والاقتصار عَلَى القليل من المأكول والمشروب والملبوس
وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ منْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم (٥٩، ٦٠)] .
أي: خلف من بعد الذين أثنى الله عليهم من الأنبياء والصالحين، خلفُ سوء، أضاعوا الصلاة بتركها أو تأخيرها عن وقتها: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ مالوا إلى زخارف الدنيا ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ شرًّا وخسرانًا.
وقال تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُريدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَواب اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا﴾ [القصص (٧٩: ٨٠)] .
قيل: إنَّ قارون خرج على بغلة شهباء عليه الأُرْجُوَان، وعليها سُرْج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيِّه؟
وقال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لًتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر (٨)] .
أي: إذا ألهاكم عن الشكر.
[ ٣٢٨ ]
وعن زيد بن أسلم مرفوعًا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم.
وقال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُريدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء (١٨)]
أي: من كانت همَّته مقصورة على الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء من البسط، والتقتير، لمن يريد أن نفعل به ذلك، ثم جعلنا له في الآخرة جهنم يصلاها مذمومًا، مدحورًا، مطرودًا، مبعدًا.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» . رواه أحمد.
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
أي: في فضل التقلل من الدنيا، والترغيب في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى (٢٠)]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص (٦٠)] .
[٤٩١] وعن عائشة ﵂، قالت: مَا شَبعَ آلُ مُحَمّد - ﷺ - مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: مَا شَبعَ آلُ محَمّد - ﷺ - مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.
[ ٣٢٩ ]
فيه: إعراضه - ﷺ - عن الدنيا، وزهده فيها.
وفيه: تحريض لأمته على الزهد فيها، والإعراض عما زاد على الحاجة منها، ولا منافاة فيه وبين حديث أنه - ﷺ - يدخر لأهله قوت سنة، لأنه كان يفعل ذلك في آخر حياته، فيخرجه في الحوائج تعرض عليه.
[٤٩٢] وعن عروة عن عائشة ﵂، أنّها كَانَتْ تقول: وَاللهِ، يَا ابْنَ أُخْتِي، إنْ كُنَّا لنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ: ثَلاَثَةُ أهلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ في أبْيَاتِ رسول الله - ﷺ - نَارٌ قط. قُلْتُ: يَا خَالَةُ، فَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالت: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إلا أنَّهُ قَدْ كَانَ لرسول الله - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رسول الله - ﷺ - مِنْ ألْبَانِهَا فَيَسْقِينَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا في أول الأمر.
وفيه: فضل الزهد، وإيثار الواجد للمعدوم، والاشتراك فيما في الأيدي.
وفيه: جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه، تذكيرًا بنعمته وليتأس به غيره.
[٤٩٣] وعن أَبي سعيد المقبُريِّ عن أَبي هريرة - ﵁ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَومٍ بَيْنَ أيدِيهمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأبَى أنْ يأْكُلَ. وقال: خرج رسول الله - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعيرِ. رواه البخاري.
«مَصْلِيَّةٌ» بفتح الميم: أيْ مَشْوِيَّةٌ.
فيه: أن من شأن المُحب أن يتبع آثار محبوبه، ويأتم بها.
[ ٣٣٠ ]
[٤٩٤] وعن أنس - ﵁ - قَالَ: لَمْ يَأكُلِ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. رواه البخاري.
وفي رواية لَهُ: وَلا رَأى شَاةً سَمِيطًا بعَيْنِهِ قَطُّ.
الخِوان: ما يؤكل عليه الطعام بدون أن يخفض الآكل رأسه، وهو بدعة جائزة. والخبز المرقق: هو الأرغفة الواسعة الرقيقة. والسميط: ما أزيل شعره وشوي بجلده. وقطّ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على الضم.
[٤٩٥] وعن النعمان بن بشير ﵄، قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ نَبيَّكُمْ - ﷺ -، وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.
«الدَّقَلُ»: تَمْرٌ رَدِيءٌ.
قوله: (لقد رأيت نبيكم)، فيه: حث المخاطبين على الاقتداء به، والإعراض عن الدنيا مهما أمكن.
