حكم رسول الله ﷺ في استلحاق ولد الزنى وتوريثه.
ذكر أبو داود في "سننه": من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومن ادعى ولدًا من غير رشدة، فلا يرث ولا يورث".
المساعاة: الزنى، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنَّهن يسعين لمواليهن، فيكتسبن لهم، وكان عليهن ضرائب مقررة، فأبطل النبي ﷺ المساعاة في الاسلام، ولم يلحق النسب بها، وعفا عمَّا كان في الجاهلية منها، وألحق النسب به. وقال الجوهري: يقال: زنى الرجل وعهر، فهذا قد يكون في الحرة والأمة، ويقال في الأمة خاصة: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول، فلا تقوم به حجة. وروى أيضا في "سننه" من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أنَّ النبي ﷺ، قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له، ادعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة
[ ١١ / ٢٥٩ ]
يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يقسم، فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنَّه لا يلحق ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه، فهو من ولد زني من حرة كان أو أمة".
وفي رواية: "وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة". وذلك فيما استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام، فقد مضى" وهذا لأهل الحديث في إسناده مقال، لأنَّه من رواية محمد بن راشد المكحولي. وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها غيره بالزنى، فربما ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني، واختصما في ذلك، حتى قام الإسلام، فحكم النبي ﷺ بالولد للسيد، لأنَّه صاحب الفراش، ونفاه على الزاني. ثم تضمن هذا الحديث أمورًا:
منها: أنَّ المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته، فإن كان الولد من أمة يملكها الواطئ يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، يعني إذا كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة، وصار ابنه من يومئذ، ليس له مما قسم قبله من الميراث شيء، لأنَّ هذا تجديد حكم نسبه، ومن يومئذ يثبت نسبه، فلا يرجع بما
[ ١١ / ٢٦٠ ]
اقتسم قبله من الميراث، إذ لم يكن حكم البنوة ثابتًا، وما أدرك من ميراث لم يقسم، فله نصيبه منه، لأنَّ الحكم ثبت قبل قسمه الميراث، فيستحق منه نصيبه، وهذا نظير من أسلم على ميراث قبل قسمه، قسم له في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإن أسلم بعد قسم الميراث، فلا شيء له، فثبوت النسب هاهنا بمنزلة الإسلام بالنسبة إلى الميراث.
قَوْلُهُ: "ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره" هذا، يبين أن التنازع بين الورثة، وأنَّ الصورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يدعى له، وهذه الصورة إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر، فإنَّه لا يلحق، لأنَّ الأصل الذي الورثة خلف عنه منكر له، فكيف يلحق به مع إنكاره؟ فهذا إذا كان من أمة يملكها، أمَّا إذا كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنَّه لا يلحق، ولا يرث، وإن ادعاه الواطئ وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة، وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقَوْلِهِ: إنَّه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه، ولا يرثه، وأنَّه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة.
وأمَّا ما اقتسم من مال قبل الإسلام، فقد مضى، فهذا الحديث يرد قول إسحاق ومن وافقه، لكن فيه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يعلل
[ ١١ / ٢٦١ ]
الحديث به، فإن ثبت هذا الحديث، تعين القول بموجبه، والمصير إليه، وإلَّا فالقول قول إسحاق ومن معه، والله المستعان» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث رواه أحمد (٦٦٩٩)، وأبو داود (٢٢٦٥)، وابن ماجة (٢٧٤٦) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدٍ بْنَ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِى يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِى يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ وَإِنْ كَانَ الَّذِى يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، ومحمد بن راشد قال فيه الإمام أحمد ثقة، ثقة، وقد وثقه جماعة آخرون.
فبعد ثبوت الحديث فالقول به متعين.
وأمَّا حديث الراعي فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٣٣٧): «قَوْلُهُ: "يا غلام من أبوك؟. قال: فلان الراعي".
[ ١١ / ٢٦٢ ]
قد يقال: إنَّ الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين:
أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقه.
والثاني: المراد من ماء من أنت؟ وسماه أبا مجازًا» اهـ.
٦ - وأخذ بعض العلماء من الحديث أنَّ أحسن صور الجماع أن يعلو الرجل على المرأة حتى تكون فراشًا له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦): «وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة، مستفرشًا لها بعد الملاعبة والقبلة، وبهذا سميت المرأة فراشًا، كما قال ﷺ: "الولد للفراش"، وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وكما قيل:
إذا رمتها كانت فراشًا يقلني … وعند فراغي خادم يتملق
وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال، فإنَّ فراش الرجل لباس له، وكذلك لحاف المرأة لباس لها، فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية، وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر.
[ ١١ / ٢٦٣ ]
وفيه وجه آخر، وهو أنَّها تنعطف عليه أحيانًا، فتكون عليه كاللباس، قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تثنت فكانت عليه لباسا
وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة، ويجامعها على ظهره، وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة، بل نوع الذكر والأنثى، وفيه من المفاسد، أنَّ المني يتعسر خروجه كله، فربما بقى في العضو منه فيتعفن ويفسد، فيضر.
وأيضًا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج.
وأيضًا: فإنَّ الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه، وانضمامه عليه لتخليق الولد.
وأيضًا: فإنَّ المرأة مفعول بها طبعًا وشرعًا، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع» اهـ.
* * *
[ ١١ / ٢٦٤ ]
٣٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ"».
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا».
تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ: تلْمَعُ وتُضيءُ.
قَوْلُهَا: «تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ». الأسارير هي: هي الخطوط التي في الجبهة.
