قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا
[ ٢٧٧ ]
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر (٥٣)] .
الرجاء: تعليق القلب بمحبوب في المستقبل، والفرق بينه وبين التمنِّي، أنَّ التمنِّي يصاحبه الكسل، والرجاء يبعث على صالح العمل.
ويطلقُ الرجاء على الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح (١٣)]، أي لا تخافون له عظمة حتى تتركوا عصيانه.
وقال ابن عباس: لا تُعَظِّمون الله حقَّ عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته.
وقال الحسن: لا تعرفون له حقًّا، ولا تشكرون له نعمة.
ورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قرأ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر (٥٣)]، ولا يبالي [إنه هو الغفور رحيم] .
قال ابن كثير: نزلت هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة.
وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا قد أسلموا، ثم فُتِنوا وعُذِّبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا، ولا عدلًا أبدًا، قومٌ أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عُذِّبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات.
وما روي من خصوص نزولها في جماعة لا ينفي عمومها، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
[ ٢٧٨ ]
ورُوي عن ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله - ﷺ - نقول: ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد (٣٣)]، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا من الكبائر، قلنا: قد هلك، فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجونا له؟
وقال تعالى: ﴿وهل يجازى إلا الكفور﴾ .
وفي القراءة الأخرى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ .
أي: عاقبناهم بكفرهم، وهل نجازي إلا الكفور؟
وقال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.
وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور
وقال مقاتل: وهل يكافؤ بعمله السِّيئ إلا الكفور لله في نعمه.
وقال بعض العلماء: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسُّر في اللذة، لا يصادف لذو حلالًا إلا جاءه ما ينغصه إياها.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه (٤٨)] .
أي العذاب اللازم على من كذَّب بآيات الله، وأعرض عنها.
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف (١٥٦)] .
أي: وسعت في الدنيا البرَّ والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة.
قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء. فقال الله ﷾: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
[ ٢٧٩ ]
الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف (١٥٦)]، فتمناها اليهود والنصارى فجعلها الله لهذه الأمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف (١٥٧)] الآية.
[٤١٢] وعن عبادة بن الصامتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمدًا عَبْدهُ ورَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ، وَأنَّ
الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية لمسلم: «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ النَّارَ» .
في هذا الحديث: بشارة لأهل التوحيد بدخول الجنة، وعدم الخلود في النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء (٤٨)] .
[٤١٣] وعن أَبي ذر - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: «يقول الله - ﷿ -: مَنْ جَاء بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا أَوْ أزْيَد، وَمَنْ جَاءَ بالسَيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيني بِقُرَابِ الأرْض خَطِيئةً لا يُشْرِكُ بِي شَيئًا، لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغفِرَةً» . رواه مسلم.
معنى الحديث: «مَنْ تَقَرَّبَ» إلَيَّ بطَاعَتِي «تَقَرَّبْتُ» إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَإنْ زَادَ زِدْتُ «فَإنْ أتَاني يَمْشِي» وَأسرَعَ في طَاعَتي «أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: صَبَبْتُ عَلَيهِ الرَّحْمَةَ وَسَبَقْتُهُ بِهَا وَلَمْ أحْوِجْهُ إِلَى المَشْيِ الكَثِيرِ في
[ ٢٨٠ ]
الوُصُولِ إِلَى المَقْصُودِ «وقُرَابُ الأَرضِ» بضم القافِ، ويقال: بكسرها والضم أصح وأشهر ومعناه: مَا يُقَارِبُ مِلأَهَا، والله أعلم.
هذا من الأحاديث القدسية.
وفيه: أن الجزاء على قدر العمل السيِّئ، وأن العمل الصالح يضاعف لفاعله.
قال القرطبي: هذه الجمل أمثال ضربت لمن عمل من الطاعات، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، تدل على أنه تعالى لا يضيع أجر محسن، وإن قلَّ عمله، بل يقبله ويثبته مضاعفًا.
[٤١٤] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: جاء أعرابي إِلَى النَّبيّ - ﷺ - فَقَالَ:
يَا رَسُول الله، مَا الموجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: بشارة للموحدين بدخول الجنة، ابتداء مع الفائزين أو بعد تمحيصهم بالنار.