[٤٩٦] وعن سهلِ بن سعد - ﵁ - قَالَ: مَا رَأى رسول الله - ﷺ - النَّقِيَّ مِنْ حِين ابْتَعَثَهُ الله تَعَالَى حَتَّى قَبضَهُ الله تَعَالَى. فقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عَهدِ رسول الله - ﷺ - مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رسول الله - ﷺ - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فيَطيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ. رواه البخاري.
قَوْله: «النَّقِيّ» هُوَ بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياءِ: وَهُوَ الخُبْزُ الحُوَّارَى، وَهُوَ: الدَّرْمَكُ. قَوْله: «ثَرَّيْنَاهُ» هُوَ بثاء مثلثة، ثُمَّ راء مشددة، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاة من تَحْت ثُمَّ نون، أيْ: بَللْنَاهُ وَعَجَنَّاهُ.
[ ٣٣١ ]
قال في القاموس: والحُوَّاري بضم الحاء وتشديد الواو، وفتح الراء: الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق، وكل ما حُوّر، أي: بُيّض من طعام.
[٤٩٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإذَا هُوَ بأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَقَالَ: «مَا أخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالا: الجُوعُ يَا رسول الله. قَالَ: «وَأنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما، قُوما» فقَامَا مَعَهُ، فَأتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإذَا هُوَ لَيْسَ في بيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ، قالت: مَرْحَبًَا وَأهلًا. فقال لَهَا رسول الله - ﷺ -: «أيْنَ فُلانُ؟» قالت: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لنَا المَاءَ. إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رسول الله - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أكْرَمَ أضْيَافًا مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: «إيْاكَ وَالْحَلُوبَ» فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رسول الله - ﷺ - لأَبي بَكْر وَعُمَرَ ﵄: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أصَابَكُمْ هَذَا النَّعيمُ» . رواه مسلم.
قولُهَا: «يَسْتَعْذِبُ» أيْ: يَطْلُبُ المَاءَ العَذْبَ، وَهُوَ الطَّيِّبُ. وَ«العِذْقُ» بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وَهُوَ الكِباسَةُ، وَهِيَ
الغُصْنُ. وَ«المُدْيَةُ» بضم الميم وكسرها: هي السِّكِّينُ. وَ«الْحَلُوبُ»: ذاتُ اللَّبَن.
وَالسُّؤالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ سُؤَالُ تَعْدِيد النِّعَم لا سُؤَالُ تَوْبيخٍ وتَعْذِيبٍ، والله أعلَمُ.
وَهَذَا الأَنْصَارِيُّ الَّذِي أَتَوْهُ هُوَ، أَبُو الْهَيْثَم بْنُ
[ ٣٣٢ ]
التَّيِّهَانِ، كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا في رواية الترمذي وغيره.
في هذا الحديث: فوائد كثيرة منها: جواز الضيافة للمقيم إذا احتاج إليها، وجواز ترحيب المرأة بالضيفان، وإنزال الناس منازلهم، واستحباب ترك ذبح الحلوب إذا وجد غيرها، والنهي عن ذبحها نهي إرشاد لا كراهة فيه.
وعن ابن عباس مرفوعًا: «إذا أصبتم مثل هذا، فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله وببركة الله، وإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي أشبعنا، وأروانا، وأنعم علينا، وأفضل، فإن هذا كفاف هذا.
قال ابن القيم: كل أحد يُسأل عن تنعمه الذي كان فيه، هل ناله من حل أو لا؟ وإذا خلص من ذلك يسأل هل قام بواجب الشكر فاستعان به على الطاعة أو لا؟
[٤٩٨] وعن خالد بن عُمَيْر العَدَوِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ، وَكَانَ أمِيرًا عَلَى البَصْرَةِ، فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ
الإنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا، لا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللهِ لَتُمْلأَنَّ أَفَعَجِبْتُمْ؟! وَلَقدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسيرَةُ أرْبَعِينَ عَامًا، وَليَأتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأيْتُنِي سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ رسول الله - ﷺ -، مَا لَنَا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ
[ ٣٣٣ ]
أشْدَاقُنَا، فَالتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أحَدٌ إلا أَصْبَحَ أمِيرًا عَلَى مِصرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَإنِّي أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَعِنْدَ اللهِ صَغِيرًا.
