ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٧٠١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ ﷿ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِسُنَنِ النَّسَائِيِّ] (٨/ ٢٤٩): «آلله ما أجلسكم بهمزة ممدودة هو عوض من باء القسم» اهـ.
قُلْتُ: وهذه الهمزة يقال لها همزة الاستفهام وليس حقيقتها الاستفهام.
وهذه الإنابة خاص بلفظ الجلالة "الله".
[ ١٣ / ١٥٩ ]
ومن خصوصياته أيضًا حذف واو القسم وإبدالها بـ"ها التنبيه" نحو: ها الله لأفعلنَّ، ولك حذف الألف في "ها"، والهمزة من اسم الله تعالى؛ فتقول: هالله لأفعلنَّ.
ولك أن تثبت ألفها، وتقطع الهمزة من اسم الله تعالى؛ فتقول: ها ألله لأفعلنَّ.
ولك أن تحذف ألف "ها" أيضًا فتقول: هألله لأفعلنَّ.
وذهب البصريون: إلى أنَّه لا يجوز إعمال حرف الجر محذوفًا إلَّا بعوض كالأمثلة السابقة، وأجاز الكوفيون ذلك بغير عوض.
وهذا جائز في القسم باسم الجلالة "الله" دون غيره لكثرة الاستعمال فحذفوا حرف القسم تخفيفًا فنقل عن العرب قولهم: اللهِ لأفعلنَّ.
٣ - وفيه النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وهو يشمل الحلف بالنبي محمد ﷺ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): «ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين أنَّه تنعقد اليمين بأحد من الأنبياء إلَّا في نبينا ﷺ فإنَّ عن أحمد روايتين في أنَّه تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف في سائر الأنبياء وهذا ضعيف. وأصل
[ ١٣ / ١٦٠ ]
القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنَّه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٣٤٩): «وعن أحمد بن حنبل رواية أنَّه يحلف بالنبي ﷺ خاصة؛ لأنَّه يجب الإيمان به خصوصًا ويجب ذكره في الشهادتين والأذان. فللإيمان به اختصاص لا يشركه فيه غيره. وقال ابن عقيل: بل هذا لكونه نبيًا. وطرد ذلك في سائر الأنبياء مع أنَّ الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنَّه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة ولا ملك من الملوك ولا شيخ من الشيوخ» اهـ.
قُلْتُ: والنهي عن الحلف بغير الله تعالى محرم على الصحيح من أقوال العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠): «والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد كما تقدم، حتى أنَّ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما يقول أحدهم: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا. وفي
[ ١٣ / ١٦١ ]
لفظ: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أضاهي. فالحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٥٥ - ٣٥٧): «وقد اختلف العلماء في أنَّ الحلف بمخلوق حرام أو مكروه، والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن المشهور عند المالكية الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عباس: "لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر"، وقال ابن عبد البر: فيه أنَّه لا يجوز الحلف بغير الله، وهذا أمر مجتمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أنَّ اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفارة إذا أحنث فأوجبها بعضهم، وأباها بعضهم، وهو الصواب انتهى.
وقال الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله تعالى معصية. قال أصحابه: أي حرامًا، وإثمًا قالوا: فأشار إلى تردد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنَّه ليس بحرام بل مكروه، ولذا قال النووي في "شرح مسلم": هو عند أصحابنا مكروه، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذي عليه كراهية الحلف بغير الله، وقيد ذلك والدي ﵀ في شرح الترمذي بالحلف بغير اللات والعزى وملة
[ ١٣ / ١٦٢ ]
غير ملة الإسلام، فأمَّا الحلف بنحو هذا فهو حرام، وكأنَّ ذلك لأنَّها قد عظمت بالعبادة، وقد قال أصحابنا إنَّه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر" انتهى فمعظم اللات والعزى كافر لأنَّ تعظيمها لا يكون إلَّا للعبادة بخلاف معظم الأنبياء والملائكة والكعبة والآباء والعلماء والصالحين لمعنى غير العبادة لا تحريم فيه لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف في ذلك لورود النهي عنه، وحكمته أنَّ حقيقة العظمة مختصة بالله تعالى كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ، وإن لم ترد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود، وأمَّا الحلف بالنصرانية ونحوها فلا أشك في أنَّه كفر؛ لأنَّ تعظيمها بأي وجه كان يقتضي حقيقتها، وذلك كفر إلَّا أن يتأول الحالف أنَّه أراد تعظيمها حين كانت حقًا قبل نسخها فلا أكفره حينئذ، ولكن أحكم عليه بالعصيان لبشاعة هذا اللفظ والتشبه فيه بأهل الكفر والضلال، والله أعلم انتهى» اهـ.
٤ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٦٤): «فيه أنَّه إذا قال: أقسمت لأفعلنَّ كذا وكذا لا تكون يمينًا لأنَّه لم يحلف
[ ١٣ / ١٦٣ ]
بالله تعالى، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأحمد إن نوى بالله أو بصفة من صفاته كان يمينًا، وإلَّا فلا، وقال أبو حنيفة هو يمين مطلقًا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّها تعتبر يمينًا إذا نوى القسم باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، فإنَّما الأعمال بالنيات.
وقد مضى القول في ذلك.
٥ - وفيه إطلاق الصمت على السكوت عن بعض الكلام، وإن كان متكلمًا بغيره.
* * *
[ ١٣ / ١٦٤ ]
٣٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ».
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ».
قَوْلُهُ: «فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» يعني: قالَ له المَلَكُ.
قَوْلُهُ: «لَأَطُوفَنَّ». الطواف: هو الدوران حول الشيء، وهو ها هنا كناية عن الجماع.
قَوْلُهُ: «فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» يعني: قالَ له المَلَكُ.
قد جاء ذلك صريحًا فيما رواه البخاري (٥٢٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ
[ ١٣ / ١٦٥ ]
مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ"».
وَقُوْلُهُ: «وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ». الدرك اللحاق، ومنه قول الله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، والمعنى: لحصل له مطلوبه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ القسم ينعقد بنيته مع حذف القسم والمقسم به، إذا وجد ما يدل عليه وهو جواب القسم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٦٠): «واللام جواب القسم وهو محذوف أي: والله لأطوفنَّ، ويؤيده قوله في آخره: "لم يحنث"؛ لأنَّ الحنث لا يكون إلَّا عن قسم، والقسم لا بد له من مقسم به» اهـ.
قُلْتُ: إذا وقع بعد لام القسم فعل مستقبل ومعه النون الثقيلة أو الخفيفة، فذلك دليل على قسم محذوف.
نحو قولك: لتذهبنَّ، ولتسافرنَّ. أي: والله لتذهبن، وولله لتسافرنَّ.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٨].
وقد تكون مع الماضي متصلة بقد نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أي والله لقد علمتم.
ومن ذلك أنَّ القسم قد يحذف وتدل عليه اللام الْمُوَطِّئَةِ أو المؤذنة بالقسم.
اللام الموطئة وتسمى: المؤذنة، وهي الداخلة على أداة شرط للإيذان بأنَّ الجواب بعدها مبني على قسم مقدر لا على الشرط، سميت موطئة لأنَّها وطأت الجواب للقسم أي مهدته له، مثل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، وأكثر ما تدخل على إن، وقد تدخل على غيرها، نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ
[ ١٣ / ١٦٧ ]
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
فقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فـ: "اللام" موطِّئة للقسم أي لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة، و: "ما" اسم شرط جازم مبنيٌّ في محلِّ نصب مفعول به مقدَّم و: "آتيت" فعل ماض مبنيٌّ على السكون في محلِّ جزم فعل الشرط.
وجواب القسم: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واللام واقعة في جواب القسم.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]، فقوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ فـ: "اللام" موطّئة للقسم، و: "من" اسم شرط جازم مبنيٌّ في محلِّ رفع مبتدأ.
٢ - وفيه أنَّ الإكثار من النساء فوق الأربع مما كان مباحًا للأنبياء الماضين.
وَقَوْلُهُ: «تِسْعِينَ امْرَأَةً». هذه إحدى الروايات في الصحيحين، وهذا مما اختلف فيه الرواة، فقد رواه البخاري (٢٨١٩) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ».
ورواه البخاري (٥٢٤٢) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ».
[ ١٣ / ١٦٨ ]
ورواه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً».
ورواه البخاري (٧٤٦٩)، ومسلم (١٦٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٦٠): «فمحصل الروايات ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، والجمع بينها أنَّ الستين كنَّ حرائر وما زاد عليهن كنَّ سراري، أو بالعكس، وأمَّا السبعون فللمبالغة، وأمَّا التسعون، والمائة فكنَّ دون المائة وفوق التسعين فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر» اهـ.
٣ - وفيه ما كان عليه نبي الله سليمان ﵊ من القوة على الجماع، والحرص على الجهاد في سبيل الله تعالى.
٤ - وفيه أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه منه.
[ ١٣ / ١٦٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧): «فصل: وقوله ﷺ في الخطبة: "إلَّا الإذخر"، بعد قول العباس له: إلَّا الإذخر، يدل على مسألتين:
إحداهما: إباحة قطع الإذخر.
والثانية: أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه، لأنَّ النبي ﷺ لو كان ناويًا لاستثناء الإذخر من أول كلامه، أو قبل تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامه أنَّهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه ﷺ لسهيل ابن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكره به ابن مسعود، فقال: "لا ينفلتن أحد منهم إلَّا بفداء أو ضربة عنق" فقال ابن مسعود: إلَّا سهيل ابن بيضاء، فإنِّي سمعته يذكر الإسلام، فقال: "إلَّا سهيل ابن بيضاء" ومن المعلوم أنَّه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.
ونظيره أيضًا: قول الملك لسليمان لما قال: "لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقال له الملك: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل، فقال النبي ﷺ: "لو قال: إن شاء الله تعالى، لقاتلوا في سبيل الله
[ ١٣ / ١٧٠ ]
أجمعون"، وفي لفظ: "لكان دركًا لحاجته" فأخبر أنَّ هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.