[٤١٥] وعن أنس - ﵁ - أن النَّبيّ - ﷺ - ومعاذ رديفه عَلَى الرَّحْل، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبِّيْكَ يَا رَسُول الله وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبِّيْكَ يَا رَسُول الله وسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إلا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّار» قَالَ: يَا رَسُول الله، أفَلا أخْبِرُ بِهَا النَّاس فَيَسْتَبْشِروا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» فأخبر بِهَا مُعاذٌ عِنْدَ موتِه تَأثُّمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
[ ٢٨١ ]
وقوله: «تأثُّمًا» أي خوفًا مِنْ الإثم في كَتْم هَذَا العلم.
قوله: «صدقًا من قلبه»، هذا: القيد لإخراج شهادة اللسان إذا لم يطابقها الجنان، كالمنافقين.
قوله: (ألا أُخبر بها الناس فيستبشروا، قال: «إذًا يتكلوا» .)، أي: يتركوا العمل، ويتكلوا على ذلك، فيأثموا بترك الواجب، ويفوتهم أعالي المنازل بترك المستحب، فأشار إلى معاذ بالترك، لأنه رأى المصلحة في ذلك أتم من الإعلام.
وفيه: أن العالم يراعي المصلحة في كتمان العلم ونشره.
[٤١٦] وعن أَبي هريرة - - أَوْ أَبي سعيد الخدري ﵄ - شك الراوي - ولا يَضُرُّ الشَّكُّ في عَين الصَّحَابيّ؛ لأنَّهُمْ كُلُّهُمْ عُدُولٌ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزوَةُ تَبُوكَ، أصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فقالوا: يَا رَسُول الله، لَوْ أذِنْتَ لَنَا فَنَحرْنَا نَواضِحَنَا فَأكَلْنَا وَادَّهَنَّا؟ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «افْعَلُوا» فَجاء عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِن ادعُهُمْ بفَضلِ أزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادعُ الله لَهُمْ عَلَيْهَا بِالبَرَكَةِ، لَعَلَّ الله أنْ يَجْعَلَ لهم في ذلِكَ البَرَكَةَ. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «نَعَمْ» فَدَعَا بِنَطْع فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفضلِ أزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بكَفّ ذُرَة وَيَجيءُ الآخر بِكَفّ تمر وَيجيءُ الآخرُ بِكِسرَة حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النّطعِ مِنْ ذلِكَ شَيء يَسيرٌ، فَدَعَا رَسُول الله - ﷺ - عليه بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا في أوعِيَتِكُمْ» فَأَخَذُوا في أوْعِيَتهم حَتَّى مَا تَرَكُوا في العَسْكَرِ وِعَاء إلا مَلأوهُ وَأَكَلُوا حَتَّى شَبعُوا وَفَضَلَ فَضْلَةٌ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ
وَأنّي رَسُولُ الله، لا يَلْقَى الله بِهِما عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ» . رواه مسلم.
[ ٢٨٢ ]
في هذا الحديث: حسن الأدب في خطاب الكبار، وأنه لا ينبغي للإمام أن يأذن للعسكر في تضييع دوابهم، إلا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة.
وفيه: تقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخف الضررين دفعًا لأشدهما.
وفيه: أن المؤمن لا بدَّ له من دخول الجنة إمَّا ابتداء مع الناجين أو بعد إخراجه من النار.
[٤١٧] وعن عِتْبَانَ بن مالك - ﵁ - وَهُوَ مِمَّن شَهِدَ بَدرًا، قَالَ: كنت أُصَلِّي لِقَوْمِي بَني سَالِم، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءتِ الأَمْطَار، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مسْجِدِهم، فَجِئتُ رسولَ الله - ﷺ - فقلت لَهُ: إنّي أنْكَرْتُ بَصَرِي وَإنَّ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَ قَومِي يَسيلُ إِذَا جَاءتِ الأمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أنَّكَ تَأتِي فَتُصَلِّي في بَيْتِي مَكَانًا أتَّخِذُهُ مُصَلّى، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «سَأفْعَلُ» .