وَقَوْلُهَا: «كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا» القائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر سمي بذلك لأنَّه يقفو الأشياء أي يتبعها فكأنَّه مقلوب من القافي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات النسب بالقافة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٨ - ٤٢٥): «فصل: الرابع: القافة، حكم رسول الله ﷺ وقضاؤه باعتبار القافة وإلحاق النسب بها.
[ ١١ / ٢٦٥ ]
ثبت في "الصحيحين": من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم ترى أنَّ مجززا المدلجى نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّا هذه الأقدام بعضها من بعض"، فسر النبي ﷺ بقول القائف ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها، ولا أعجب بها، ولكانت بمنزلة الكهانة. وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنًا. قال الشافعي: والنبي ﷺ أثبته علمًا، ولم ينكره، ولو كان خطأً لأنكره، لأنَّ في ذلك قذف المحصنات، ونفي الأنساب، انتهى.
كيف والنبي ﷺ قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سحماء"، فلما جاءت به على شبه الذي رميت به قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" وهل هذا إلَّا اعتبار للشبه وهو عين القافة، فإنَّ القائف يتبع أثر الشبه، وينظر إلى من يتصل، فيحكم به لصاحب
[ ١١ / ٢٦٦ ]
الشبه، وقد اعتبر النبي ﷺ الشبه وبين سببه، ولهذا لما قالت له أم سلمة: أو تحتلم المرأة، فقال: "مم يكون الشبه".
وأخبر في الحديث الصحيح، أنَّ ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة، كان الشبه له، وإذا سبق مأوها ماءه، كان الشبه لها. فهذا اعتبار منه للشبه شرعًا وقدرًا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافه.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف، قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما.
قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنهما، وهما أبواه يرثانه، ذكره سعيد أيضًا.
وروى الأثرم بإسناده، عن سعيد بن المسيب، في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت، فولدت غلامًا يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة فنظروا، فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه.
[ ١١ / ٢٦٧ ]
ولا يعرف قط في الصحابة من خالف عمر وعليًا ﵄ في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة، وبحضرته المهاجرون والأنصار، فلم ينكره منهم منكر.
قال الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل وَالرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، ومعلوم أنَّ الشبه قد يوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصة أسامة وزيد، ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود يخالف لونهما، فلم يمكنه النبي ﷺ من نفيه، ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرًا، ولو كان للشبه أثر، لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعين، ولو كان الشبه له، فإنَّ النبي ﷺ قال: "أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أمية"، وهذا قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه فعلم أنَّه لو جاء على الشبه المذكور، لم يثبت نسبه منه، وإنَّما كان مجيئه على شبه دليلًا على كذبه، لا على لحوق الولد به.
[ ١١ / ٢٦٨ ]
قالوا: وأمَّا قصة أسامة وزيد، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد لمخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش، وحكم الله ورسوله في أنَّه ابنه، فلما شهد به القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله، فسر به النبي ﷺ لموافقتها حكمه، ولتكذيبها قول المنافقين، لا أنَّه أثبت نسبه بها، فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف؟.
قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبار الشبه، فإنَّها إنَّما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة، ونحن لا ننكر ذلك.
قالوا: وأمَّا حكم عمر وعلي، فقد اختلف على عمر، فروى عنه ما ذكرتم، وروى عنه أنَّ القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال وال أيهما شئت. فلم يعتبر قول القائف.
قالوا: وكيف تقولون بالشبه، ولو أقر أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشبه موجود، لم تثبتوا النسب به، وقلتم: إن لم تتفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب؟
قال أهل الحديث: من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة، ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقي بمن في أقصى المغرب، مع القطع بأنَّهما
[ ١١ / ٢٦٩ ]
لم يتلاقيا طرفة عين، ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنَّه ليس ابنا لأحدهما، ونحن إنَّما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعًا وقدرًا، فهو استناد إلى ظن غالب، ورأى راجح، وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول المقومين، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندًا إلى الأمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟
وأمَّا وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب، وإن كان واقعًا فهو من أندر شيء وأقله، والأحكام إنَّما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم المعدوم.
وأمَّا قصة من ولدت امرأته غلامًا أسود، فهو حجة عليكم، لأنَّها دليل على أنَّ العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه، وأنَّ خلافه يوجب ريبة، وأنَّ في طباع الخلق إنكار ذلك ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو الفراش، كان الحكم للدليل القوي، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إنَّ الفراش الصحيح إذا كان قائمًا، فلا يعارض بقافة ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه وهو الفراش غير مستنكر، وإنَّما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء.
وأمَّا تقديم اللعان على الشبه، وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك أيضًا هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه،
[ ١١ / ٢٧٠ ]
كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية، ويعمل بهما عند عدمهما. وأمَّا ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة، والقيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش، فسرور النبي ﷺ، وفرجه بها، واستبشاره لتعاضد أدلة النسب وتضافرها، لا لإثبات النسب بقول القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها، ولو لم تصلح القيافة دليلًا لم يفرح بها ولم يسر، وقد كان النبي ﷺ يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق، ويخبر بها الصحابة، ويحب أن يسمعوها من المخبر بها، لأنَّ النفوس تزداد تصديقًا بالحق إذا تعاضدت أدلته، وتسر به وتفرح، وعلى هذا فطر الله عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة وبالله التوفيق.
وأمَّا ما روى عن عمر أنَّه قال: وال أيهما شئت، فلا تعرف صحته عن عمر، ولو صح عنه لكان قولًا عنه، فإنَّ ما ذكرنا عنه في غاية الصحة، مع أنَّ قَوْلَهُ: وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف، ولو كان صريحًا في إبطال قوله، لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشافعي ومن وافقه.