ونظير هذا قوله ﷺ: "والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزون قريشًا" ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصير إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وذهب بعض علماء الشافعية والحنابلة والحنفية أنَّ الاستثناء لا بد أن ينويه المرء قبل أن ينتهي من التلفظ بالمستثنى منه، وهذا خلاف الحديث.
ومن الشافعية من قال: لا يصح إلَّا أن يكون ينوي ذلك من ابتداء الكلام.
قُلْتُ: والاستثناء المنقطع عن اليمين لا يرفع الحنث إلَّا إذا كان قريبًا من اليمين كأن يسكت الحالف وينقطع لسماع من يحثه على الاستثناء فيستثني بعد سماعه وسكوته كما جاءت بذلك السنة.
وأمَّا ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٥/ ١٨٢) فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
[ ١٣ / ١٧١ ]
مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا قُلْتَ شَيْئًا فَلَمْ تَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُلْ إِذَا ذَكَرْتَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (١١٩)، و[الْكَبِيْرِ] (١١٠٦٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٩٣١) من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: نا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ كَانَ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، يَقُولُ: إِذَا ذَكَرَتْ فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُجَاهِدٍ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ اللَّيْثُ، عَنْ مُجَاهِدٍ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا أَبُو مُعَاوِيَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: يَحْيَى.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وله شاهد يقويه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٨٣٣).
فللعلماء تأويل له.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١٩٦):
«قَالَ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ قَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ حِينٍ؟ قَالَ: إنَّمَا هَذَا فِي الْقَوْلِ؛ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ؛ كَانَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ
[ ١٣ / ١٧٢ ]
اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إنَّمَا هَذَا فِي الْقَوْلِ؛ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٥٨):
«أَيْ: إذَا نَسِيتَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءَ عَقِيبَ كَلَامِك فَاذْكُرْهُ بِهِ إذَا ذَكَرْت، هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَرَاخِي، وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ عَبَّاسٍ قَطُّ، وَلَا مَنْ هُوَ دُونَهُ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ " أَوْ لِعَبْدِهِ: " أَنْتَ حُرٌّ " ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَنَةٍ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " إنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ، وَأَخْطَأَ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَلْبَتَّةَ، وَلَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ» اهـ.
وَقَالَ فِي [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] (ص: ٤٧):
«قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال الحسن: "إذا نسيت أن تقول إن شاء الله" وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس متراخيًا ويتأول عليه الآية لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق والعتاق وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن» اهـ.
وَقَالَ فِي [الْمَدَارِجِ] (٢/ ٤٠٣):
[ ١٣ / ١٧٣ ]
«وَتَفْسِيرُ الْآيَةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّكَ لَا تَقُلْ لِشَيْءٍ: أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى تَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَإِذَا نَسِيتَ أَنْ تَقُولَهَا فَقُلْهَا مَتَى ذَكَرْتَهَا. وَهَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَرَاخِي الَّذِي جَوَّزَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ الْآيَةَ. وَهُوَ الصَّوَابُ.
فَغَلِطَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ قَالَ: نِسَائِيَ الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ. ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ يَقُولُ: إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ: إِلَّا زَيْنَبَ - إِنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يَنْفَعُهُ.
وَقَدْ صَانَ اللَّهُ عَنْ هَذَا مَنْ هُوَ دُونَ غِلْمَانِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكَثِيرٍ، فَضْلًا عَنِ الْبَحْرِ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَعَالِمِهَا الَّذِي فَقَّهَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ وَعَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَنْقُلُ النَّاسُ الْمَذَاهِبَ الْبَاطِلَةَ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالْأَفْهَامِ الْقَاصِرَةِ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ ذَلِكَ لَطَالَ جِدًّا وَإِنْ سَاعَدَ اللَّهُ أَفْرَدْنَا لَهُ كِتَابًا» اهـ.
٥ - وفي قَوْلِهِ: «فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ». ما يدل على أنَّ المرء إذا لم يستثن قد يبتلى بنقيض ما أراد.
٦ - هذا الحديث أحسن ما يفسر به قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤].
[ ١٣ / ١٧٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ٢٥٤): «فإذا علمت هذا فاعلم أنَّ هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية، وأنَّ فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله "إن شاء الله"، وأنَّه لم يلد من تلك النساء إلَّا واحدة نصف إنسان، وأنَّ ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه; حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه، إلى آخر القصة، لا يخفى أنَّه باطل لا أصل له، وأنَّه لا يليق بمقام النبوة. فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنَّها باطلة.
والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة، واختاره بعض المحققين، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٧/ ٦٨ - ٦٩) في ذلك جملة من الاسرائيليات، ثم قال:
[ ١٣ / ١٧٥ ]
«وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه - وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه- فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه. فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد أعطيته سليمان. قال: أنا سليمان. قالت: كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدًا يقول له: "أنا سليمان"، إلَّا كذبه حتي جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأى ذلك عَرَف أنَّه من أمر الله ﷿. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم إنَّه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنَّه قد فطن له ظن أنَّ أمره قد انقطع فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس. وقالوا: بهذا كان
[ ١٣ / ١٧٦ ]
يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان ﵇ فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵇ السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه. قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وَهَرب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطانًا مريدًا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يومًا نائمًا فجاءوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلَّا أنماط معه من الرصاص قال: فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.
[ ١٣ / ١٧٧ ]
إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنَّه إنَّما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇ فالظاهر أنَّهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإنَّ المشهور أنَّ ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهنَّ الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متُلقَّاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عباس تلقاه من كعب الأحبار كما يدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [تَفْسِيْرِهِ] (٢٥٩٦) عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ أَدْرِ مَا هُنَّ حَتَّى سَأَلْتُ عَنْهُنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: قَوْمُ تُبَّعٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ، قَالَ: إِنَّ تُبَّعًا كَانَ مَلِكًا وَكَانَ قَوْمُهُ كُهَّانًا، وَكَانَ فِي قَوْمِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ الْكُهَّانُ يَبْغُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَقْتُلُونَ تَابِعَتَهُمْ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْكِتَابِ لِتُبَّعٍ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَقَرِّبُوا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمْ كَانَ أَفْضَلَ أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَهُ، قَالَ: فَقَرَّبَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْكُهَّانُ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَتَبِعَهُمْ
[ ١٣ / ١٧٨ ]
تُبَّعٌ فَأَسْلَمَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ قَوْمَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: شَيْطَانٌ أَخَذَ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ الَّذِي فِيهِ مُلْكُهُ فَقَذَفَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ، فَانْطَلَقَ سُلَيْمَانُ يَطُوفُ إِذْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ السَّمَكَةِ، فَاشْتَرَاهَا فَأَكَلَهَا، فَإِذَا فِيهَا خَاتَمُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْفِصَلِ فِي الْمِلَلِ وَالْأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ] (٤/ ١٥): «فهذه الفتنة هي الاختبار حتى يظهر المهتدي من الضال فهذه فتنة الله تعالى لسليمان إنَّما هي اختباره حتى ظهر فضله فقط وما عدا هذا فخرافات ولدها زنادقة اليهود وأشباههم، وأمَّا الجسد الملقى على كرسيه فقد أصاب الله تعالى به ما أراد نؤمن بهذا كما هو ونقول: صدق الله ﷿ كل من عند الله ربنا، ولو جاء نص صحيح في القرآن أو عن رسول الله ﷺ بتفسير هذا الجسد ما هو لقلنا به، فاذا لم يأت بتفسيره ما هو نص ولا خبر صحيح فلا يحل لاحد القول بالظن الذي هو أكذب الحديث في ذلك فيكون كاذبًا على الله ﷿، إلَّا أنَّنا لا نشك البتة في بطلان قول من قال: إنَّه كان جنيًا تصور بصورته، بل نقطع على أنَّه كذب، والله تعالى لا يهتك ستر رسوله ﷺ هذا
[ ١٣ / ١٧٩ ]
الهتك، وكذلك نبعد قول من قال: إنَّه كان ولدًا له أرسله إلى السحاب ليربيه، فسليمان ﵇ كان أعلم من أن يربي ابنه بغير ما طبع الله ﷿ بنية البشر عليه من اللبن والطعام، وهذه كلها خرافات موضوعة مكذوبة لم يصح اسنادها قط» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ من حلف وقال في يمينه: إن شاء الله لم يحنث.
لكن إن أراد بذلك التحقيق لا التعليق فالقول بحنثه له حظ من النظر، لكن الأرجح عدم حنثه عملًا بعموم الحديث.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٠ - ٣١٢): «الثالث: أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنَّه جازم بإرادته وجازم بأنَّه سيكون كما لو كان خبرًا محضًا مثل قوله: لينزلن ابن مريم، وليخرجن الدجال، ولتقومن الساعة. وهذه أيمان أمر الله رسوله بنوع منها كقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، فهذا ماض وحاضر وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فأمره أن يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا كقول النبي صلى الله عليه
[ ١٣ / ١٨٠ ]
وسلم لعمر: "لآتينه ولأطوفن به". فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنَّما غرضه تحقيقه كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلَّا بمشيئة الله مثل ما لو قال: ليكونن إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنَّه إن شاء الله وإن اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبرًا لهم بذلك كان متكلمًا بما لا يفيد.
فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت المخالفة وبالنظر إلى لفظه وأنَّه إنَّما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنَّه لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله وأكد المشيئة قاصدًا بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائدًا له في التألي لا معلقًا. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه، وأمَّا كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أنَّ هذا يكون إن شاء الله، وقال مع ذلك: أنا معتقد أنَّه يكون جازمًا به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنَّما وجبت لمخالفة الخبر فإنِّي لو قُلْتُ: إنِّي أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم
[ ١٣ / ١٨١ ]
باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أنِّي جازم بأنَّ هذا سيكون وأخبركم أنَّه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا اعتقادي وإلَّا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم بأنَّه سيكون إن شاء الله لم أكن جازمًا مطلقًا. وكذلك لو كان المعنى أنَّ اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنَّما المعنى أنَّ اعتقادي ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنَّه لا ينبغي لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلَّا معلقًا بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. وبهذا التقسيم يظهر قول من قال: إن نوى بالاستثناء معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ الرجل مأمور أن لا يقول لأفعلنَّه غدًا إلاَّ أن يقول إن شاء الله» اهـ.
٨ - الحديث يفيد أنَّ الاستثناء ينفع في باب الأخبار، وهل ينفع في الإنشاءات أو لا؟.
الصحيح أنَّه لا ينفع فيها، وذلك أنَّ الاستثناء يكون في الأمر المعلق في المستقل، والإنشاءات ليست كذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٢):
[ ١٣ / ١٨٢ ]
«ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أنَّ الاستثناء الرافع للكفارة إنَّما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب؛ لا يعلق ما فيها من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنَّما يوجبها مخالفة الخبر، وذلك لأنَّ الرفع إنَّما يكون إذا كان في المشيئة تعليق، والتعليق إنَّما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن هنا يعلم أنَّ الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره كما لا يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأنَّ الاستثناء فيها بأسرها استثناء تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله» اهـ.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تفصيل حسن حول قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، حيث قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ٤٤): «ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا التفصيل؛ وهو أنَّ الكلام يراد به شيئان: يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاع تارة، فإن كان مراده أنت طالق بهذا اللفظ. فقوله: إن شاء الله مثل قوله بمشيئة الله، وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع، وإن كان قد علق لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا،
[ ١٣ / ١٨٣ ]
فإنَّه حينئذ شاء الله أن تطلق. وقول من قال: المشيئة تنجزه ليس كما قال بل نحن نعلم قطعًا أنَّ الطلاق لا يقع إلَّا إذا طلقت المرأة بأن يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه من ولي أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله وقصد حقيقة التعليق لم يقع إلَّا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه لئلا يقع الآن. وأمَّا إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدًا وتحقيقًا فهذا يقع به الطلاق» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٧٧): «وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله أنَّه لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء وإن قصد أنَّه يقع به الطلاق وقال: إن شاء الله تثبيتًا لذلك وتأكيدًا لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء، ومِن العلماء مَنْ قال: لا يقع مطلقًا، ومنهم من قال: يقع مطلقًا، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو الصواب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بعد بحث له واسع في ذلك في كتابه [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٧٧): «فالتحقيق في المسألة أنَّ المستثني إمَّا أن يقصد بقوله: إن شاء الله التحقيق أو التعليق، فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن
[ ١٣ / ١٨٤ ]
قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسالة وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب» اهـ.
قُلْتُ: وشبيه بهذا إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فإنَّه يجري فيه التفصيل السابق.
٩ - وَقُوْلُهُ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ». على أنَّ الاستثناء يكون باللسان فإنَّ القول إذا أطلق فالمراد به كلام اللسان، فلا يكون الاستثناء بالقلب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ١٥٣): «فصل: ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب.
في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفًا؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله".
والقول هو النطق، ولأنَّ اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء.
وقد روي عن أحمد: إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه؛ رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه.
[ ١٣ / ١٨٥ ]
فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأنَّ يمينه غير منعقدة أو لأنَّه بمنزلة المتأول، وأمَّا في حق غيره فلا» اهـ.
قُلْتُ: يمكن للمظلوم أن يستثني من غير أن يحرك شفتيه، ولا يرفع صوته فلا يُشعر باستثنائه، وذلك أنَّ حروف الاستثناء لا تحتاج إلى الشفتين، كحروف الشهادة بالتوحيد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٣٧٠): «إذا استحلف على شيء فاحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه فقيل لا بد أن يسمع نفسه، وقال شيخنا هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الاقوال الواجبة والقراءة الواجبة.
قُلْتُ: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلَّا الله ذاكرًا وإن لم يسمع نفسه، فإنَّه لاحظ للشفتين في حروف هذه الكلمة بل كلها حلقية لسانية فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحدًا من الناس ولا تراه العين يتكلم، وهكذا التكلم بقول إن شاء الله يمكن مع إطباق الفم فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن اطبق اسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته» اهـ.
[ ١٣ / ١٨٦ ]
١٠ - وفيه التكني عمَّا يستحي منه، وذلك مأخوذ من قوله: «لَأَطُوفَنَّ». فإنَّ المراد بذلك الوطء.
١١ - وفيه أنَّ الاستثناء في اليمين من أسباب حصول المطلوب.
* * *
[ ١٣ / ١٨٧ ]
٣٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ». كلام العلماء فيها يدور على ثلاثة معاني:
الأول: أن يصبر نفسه عليها أي: يحبس نفسه على فعلها غير مبال بها، ومعنى حبس النفس إلزامها بها.
الثاني: أن يُصبر من أجلها، أي: يحبس من أجلها، والمعنى أن يحبسه الحاكم حتى يأتي بها.
الثالث: أنَّ الصبر عليها بمعنى الجرأة عليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، أي: ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار، وهذا على أحد معانيها.
[ ١٣ / ١٨٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ] (ص: ٢٠٧): «وقوله: "على يمين صبر" في معناها قولان:
أحدهما: أن يصبر نفسه أي: يحبسها على اليمين الكاذبة غير مبال بها.
والثاني: أن يكون معنى الصبر الجرأة من قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، أي: يجترئ بتلك اليمين على هتك دينه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ البغوي ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٠/ ١٠٠): «وقوله: "على يمين صبر": هي اليمين اللازمة لصاحبها من جهة الحكم، فيصبر من أجلها، أي: يحبس، وأصل الصبر: الحبس، ومنه قولهم: قتل فلان صبرًا، أي: حبسًا، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبرًا، وهو أن يحبس حيًا، فيرمى إليه حتى يموت، فكل من حبس لقتل، أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر» اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٧/ ٣٤١): «وتوضيحه ما قاله ابن الملك: الصبر الحبس، والمراد بيمين الصبر أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم.
[ ١٣ / ١٨٩ ]
وقيل: يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمدًا للكذب قاصدًا لإذهاب مال المسلم كأنَّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها، كذا في المرقاة. وقال في المجمع: يمين صبر بالإضافة أي ألزم بها، وحبس لها شرعًا ولو حلف بغير إحلاف لم يكن صبرًا» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ». أي: كاذب.
وَقَوْلُهُ: «يَقْتَطِعُ بِهَا». بمعنى: يقطع بها شيئًا من حق غيره، القطع هنا هو الأخذ؛ لأنَّ من أخذ شيئًا لنفسه من مال أخيه، فقد قطعه عن مالكه، أو بمعنى: يأخذ بها قطعة من مال غيره.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة يمين الصبر، وأنَّها من الكبائر. وتسمى هذه اليمين اليمين الغموس، وذلك فيما رواه البخاري (٦٩٢٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ».
[ ١٣ / ١٩٠ ]
٢ - حرمة أخذ مال المسلم بغير حق.
٣ - إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق به سبحانه من غير مماثلة خلقه.
وقد رد أهل البدع هذه الصفة بحجة أنَّ الغضب غليان دم القلب، وهذا لا يليق في حق الله تعالى، وقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٥٧٠): «والغضب - وإن كان بعض الناس يقول: إنَّه غليان دم القلب فهو - صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنَّما ذلك أثره؛ فإنَّ حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإنَّ مبدأ الغضب من النفس هي التي تتصف به أولًا ثم يسري ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين وهو من الأحوال النفسانية؛ لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وييأس من ذلك؛ فيغور دمه والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة؛ فينبسط دمه» اهـ.
٤ - واحتج به أنَّ اليمين الغموس لا ترفع إثمها الكفارة، فلا تشرع فيها.
قُلْتُ: وهذا مذهب أكثر العلماء، وخالف في ذلك الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه فذهبا إلى وجوب الكفارة.
[ ١٣ / ١٩١ ]
والصحيح أنَّه لا تشرع فيها الكفارة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٨٦ - ٨٧): «ولنا، أنَّها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة، كاللغو، أو يمين على ماض، فأشبهت اللغو، وبيان كونها غير منعقدة، أنَّها لا توجب برًا، ولا يمكن فيها؛ ولأنَّه قارنها ما ينافيها، وهو الحنث، فلم تنعقد، كالنكاح الذي قارنه الرضاع، ولأنَّ الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تشرع فيها، ودليل ذلك أنَّها كبيرة، فإنَّه يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس". رواه البخاري، وروي فيه: "خمس من الكبائر لا كفارة لهن؛ الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم".
ولا يصح القياس على المستقبلة؛ لأنَّها يمين منعقدة، يمكن حلها والبر فيها، وهذه غير منعقدة، فلا حل لها.
وقول النبي ﷺ: "فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير".
يدل على أنَّ الكفارة إنَّما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله. قاله ابن المنذر» اهـ.
[ ١٣ / ١٩٢ ]
قُلْتُ: وسميت هذه اليمين غموسًا لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار.
٥ - أنَّ الحديث من جملة ما يفسر به الآية السابقة.
قُلْتُ: وذكر نزول الآية على معنى الحديث جاء في البخاري عن ابن مسعود، وأمَّا مسلم فإنَّما جاء عنده من رواية الأشعث بن قيس الآتي، ولفظه (١٣٨) عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على أنَّ الآية نزلت في غير ذلك، وهو ما رواه البخاري (٢٠٨٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي
[ ١٣ / ١٩٣ ]
السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢١٣): «ويحمل على أنَّ النزول كان بالسببين جميعًا ولفظ الآية أعم من ذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٦٠): «أو أنَّ القصتين وقعتا في وقت واحد فنزلت الآية واللفظ عام متناول لهما ولغيرهما» اهـ.