فَغَدَا عليّ رسولُ الله - ﷺ - وَأَبُو بكر - ﵁ - بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، وَاسْتَأذَنَ رَسُول الله - ﷺ - فَأذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحبُّ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُول الله - ﷺ - فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَصَلَّى رَكعَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزيرَةٍ تُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أهلُ الدَّارِ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - في
بَيْتِي فَثَابَ رِجالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ في البَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لا أرَاهُ! فَقَالَ رَجُلٌ: ذلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ الله ورسولَهُ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لا تَقُلْ ذلِكَ، ألا تَرَاهُ قَالَ: لا إلهَ إلا الله يَبْتَغي بذَلِكَ وَجهَ الله تَعَالَى» فَقَالَ: اللهُ ورسُولُهُ أعْلَمُ أمَّا نَحْنُ فَوَاللهِ مَا نَرَى وُدَّهُ وَلا حَدِيثَهُ إلا إِلَى المُنَافِقينَ! فَقَالَ
[ ٢٨٣ ]
رَسُول الله - ﷺ -: «فإنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلا الله يَبْتَغِي بذَلِكَ وَجْهَ الله» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَ«عِتْبَان»: بكسر العين المهملة وإسكان التاءِ المثناةِ فَوق وبعدها باءٌ موحدة. وَ«الخَزِيرَةُ» بالخاءِ المعجمةِ والزاي: هِيَ دَقيقٌ يُطْبَخُ بِشَحم. وقوله: «ثَابَ رِجَالٌ» بِالثاءِ المثلثةِ: أيْ جَاؤُوا وَاجْتَمَعُوا.
قال الحافظ في (فتح الباري): وفي هذا الحديث من الفوائد: إمامة الأعمى، وإخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهته، ولا يكون من الشكوى، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، ونحو ذلك، واتخاذ موضع معين للصلاة.
وأما النهي عن إيطان موضع من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء، ونحوه.
وفيه: إجابة الفاضل دعوة المفضول، واستصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أنّ المستدعي لا يكره ذلك، وأن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو أطلق عليه اسم المسجد.
وفيه: أن لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وأنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، وترجم عليه البخاري: «صلاة النوافل جماعة»، انتهى ملخصًا من شرح باب المساجد في البيوت.
[٤١٨] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ: قدِم رَسُول الله - ﷺ - بسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبيًا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ فَألْزَقَتهُ بِبَطْنِهَا فَأَرضَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أتَرَوْنَ هذِهِ المَرْأةَ طَارِحَةً وَلَدَها في النَّارِ؟» قُلْنَا: لا وَاللهِ. فَقَالَ: «للهُ أرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِهِ بِوَلَدِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
[ ٢٨٤ ]
هذا الحديث ذكره البخاري في باب رحمة الولد، وتقبيله، ومعانقته، بلفظ: قدم على النبي س سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب سديها، تسقي إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
قوله: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» . قال ابن أبي جمرة: لفظ العباد عام، ومعناه خاص بالمؤمنين، وهو كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف (١٥)] .
وفيه: إشارة إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع أموره بالله وحده.
[٤١٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «لَمَّا خَلَقَ الله الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبي» .
وفي رواية: «غَلَبَتْ غَضَبي» وفي رواية: «سَبَقَتْ غَضَبي» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة أنّ قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم بغير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا بالاستحقاق. فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا، وناشئًا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق ذلك.
[٤٢٠] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ، فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأنْزَلَ في الأرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذلِكَ الجُزءِ يَتَرَاحَمُ الخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابّةُ حَافِرهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ» .
[ ٢٨٥ ]
وفي رواية: «إنّ للهِ مئَةَ رَحمَةٍ، أنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجنِّ وَالإنس وَالبهائِمِ وَالهَوامّ، فبها يَتَعاطَفُونَ، وبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعينَ رَحْمَةً يرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَة» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ورواه مسلم أيضًا مِنْ رواية سَلْمَانَ الفارِسيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ
رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ للهِ تَعَالَى مِئَة رَحْمَةٍ فَمِنْهَا رَحْمَةٌ يَتَرَاحمُ بِهَا الخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتِسْعٌ وَتِسعُونَ لِيَومِ القِيَامَةِ» .
وفي رواية: «إنَّ الله خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ مَئَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّماءِ إِلَى الأرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا في الأرضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْض، فَإذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أكملَهَا بِهذِهِ الرَّحمَةِ» .
الرحمة رحمتان: رحمة من صفات الذات، ورحمة من صفات الفعل.
قال القرطبي: مقتضي هذا الحديث، أن الله علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مئة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقتهم، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي، فبلغت مئة.