رواه مسلم.
قَوْله: «آذَنَتْ» هُوَ بِمَدّ الألف وذال معْجمةٍ غير مشدَّدة، أيْ: أعْلَمَتْ. وَقَوْلُه: «بِصُرْم» هُوَ بضم الصاد، أيْ: بِانْقِطَاعِهَا وَفَنَائِهَا. وَقوله: «ووَلَّتْ حَذَّاءَ» هُوَ بحاءٍ مهملة مفتوحة، ثُمَّ ذال معجمة مشدّدة، ثُمَّ ألف ممدودة، أيْ: سريعة. وَ«الصُّبَابَةُ» بضم الصاد المهملة وهي: البَقِيَّةُ اليَسِيرَةُ. وَقَوْلُهُ: «يَتَصَابُّهَا» هُوَ بتشديد الباء قبل الهاء، أيْ: يجمعها. وَ«الْكَظِيظُ»: الكثير الممتلىءُ. وَقَوْلُه: «قَرِحَتْ» هُوَ بفتح القاف وكسر الراء، أيْ صار فِيهَا قُروح.
في هذا الحديث: فوائد كثيرة، من الترغيب والترهيب، والوعظ والتذكير، وعمق النار، وسعة الجنة وغير ذلك.
[٤٩٩] وعن أَبي موسى الأشعري - ﵁ - قَالَ: أخْرَجَتْ لَنَا عَائِشَةُ ﵂ كِسَاءً وَإزارًا غَلِيظًا، قالَتْ: قُبِضَ رسول الله - ﷺ - في هَذَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: إعراضه - ﷺ - عن الدنيا، واكتفاؤه بما تيسر من اللباس.
وفيه: تهييج للمتبعين سبيله على ذلك.
[٥٠٠] وعن سعد بن أَبي وقاص - ﵁ - قَالَ: إنِّي لأَوَّلُ رجل من الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رسول الله - ﷺ - مَا لَنَا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهذَا السَّمُرُ، حَتَّى إنْ كَانَ أحَدُنَا
[ ٣٣٤ ]
لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خَلْطٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الحُبْلَة» بضم الحاء المهملة وإسكان الباءِ الموحدةِ: وَهِيَ وَالسَّمُرُ، نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ.
قوله: «إلا ورق الحُبْلة وهذا السَّمُرُ» في رواية للبخاري: «إلا الحبلة وورق السمر»: وهذه الغزوة تسمى غزوة الخبط.
وفيه: ما كان الصحابة عليه من الضيق في أول الإسلام امتحانًا ليظهر صدقهم، قال الله تعالى: ﴿آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت (١: ٣)] .
قال الشاعر:
لولا اشتعال النار في جزل الفضاء ؟؟ ما كان يعرف طيب نشر العود ؟؟؟
[٥٠١] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمّدٍ قُوتًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أهْلُ اللُّغَةِ وَالغَرِيبِ: مَعْنَى «قُوتًا» أيْ: مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.
معنى الحديث: طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن، ويكف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر.
[٥٠٢] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إلا هُوَ، إنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطنِي مِنَ الْجُوعِ. وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَومًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ بِي النبي - ﷺ -، فَتَبَسَّمَ حِيْنَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ:
[ ٣٣٥ ]
«الْحَقْ» وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأذَنَ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ، فَوَجَدَ لَبَنًَا في قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟» قَالُوا: أهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ - أَو فُلانَةٌ - قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول اللهِ، قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي» قَالَ: وَأهْلُ الصُّفَّة أضْيَافُ الإِسْلاَمِ، لا يَأوُونَ علَى أهْلٍ وَلا مَالٍ وَلا عَلَى أحَدٍ، وَكَانَ إِذَا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أتَتْهُ هَدِيَّةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ، وَأصَابَ مِنْهَا، وأشْرَكَهُمْ فِيهَا. فَسَاءنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أهْلِ الصُّفَّةِ! كُنْتُ أحَقُّ
أنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتَقَوَّى بِهَا، فَإذَا جَاءُوا وَأمَرَنِي فَكُنْتُ أنَا أُعْطِيهِمْ؛ وَمَا عَسَى أنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رسوله - ﷺ - بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأقْبَلُوا وَاسْتَأذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «خُذْ فَأعْطِهِمْ» قَالَ: فَأخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُل فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأخَذَ الْقَدَحَ فَوضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ» . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «بَقيتُ أنَا وَأنْتَ» قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رسول الله، قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ» فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أجِدُ لَهُ
[ ٣٣٦ ]
مَسْلكًا! قَالَ: «فَأرِنِي» فَأعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ الله، وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. رواه البخاري.