٦ - وفيه اثبات لقاء العبد لربه يوم القيامة.
وقد استدل به أهل العلم على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ٢٨٨):
«فصل: الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ وأجمع أهل اللسان على أنَّ اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فقد دلت
[ ١٣ / ١٩٤ ]
الأحاديث الصحيحة الصريحة على أنَّ المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة» اهـ.
* * *
[ ١٣ / ١٩٥ ]
٣٥٦ - عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ»، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُو عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَر] (٢/ ٣٨):
«وَكَانَ اسْمُ الأَشْعَثِ: مَعْدِيْ كَرِبَ.
وَكَانَ أَبَدًا أَشْعَثَ الرَّأْسِ؛ فَغَلَبَ عَلَيْهِ» اهـ.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٤٩)، وأبو نعيم في [الْمَعْرِفَةِ] (٩٣٩) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَسِيرًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَطْلَقَ وِثَاقَهُ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ، وَدَخَلَ سُوقَ الْإِبِلِ، فَجَعَلَ لَا يَرَى جَمَلًا وَلَا نَاقَةً إِلَّا عَرْقَبَهُ، وَصَاحَ النَّاسُ: كَفَرَ الْأَشْعَثُ، فَلَمَّا فَرَغَ، طَرَحَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللهِ مَا كَفَرْتُ، وَلَكِنْ زَوَّجَنِي
[ ١٣ / ١٩٦ ]
هَذَا الرَّجُلُ أُخْتَهُ، وَلَوْ كُنَّا فِي بِلَادِنَا كَانَتْ لَنَا وَلِيمَةٌ غَيْرَ هَذِهِ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، انْحَرُوا وَكُلُوا، وَيَا أَصْحَابَ الْإِبِلِ، تَعَالَوْا خُذُوا شَرْوَاهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [اللِّسَانِ] (١/ ٥٩٤):
«عرقب: العُرْقُوب: العَصَبُ الغليظُ، المُوَتَّرُ، فَوْقَ عَقِبِ الإِنسان. وعُرْقُوبُ الدَّابَّةِ فِي رِجْلِهَا، بِمَنْزِلَةِ الرُّكْبة فِي يَدِهَا؛ قَالَ أَبو دُواد:
حَديدُ الطَّرْفِ والمَنْكِبِ … والعُرْقُوب والقَلْبِ
قَالَ الأَصمعي: وَكُلُّ ذِي أَربع، عُرْقُوباه فِي رِجْلَيْهِ، ورُكبتاه فِي يَدَيْهِ».
قُلْتُ: وقد كان الأشعث ﵁ ارتد بعد وفاة النبي ﷺ ثم عاد إلى الإسلام في زمن الصديق.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ البينة على المدعي.
٢ - أنَّه لا بد من شاهدين في دعاوى الحقوق المالية.
[ ١٣ / ١٩٧ ]
قُلْتُ: وقد جاء عن النبي ﷺ الاكتفاء بالشاهد واليمين، وذلك فيما رواه مسلم (١٧١٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ١٤٢): «فصل: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين.
وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ وهو قول الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي.
وقال الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين.
وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين، نقضت حكمه» اهـ.
وجاء أيضًا الاكتفاء بشاهد وامرأتين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
[ ١٣ / ١٩٨ ]
وذهب بعض العلماء إلى مشروعية الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدق الشاهد، واحتج بما رواه أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧) من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: «أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلَى، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟»، فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ١٣ / ١٩٩ ]
وأصل ذلك في البخاري (٢٨٠٧) عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ»، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٢ - ١١٣):
«والنبي ﷺ لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين بل قوى بها شهادة الشاهد، وقد قال أبو داود في "السنن" باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. ثم ساق حديث خزيمة بن ثابت أنَّ النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أنَّ النبي ﷺ ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلَّا بعته فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: "أوليس قد ابتعته منك". قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ: "بلى قد ابتعته منك". فطفق الأعرابي
[ ١٣ / ٢٠٠ ]
يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنَّك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بم تشهد". قال: بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين رواه النسائي.
وفي هذا الحديث عدة فوائد:
منها: جواز شراء الإمام الشيء من رجل من رعيته.
ومنها: مباشرته الشراء بنفسه.
ومنها: جواز الشراء ممن يجهل حاله ولا يسأل من أين لك هذا.
ومنها: أنَّ الإشهاد على البيع ليس بلازم.
ومنها: أنَّ الإمام إذا تيقن من غريمه اليمين الكاذبة لم يكن له تعزيره إذ هو غريمه.
ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدقه فإنَّ النبي ﷺ ما قال لخزيمة: أحتاج معك إلى شاهد آخر، وجعل شهادته بشهادتين لأنَّها تضمنت شهادته لرسول الله ﷺ بالصدق العام فيما يخبر به عن الله والمؤمنون مثله في هذه الشهادة، وانفرد خزيمة بشهادته له بعقد التبايع مع الأعرابي دون الحاضرين لدخول هذا الخبر في جملة الأخبار التي يجب على كل مسلم تصديقه فيها وتصديقه فيها من لوازم الإيمان وهي الشهادة التي تختص
[ ١٣ / ٢٠١ ]
بهذه الدعوى وقد قبلها منه وحده والحديث صريح فيما ترجم عليه أبو داود ﵀.
وليس هذا الحكم الشاهد الواحد مخصوصًا بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة، فلو شهد أبو بكر وحده أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشاهدين موجود في غيره ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره وبادر هو إلى وجوب الأداء إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: الذي عليه أكثر العلماء أنَّ هذا من خصائص خزيمة بن ثابت، وهو الذي فهمه الصحابة ﵃ أجمعين فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٩٧٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٤١٠)، والبزار في [مُسْنَدِهِ] (٧٠٩٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٠/ ٣٧٤/ ١٤/ ٢٢٢)
من طريق عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «افْتَخَرَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدِّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْأَفْلَحِ، وَمِنَّا مَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتٍ
[ ١٣ / ٢٠٢ ]
شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّونَ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. فلو كان هذا حاصل لغير خزيمة بن ثابت لما خصوه به وعدوه من المفاخر. فمع وجود هذا الاحتمال فالأصل عدم الخروج عن الأدلة الصريحة القاضية على أنَّ الحقوق المالية لا تثبت بأقل من الشاهد واليمين إلَّا بأمر غير صريح محتمل. والله أعلم.
قُلْتُ: وجاء قبول الشاهد الواحد في المال عند عدم المنازع فيما رواه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا التَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ
[ ١٣ / ٢٠٣ ]
لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَاهَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، يُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ»، فَأَعْطَاهُ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
وأمَّا شهادة الثلاثة فجاءت في دعوى الفاقة التي تحل المسألة، وذلك فيما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
[ ١٣ / ٢٠٤ ]
٣ - أنَّ المدعي إذا لم تكن له بينه فاليمين على المدعى عليه.
قُلْتُ: وهذا ما لم يقوى جانب المدعي، فإن قوي جانبه فاليمين في جهته، ولهذا في القسامة لما قوى جانب المدعين باللوث كانت اليمين في جهتهم، وقد قضى النبي ﷺ بالشاهد واليمين، وذلك لقوه جانب المدعي بالشاهد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٨١ - ٨٢): «الوجه الخامس: أنَّ الأصل المستقر في الشريعة أنَّ اليمين مشروعة في جنبة أقوى المتداعيين؛ سواء ترجح ذلك بالبراءة الأصلية؛ أو اليد الحسية أو العادة العملية؛ ولهذا إذا ترجح جانب المدعي كانت اليمين مشروعة في حقه عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد؛ كالأيمان في القسامة وكما لو أقام شاهدًا عدلًا في الأموال فإنَّه يحكم له بشاهد ويمين والنبي ﷺ جعل البينة على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي حجة ترجح جانبه؛ ولهذا قال جمهور العلماء في الزوجين إذا تنازعا في متاع البيت فإنَّه يحكم لكل منهما بما جرت العادة باستعماله إياه فيحكم للمرأة بمتاع النساء وللرجل بمتاع الرجال؛ وإن كانت اليد الحسية منهما ثابتة على هذا وهذا لأنَّه يعلم بالعادة أنَّ كلًا منهما يتصرف في متاع
[ ١٣ / ٢٠٥ ]
جنسه. وهنا العادة جارية بأنَّ الرجل ينفق على امرأته ويكسوها فإن لم يعلم لها جهة تنفق منها على نفسها أجري الأمر على العادة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مجموع الفتاوى] (٣٤/ ١٤٧): «ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعى عليهم أولًا؛ فإنَّ مذهبه أنَّ اليمين لا تكون إلَّا في جانب المدعى عليه، والجمهور يقولون: هي في جنب أقوى المتداعيين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٠ - ١١١):
«الثالث: أنَّ اليمين إنَّما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعى بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته، فإذا ترجح المدعى بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوى جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده، ولهذا لما قوى جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم، ولما قوي جانب المدعى بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه كما حكم به الصحابة وصوبه الإمام أحمد، وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه، وكذلك الأمناء
[ ١٣ / ٢٠٦ ]
كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان، فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام المدعي شاهدًا واحدًا قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلَّا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع» اهـ.
٤ - واحتج بقوله: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» من قال من أهل العلم: إنَّ من ادعى على غريمه شيئًا ثم أحلفه، ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف فلا يقبل ذلك منه، وذلك أنَّ النبي ﷺ خير المدعي بين شيئين إمَّا البينة، وإمَّا اليمين، فليس له أن يجمع بينهما، وهذا قول للإمام للشافعي ﵀، وأجاز ذلك الإمام مالك ﵀، وهذا هو الصحيح، فإنَّ صاحب الحق قد يرضى باليمين من غريمه لظنه أنَّه لا بينة معه، وقد يأتيه بعد ذلك من يشهد له ممن لم يعلم قبل ذلك بشهادته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٩٩):
[ ١٣ / ٢٠٧ ]
«وَلَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْحَقَّ، وَلَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ، بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بِهَا» اهـ.
وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهِ» اهـ.
وأمَّا الحديث فقد محمول على غير هذا، وهو ما قاله الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٥٨): «وقد يقال في هذا: إنَّ المقصود من الكلام نفي طريق أخرى لإثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين - أعني البينة واليمين -» اهـ.
٥ - وفيه قبول يمين الكافر إذا ادعى عليه مسلم بغير بينه، وذلك أنَّ الرجل الذي خاصمه الأشعث كان يهوديًا، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه البخاري (٢٤١٧)، وفيه: فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: «احْلِفْ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
[ ١٣ / ٢٠٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٢٨٨): «فصل: وتشرع اليمين في حق كل مدعى عليه، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، امرأة أو رجلًا؛ لقول النبي ﷺ: "اليمين على المدعى عليه".
وروى شقيق، عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ: "هل لك بينة؟ ". قُلْتُ: لا. قال لليهودي: "احلف". قُلْتُ: إذًا يحلف، فيذهب بمالي. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. إلى آخر الآية.
رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه.
وفي حديث الحضرمي، قُلْتُ: إنَّه رجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه. قال: "ليس لك منه إلَّا ذلك"» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن حلالًا له.
٧ - وفيه موعظة الحاكم للمدعى عليه خشية أن يحلف باطلًا.
٨ - وفيه رد لمن ألزم المدعي مع البينة اليمين، وهو مذهب شريح وإبراهيم النخعي، والأئمة الأربعة على خلاف ذلك.
[ ١٣ / ٢٠٩ ]
قُلْتُ: وسائر مباحث الحديث مرت في الحديث الماضي.
* * *
[ ١٣ / ٢١٠ ]
٣٥٧ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ ﷿ إلَّا قِلَّةً».
قُلْتُ: قَوْلُهُ: «كَاذِبًا». ظاهر ذلك أنَّه كاذب في المحلوف عليه، وقد تأول بعض العلماء ذلك على معنى آخر.
فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٥): «وكاذبًا: منصوب على الحال، أي: في تعظيم تلك الملة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾؛ لأنَّ من عظم ملة غير
[ ١٣ / ٢١١ ]
الإسلام، كان كاذبًا في تعظيمه ذلك، وآثمًا في كل حال وكل وقت، لا ينتقل عن ذلك.
ولا يصلح أن يقال: "إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه"؛ لأنَّه يستوي في ذمه كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملة غير الإسلام؛ لأنَّه إنَّما ذمه الشرع من حيث أنَّه حلف بتلك الملة الباطلة، معظمًا لها على نحو ما تعظم به ملة الإسلام الحق؛ فلا فرق بين أن يكون صادقًا أو كاذبًا في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم.
وأمَّا إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك: فهو آثم مرتكب كبيرة؛ إذ قد تشبه في قوله بمن يعظم تلك الملة ويعتقدها، فغلظ عليه الوعيد - بأن صير كواحد منهم - مبالغة في الردع والزجر؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾» اهـ. وكلام القاضي عياض، والعلامة النووي ﵀ قريب من ذلك.
ومراده بذلك أنَّ الحالف بملة غير الإسلام إن اعتقد عظم تلك الملة فهذا الاعتقاد كذب غير مطابق للواقع، وإن لم يعتقد عظم تلك الملة فإنَّ حلفه بها كذب من وجه آخر، وذلك أنَّ الحلف بها من غير اعتقاد للعظمة فيه تعظيم من حيث اللفظ دون الاعتقاد وإظهار تعظيم الملة الكافرة في اللفظ من الكذب أيضًا وذلك أنَّ الملة الكافرة لا عظمة فيها مطلقًا.
[ ١٣ / ٢١٢ ]
قُلْتُ: وقول الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀: «ولا يصلح أن يقال: "إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه"؛ لأنَّه يستوي في ذمه كونه صادقًا أو كاذبًا». فيه نظر، فإنَّ من حلف على أمر ماضٍ صادقًا فقد علق إيمانه على أمر موجود، وعلق كفره على أمر معدوم، وأمَّا إن حلف على أمر ماضٍ كاذبًا فقد علق كفره على أمر موجود، وعلق إيمانه على أمر معدوم، ولا شك أنَّ الكذب في ذلك أشد وأخطر فناسب أن يتنزل الحديث عليه دون من كان صادقًا، وهكذا هنالك فرق ظاهر بين من يحلف على أمر ماضٍ كاذبًا، وبين من يحلف على أمر مستقبل، وذلك أنَّ من يحلف على أمر ماضٍ كاذبًا فإنَّه قد علق براءته من الإسلام بأمر متحقق موجود، وعلق إيمانه بأمر لا وجود له، والحالف على ذلك في المستقبل قد يحنث، وقد لا يحنث، ثم إنَّ الغالب أنَّ غرضه من ذلك الامتناع من الفعل، والامتناع من الكفر لا الوقوع فيه.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٤٠٩): «وقد يقال: إذا كان عن ماض فقد حقق الكفر على نفسه.
[ ١٣ / ٢١٣ ]
وأمَّا إذا كان على مستقبل فقد يقع ذلك الأمر، وقد لا يقع، والغالب من حال الآتي بهذا اللفظ أنَّه إنَّما يقصد به إبعاد نفسه عن ذلك الأمر بربطه بأمر لا يقع منه، وهذا أقرب» اهـ.
وخلاصة القول: أنَّ حمل الحديث على من حلف على ماضٍ كاذبًا هو الأنسب، ويؤيده حديث بريدة الآتي ولفظه:
«مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا». وفيه كما ترى التفريق بين الصادق والكاذب، وهو محمول على الحلف في الماضي، وهذا الحديث أنسب حديث يفسر به حديث ثابت بن الضحاك. والله أعلم.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِفِ: وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ ﷿ إلَّا قِلَّةً».
هذه الرواية انفرد بها مسلم (١١٠).
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة الحلف بملة غير الإسلام كاذبًا.
قُلْتُ: ويحرم أيضًا وإن كان صادقًا كما سيأتي في حديث بريدة.
[ ١٣ / ٢١٤ ]
٢ - ظاهر الحديث أنَّه يصير بذلك كافرًا، لكن كثير من العلماء تأولوا ذلك بعدة تأويلات.
التأويل الأول: أنَّ المراد بقوله: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي: كاذب لا كافر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٣٥٠) - ناقلًا عن المهلب -: «وقوله: "من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال". كاذب لا كافر، ولا يخرج بهذا القول من الإسلام إلى الدين الذي حلف به، لأنَّه لم يقل ما يعتقده، ولذلك استحق اسم الكذب، فوجب أن يكون كما قال كاذبًا لا كافرًا.
قال غيره: ومعنى الحديث النهى عن الحلف بما حلف به من ذلك والزجر عنه، وتقدير الكلام: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، يعنى فهو كاذب حقًا، لأنَّه حين حلف بذلك ظن أنَّ إثم الكذب واسمه ساقطان عنه لاعتقاده أنَّه لا حرمة لما حلف به، لكن لما تعمد ترك الصدق في يمينه، وعدل عن الحق في ذلك، لزمه اسم الكذب، وإثم الحلف، فهو كاذب كذبتين: كاذب بإظهار تعظيم ما يعتقد خلافه، وكذب بنفيه ما يعلم إثباته أو بإثبات ما يعلم نفيه» اهـ.
[ ١٣ / ٢١٥ ]
قُلْتُ: وتقرير ذلك أنَّ قوله: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي كاذب، فإنَّه قال كذبًا، وذلك لأنَّه أخبر ببراءته من الإسلام، وهو لا يعتقد ذلك، وهذا هو حقيقة الكذب، أو المراد أنَّه لم يقل ما يعتقده من تعظيم تلك الملة فيكون كاذبًا بذلك.
وقد يجاب بأنَّ هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، فإنَّ ظاهره، أنَّه كما قال: يعني: أنَّه يهودي أو نصراني، أو غير ذلك من ملل الكفر التي تلفظ بها.
وهذا التأويل مبني على أنَّ قوله: «كَاذِبًا». أي في اعتقاده، وليس في المحلوف عليه، وقد سبق أنَّ بيَّنا عدم استقامة هذا التأويل.
التأويل الثاني: أنَّه محمول على من قصد تعظيم الملة المغايرة لملة الإسلام فإنَّه بذلك يصير كافرًا، وأمَّا من قصد مجرد الحلف لا التعظيم فلا يكفر بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٥): «يحتمل أن يريد به النبي ﷺ: من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام؛ وحينئذ: يكون كافرًا حقيقة، فيبقى اللفظ على ظاهره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ثم إن كان الحالف به معظمًا لما حلف به مجلًا له كان كافرًا، وإن لم يكن معظمًا بل كان قلبه مطمئنًا
[ ١٣ / ٢١٦ ]
بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به، ولا يكون كافرًا خارجًا عن ملة الإسلام» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «والتحقيق التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك كفر لأنَّ إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها الثاني هو المشهور» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قيد التعظيم لا وجود له في الحديث، ولو كان من القيود المعتبرة لذكره النبي ﷺ ولم يكتف بقيد الكذب والعمد.
التأويل الثالث: أنَّ المراد به كفر النعمة والإحسان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر، ويراد به كفر الإحسان، وكفر نعمة الله تعالى فإنَّها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب عنه بأنَّ لفظ الحديث: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ». وظاهره، أنَّ من قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو يهودي، ومن قال: هو نصاري إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو نصراني، ومن قال:
[ ١٣ / ٢١٧ ]
هو مجوسي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو مجوسي، ومثل هذا لا يمكن حمله على كفر النعمة، وحمله على ذلك غير معهود في الألفاظ الشرعية، نعم لو كان لفظ الحديث: من حلف على ملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كافر لاستقام حمل ذلك على كفر النعمة والإحسان، فإنَّ الكفر قد ورد في الأدلة الشرعية على معنى ذلك، لكن هذا لم يرد في الحديث.