وقال ابن أبي جمرة: في الحديث إدخال السرور على المؤمنين، لأن العادة أنّ النفس يكمل فرحها بما وهب لها، إذا كان معلومًا مما يكون موعودًا.
وفيه: الحث على الإيمان، واتساع الرجاء في رَحَمَات الله تعالى المدخرة.
[٤٢١] وعنه عن النَّبيّ - ﷺ - فيما يحكِي عن ربهِ ﵎، قَالَ:
[ ٢٨٦ ]
«أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ الله ﵎: أذنَبَ عبدي ذَنبًا، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبي، فَقَالَ ﵎: أذنَبَ عبدِي ذَنبًا، فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبي، فَقَالَ ﵎: أذنَبَ عبدِي ذَنبًا،
فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وقوله تَعَالَى: «فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» أيْ: مَا دَامَ يَفْعَلُ هكذا، يُذْنِبُ وَيَتُوبُ أغفِرُ لَهُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا.
هذا الحديث: أخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح (١٥)]، من كتاب التوحيد.
قال القرطبي: يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله، وسعة رحمته وحلمه، وكرمه.
[٤٢٢] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ الله بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَومٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ الله تَعَالَى، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رواه مسلم.
[٤٢٣] وعن أَبي أيوب خالد بن زيد - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ -، يقول: «لَوْلا أنَّكُمْ تُذْنِبُونَ، لَخَلَقَ الله خَلْقًا يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رواه مسلم.
[ ٢٨٧ ]
قال ابن مالك: ليس هذا تحريضًا للناس على الذنوب، بل كان صدوره لتسلية الصحابة، وإزالة شدة الخوف عن صدورهم، لأن الخوف كان غالبًا عليهم حتى فرّ بعضهم إلى رؤوس الجبال للعبادة، وبعضهم اعتزل النساء.
وفي الحديث: تنبيه على رجاء مغفرة الله تعالى، وتحقق أنّ ما سبق في علمه تعالى كائن، لأنه سبق في علمه أنه يغفر للعاصي، فلو قدر عدم عاصٍ لخلق الله من يعصيه فيغفر له.
[٤٢٤] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ رَسُول الله - ﷺ -، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ ﵄، في نَفَرٍ فَقَامَ رَسُول الله - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أظْهُرِنَا، فَأبْطَأَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أنْ يُقتطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا فَقُمْنَا فَكُنْتُ أوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أبْتَغِي رسولَ الله - ﷺ -، حَتَّى أتَيْتُ حَائِطًا للأنْصَارِ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قوله: فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «اذهَبْ فَمَن لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: البشارة بدخول الجنة للموحدين، إما ابتداء مع الفائزين، أو بعد دخول النار لمن يغفر له من العاصين.
[٤٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - تَلا قَولَ الله - ﷿ - في إبراهيم - ﷺ -: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم (٣٦)] الآية، وقَالَ عِيسَى - ﷺ -: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة (١١٨)] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقالَ: «اللَّهُمَّ أُمّتي
[ ٢٨٨ ]
أُمّتي» وبَكَى، فَقَالَ الله - ﷿ -: «يَا جِبْريلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟» فَأتَاهُ جبريلُ فسأله، فَأخْبَرَهُ رسولُ الله - ﷺ -، بِمَا قَالَ - وَهُوَ أعْلَمُ - فَقَالَ اللهُ
تَعَالَى: «يَا جِبريلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمّتِكَ وَلا نَسُوءكَ» . رواه مسلم.
قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم (٣٦)] .
قال البيضاوي: فيه دليل على أنّ كل ذنب، فللَّه أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره.
وفي الحديث: كمال شفقته - ﷺ - على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم.
وفيه: البشارة العظيمة لهذه الأمة، وهو من أرجى الأحاديث.
[٤٢٦] وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: «فإنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوهُ، وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا» فقلتُ: يَا رَسُول الله، أفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قال البخاري في كتاب الرقاق، باب: من جاهد نفسه في طاعة الله ﷿، وذكر الحديث بنحوه.
[ ٢٨٩ ]
قال بعض العلماء: جهاد المرء نفسه، هو الجهاد الأكمل، وهو أربع مراتب: حملها على تعلم أمور الدين، ثم حملها على العمل بذلك، ثم حملها على تعليم من لا يعلم، ثم الدعاء إلى توحيد الله.