وأمَّا إذا أقر أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، فإنَّما لم يثبت نسبه لمجرد الإقرار، فأمَّا إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف، فإنَّه لا يعتبر إنكار الباقين، ونحن لا نقصر
[ ١١ / ٢٧١ ]
القافة على بني مدلج، ولا نعتبر تعدد القائف، بل يكفي واحد على الصحيح بناء على أنَّه خبر، وعن أحمد رواية أخرى: أنَّ شهادة، فلا بد من اثنين، ولفظ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ.
فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنَّه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين، هل تلحقونه بهما، أو لا تلحقونه إلَّا بواحد، وإذا ألحقتموه بأبوين، فهل يختص ذلك باثنين، أم يلحق بهم وإن كثروا، وهل حكم الاثنين في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟.
قيل: هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم، فقال الشافعي ومن وافقه: لا يلحق بأبوين، ولا يكون للرجل إلَّا أب واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين، سقط قولها، وقال الجمهور: بل يلحق باثنين، ثم اختلفوا، فنص أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنَّه يلحق بثلاثة، وقال صاحب "المغني": ومقتضى هذا أنَّه يلحق بمن أحلقته القافة به وإن كثروا، لأنَّه إذا جاز إلحاقه باثنين، جاز إلحاقه بأكثر من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنه لا يقول بالقافة، فهو يلحقه بالمدعين وإن كثروا.
وقال القاضي: يجب أن لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن، وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، فمن لم يلحقه بأكثر من
[ ١١ / ٢٧٢ ]
واحد، قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أنَّ للولد أبًا واحدًا، وأمًَّا واحدة، ولذلك يقال: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلانة فقط. ولو قيل: فلان ابن فلان وفلان، لكان ذلك منكرًا، وعد قذفًا، ولهذا إنَّما يقال يوم القيامة: أين فلان بن فلان؟ وهذه غدرة فلان بن فلان، ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط، ومن ألحقه باثنين، احتج بقول عمر، وإقرار الصحابة له على ذلك، وبأنَّ الولد قد ينعقد من ماء رجلين، كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة.
ثم قال أبو يوسف: إنَّما جاء الأثر بذلك، فيقتصر عليه.
وقال القاضي: لا يتعدى به ثلاثة، لأنَّ أحمد إنَّما نص على الثلاثة، والأصل ألَّا يلحق بأكثر من واحد، وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ماء الأم، فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة، وما زاد على ذلك، فمشكوك فيه.
قال الملحقون له بأكثر من ثلاثة: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة، جاز خلقه من ماء أربعة وخمسة، ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط، بل إمَّا أن يلحق بهم وإن كثروا، وإمَّا أن لا يتعدى به أحد، ولا قول سوى القولين والله أعلم.
فإن قيل: إذا اشتمل الرحم على ماء الرجل، وأراد الله أن يخلق منه الولد، انضم عليه أحكم انضمام، وأتمه حتى لا يفسد، فكيف يدخل عليه ماء آخر؟ قيل: لا
[ ١١ / ٢٧٣ ]
يمتنع أن يصل الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، فينضم عليهما، وهذا كما أنَّ الولد ينعقد من ماء الأبوين، وقد سبق ماء الرجل ماء المرأة أو بالعكس، ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، وقد علم بالعادة أنَّ الحامل إذا توبع وطؤها، جاء الولد عبل الجسم ما لم يعارض ذلك مانع، ولهذا ألهم الله سبحانه الدواب إذا حملت أن لا تمكن الفحل أن ينزو عليها، بل تنفر عنه كل النفار، وقال الإمام أحمد: إنَّ الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره، وقد شبهه النبي ﷺ بسقي الزرع، ومعلوم أنَّ سقيه يزيد في ذاته والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر في إلحاق الغلام بالرجلين رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٢/ ٢٥٢)، وفي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٧٠) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ، فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ، فَقَالُوا: أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ١١ / ٢٧٤ ]
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٧١) حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبٌ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، نَحْوُهُ. قَالَ: فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: لِمَنْ تَرَى مِيرَاثَهُ؟ قَالَ هُوَ لِآخِرِهِمَا مَوْتًا.
قُلْتُ: ورواية سعيد بن منصور الذي ذكرها ابن القيم منقطعة الإسناد.
وأثر عمر في تخيير الغلام ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٦٩)، في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (١٩٩٢)، وفي [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٢/ ٢٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٦١)
مِنْ طَرِيْقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، يَخْتَصِمَانِ فِي غُلَامٍ مِنْ وِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، يَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي، وَيَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي. فَدَعَا لَهُمَا عُمَرُ ﵁ قَائِفًا مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْغُلَامِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْمُصْطَلِقِيُّ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، إِنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا. فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى ضَجَعَ ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ، لَقَدْ ذَهَبَ بِكَ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ مَذْهَبٍ». ثُمَّ دَعَا أُمَّ الْغُلَامِ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: «إِنَّ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، قَدْ كَانَ غَلَبَ عَلَيَّ النَّاسُ، حَتَّى وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ وَقَعَ بِي عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ
[ ١١ / ٢٧٥ ]
يَفْعَلُ، فَحَمَلْتُ، فِيمَا أَرَى، فَأَصَابَنِي هِرَاقَةٌ مِنْ دَمٍ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ لَا شَيْءَ فِي بَطْنِي، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْآخَرَ، وَقَعَ بِي، فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟». فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَاتَّبَعَ أَحَدَهُمَا». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَّبِعًا لِأَحَدِهِمَا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «قَاتَلَ اللهُ أَخَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن الزناد صدوق سيء الحفظ، وقد خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة ولم يذكر أمر القيافة.
روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٧١٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٦٢) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ، قَضَى فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا رَجُلًا لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَبُوهُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلرَّجُلِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا محمول أنَّه كانت بينهما دعوة مجردة.