في هذا الحديث من الفوائد: استحباب الشرب من قعود.
وفيه: معجزة عظيمة من علامات النبوة.
وفيه: جواز الشبع.
وفيه: أنّ كتمان الحاجة والتلويح بها أولى من إظهارها.
وفيه: كرم النبي - ﷺ - وإيثاره على نفسه، وأن ساقي القوم آخرهم شربًا.
وفيه: استحباب الحمد على النعم والتسمية عند الشرب.
[٥٠٣] وعن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي وَإنِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رسولِ الله - ﷺ - إِلَى حُجْرَةِ عائِشَةَ ﵂ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائِي، فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيَرَى أنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إلا الْجُوعُ. رواه البخاري.
في هذا الحديث: صبر الصحابة ﵃ على الفقر والجوع تتميمًا لهجرتهم إلى الله ورسوله.
وفيه: ثباتهم على دينهم بخلاف من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.
[٥٠٤] وعن عائشة ﵂، قالت: تُوُفِّي رسول الله - ﷺ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِي في ثَلاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِير. متفق عَلَيْهِ.
قال العلماء: الحكمة في عدوله - ﷺ - عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذْ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو خشي أنهم لا يأخذون ثمنًا فلم يرد التضييق عليهم.
[ ٣٣٧ ]
وذكر ابن الطلاع: أن أبا بكر إِفْتَكَّ الدرع بعد النبي - ﷺ -.
[٥٠٥] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: رَهَنَ النَّبيُّ - ﷺ - دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - بخُبْزِ شَعِيرٍ وَإهَالَة سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أصْبَحَ لآلِ مُحَمّدٍ صَاعٌ وَلا أمْسَى» وَإنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أبيَات. رواه البخاري.
«الإهالَةُ» بكسر الهمزة: الشَّحْمُ الذَّائِبُ. وَ«السَّنِخَةُ» بالنون والخاء المعجمة: وَهِيَ المُتَغَيِّرَةُ.
فيه: إعراضه - ﷺ - عن المشتهيات، واجتزاؤه بما يسد الحاجة من القوت.
وفيه: تسلية لذوي الفقر والحاجة من أمته.
قوله: وإنهم لتسعة أبيات.
قال الحافظ: ومناسبة ذكر أنس لهذا القدر مع ما قبله، الإشارة إلى سبب قوله - ﷺ - هذا، وأنه لم يقله متضجِّرًا، ولا شاكيًا، وإنما قاله معتذرًا عن إجابة دعوى اليهودي، ولرهنه درعه.
وفي الحديث: جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم.
واستنبط منه جواز معاملة مَنْ أكْثَرُ ماله حرام.
وفيه: جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجازته، وغير ذلك من الكافر ما لم يكن حربيًا.
وفيه: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع، والزهد في الدنيا، والتقلل منها
[ ٣٣٨ ]
مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار، والصبر على ضيق العيش.
وفيه: فضيلة لأزواجه وصبرهن معه على ذلك.
[٥٠٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ ردَاءٌ، إمَّا إزَارٌ وَإمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا في أعْنَاقِهِم مِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.
فيه: فضيلة الصحابة ﵃، وصبرهم على الفقر، وضيق الحال، والاجتزاء من اللباس على ما يستر العورة، وقد أثابهم الله على ذلك فاستخلفهم في الأرض، ومكّن لهم دينهم وبدلهم من بعد فقرهم غنىً، ومن بعد خوفهم أمنًا مع ما أعد الله لهم في الآخرة من الثواب في الجنة.
[٥٠٧] وعن عائشة ﵂، قالت: كَانَ فِرَاشُ رسول الله - ﷺ - مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهُ مِنْ لِيفٌ. رواه البخاري.