التأويل الرابع: أنَّ الحديث وارد على معنى التهديد والوعيد لا حقيقة الكفر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ الأصل إجراء الحديث على ظاهره.
وقد يقوى ذلك بأنَّ الحالف بذلك ليس مقصوده الكفر، وإنَّما مقصوده تصديق خبره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٤ - ٧٥): «لأنَّه إنَّما قصده في الماضي الخبر التصديق أو التكذيب، وأكده باليمين كما يقصد الحظ أو المنع في الأمر أو النهي، وأكده باليمين، فكما قالوا: يجب الفرق في المستقبل بين من قصده اليمين وقصده الإيقاع، وأنَّ الحالف لا يلتزم وقوعه عند المخالفة، والموقع يلتزم
[ ١٣ / ٢١٨ ]
ما يريد وقوعه عند المخالفة، فهذا الفرق موجود في التعليق على الماضي، فإنَّه تارة يقصد اليمين، وتارة يقصد الإيقاع، فالحالف يكره لزوم الجزاء، وإن حنث صدق أو كذب لم يقصد إيقاع ما التزمه إذا كذب، كما لم يقصد في الحظ والمنع والشارع لم يجعل من التزم شيئًا يلزمه، سواء بر أو فجر، ولهذا لم يكفر باليمين الغموس إجماعًا لأنَّه لم يقصد نفي حرمة الإيمان بالله، لكن فعل كبيرة مع اعتقاده أنَّها كبيرة» اهـ.
التأويل الخامس: أنَّ المراد به الكفر الأصغر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٥) - بعد كلامه السابق مباشرة -: «والقول في الخبر كنظائره كفر دون كفر، وقد يجتمع في الإنسان شعبة من شعب الكفر والنفاق» اهـ.
قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قوله في الحديث: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي من تلك الملة التي حلف عليها، وهو قد يحلف على اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعهد في الشرع تقسيم هذه الملل إلى أكبر وأصغر.
[ ١٣ / ٢١٩ ]
قُلْتُ: إن كان الحلف بملة غير الإسلام على أمر مستقبل فلا إشكال في عدم كفره لأنَّه لم يرد بذلك الكفر، فإنَّه إنَّما حلف بذلك لشدة امتناعه من الكفر، ولبغضه له.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٥٦):
«أحدها: أنَّ الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني. وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط ولا يلزمه ذلك بالاتفاق؛ لأنَّه لم يقصد وقوعه عند الشرط؛ بل قصد الحلف به» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٣/ ١٣٧): «وقد اتفق المسلمون على أنَّه من حلف بالكفر والإسلام أنَّه لا يلزمه كفر ولا إسلام. فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهوديًا بالاتفاق. وهل يلزمه كفارة يمين؟ على قولين:
أحدهما: يلزمه؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.
والثاني: لا يلزمه؛ وهو قول مالك والشافعي؛ ورواية عن أحمد؛ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه إذا اعتقد أنَّه يصير كافرًا إذا حنث وحلف به فإنَّه يكفر.
[ ١٣ / ٢٢٠ ]
قالوا: لأنَّه مختار للكفر. والجمهور قالوا: لا يكفر؛ لأنَّ قصده أن لا يلزمه الكفر؛ فلبغضه له حلف به» اهـ.
وأمَّا إن كان الحلف بملة غير الإسلام على أمر ماضٍ هو فيه كاذب ففي كفره نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٦):
«يوضح ذلك أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال" أخرجاه في الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله: والله ما فعلت كذا؛ إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على المستقبل. وطرد هذا المعنى أنَّ اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦): «فإن كان قد حلف بهذه الأيمان يمينًا غموسًا فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس وقال:
[ ١٣ / ٢٢١ ]
إنَّ هذه الأيمان تكفر فإنَّه يوجب فيها كفارة. وأمَّا من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر فلهم قولان:
أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وكفر. وإن قيل إنَّ ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهي الحلف على المستقبل وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. واحتجوا بقول النبي ﷺ: "من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال". قالوا: لأنَّ هذه اليمين غير منعقدة بل الحنث فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم فيها ما التزمه مع علمه بكذبه فيجب إلزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجرًا لمن يحلف يمينًا كاذبة بخلاف اليمين المنعقدة فإنَّ صاحبها مطيع لله ليس بعاص.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنَّما قصد في كلا الموضعين اليمين. فهو لم يقصد إذا كان كاذبًا أن يكون كافرًا ولا أن يلزمه ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك؛ بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين: فما فرق فيه بين الكفر والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به في الموضع الآخر؛ لكن هو
[ ١٣ / ٢٢٢ ]
في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل إنَّما صدر منه الحلف بذلك. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويشبه هذا الحديث ما رواه أحمد (٢٣٠٥٦، ٢٣٠٦٠)، ومن طريقه أبو داود (٣٢٥٨)، ورواه النسائي (٣٧٧٢)، وابن ماجة (٢١٠٠) من طريق حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٤٠٧): «قوله: "فإن كان كاذبًا". فهو كما قال: أي أخبر بأمر ماض، وعلق براءته من الإسلام على كذبه في ذلك الإخبار، وكان كاذبًا فهو كما قال، أي من البراءة من الإسلام، وهو صريح في أنَّ هذا الكلام كفر، وهو ظاهر المعنى كما لو علق طلاق زوجته أو عتق عبده على دخول الدار في الماضي وكان قد دخل، نعم لو بنى إخباره بذلك على ظنه أنَّه كذلك فينبغي أن لا
[ ١٣ / ٢٢٣ ]
يكفر لأنَّه ربط الكفر بأمر يظن أنَّه غير حاصل فلا خلل في اعتقاده، ولا في لفظه باعتبار ظنه، ولم يتناول الحديث هذه الصورة عند من يشترط التعمد في حقيقة الكذب.
وأمَّا عند من لا يشترطه فهو عام مخصوص، ويدل لذلك قوله في حديث ثابت بن الضحاك: "من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال"، وهو في الصحيحين بهذا اللفظ، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٥/ ٨٧): «والظاهر من الحديث أنَّه يخرج من الإسلام ويكون متصفًا بالملة التي حلف بها والعياذ بالله» اهـ.
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «وقوله ﷺ: "كاذبًا" ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقًا لأنَّه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبًا، وذلك لأنَّه لا بد أن يكون معظمًا لما حلف به، فإن كان معتقدًا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لكونه عظمه بالحلف به، وإذا علم أنَّه لا ينفك عن كونه كاذبًا حمل التقييد بكاذبًا على أنَّه بيان لصورة الحالف، ويكون التقييد
[ ١٣ / ٢٢٤ ]
خرج على سبب فلا يكون له مفهوم ويكون من باب قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ونظائره كثيرة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قوله: «كَاذِبًا». قيد لإخراج الصادق، فإنَّ الصادق لا يتناوله هذا الوعيد، وإنَّما له وعيد دون ذلك كما هو مبين في حديث بريدة، وهو أنَّه لا يرجع إلى الإسلام سالمًا.
٤ - واحتج به بعض العلماء على عدم وجوب الكفارة في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٤٦): «فيه دليل على أنَّ من حلف بالبراءة من الإسلام فإنَّه يأثم ولا يلزمه الكفارة؛ وذلك لأنَّه إنَّما جعل عقوبتها في دينه ولم يجعل في ماله شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: الحلف بملة غير الإسلام إن كان على أمر ماضٍ فليس فيه كفارة في قول أكثر العلماء، وأمَّا إن كان في أمر مستقبل ففيه نزاع، وقد أثبت الكفارة في ذلك
[ ١٣ / ٢٢٥ ]
الثوري والحنفية وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة كما روى ذلك البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (١٣٩٨)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٠٠٠، ١٦٠٠١)، والدارقطني (٤٣٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٨٢٩) من طريق بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ مَوْلَاتَهُ أَرَادَتْ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْهَا الْمَشْي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَحَفْصَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي مِثْلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَأَمَرُوهَا أَنْ تُكَفِّرَ يَمِينَهَا وَتُخَلِّي بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذا هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٢٤ - ٣٢٦): «وأمَّا الحلف بالنذر والظهار والحرام والطلاق والعتاق والكفر كقوله: إن فعلت كذا وكذا فعلي الحج أو مالي صدقة أو علي الحرام أو الطلاق يلزمني لأفعلن
[ ١٣ / ٢٢٦ ]
كذا وإن كنت فعلت كذا فعبيدي أحرار أو إن كنت فعلت كذا فإنِّي يهودي أو نصراني. فهذه المسألة للعلماء فيها "ثلاثة أقوال":
فقيل: إذا حنث يلزمه التوبة. وقيل: لا شيء عليه. وقيل: بل عليه كفارة يمين وهو أظهر الأقوال كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. فإن كان قد حلف بهذه الأيمان يمينًا غموسًا فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس وقال: إنَّ هذه الأيمان تكفر فإنَّه يوجب فيها كفارة. وأمَّا من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر فلهم قولان: أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وكفر. وإن قيل إنَّ ذلك لا تلزمه اليمين المغفورة وهي الحلف على المستقبل وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأحمد. واحتجوا بقول النبي ﷺ: "من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال". قالوا: لأنَّ هذه اليمين غير منعقدة بل الحنث فيها مقارن للعفو فلا كفارة فيها وقد التزم فيها ما التزمه مع علمه بكذبه فيجب إلزامه بذلك عقوبة له على كذبه وزجرًا لمن يحلف يمينًا كاذبة بخلاف اليمين المنعقدة فإنَّ صاحبها مطيع لله ليس بعاص.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن لا يلزمه ما التزمه من كفر وغيره كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل وإنَّما قصد في كلا الموضعين اليمين. فهو لم
[ ١٣ / ٢٢٧ ]
يقصد إذا كان كاذبًا أن يكون كافرًا ولا أن يلزمه ما التزمه من نذر وطلاق وعتاق وغير ذلك كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك؛ بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين: فما فرق فيه بين الكفر والنذر والطلاق والعتاق في أحد الموضعين وبين الحلف بذلك يفرق به في الموضع الآخر؛ لكن هو في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له؛ ولا يصدر كفر ولا نذر ولا طلاق ولا عتاق بل إنَّما صدر منه الحلف بذلك. والله أعلم» اهـ.