٢ - جواز اضطجاع الوالد مع ولده في لحاف واحد.
وأصرح من هذه الرواية ما جاء عند البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا
[ ١١ / ٢٧٦ ]
وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
* * *
[ ١١ / ٢٧٧ ]
٣٢٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ -، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلاَّ اللَّهُ خَالِقُهَا"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - كراهة العزل.
وقد اختلف العلماء فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٤١):
«فصل: والعزل مكروه، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجًا من الفرج، رويت كراهته عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود.
وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضًا؛ لأنَّ فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة، وقد حث النبي ﷺ على تعاطي أسباب الولد».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «إلَّا أن يكون لحاجة، مثل أن يكون في دار الحرب، فتدعوه حاجته إلى الوطء، فيطأ ويعزل، ذكر الخرقي هذه الصورة، أو تكون زوجته أمة، فيخشى الرق على ولده، أو تكون له أمة، فيحتاج إلى وطئها وإلى بيعها، وقد روي
[ ١١ / ٢٧٨ ]
عن علي ﵁ أنَّه كان يعزل عن إمائه فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
وقد حرَّر القول في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٤٠ - ١٤٦) حيث قال: «فصل: في حكمه ﷺ في العزل.
ثبت في "الصحيحين": عن أبي سعيد قال: أصبنا سبيًا، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "وإنَّكم لتفعلون؟ " قالها ثلاثًا. "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة".
وفي السنن: عنه، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إنَّ لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أنَّ العزل الموؤدة الصغرى، قال: "كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه". وفي "الصحيحين": عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل.
[ ١١ / ٢٧٩ ]
وفي "صحيح مسلم" عنه: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
وفي "صحيح مسلم" أيضًا: عنه قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إنَّ عندي جارية، وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله"، قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إنَّ الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ: "أنا عبد الله ورسوله".
وفي "صحيح مسلم" أيضًا: عن أسامة بن زيد، أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ: "لم تفعل ذلك"؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها، أو قال: على أولادها، فقال رسول الله ﷺ: "لو كان ضارًا ضر فارس والروم".
وفى مسند أحمد، وسنن ابن ماجه، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها.
[ ١١ / ٢٨٠ ]
وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة، عن جعفر ابن ربيعة عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها"، فقال: ما أنكره.
فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة: علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود، ﵃.
قال ابن حزم: وجاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ﵃، وهذا هو الصحيح.
وحرمه جماعة، منهم أبو محمد ابن حزم وغيره.
وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة، فيباح، أولا تأذن فيحرم، وإن كانت زوجته أمة، أبيح بإذن سيدها، ولم يبح بدون إذنه، وهذا منصوص أحمد، ومن أصحابه من قال: لا يباح بحال، ومنهم من قال: يباح بكل حال. ومنهم من قال: يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة، ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة.
[ ١١ / ٢٨١ ]
فمن أباحه مطلقًا، احتج بما ذكرنا من الأحاديث، وبأنَّ حق المرأة في ذوق العسيلة لا في الإنزال، ومن حرمه مطلقًا احتج بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂، عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ: "ذلك الوأد الخفي"، وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾.
قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة، فإنَّه ناقل عن الأصل، وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية، وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية. قالوا: وقول جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئًا ينهى عنه، لنهى عنه القرآن.
فيقال: قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقَوْلِهِ: "إنَّه الموءدة الصغرى" والوأد كله حرام. قالوا: وقد فهم الحسن البصري، النهي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ لما ذكر العزل عند رسول الله ﷺ قال: "لا عليكم ألَّا تفعلوا ذاكم، فإمَّا هو القدر" قال ابن عون: فحدثت به الحسن، فقال: والله لكأنَّ هذا زجر. قالوا: ولأنَّ فيه قطع النسل المطلوب من النكاح، وسوء العشرة، وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها.
[ ١١ / ٢٨٢ ]
قالوا: ولهذا كان ابن عمر ﵁ لا يعزل، وقال: لو علمت أنَّ أحدًا من ولدى يعزل، لنكلته، وكان علي يكره العزل، ذكره شعبة عن عاصم عن زر عنه وصح عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال في العزل: هو الموؤودة الصغرى. وصح عن أبي أمامة أنَّه سئل عنه فقال: ما كنت أرى مسلمًا يفعله. وقال نافع عن ابن عمر: ضرب عمر على العزل بعض بنيه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل.
وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها: أمَّا حديث جدامة بنت وهب، فإنَّه وإن كان رواه مسلم، فإنَّ الأحاديث الكثيرة على خلافه، وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه، أنَّ رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أنَّ العزل الموؤودة الصغرى، قال: "كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" وحسبك بهذا الإسناد صحة، فكلهم ثقات حفاظ، وقد أعله بعضهم بأنَّه مضطرب فإنَّه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقيل: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن
[ ١١ / ٢٨٣ ]
جابر بن عبد الله، ومن هذه الطريق: أخرجه الترمذي والنسائي. وقيل: فيه عن أبي مطيع بن رفاعة، وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا لا يقدح في الحديث، فإنَّه قد يكون عند يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، وعنده عن ابن ثوبان عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعنده عن ابن ثوبان عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة، هل أبو رافع، أو ابن رفاعة، أو أبو مطيع؟ وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة.
ولا ريب أنَّ أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل، وقد قال الشافعي ﵀: ونحن نروى عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنَّهم رخصوا في ذلك، ولم يروا به بأسًا.
قال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه، عن سعد بن أبي قاص، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأهل الكوفة، وجمهور أهل العلم.