فيه: عدم مبالاته - ﷺ - بمستلذات الدنيا، كما قال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي في الدنيا كراكب قَال في ظل دوحة، ثم راح، وتركها» .
[٥٠٨] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رسول الله - ﷺ - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أدْبَرَ الأَنْصَاريُّ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا أخَا الأنْصَارِ، كَيْفَ أخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟»
[ ٣٣٩ ]
فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلا خِفَافٌ، وَلا قَلاَنِسُ، وَلا قُمُصٌ، نَمْشِي في تِلك السِّبَاخِ، حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْله حَتَّى دَنَا رسول الله - ﷺ - وَأصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ. رواه مسلم.
فيه: تواضعه - ﷺ - واستحباب السؤال عن المريض وعيادته.
وفيه: دلالة على الاقتصار على قليل الملبوس.
وفيه: إكرام الوفد، وإنزال الناس منازلهم.
[٥٠٩] وعن عِمْرَان بنِ الحُصَيْنِ ﵄ عن النبي - ﷺ - أنّه قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أدْري قَالَ النبي - ﷺ - مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاَثًا «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهمُ السَّمَنُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
القرن: أهل زمان واحد متقارب، وقرنه - ﷺ - هم أصحابه، ثم قرن التابعين، ثم أتباع التابعين، ثم فشت البدع، وامتحن أهل العلم، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وكثرة شهادة الزور، والخيانة، واتباع الشهوات، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه.
[٥١٠] وعن أَبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيرٌ لَكَ، وَأنْ تُمسِكَهُ شَرٌ لَكَ، ولا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدأ بِمَنْ تَعُولُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
أي: بذلك الفضل خير لك في الدنيا والآخرة، وإمساكه شر لك لعدم أداء
[ ٣٤٠ ]
الحقوق، واشتغال القلب عن التوجه إلى الله، ولا تلام على إمساك ما يكفيك، ويسد حاجتك، وابدأ في الإنفاق بحق من تعول.
[٥١١] وعن عُبيْدِ الله بنِ محْصن الأَنصَارِيِّ الخطميِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سربِهِ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ،
عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
«سِربه»: بكسر السين المهملة: أي نَفْسه، وَقِيلَ: قَومه.
يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش (٣، ٤)]، فإذا كان المسلم آمنًا في محله، صحيحًا عنده من القوت ما يكفه عن سؤال الناس، فهو في نعمة عظيمة.
[٥١٢] وعن عبد الله بن عَمْرو بنِ العاص ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» . رواه مسلم.
قال القرطبي: معنى الحديث أنّ من حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدارين.
[٥١٣] وعن أَبي محمدٍ فضَالَة بن عبيدٍ الأنصاريِّ - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلى الإسْلاَمِ، وَكَانَ
[ ٣٤١ ]
عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنِعَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الكفاف: هو الكفاية من غير زيادة ولا نقص.
[٥١٤] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَبيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا، وَأهْلُهُ لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبزَ الشَّعيرِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: صبره - ﷺ - على الجوع.
وفيه: فضيلة لأزواجه بصبرهن على ذلك.
[٥١٥] وعن فُضَالَةَ بن عبيدٍ - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ، يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاةِ مِنَ الخَصَاصَةِ - وَهُمْ أصْحَابُ الصُّفَّةِ - حَتَّى يَقُولَ الأعْرَابُ: هؤُلاء مَجَانِينٌ. فَإذَا صلَّى رسول الله - ﷺ - انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، لأَحْبَبْتُمْ أنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
«الخَصَاصَةُ»: الفَاقَةُ وَالجُوعُ الشَّدِيدُ.
في هذا الحديث: الحث على الصبر على الفقر، وضيق العيش، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف (٩٠)] .
[٥١٦] وعن أَبي كريمة المقدام بن معد يكرِبَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ -، يقول: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاء شَرًّا مِنْ
[ ٣٤٢ ]
بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ فثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسه» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«أكُلاَتٌ» أيْ: لُقَمٌ.
قيل: إن كسرى سأل طبيبًا، ما الداء الذي لا دواء له؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، وسأله عن الحمية، قال: الاقتصاد في كل شيء، فإذا أكل فوق المقدار ضيق على الروح.
