وقد عدها أحمد وأبو حنيفة من الأيمان المكفرة، وذهب الشافعي إلى أنَّ اليمين لا تنعقد بها، وحجته في ذلك أنَّ الأمانة تطلق على الفرائض كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وتطلق على الودائع والحقوق كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ [النساء: ٥٨].
قُلْتُ: الصحيح القول الأول، وذلك أنَّ الأصل في إضافة المعاني إلى ذوات أنَّها من إضافة الصفات إلى الموصوف بها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٥٤٨): «فمن حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به أو عني به مخلوقًا فقد أساء، وإن أراد بها صفة من صفات الله نحو وأمانة الله أو عصمته جاز ذلك» اهـ.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
قُلْتُ: بقى أن يقال: من أين أخذت صفة الأمانة لله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١/ ١٥٠): «الحلف بالأَمانة إذا اطلق فهو مكروه أَوْ حرام، لأَنَّ الأَمانة فيها اشتراك، وذلك أَنْ الأَمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أَنَّ كل كمال اتصف به المخلوق فالله أَحق وأَولى به» اهـ.
وقال بعضهم: هي مأخذوة من اسم الله الأمين، ولا أعلم لهذا الاسم أصلًا في الكتاب أو السنة بهذا اللفظ إلَّا ما سيأتي في اسم المهيمن.
قُلْتُ: ويمكن أن تؤخذ من اسم الله المهيمن، فإنَّه على أحد التفاسير بمعنى الأمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ] (١/ ١٦٦): «ومنها المهيمن قال الله ﷿: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾.
ورويناه في خبر الأسامي.
قال الحليمي: ومعناه لا ينقص المطيعين يوم الحساب من طاعاتهم شيئًا فلا يثيبهم عليه لأنَّ الثواب لا يعجزه ولا هو مستكره عليه فيضطر إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل فيحمله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان
[ ١٣ / ١٥٧ ]
بعضها، ولا يلحقه نقص بما يثيب فيحبس بعضه، لأنَّه ليس منتفعًا بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعه عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيع من حسناته شيئًا لا يزيد العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم، عقابًا على ما استحقوه لأنَّ واحدًا من الكذب والظلم غير جائز عليه، وقد سمى عقوبة أهل النار جزاء، فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاء، ولم يكن وفاقًا، فدل ذلك على أنَّه لا يفعله.
قُلْتُ: وهذا الذي ذكره شرح قول أهل التفسير في المهيمن إنَّه الأمين.
قال أبو سليمان: وأصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء لأنَّ الهاء أخف من الهمزة» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا قال: والأمانة ولم يضفها إلى الله تعالى، ففيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنَّها يمين، وهي محمولة على صفة الله تعالى.
والثانية: لا تكون يمينًا؛ لأنَّه لم يضفها إلى الله - تعالى، فيحتمل غير ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الثاني هو الذي يظهر لي صحته، لما رواه أحمد (٢٣٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٥٣) عَنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١٣ / ١٥٨ ]