وقد أجيب عن حديث جدامة، بأنَّه على طريق التنزيه، وضعفته طائفة، وقالوا: كيف يصح أن يكون النبي ﷺ كذب اليهود في ذلك، ثم يخبر به
[ ١١ / ٢٨٤ ]
كخبرهم؟، هذا من المحال البين، وردت عليه طائفة أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطراب وحديث جدامة في "الصحيح".
وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين، وقالت: إنَّ اليهود كانت تقول: إنَّ العزل لا يكون معه حمل أصلًا، فكذبهم رسول الله ﷺ في ذلك، ويدل عليه قوله ﷺ: "لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه"، وقَوْلُهُ: "إنَّه الوأد الخفي"، فإنَّه وإن لم يمنع الحمل بالكلية، كترك الوطء، فهو مؤثر في تقليله.
وقالت طائفة أخرى: الحديثان صحيحان، ولكن حديث التحريم ناسخ، وهذه طريقة أبي محمد ابن حزم وغيره. قالوا: لأنَّه ناقل عن الأصل والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة، ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخر أحد الحديثين عن الآخر وأنى لهم به، وقد اتفق عمر وعلي ﵄ على أنَّها لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع، فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، قال جلس إلى عمر على والزبير وسعد ﵃ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، وتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنَّهم يزعمون أنَّها الموؤدة الصغرى، فقال
[ ١١ / ٢٨٥ ]
علي ﵁: لا تكون موؤدة حتى تمر عليها التارات السبع: حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر، فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك. وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء.
وأمَّا من جوزه بإذن الحرة، فقال: للمرأة حق في الولد، كما للرجل حق فيه، ولهذا كانت أحق بحضانته، قالوا: ولو يعتبر إذن السرية فيه لأنَّها لا حق لها في القسم، ولهذا لا تطالبه بالفيئة، ولو كان لها حق في الوطء لطولب المؤلى منها بالفيئة.
قالوا: وأمَّا زوجته الرقيقة، فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانة لولده عن الرق ولكن يعتبر إذن سيدها، لأنَّ له حقًا في الولد، فاعتبر إذنه في العزل كالحرة، ولأنَّ بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة، فكان إذنه في العزل كإذن الحرة.
قال أحمد ﵀ في رواية أبى طالب في الأمة إذا نكحها: يستأذن أهلها، يعني في العزل، لأنَّهم يريدون الولد، والمرأة لها حق، تريد الولد، وملك يمينه لا يستأذنها.
وقال في رواية صالح، وابن منصور، وحنبل، وأبي الحارث، والفضل ابن زياد والمروذي: يعزل عن الحرة بإذنها، والأمة بغير إذنها، يعنى أمته، وقال في رواية ابن هانئ: إذا عزل عنها، لزمه الولد، قد يكون الولد مع العزل. وقد قال بعض من
[ ١١ / ٢٨٦ ]
قال: ما لي ولد إلَّا من العزل. وقال في رواية المروذي: في العزل عن أم الولد: إن شاء، فإن قالت: لا يحل لك؟ ليس لها ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦٠):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ النِّسَاءَ أَقْسَامٌ:
(أَحَدُهُمَا) الزَّوْجَةُ الْحُرَّةُ وَفِيهَا طَرِيقَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا إنْ رَضِيَتْ جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ الْجَوَازُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهَا إنْ لَمْ تَأْذَنْ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَذِنَتْ فَوَجْهَانِ.
(الثَّانِي) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْحُرَّةِ إنْ جَوَّزْنَاهُ فِيهَا فَفِي الْأَمَةِ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ تَحَرُّزًا عَنْ رِقِّ الْوَلَدِ.
(الثَّالِثُ) الْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَحْقُ الْوَلَدِ.
(الرَّابِعُ) الْمُسْتَوْلَدَةُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: رَتَّبَهَا مُرَتِّبُونَ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ الرَّقِيقَةِ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ وَآخَرُونَ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْمُسْتَوْلَدَةُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَاسِخَةً
[ ١١ / ٢٨٧ ]
فِي الْفِرَاشِ وَلِهَذَا لَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَظْهَرُ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَحَاصِلُهُ الْفَتْوَى بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَغَيَّرَ إذْنُهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَعْزِلُ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَا عَنْ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا بِخِلَافِ السَّرَارِي، هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَعْزِلُ عَنْ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إلَّا مَا لَا يَلْحَقُهُ عَزْلٌ وَفِي دَعْوَى نَفْيِ الْخِلَافِ نَظَرٌ لِمَا قَدْ عَرَفْته مِنْ مَذْهَبِنَا، وَقَالَ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ لِمَا عَرَفْته فِي مَذْهَبِنَا.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْ مَمْلُوكَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا يَجُوزُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يُبَحْ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: بَلْ بِإِذْنِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ الْعَزْلُ بِحَالٍ وَقِيلَ: يُبَاحُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: لَا يَحِلُّ الْعَزْلُ عَنْ حُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ مُطْلَقًا» اهـ.
قُلْتُ: حديث جابر رواه الترمذي (١١٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
[ ١١ / ٢٨٨ ]
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ، فَزَعَمَتِ اليَهُودُ أَنَّهَا المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ: «كَذَبَتِ اليَهُودُ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكن الصحيح أنَّه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٣٧): «وسئل أبي عن حديث: اختلف هشام الدستوائي، ومعمر بروايتهما، عن يحيى بن كثير:
فروى هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إنَّ لي وليدة، وأنا أعزل عنها، وأكره أن تحمل، وإنَّ اليهود تقول: هي الموؤودة الصغرى فقال: "كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه".
وروى يزيد بن زريع، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، عن النبي ﷺ.