٥ - يخرج من قيد: «مُتَعَمِّدًا». من حلف بذلك مخطأ، كمن يحلف على شيء يغلب على ظنه فلا يكون كذلك.
٦ - وفيه حرمة جناية الإنسان على نفسه بالقتل، وبيان أنَّ ذلك من كبائر الذنوب.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك ما يسمى بالعمليات الاستشهادية، وليس ذلك من الشهادة في شيء، وإنَّما هو من قتل النفس المحرم بالكتاب والسنة والإجماع.
٧ - وفيه أنَّ الإنسان مستأمن على نفسه فليس له أن يتصرف في بدنه بما يشاء.
٨ - وفيه مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية.
وفي الباب ما رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩) عَنْ
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
٩ - وفيه النهي عن النذر فيما لا يملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٢): «فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك.
فأمَّا إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره، مثاله: قال: إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته» اهـ.
١٠ - واحتج به على عدم وجوب الكفارة في ذلك لعدم أمر النبي صلى الله عليها وسلم بها.
[ ١٣ / ٢٢٩ ]
قُلْتُ: هذه المسألة مما تنازع فيها العلماء، فمنهم من لم ير في ذلك كفارة، ومنهم من أوجبها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٨٧): «واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة فقال الجمهور: لا. وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية: نعم» اهـ.
قُلْتُ: النذر فيما لا يملك داخل في نذر المعصية لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذن منه، وقد جاء الأمر بالكفارة في نذر المعصية في عدة أحاديث منها:
حديث عائشة: وقد رواه أحمد (٢٦١٤٠،)، وأبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، والنسائي (٣٨٣٤، ٣٨٣٥، ٣٨٣٦، ٣٨٣٧، ٣٨٣٨)، وابن ماجة (٢١٢٥) من طريق يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
[ ١٣ / ٢٣٠ ]
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: وهو ما رواه أبو داود (٣٢٩٢)، والترمذي (١٥٢٥)، والنسائي (٣٨٣٩) من طريق أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتيِقٍ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال العلامة أبو داود ﵀: «قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، إِنَّمَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى بَقِيَّةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، بِإِسْنَادِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، مِثْلَهُ» اهـ.
قُلْتُ: سليمان بن أرقم متروك.
[ ١٣ / ٢٣١ ]
وروى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢١٤٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ ﷿ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ ﷿ فَلَا يَعْصِه».
قَالَ حَفْصٌ وَسَمِعْتُ ابْنَ مُجَبَّرٍ وَهُوَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ فَذَكَرَهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَقَالَ فِيهِ: «يُكَفِّرُ يَمِينَهُ».
ثم قال العلامة الطحاوي ﵀: «فَتَأَمَّلْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَوَجَدْنَا حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ حَدَّثَ بِهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ ظَاهِرُهُ سَمَاعَ عُبَيْدِ اللهِ إِيَّاهُ مِنَ الْقَاسِمِ، فَكَشَفْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ ﷿ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ ﷿ فَلَا يَعْصِهِ". فَعَقَلْنَا
[ ١٣ / ٢٣٢ ]
بِذَلِكَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ أَخَذَهُ عَنْ طَلْحَةَ كَمَا أَخَذَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْهُ، عَنِ الْقَاسِمِ» اهـ.
قُلْتُ: وليس في هذه الرواية الموصولة ذكر لكفارة اليمين، وأصل الحديث رواه البخاري (٦٦٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح في الحديث. والله أعلم.
وأمَّا حديث عمران بن حصين: فرواه النسائي (٣٨٤٠) أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ عَلِيٌّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
ورواه النسائي (٣٨٤١) أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ﵄ به.
[ ١٣ / ٢٣٣ ]
ورواه النسائي (٣٨٤٢) أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٣) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٤) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٥) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٦) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ رَجُلًا، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ به.
[ ١٣ / ٢٣٤ ]
ورواه النسائي (٣٨٤٧) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
ورواه النسائي (٣٨٤٨) أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمٍ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ به.
فرواه أحمد (١٩٩٦٩، ١٩٩٧٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَشْهَدَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ؟ فَقَالَ عِمْرَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ محمد بن الزبير هو الحنظلي متروك، وأبوه ضعيف، والراوي عن عمران رجل مبهم.
وقد جاء في بعض الطرق الماضية أنَّ محمد بن الزبير رواه عن الحسن، وفي بعضها أنَّه رواه عن أبيه عن عمران بغير واسطة، وكل هذا الاضطراب من جهة محمد بن الزبير. والله أعلم.
[ ١٣ / ٢٣٥ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٨١٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذَرَ فِي غَضِبٍ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قال الحاكم أبو عبد الله ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٣٣٨): «وقد أعضله معمر عن يحيى بن أبي كثير - ثم قال: الرجل الذي لم يسمه معمر عن يحيى هو محمد بن الزبير بلا شك فإنَّه أراد أن يقول من بني حنظلة فقال من بني حنيفة» اهـ.
وفي الباب حديث لابن عباس: وهو ما رواه أبو داود (٣٣٢٢) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْهِنْدِ، أَوْقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ» اهـ.
[ ١٣ / ٢٣٦ ]
قُلْتُ: حديث وكيع رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٣١٣) عنه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «النُّذُورُ أَرْبَعَةٌ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيمَا لَا يُطِيقُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيمَا يُطِيقُ، فَلْيُوفِ بِنَذْرِهِ».
قُلْتُ: المحفوظ ما رواه وكيع. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٤١): «وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه يعقوب بن كاسب، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: "من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين". وذكر الحديث.
فقالا: رواه وكيع، عن مغيرة، فأوقفه، والموقوف الصحيح.
قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: ما ندري من مغيرة، أو من ابن كاسب» اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُ الْمَوْقُوفِ صَحِيْحٌ.
[ ١٣ / ٢٣٧ ]
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٠٠٣)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٣١٨) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ فذكره.
قُلْتُ: إسماعيل بن أبي أويس، وأبوه ضعيفان.
وفي الباب ما رواه الدارقطني (٤٣٢٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَزَّالٍ أَبُو الْفَضْلِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ نَعْمِ بْنِ هَارُونَ، نا كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ، نا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُقَيْلِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا فِيمَا لَا يُطِيقُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ هَدْيًا إِلَى الْكَعْبَةِ فِي أَمْرٍ لَا يُرِيدُ فِيهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً فِي أَمْرِ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي أَمْرٍ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي أَمْرِ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلْيَرْكَبْ وَلَا يَمْشِ، فَإِذَا أَتَى
[ ١٣ / ٢٣٨ ]
مَكَّةَ قَضَى نَذَرَهُ وَمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا لِلَّهِ فِيمَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَفِ بِهِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ».
قُلْتُ: وفيه غالب بن عبيد الله العقيلي متروك الحديث.
قُلْتُ: وأصح ما يحتج به على وجوب الكفارة في نذر المعصية عموم ما رواه مسلم (١٦٤٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣١٩): «وأمَّا الكفارة فهي على قولين: فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ: "كفارة النذر كفارة اليمين". رواه مسلم. وفي السنن عنه ﷺ أنَّه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". ومذهب مالك والشافعي وغيرهما لا شيء عليه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧): «فإذا كان المنذور الذي عاهد الله يتضمن ضررًا غير مباح يفضي إلى ترك واجب أو فعل محرم كان هذا معصية: لا يجب الوفاء به بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله وصيام النهار كله لم يجب الوفاء بهذا النذر. ثم تنازع العلماء: هل عليه كفارة
[ ١٣ / ٢٣٩ ]
يمين؟ على قولين: أظهرهما: أنَّ عليه كفارة يمين لما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنَّه قال: "كفارة النذر كفارة اليمين"» الخ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١١٧ - ١١٩): «قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "كفارة النذر كفارة اليمين". وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين. أحدهما: أنَّه عام لم يخص منه نذر دون نذر.
الثاني: أنَّه شبهه باليمين، ومعلوم: أنَّه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين، بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، ولا يحفظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أنَّ هذه الآثار لم تثبت، فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه، لأنَّ النذر يمين، ولو حلف ليشربن الخمر، أو ليقتلن فلانًا، وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «فدل على أنَّ النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم. وذلك أنَّ حقيقته هي حقيقة اليمين فإنَّه عقده لله ملتزمًا له، كما أنَّ
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
الحالف عقد يمينه بالله ملتزمًا لما حلف عليه، بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإنَّ ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجبًا، فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه، وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة. فدل على أنَّ الالتزام بالنذر آكد من الالتزام باليمين، فكيف يقال: إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة، وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلَّا هذا وحده لكان كافيًا. ومما يدل على أنَّ النذر آكد من اليمين. أنَّ الناذر إذا قال: لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله، والتزامه تعظيمه، كما عقدها الحالف بالله كذلك، فهما من هذه الوجوه سواء، والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنَّه التزمه لله، فهو ملتزم من وجهين: له، وبه. والحالف إنَّما التزم ما حلف عليه خاصة، فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة، فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها. ولأجل هذه القوة والتأكيد: قال بعض الموجبين للكفارة فيه: إنَّه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها، بل تجب عليه الكفارة عينًا، ولو فعلها لقوة النذر، بخلاف ما إذا حلف عليها، فإنَّه إنَّما تلزمه الكفارة إذا حنث، لأنَّ اليمين
[ ١٣ / ٢٤١ ]
أخف من النذر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وتوجيهه ظاهر جدًا، فإنَّ النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية، وعين عليه الكفارة عينًا، فلا يخرج من عهدة الأمر إلَّا بأدائهما. وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
١١ - وفيه النهي عن لعن المؤمن، وأنَّه كقتله، وهذا دليل على أنَّه كبيرة من كبائر الذنوب.
