والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة (١٠)] .
هذا أمر إباحة بعد النهي عن البيع، وكان عراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.
[ ٣٥٩ ]
[٥٣٩] وعن أَبي عبد الله الزبير بن العَوَّام - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ أحبُلَهُ ثُمَّ يَأتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزمَةٍ مِنْ حَطَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيكُفّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رواه البخاري.
[٥٤٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ أحدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: الحضُّ على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشاق، لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعلى المسؤول من الحرج.
[٥٤١] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «كَانَ دَاوُدُ - ﵇ - لا يَأكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.
كان داود ﵇ ملكًا نبيًّا، وكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمنها.
[٥٤٢] وعنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «كَانَ زَكرِيّا - ﵇ - نَجَّارًا» . رواه مسلم.
فيه: جواز الصنائع، وأن النجارة صناعة فاضلة وأنها لا تسقط المروءة.
[٥٤٣] وعن المقدام بنِ مَعْدِ يكرِبَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -
[ ٣٦٠ ]
قَالَ: «مَا أكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِه، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ - ﵇ - كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.
الاكتساب لا ينافي التوكل، فقد كان للجنيد دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه، فيصلي ما بين الظهر والعصر، وكان إبراهيم بن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته، ويتصدق بباقيه، وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها، لأنه تتم له فيها الخلوة.
وفي الحديث الآخر: أن النبي - ﷺ - سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» .