قال القرطبي: حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء.
وقال ابن رجب: قال العلماء: يؤخذ من مَنْع معاذٍ من تبشير الناس لئلا ييتكلوا. أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس، لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل.
وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، وليس من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.
[٤٢٧] وعن البراءِ بن عازب ﵄، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا الله وَأنّ مُحَمّدًا رَسُول الله، فذلك قوله تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾» [إبراهيم (٢٧)] . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قال ابن عباس ﵄: من دام على الشهادة في الدنيا يلقِّنه الله تعالى إياها في قبره.
[٤٢٨] وعن أنس - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً، أُطعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا المُؤْمِنُ فَإنَّ الله يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ في الآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» .
[ ٢٩٠ ]
وفي رواية: «إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَةِ. وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ تعالى في
الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أفْضَى إِلَى الآخرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» . رواه مسلم.
يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى (٢٠)] .
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل (٩٧)] .
[٤٢٩] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْم خَمْسَ مَرَّات» . رواه مسلم.
«الغَمْرُ»: الكَثِيرُ.
شبه - ﷺ - الدَّنَسَ المعنوي بالدنس الحسي، فكما أن الاغتسال كل يوم خمس مرات يذهب الوسخ، فكذلك الصلوات الخمس تذهب الذنوب. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود (١١٤، ١١٥)] .
[٤٣٠] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أرْبَعونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيئًا، إلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: الحث على تكثير عدد المصلين على الجنازة، رجاء أن يغفر الله للميت، بدعائهم وشفاعتهم.
[ ٢٩١ ]
[٤٣١] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - في قُبَّة نَحْوًَا مِنْ أربَعِينَ رجلًا، فَقَالَ: «أتَرْضَونَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بيَدِهِ، إنِّي لأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ وذلك أنَّ الجنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَا أنْتُم في أهْلِ الشِّركِ إلا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جلدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّودَاءِ في جلدِ الثَّورِ الأحْمَر» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قوله - ﷺ -: «إني لأرجو» قال العلماء: كل رجاء جاء عن الله أو عن النبي - ﷺ - فهو كائن.
قال القرطبي: وهذه الطماعية قد حققت له بقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى (٥)]، وبقوله: إنا سنرضيك في أمتك.
[٤٣٢] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِم يَهُوديًا أَوْ نَصْرانِيًا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» .
وفي رواية عَنْهُ، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ المُسْلِمينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَال الجِبَالِ يَغْفِرُهَا الله لَهُمْ» . رواه مسلم.
قوله: «دَفَعَ الله إِلَى كُلِّ مُسْلِم يَهُوديًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِن النَّارِ» مَعنَاهُ مَا جَاءَ في حديث أَبي هريرة - ﵁ -:
[ ٢٩٢ ]
«لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزلٌ في الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ في النَّارِ، فَالمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الجَنَّةَ خَلَفَهُ الكَافِرُ في النَّارِ؛ لأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ بِكفْرِهِ» ومعنى «فِكَاكُكَ»: أنَّكَ كُنْتَ معْرَّضًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَهَذَا فِكَاكُكَ؛ لأنَّ الله تَعَالَى، قَدَّرَ للنَّارِ عَدَدًا يَمْلَؤُهَا، فَإذَا دَخَلَهَا الكُفَّارُ بِذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، صَارُوا في مَعنَى الفِكَاك للمُسْلِمِينَ، والله أعلم.
معنى الحديث: أن الله تعالى يغفر ذنوب المسلمين، بفضله، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، فيدخلهم النار بعملهم.
قال عمر بن عبد العزيز: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين.
[٤٣٣] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَة مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيهِ، فَيُقَرِّرُهُ بذُنُوبِهِ، فيقولُ: أتعرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعرفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيقول: رَبِّ أعْرِفُ، قَالَ: فَإنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيا، وَأنَا أغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعْطَى صَحيفَةَ حَسَنَاتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
«كَنَفَهُ»: سَتْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
هذا الحديث من أرجى الأحاديث لمن لم يجاهر بذنوبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء (٤٨)] .
[٤٣٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - أنَّ رَجُلًا أصَابَ مِن امْرَأة قُبْلَةً، فَأتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَأخْبَرَهُ، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ
[ ٢٩٣ ]
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود (١١٤)] فَقَالَ الرجل: أَليَ هَذَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «لجميعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
قوله: أنزل الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ - كذا هو بحذف الواو، والتلاوة بإثباتها - وفي رواية: فتلا عليه رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ الآية.