وقد تنازع العلماء في وجه تشبيه اللعن بالقتل على عدة أقوال:
الأول: أنَّ التشبيه في الهلاك، فالقتل هلاك دنيوي، واللعن هلاك أخروي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٤١١): «لأنَّ القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٦٧): «أي لأنَّه إذا لعنه فكأنَّه دعا عليه بالهلاك» اهـ.
الثاني: أنَّ التشبيه في بلوغ الغاية في التأثير في العرض والنفس، فاللعن هو غاية القدح في العرض، والقتل هو غاية العدوان في النفس.
[ ١٣ / ٢٤٢ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١١٣): «والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير هذا في العرض وهذا في النفس والله أعلم» اهـ.
الثالث: أنَّ التشبيه في فقدان المنافع، وذلك أنَّ لعن المسلم هو الدعاء عليه بالطرد من رحمة الله، وقد يستجاب للداعي في ذلك فيخرج من رحمة الله فيفقد المسلمون منافعه كفقدهم لمنافعه بالموت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «وقوله: "ولعن المؤمن كقتله" فيه تأويلان.
قال المهلب: وهو معنى قول الطبري: اللعن في اللغة هو الإبعاد. فمن لعن مؤمنًا فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام، فأفقدهم منافعه وتكثير عددهم، فكان كمن أفقدهم منافعه بقتله، ويفسر هذا قوله للذي لعن ناقته: "انزل عنها فقد أجيبت دعوتك". فسرحها ولم ينتفع بها أحد بعد ذلك، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته، فكذلك يخشى أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون» اهـ.
واعترض على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦١): «وأمَّا ما حكاه عن الإمام من قوله: إنَّ اللعنة قطع عن الرحمة والموت
[ ١٣ / ٢٤٣ ]
قطع عن التصرف فالكلام عليه أن نقول: اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله تعالى وهذا الذي يقع فيه التشبيه.
والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله لعنة الله مثلًا أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله فلان ملعون وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة فيكون حينئذ تسببًا إلى قطع التصرف ويكون نظيره: التسبب إلى القتل غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التسبب إلى القتل بمباشرة الحز وغيره من مقدمات القتل مفض إلى القتل بمطرد العادة فلو كان مباشرة اللعن مفضيا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا: لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل أو زاد عليه.
وبهذا يتبين لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أنَّ لعنته تقتضي قصده إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله فإنَّ قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه كما يستلزم مقدمات القتل وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته إنَّما يحصل ذلك بإجابة الدعوة وقد لا تجاب في كثير من الأوقات فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة» اهـ.
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
الرابع: أنَّ التشبيه في أصل الحرمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «والتأويل الآخر: أنَّ الله حرم لعن المؤمن كما حرم قتله فهما سواء في التحريم، وهذا يقتضى تحذير لعن المؤمنين والزجر عنه؛ لأنَّ الله - تعالى - قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فأكد حرمة الإسلام، وشبهها بإخوة النسب، وكذلك معنى قوله: "من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله". يعني في تحريم ذلك عليه - والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٣): «فالظاهر أنَّ المراد أنَّهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ، وهذا هو الذي اختاره الإمام أبو عبد الله المازري، وقيل: غير هذا مما ليس بظاهر» اهـ.
الخامس: أنَّ التشبيه في أصل الإثم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٧ - ٧٨): «وقوله: "ولعن المؤمن كقتله"، أي: في الإثم.
ووجهه: أنَّ من قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة،
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
ومن كان كذلك، فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم ينتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به؛ فأشبه ذلك قتله.
وعلى هذا: فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أنَّ القاتل أدخل في الإثم؛ لأنَّه أفقد المقتول حسًا ومعنى، واللاعن أفقده معنى، فإثمه أخف منه، لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم، فصدق عليه أنَّه مثله، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اعترض الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ على التأويل الرابع والخامس فقال فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٦٠ - ٤٦١): «قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازري - الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأنَّ اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف قال القاضي وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه فيها وقيل: الظاهر من الحديث: تشبيه في الإثم وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم.
وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر أمَّا ما حكاه عن الإمام - من أنَّ معناه استواؤهما في التحريم - فهذا يحتمل أمرين:
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأمَّا الأول: فلا ينبغي أن يحمل عليه لأنَّ كل معصية - قلت أو عظمت - فهي مشابهة أو مستوية مع القتل في أصل التحريم فلا يبقى في الحديث كبير فائدة مع أنَّ المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأمَّا الثاني: فقد بينا ما فيه من الإشكال وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وإتلافها وبين الأذى باللعنة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ٤٦١): «والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنَّا نقول: لا نسلم أنَّ مفسدة اللعن مجرد أذاه بل فيها - مع ذلك - تعريضه لإجابة الدعاء فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئًا إلَّا أعطاه كما دل عليه الحديث من قوله ﷺ: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على أولادكم لا توافقوا ساعة" الحديث، وإذا عرضه باللعنة لذلك وقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله تعالى كان ذلك أعظم من قتله لأنَّ القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضررًا بما لا يحصى وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
مقاربًا لأخفهما على سبيل التحقيق ومقادير الفساد والمصالح وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه» اهـ.
السادس: أنَّ التشبيه بينهما في الإبعاد، فإنَّ اللعن إبعاد من رحمة الله تعالى، والقتل إبعاد عن الحياة الدنيا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِيِّ] (٣٢/ ٣٠٠): «قوله: "ولعن المؤمن كقتله". أي: في التحريم أو في التأثم أو في الإبعاد فإنَّ اللعن تبعيد من رحمة الله تعالى والقتل تبعيد من الحياة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٩/ ٣٨): «"ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله". في التحريم أو في العقاب أو في الإبعاد لأنَّ اللعن تبعيد من رحمة الله، والقتل تبعيد من الحياة» اهـ.
السابع: أنَّ التشبيه في العقاب. وهو مأخوذ من كلام القسطلاني السابق.
قُلْتُ: وفي الباب ذنوب أخرى شبهت بالقتل.
منها: قذف المسلم بالكفر بغير حق.
وقد جاء ذلك في حديث في حديث الباب، وهو ما رواه البخاري (٦٠٤٧)، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
غَيْرِ الإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٩/ ٣٨): «لأنَّ النسبة إلى الكفر الموجب للقتل كالقتل في أنَّ المتسبب للشيء كفاعله» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ١٠٤): «يعنى في تحريم ذلك عليه - والله أعلم» اهـ.
ومنها: هجر المسلم سنة كاملة لغير حق من حقوق الله تعالى.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٧٩٦٤)، وأبو داود (٤٩١٥) من طريق حَيْوَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ومنها: مدح من يخشى عليه منه.
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
فروى البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٥/ ٣٨): «أي: فعلت به فعلًا يخاف هلاكه فيه؛ كمن قطع عنقه» اهـ.
قُلْتُ: واللعن المنهي عنه في الحديث هو اللعن بغير حق، وما جاء من لعن بعض أصحاب المعاصي فهو من اللعن بحق، ثم هو وارد على العموم، وأمَّا الشخص المعين من أهل المعاصي فلا يلعن، والمسألة تحتاج لشيء من البسط فتراجع في مواضعها من كتب أهل العلم.
ومما يشبه قتل الإنسان لنفسه تولي القضاء.
فقد روى أحمد (٧١٤٥، ٨٧٦٢)، وأبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٥)، وابن ماجة (٢٣٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ».
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ١٥٩):
«معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح فليحذره وليتوقه.
وقوله بغير سكين يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ الذبح إنَّما يكون في ظاهر العرف بالسكين فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أنَّ الذي أراده بهذا القول إنَّما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.
والوجه الآخر: أنَّ الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح واراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنَّما يكون بالسكين لأنَّه يجهز عليه، وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ في الحذر والوقوع فيه» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في الباب سائر الأدلة الدالة على حصول الهلاك من بعض الذنوب وهي كثيرة، والهلاك هو الموت.
[ ١٣ / ٢٥١ ]
١٢ - وفي الحديث الزجر عن التكثر بالدعاوى الكاذبة، والرواية في ذلك انفرد بها مسلم (١١٠) عن البخاري كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٨): «وقوله: "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلَّا قلة"، يعنى - والله أعلم -: أنَّ من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادعاه لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يحصل له من ذلك إلَّا نقيض مقصوده، وهو النقص: فإن كان المدعى مالًا، لم يبارك له فيه، أو علمًا، أظهر الله تعالى جهله، فاحتقره الناس، وقلَّ مقداره عندهم.
وكذلك لو ادعى دينًا أو نسبًا أو غير ذلك، فضحه الله، وأظهر باطله؛ فقل مقداره، وذل في نفسه؛ فحصل على نقيض قصده؛ وهذا نحو قوله ﷺ: "من أسر سريرة، ألبسه الله رداءها"، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وقوله ﷺ: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وفائدة الحديث: الزجر عن الرياء وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يدخل في معنى الحديث من ادعى مالًا ليس له ليتكثر في ماله، وهكذا الحلف الفاجر لإنفاق السلع لأنَّه يدعى وصفًا ليس في سلعته، وقد روى
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
البخاري (٢٠٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
ورواه مسلم (١٦٠٦) بلفظ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ».
١٣ - وفيه عقوبة العاصي بنقيض ما أراد.
* * *
[ ١٣ / ٢٥٣ ]