قال أبي: حديث هشام الدستوائي أشبه من حديث معمر» اهـ.
[ ١١ / ٢٨٩ ]
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ هذا هو الصواب في حديث يحيى بن أبي كثير، فإنَّ أبا رفاعة من المجاهيل، وهو علة الحديث.
والذي يظهر لي أنَّ العزل مما يكره لما رواه مسلم (١٤٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ، قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا»، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٦٣):
«العزل هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج وهو مكروه عندنا في كل حال وكل امرأة سواء رضيت أم لا لأنَّه طريق إلى قطع النسل، ولهذا جاء في الحديث الآخر تسميته "الوأد الخفي" لأنَّه قطع طريق الولادة كما يقتل المولود بالوأد» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٥/ ١٦٩): «وقد سبق في باب العزل وجه تسمية هذا وأدًا، وهو مشابهته الوأد في تفويت الحياة» اهـ.
[ ١١ / ٢٩٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦١ - ٦٢):
«وَحَمَلَ وَالِدِي ﵀ أَيْضًا حَدِيثَ جُدَامَةَ عَلَى الْعَزْلِ عَنْ الْحَامِلِ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْ حُصُولِ الْحَمْلِ وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْمَنِيَّ يَغْذُوهُ فَقَدْ يُؤَدِّي إلَى مَوْتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ فَيَكُونُ وَأْدًا خَفِيًّا، وَسَأَلَ وَالِدِي أَيْضًا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَوْجُهٍ:
(مِنْهَا) أَنَّ قَوْلَهُمْ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ وَأْدٌ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَأْدِ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﵊: إنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ أَصْلًا فَلَا يُرَتِّبُ عَلَيْهِ حُكْمَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إنَّ الرِّيَاءَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ وَإِنَّمَا شُبِّهَ بِالْوَأْدِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ طَرِيقِ الْوِلَادَةِ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يحرم العزل لما رواه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ».
زَادَ مسلم عَنْ سُفْيَانَ: «لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ».
وفي رواية لمسلم: «فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْهَنَا».
[ ١١ / ٢٩١ ]
قُلْتُ: وأمَّا ما قاله بعض الفقهاء من مشروعية إسقاط الجنين قبل نفخ الروح إلحاقًا بالعزل فقول غير صحيح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (ص: ٤٩):
«وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها مالم ينفخ فيه الروح وجعلوه كالعزل وهو قول ضعيف لأنَّ الجنين ولد انعقد وربما تصور وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية وإنَّما تسبب إلى منع انعقاده وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه كما قال النبي ﷺ لما سئل عن العزل قال: "لا عليكم أنْ لا تَعزِلُوا، إنَّه ليسَ مِنْ نفسٍ منفوسةٍ إلَّا الله خالقُها" وقد صرَّح أصحابنا بأنَّه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه لأنَّه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنَّها لم تنعقد بعد وقد لا تنعقد ولدًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في جواز إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه فالمشهور عند الحنابلة مشروعية إلقاء النطفة دون غيرها من العلقة والمضغة، ومنهم من أجاز إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١/ ٢٧٤):
«فائدتان:
[ ١١ / ٢٩٢ ]
إحداهما: يجوز شرب دواء لإسقاط نطفة ذكره في الوجيز وقدمه في الفروع وقال ابن الجوزي في أحكام النساء: يحرم. وقال في الفروع: وظاهر كلام ابن عقيل في الفنون أنَّه يجوز إسقاطه قبل أن ينفخ فيه الروح، قال: وله وجه انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: والأحوط أنَّ المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل» اهـ.
قُلْتُ: وقد أفتى بجواز إلقاء النطفة الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١١/ ١٣٥) - بعد ذكره لكلام العلامة ابن رجب ﵀:
«وبما قدمناه يظهر جواز إلقاء النطفة ودليله وتعليله واضح.
وأمَّا المدة التي يجوز إلقاء النطفة فيها فهي أربعون يومًا، وابتداؤها من الوطء الحاصل في الطهر، وإن تكرر الوطء فالغالب أن ذلك يعرف لدى النساء فيسألن عن ذلك، ولا سيما من لهن التجارب والخبرة بالحبل وأحواله وما يعرض للحبلى، وإن تعذر ذلك فبالكشف إن أمكن، والله ﷾ أعلم. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكتبه من إملائه عبد الله بن إبراهيم الصانع. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» اهـ.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
وممن منع من ذلك اللجنة الدائمة للإفتاء فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢١/ ٤٣٥ - ٤٣٨):
«فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من سعادة مدير عام المستشفيات بوزارة الصحة، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (٢٧٦٨) وتاريخ ٢\ ٧ \ ١٤١٥ هـ وقد سأل المستفتي سؤالًا هذا نصه:
إشارة إلى ما ورد للوزارة من استفسارات من بعض إدارات الشؤون الصحية بالمناطق عن عمر الجنين الذي يعتبر فيه وفاة، والعمر الذي يعتبر فيه إجهاض، ونسبة لأنَّ الموضوع تدخل فيه أمور شرعية وقانونية، آمل من سماحتكم التكرم بموافاتنا بفتوى شرعية عن عمر الجنين أثناء فترة الحمل، والذي يعتبر ما دونه إسقاط، وما فوقه وفاة؛ لنتمكن من إفادة المناطق الصحية للعمل بموجبها.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
أولا: حكم الإسقاط:
١ - الأصل أنَّ إسقاط الحمل في مختلف مراحله لا يجوز شرعًا.
[ ١١ / ٢٩٤ ]
٢ - إسقاط الحمل في مدة الطور الأول وهي مدة الأربعين لا تجوز إلَّا لدفع ضرر متوقع أو تحقيق مصلحة شرعية، تقدر كل حالة بعينها من المختصين طبًا وشرعًا، أمَّا إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفًا من العجز عن تكاليف المعيشة والتعليم، أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من الأولاد- فغير جائز.
٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أنَّ استمراره خطر على سلامة أمه؛ بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره، فإذا قررت اللجنة ذلك جاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل؛ لتلافي تلك الأخطار.
٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أنَّ بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنَّما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضررين وجلبًا لعظمى المصلحتين.
ثانيًا: الأحكام بعد سقوط الحمل:
وهي مختلفة باختلاف زمن الإسقاط في أي من أطواره الأربعة على ما يلي:
[ ١١ / ٢٩٥ ]
الحكم الأول: إذا سقط الحمل في الطورين الأولين: طور النطفة المختلطة من المائين، وهي في الأربعين الأولى من علوق الماء في الرحم، وطور العلقة، وهو: طور تحولها إلى دم جامد في الأربعين الثانية إلى تمام ثمانين يومًا، ففي هذه الحالة لا يترتب على سقوطها نطفة أو علقة شيء من الأحكام بلا خلاف، وتستمر المرأة في صيامها وصلاتها كأنَّه لم يكن إسقاط، وعليها أن تتوضأ لوقت كل صلاة إذا كان معها دم كالمستحاضة.
الحكم الثاني: إذا سقط الحمل في الطور الثالث، طور المضغة، - أي: قطعة من لحم- وفيه تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته وهو في الأربعين الثالثة من واحد وثمانين يومًا إلى تمام مائة وعشرين يومًا، فله حالتان:
١ - أن تكون تلك المضغة ليس فيها تصوير ظاهر لخلق آدمي ولا خفي، ولا شهادة القوابل بأنَّها مبدأ إنسان، فحكم سقوط المضغة هذه حكم سقوطها في الطورين الأولين، لا يترتب عليه شيء من الأحكام.
٢ - أن تكون المضغة مستكملة لصورة آدمي أو فيها تصوير ظاهر من خلق الإنسان؛ يد أو رجل أو نحو ذلك، أو تصوير خفي، أو شهد القوابل بأنَّها مبدأ إنسان، فحكم سقوط المضغة هنا أنَّه يترتب عليها النفاس وانقضاء العدة.
[ ١١ / ٢٩٦ ]
الحكم الثالث: إذا سقط الحمل في الطور الرابع، أي: بعد نفخ الروح، وهو من أول الشهر الخامس من مرور مائة وواحد وعشرين يومًا على الحمل فما بعد، فله حالتان، وهما:
١ - أن لا يستهل صارخًا، فله أحكام الحالة الثانية للمضغة المذكورة سابقًا، ويزيد أنَّه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى ويعق عنه.
٢ - أن يستهل صارخًا، فله أحكام المولود كاملة، ومنها ما في الحالة قبلها آنفًا، وزيادة هاهنا هي: أنَّه يملك المال من وصية وميراث، فيرث ويورث وغير ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: هذا تقرير مذهب الحنابلة.
أمَّا مذهب الحنفية فَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٣/ ١٧٦):
[ ١١ / ٢٩٧ ]
«قَالَ فِي النَّهْرِ: بَقِيَ هَلْ يُبَاحُ الْإِسْقَاطُ بَعْدَ الْحَمْلِ؟ نَعَمْ يُبَاحُ مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّخْلِيقِ نَفْخَ الرُّوحِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ التَّخْلِيقَ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يُفِيدُ عَدَمَ تَوَقُّفِ جَوَازِ إسْقَاطِهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إذْنِ الزَّوْجِ.
وَفِي كَرَاهَةِ الْخَانِيَّةِ: وَلَا أَقُولُ بِالْحِلِّ إذْ الْمُحْرِمُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ فَلَمَّا كَانَ يُؤَاخَذُ بِالْجَزَاءِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا إثْمٌ هُنَا إذَا سَقَطَ بِغَيْرِ عُذْرِهَا اهـ.
قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ لَبَنُهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ وَلَيْسَ لِأَبِي الصَّبِيِّ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الظِّئْرَ وَيَخَافُ هَلَاكَهُ.
وَنُقِلَ عَنْ الذَّخِيرَةِ لَوْ أَرَادَتْ الْإِلْقَاءَ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ هَلْ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى يَقُولُ: إنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ مَآلُهُ الْحَيَاةُ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ كَمَا فِي بَيْضَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَنَحْوُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
[ ١١ / ٢٩٨ ]
قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: فَإِبَاحَةُ الْإِسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ، أَوْ أَنَّهَا لَا تَأْثَمُ إثْمَ الْقَتْلِ اهـ. وَبِمَا فِي الذَّخِيرَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا بِالتَّحْقِيقِ إلَّا نَفْخُ الرُّوحِ، وَأَنَّ قَاضِيَ خَانْ مَسْبُوقٌ بِمَا مَرَّ مِنْ التَّفَقُّهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ ح» اهـ.
وأمَّا مذهب المالكية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦): «تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْعَلَ مَا يُسْقِطُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ الْجَنِينِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ فِعْلُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَقِيلَ يُكْرَهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمَرْأَةِ شُرْبُ مَا يُسْقِطُهُ إنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ انْتَهَى وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ» اهـ.
وأمَّ مذهب الشافعية.