[٥١٧] وعن أَبي أُمَامَة إياسِ بن ثعلبةَ الأَنْصَارِيِّ الحارثي - ﵁ - قَالَ: ذَكَرَ أصْحَابُ رسول الله - ﷺ - يَومًا عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «ألا تَسْمَعُونَ؟ ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ، إنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» يَعْنِي: التَّقَحُّلَ. رواهُ أَبو داود.
«البَذَاذَةُ» - بالباءِ الموحدةِ والذالين المعجمتين - وَهِيَ رَثَاثَةُ الهَيْئَةِ وَتَرْكُ فَاخِرِ اللِّبَاسِ. وَأَمَّا «التَّقَحُّلُ» فبالقافِ والحاء: قَالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المُتَقَحِّلُ هُوَ الرَّجُلُ اليَابِسُ الجِلْدِ مِنْ خُشُونَةِ العَيْشِ وَتَرْكِ التَّرَفُّهِ.
إنما كانت البذاذة من الإيمان لما تؤدي إليه من كسر النفس والتواضع، قال عيسى ﵇: جودة الثياب خيلاء القلب.
وعوتب علي ﵁ في إزار مرقوع، فقال: يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب.
وهذا يدل على استحباب ذلك إذا لم يكن فيه رياء، ولا حيلة على الدنيا.
وبالجملة فالمحبوب التوسط في كل شيء.
[ ٣٤٣ ]
وقال بعض العارفين - لما أنكر عليه جمال هيئته -: يا هذا، هيأتي هذه تقول الحمدُ لله، وهيأتكم هذه تقول: أعطوني من دنياكم.
[٥١٨] وعن أَبي عبد الله جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: بَعَثَنَا رسول الله - ﷺ - وَأمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ - ﵁ - نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبو عُبيدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصيِّنَا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالماءِ فَنَأكُلُهُ. قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، فَأقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلاَثُمِئَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِن وَقْبِ عَيْنِهِ بِالقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْطَعُ مِنْهُ الفِدَرَ كالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبو عُبَيْدَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِهِ وَأخَذَ ضِلْعًا مِنْ أضْلاَعِهِ فَأقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَتَيْنَا رسول الله - ﷺ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟» فَأرْسَلْنَا إِلَى رسول الله - ﷺ - مِنْهُ فَأكَلَهُ. رواه مسلم.
«الجِرَابُ»: وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ بِكَسرِ الجيم وفتحها والكسر أفْصَحُ. قَوْلُهُ: «نَمَصُّهَا» هو بفتح الميم، وَ«الخَبَطُ»: وَرَقُ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ تَأكُلُهُ الإبِلُ. وَ«الكَثِيبُ»: التَّلُّ مِنَ الرَّمْلِ، وَ«الوَقْبُ»: بفتح
[ ٣٤٤ ]
الواو وَإسكان القافِ وبعدها بَاءٌ موحدةٌ وَهُوَ نُقْرَةُ العَيْنِ. وَ«
القِلاَلُ»: الجِرار. وَ«الفِدَرُ» بكسرِ الفاءِ وفتح الدال: القِطَعُ. «رَحَلَ البَعِيرَ» بتخفيف الحاءِ: أيْ جَعَلَ عَلَيْهِ الرَّحْلِ. «الوَشَائِقُ» بالشينِ المعجمةِ والقاف: اللَّحْمُ الَّذِي اقْتُطِعَ لِيُقَدَّدَ مِنْهُ، والله أعلم.
في هذا الحديث: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش.
وفيه: كرامة له - ﷺ - حيث كفى الواحد منهم نهاره ثمرة واحدة.
وفيه: حِل ميتة حوت البحر.
[٥١٩] وعن أسماء بنتِ يزيد ﵂، قالت: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رسول الله - ﷺ - إِلَى الرُّصْغِ. رواه أَبو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«الرُّصْغُ» بالصاد وَالرُّسْغُ بالسينِ أيضًا: هُوَ المَفْصِلُ بَيْنَ الكفِّ والسَّاعِدِ.
قيل: حكمة الاقتصار على الرصغ، أنه متى جاوز اليد شق على لابسه، ومتى قصر عنه تأذي الساعد ببروزه للحر والبرد، وخير الأمور أوساطها.