قال ابن عباس: معناه الصلوات الخمس مكفرة الذنوب إذا اجتنبت الكبائر.
[٤٣٥] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: جاء رجل إِلَى النَّبيّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُول الله - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَالَ: يَا رَسُول الله، إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْ فيَّ كِتَابَ الله. قَالَ: «هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاةَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وقوله: «أصَبْتُ حَدًّا» مَعنَاهُ: مَعْصِيَةً تُوجِبُ التَّعْزيرَ، وَلَيْسَ المُرَادُ الحدّ الشَّرعيَّ الحَقِيقيَّ كَحَدِّ الزِّنَا وَالخمر وَغَيرِهِمَا، فإنَّ هذِهِ الحُدودَ لا تَسْقُطُ بالصَّلاةِ، وَلا يَجُوزُ للإمَامِ تَرْكُهَا.
قال البخاري: باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه. وذكر الحديث بنحوه.
قال الحافظ: وقد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم، فظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر بحد ولم يفسره، فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب.
وقال الخطابي: في هذا الحديث أنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع، مهما أمكن، وقد استحب العلماء تلقينَ من أقرّ بموجب الحد بالرجوع عنه.
وجزم النووي وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر.
[ ٢٩٤ ]
وقال صاحب (الهدي): أصح المسالك فيه أن الحد يسقط بالتوبة. انتهى ملخصًا.
[٤٣٦] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إنَّ الله لَيرْضَى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلم.
«الأَكْلَة»: بفتح الهمزة وهي المرةُ الواحدةُ مِنَ الأكلِ كَالغَدوَةِ وَالعَشْوَةِ، والله أعلم.
في هذا الحديث: غاية الكرم من المولى ﷾، أن يتفضل على عبده بالرزق، فإذا حمده رضي عنه.
[٤٣٧] وعن أَبي موسى - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ليلًا ونهارًا ما لم يغرغره الموت، أو تطلع الشمس من مغربها. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام (١٥٨)] .
[٤٣٨] وعن أَبي نجيح عمرو بن عَبَسَة - بفتح العين والباءِ - السُّلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ وأنَا في الجاهِلِيَّةِ أظُنُّ أنَّ النَّاسَ
[ ٢٩٥ ]
عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيهِ، فإِذَا رسولُ الله - ﷺ - مُسْتَخْفِيًا، جرَآءُ عَلَيهِ قَومُهُ، فَتَلَطَّفَتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أنْتَ؟ قَالَ: «أنا نَبيٌّ» قُلْتُ: وما نبيٌّ؟ قَالَ: «أرْسَلَنِي الله» قُلْتُ: وبأيِّ شَيْء أرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْء» قُلْتُ له: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» ومعه يَوْمَئذٍ أَبُو بكرٍ وبلالٌ ﵄، قُلْتُ: إنّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ ذلِكَ يَومَكَ هَذَا، ألا تَرَى حَالي وحالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجعْ إِلَى أهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بي قَدْ ظَهرْتُ فَأتِنِي» قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أهْلِي وقَدِمَ رَسُول الله - ﷺ - المَدِينَةَ وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حَتَّى قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ أهْلِي المَدِينَةَ، فقلتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ المَدِينَةَ؟ فقالوا: النَّاس إلَيهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أرادَ قَومُهُ قَتْلَهُ، فلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ، فقَدِمْتُ المدينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيهِ
فقلتُ: يَا رَسُول الله أَتَعْرِفُني؟ قَالَ: «نَعَمْ، أنْتَ الَّذِي لَقَيْتَنِي بمكّةَ» قَالَ: فقلتُ: يَا رَسُول الله، أخْبِرنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وأَجْهَلُهُ، أخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «صَلِّ صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، فَإنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيطَان، وَحينَئذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإنَّهُ حينئذ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فَإنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّي العصرَ، ثُمَّ اقْصرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فإنَّهَا تَغْرُبُ بينَ قَرْنَيْ شَيطانٍ، وَحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفّارُ» .