فَقَالَ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ] (٤/ ٤٧):
«وَفِي ابْنِ حَجَرٍ: فَرْعٌ اخْتَلَفُوا فِي التَّسَبُّبِ لِإِسْقَاطِ مَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وِفَاقًا لِابْنِ الْعِمَادِ وَغَيْرِهِ الْحُرْمَةُ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْعَزْلِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْمَنِيَّ حَالَ نُزُولِهِ مَحْضُ جَمَادٍ، لَمْ يَتَهَيَّأْ
[ ١١ / ٢٩٩ ]
لِلْحَيَاةِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِهِ بَعْدِ اسْتِقْرَارِهِ فِي الرَّحِمِ وَأَخْذُهُ فِي مَبَادِي التَّخَلُّقِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْأَمَارَاتِ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ ابْتِدَاؤُهُ. وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ إلَخْ فِي شَرْحِ مَرَّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ خِلَافُهُ، وَقَوْلُهُ وَأَخْذُهُ فِي مَبَادِي التَّخَلُّقِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبْلَ ذَلِكَ وَعُمُومُ كَلَامِهِ الْأَوَّلُ يُخَالِفُهُ وَقَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ.
أَمَّا مَا يُبْطِئُ الْحَبَلَ مُدَّةً وَلَا يَقْطَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَتَرْبِيَةِ وَلَدٍ لَمْ يُكْرَهْ أَيْضًا وَإِلَّا كُرِهَ» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخِ عَلِيٌّ الشبراملسي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ] (٦/ ١٨٢):
«وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّسَبُّبِ فِي إلْقَاءِ النُّطْفَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الرَّحِمِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْزَدِيُّ يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إلَى التَّخَلُّقِ الْمُهَيَّأِ لِنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَزْلُ اهـ حَجّ.
[ ١١ / ٣٠٠ ]
وَحَكَى الشَّارِحُ خِلَافًا فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَطَالَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ثَمَّ اعْتِمَادُ عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلْيُرَاجَعْ» اهـ.
٢ - وفي قَوْلِهِ: «وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ». دليل على أنَّ الأصل في النهي التحريم.
٣ - وفيه أنَّ العزل لا يرد القدر.
٤ - ويلحق بالعزل سائر الأدوية التي تستعمل لمنع الحمل.
قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٨/ ٤٤٣) نقلًا عن الزركشي:
«أَمَّا اسْتِعْمَالُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ دَوَاءً لِمَنْعِ الْحَبَلِ فَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ أَفْتَى الْعِمَادُ بْنُ يُونُسَ، فَسُئِلَ عَمَّا إذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ عَلَى تَرْكِ الْحَبَلِ هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي لِمَنْعِهِ بَعْدَ طُهْرِ الْحَيْضِ. أَجَابَ لَا يَجُوزُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَزْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى سَدُّ بَابِ النَّسْلِ ظَنًّا وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ فَلَوْ فُرِّقَ بَيْنَ مَا يَمْنَعُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَ مَا يَمْنَعُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَيَكُونُ كَالْعَزْلِ لَكَانَ مُتَّجِهًا. وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ لِلْبَالِسِيِّ نَحْوُ هَذَا اهـ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ» اهـ.
[ ١١ / ٣٠١ ]
فَقَالَ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ] (٤/ ٤٧):
«وَقَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ.
أَمَّا مَا يُبْطِئُ الْحَبَلَ مُدَّةً وَلَا يَقْطَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَتَرْبِيَةِ وَلَدٍ لَمْ يُكْرَهْ أَيْضًا وَإِلَّا كُرِهَ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦٢):
«وَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ إبَاحَةِ الْعَزْلِ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ يُونُسَ وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ دَوَاءٍ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْحَبَلِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ وَقَدْ يُقَالُ هَذَا سَبَبٌ لِامْتِنَاعِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَالْعَزْلُ فِيهِ تَرْكٌ لِلسَّبَبِ فَهُوَ كَتَرْكِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣):
«وَلَهَا شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: بِإِذْنِ زَوْجٍ كَالْعَزْلِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ.
[ ١١ / ٣٠٢ ]
وَالزَّوْجَةُ تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا، وَيُتَوَجَّهُ يُكْرَهُ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ بِهَا بِلَا علم يتوجه تَحْرِيمُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مُطْلَقًا، مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ، ويتوجه في الكافور ونحوه كقطع الْحَيْضِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي الْحِنْبَلِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١/ ٣٨٣):
«فَائِدَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مُطْلَقًا. مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
كَالْعَزْلِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: فِي الْفُرُوعِ يُؤَيِّدُهُ: قَوْلُ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ "وَالزَّوْجَةُ تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا". وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ يُكْرَهُ. وَقَالَ: وَفِعْلُ الرَّجُلِ ذَلِكَ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ يُتَوَجَّهُ تَحْرِيمُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مُطْلَقًا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْكَافُورِ وَنَحْوِهِ لَهُ لِقَطْعِ الْحَيْضِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ سَدَّدهُ اللهُ فِي [الْمُلَّخَصِ الْفِقْهِي] (١/ ٩٠):
«تنبيه هام:
[ ١١ / ٣٠٣ ]
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أنَّ البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج، فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم فترة ولا تقطعه؛ فلا بأس بتناولها، وإن كانت تقطع الحيض قطعًا مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز؛ إلَّا بإذن الزوج؛ لأنَّ هذا يترتب عليه قطع النسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (١/ ٢٠٤):
«وَبَقِيَ مَا إذَا اسْتَعْمَلَتْ مَا يَرْفَعُهُ - أي الحيض- بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُقِلُّهُ، وَالْحُكْمُ الْكَرَاهَةُ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ قَطْعَ النَّسْلِ أَوْ قِلَّتَهُ وَإِلَّا حَرُمَ» اهـ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمِ بْنِ سَالِمٍ النَّفْرَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي] (١/ ١١٧): «وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً لِقَطْعِهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ نَسْلَهُ أَوْ يُقَلِّلَهُ» اهـ.