[٥٢٠] وعن جابر - ﵁ - قَالَ: إنَّا كُنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا إِلَى النبي - ﷺ -، فقالوا: هذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخَنْدَقِ. فَقَالَ: «أنَا نَازِلٌ» ثُمَّ قَامَ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَة أيّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا فَأخَذَ النبي - ﷺ - المِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثيبًا أهْيَلَ أَو أهْيَمَ، فقلت: يَا رسول الله، ائْذَنْ لي إِلَى البَيْتِ، فقلتُ لامْرَأتِي: رَأيْتُ
[ ٣٤٥ ]
بالنَّبيِّ
- ﷺ - شَيئًا مَا في ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقالت: عِنْدي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحْتُ العَنَاقَ وَطَحَنْتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النبي - ﷺ -، وَالعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ، وَالبُرْمَةُ بَيْنَ الأثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ تَنْضِجُ، فقلتُ: طُعَيْمٌ لي، فَقُمْ أنْتَ يَا رسول اللهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ، قَالَ: «كَمْ هُوَ»؟ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «كثيرٌ طَيِّبٌ قُل لَهَا لا تَنْزَع البُرْمَةَ، وَلا الخبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حتى آتِي» فَقَالَ: «قُومُوا»، فقام المُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فقلتُ: وَيْحَكِ جَاءَ النبيُّ - ﷺ - وَالمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ ومن مَعَهُمْ! قالت: هَلْ سَألَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «ادْخُلُوا وَلا تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ وَالتَّنُّور إِذَا أخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزعُ، فَلَمْ يَزَلْ يِكْسِرُ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ مِنْهُ، فَقَالَ: «كُلِي هَذَا وَأهِدي، فَإنَّ النَّاسَ أصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية قَالَ جابر: لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأيْتُ بالنبيِّ - ﷺ - خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأتِي، فقلت: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإنّي رَأيْتُ برسول الله - ﷺ - خَمَصًا شَديدًا، فَأخْرَجَتْ إلَيَّ جِرَابًا فِيه صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغي، وَقَطَعْتُهَا في بُرْمَتها، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رسول الله - ﷺ -، فقالت: لا تَفْضَحْنِي برسول الله - ﷺ - وَمَنْ مَعَهُ، فَجئتهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رسول الله، ذَبَحْنَا بهيمَة لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «يَا أهلَ الخَنْدَقِ: إنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا فَحَيَّهَلا بِكُمْ» فَقَالَ
النبي - ﷺ -:
[ ٣٤٦ ]
«لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلا تَخْبزنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِيءَ» فَجِئْتُ، وَجَاءَ النبي - ﷺ - يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأتِي، فقالَتْ: بِكَ وَبِكَ! فقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لي. فَأخْرَجَتْ عَجِينًا، فَبسَقَ فِيهِ وَبَاركَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبصَقَ فيها وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوها» وَهُم ألْفٌ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطّ كَمَا هِيَ، وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
قَوْله: «عَرَضَتْ كُدْيَةٌ» بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تَحْتَ، وَهِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأرضِ لا يَعْمَلُ فِيهَا الفَأسُ، وَ«الكَثيبُ» أصْلُهُ تَلُّ الرَّمْل، وَالمُرَادُ هُنا: صَارَتْ تُرابًا نَاعِمًا، وَهُوَ مَعْنَى «أهْيَلَ» . وَ«الأَثَافِيُّ»: الأحجَارُ الَّتي يكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ، وَ«تَضَاغَطُوا»: تَزَاحَمُوا. وَ«المَجَاعَةُ»: الجُوعُ، وَهُوَ بفتح الميم. وَ«الخَمَصُ»: بفتح الخاء المعجمة والميم: الجُوعُ، وَ«انْكَفَأتُ»: انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ. و«البُهَيْمَةُ» بضم الباء، تصغير بَهْمَة وَهيَ، العَنَاقُ، بفتح العين. وَ«الدَّاجِنُ»: هِيَ الَّتي ألِفَتِ البَيْتَ: وَ«السُّؤْرُ» الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ بالفَارِسيَّة. وَ«حَيَّهَلا» أيْ تَعَالُوا. وَقَوْلُهَا «بك وَبكَ» أيْ خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ، لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أنَّ الَّذِي عِنْدَهَا لا يَكْفِيهمْ، فَاسْتَحْيَتْ وَخَفِيَ عَلَيْهَا مَا أكْرَمَ الله ﷾ بِهِ نَبِيَّهُ - ﷺ - مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ وَالآية البَاهِرَةِ. «بَسَقَ» أيْ: بَصَقَ؛ وَيُقَالُ أيْضًا: بَزَقَ، ثَلاث لُغاتٍ. وَ«عَمَدَ» بفتح الميم، أيْ: قَصَدَ. وَ«اقْدَحي»
أيْ: اغْرِفِي؛ وَالمِقْدَحَةُ: المِغْرَفَةُ. وَ«تَغِطُّ» أيْ: لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ، والله أعلم.