[ ٢٩٦ ]
قَالَ: فقلتُ: يَا نَبيَّ الله، فالوضوءُ حدثني عَنْهُ؟ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءهُ، فَيَتَمَضْمَضُ وَيسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه مِنْ أطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يديهِ إِلَى المِرفقَيْن، إلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أنَامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأسَهُ، إلا خرّتْ خطايا رأسِهِ من أطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يغسل قدميه إِلَى الكعْبَيْنِ، إلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجلَيْهِ مِنْ أنَاملِهِ مَعَ الماءِ، فَإنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله تَعَالَى، وأثنى عَلَيهِ ومَجَّدَهُ بالَّذي هُوَ لَهُ أهْلٌ، وَفَرَّغَ قلبه للهِ تَعَالَى، إلا انْصَرفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كهيئته يَومَ وَلَدتهُ أُمُّهُ» .
فحدث عَمرُو بن عَبسَة بهذا الحديث أَبَا أُمَامَة صاحِب رَسُول الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَة: يَا عَمْرُو بنُ عَبسَة، انْظُر مَا تقولُ ! في مقامٍ واحدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَة، لقد كَبرَتْ سِنّي، وَرَقَّ
عَظمِي، وَاقْتَرَبَ أجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أنْ أكْذِبَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَلا عَلَى رَسُول الله - ﷺ -، لَوْ لَمْ أسمعه مِنْ رَسُول الله - ﷺ -، إلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّات - مَا حَدَّثْتُ بِهِ أبدًا، وَلكنِّي سمعتُهُ أكثَر من ذلِكَ. رواه مسلم.
قوله: «جُرَآءُ عَلَيهِ قَومُه» هُوَ بجيم مضمومة وبالمد عَلَى وزنِ عُلماءَ، أيْ: جَاسِرونَ مُستَطِيلُونَ غيرُ هائِبينَ، هذِهِ الرواية المشهورةُ، ورواه الحُمَيْدِيُّ وغيرُهُ «حِرَاءٌ» بكسر الحاء المهملة، وَقالَ: معناه غِضَابٌ ذَوُو غَمّ وهَمّ، قَدْ عِيلَ صَبرُهُمْ بِهِ، حَتَّى أثَّرَ في أجسامهم، من
[ ٢٩٧ ]
قولِهِم: حَرَى جسمهُ يَحْرَى، إِذَا نَقَصَ مِنْ ألمٍ أَوْ غَمٍّ ونحوهِ، والصَّحيحُ أنَّهُ بالجيمِ.
قوله - ﷺ -: «بَيْنَ قَرنَيْ شيطان» أيْ ناحيتي رأسِهِ والمرادُ التَّمْثيلُ، وَمعْنَاهُ: أنه حينئذٍ يَتَحرَّكُ الشَّيطَانُ وَشيعَتُهُ، وَيتَسَلَّطُونَ.
وقوله: «يُقَرِّبُ وَضوءهُ» معناه يُحضِرُ الماءَ الَّذِي يَتَوضّأ بِهِ، وقوله: «إلا خَرَّت خطايا» هُوَ بالخاءِ المعجمة: أيْ سقطت، ورواه بعضُهم «جَرَت» بالجيم، والصحيح بالخاءِ وَهُوَ رواية الجمهور. وقوله: «فينْتَثرُ» أيْ يَستخرجُ مَا في أنفهِ مِنْ أذىً والنَّثْرَةُ: طَرَفُ الأنْفِ.
في هذا الحديث: الحث على صلة الأرحام لأن الله تعالى قرنها بالتوحيد.
وفيه: مشروعية الصلاة في كل وقت، إلا أوقات النهي.
وفيه: فضل إسباغ الوضوء، وأنّ من صلَّى صلاة لا يحدث فيها نفسه غفرت له ذنوبه.
[٤٣٩] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أرادَ الله تَعَالَى رَحمةَ أُمَّةٍ، قَبَضَ نَبيَّهَا قَبْلَها، فَجعلهُ لَهَا فَرطًا وسلَفًا بَيْنَ يَديْهَا، وإذَا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأهلكَها وَهُوَ يَنظُرُ، فَأقرّ عَينَهُ بهلاكِها حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوا أمْرَهُ» . رواه مسلم.
قد وعد الله الصابرين على المصائب بالأجور. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة (١٥٥ - ١٥٧)] .
وقال - ﷺ -: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته فِيَّ» . وبالله التوفيق.
[ ٢٩٨ ]