في هذا الحديث: معجزة النبي - ﷺ -، وفضيلة لأصحابه ﵃، حيث صبروا معه على الجوع والحرب، فأثابهم الله على ذلك بأن استخلفهم في
[ ٣٤٧ ]
الأرض، ومكّن لهم دينهم، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنًا، مع ما أعد لهم من الثواب في الجنة.
[٥٢١] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ أَبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رسول الله - ﷺ - ضَعيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأخْرَجَتْ أقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أرْسَلَتْني إِلَى رسولِ الله - ﷺ -، فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رسولَ الله - ﷺ -، جَالِسًا في المَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهمْ، فَقَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «أرْسَلَكَ أَبو طَلْحَةَ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ: «ألِطَعَامٍ؟» فقلت: نَعَمْ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رسول الله - ﷺ - بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ؟ فَقَالَتْ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. فَانْطَلَقَ أَبو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رسولَ الله - ﷺ -، فَأقْبَلَ رسول الله - ﷺ - مَعَهُ حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَأتَتْ بِذلِكَ الخُبْزِ، فَأمَرَ بِهِ رسول الله - ﷺ - فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أمُّ سُلَيْمٍ عُكّةً فَآدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ
رسول الله - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم فَأكَلُوا حتى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشْرَةٍ» فأذِنَ لهم.
حَتَّى أكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَو ثَمَانُونَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: فَمَا زَالَ يَدْخُلُ عَشرَة، وَيخرجُ عشرةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ
[ ٣٤٨ ]
أحَدٌ إلا دَخَلَ، فَأكَلَ حَتَّى شَبعَ، ثُمَّ هَيَّأهَا فَإذَا هِيَ مِثْلُهَا حِيْنَ أكَلُوا مِنْهَا.
وفي رواية: فَأَكَلُوا عَشرَةً عَشرةً، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أكَلَ النبيُّ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ وَأهْلُ البَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا.
وفي رواية: ثُمَّ أفْضَلُوا مَا بَلَغُوا جيرانَهُمْ.
وفي رواية عن أنس، قَالَ: جِئتُ رسولَ الله - ﷺ - يومًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أصْحَابِه، وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ، بِعِصَابَةٍ، فقلتُ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رسولُ الله - ﷺ - بَطْنَهُ؟ فقالوا: مِنَ الجوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْت مِلْحَانَ، فقلتُ: يَا أبتَاهُ، قَدْ رَأيْتُ رسول الله - ﷺ - عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَألْتُ بَعْضَ أصْحَابِهِ، فقالوا: من الجُوعِ. فَدَخَلَ أَبو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيءٍ؟ قالت: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإنْ جَاءنَا رسول الله - ﷺ - وَحْدَهُ أشْبَعْنَاهُ، وَإنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
في هذا الحديث: معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ -.
وفيه: فطنة أم سليم ورجحان عقلها.
وفيه: استحباب أكل صاحب الطعام وأهله بعد فراغ الضيفان، وإطعام جيرانهم.
وفيه: جواز تسمية زوج الأم أبًا.
وفيه: ما كان عليه الصحابة من الاعتناء بأحوال رسول الله - ﷺ - مع ما هم فيه من ضيق العيش يومئذٍ.
وفيه: اجتزاؤهم بالقوت، وترك ما زاد عليه من شهوة النفس وحظها ﵃.
[ ٣٤٩ ]