قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران (١٠٢)] .
وَقالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن (١٦)] . وهذه الآية مبينة للمراد مِنَ الأُولى.
التقوى: امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه حسب الطاقة، وأصلها في اللغة: اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره.
وَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب (٧٠، ٧١)]، وَالآيات في الأمر بالتقوى كثيرةٌ معلومةٌ.
قال ابن كثير: يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأنْ يعبدوه عبادةً
[ ٦٦ ]
مَنْ كأنه يراه، وأنْ يقولوا قولًا سديدًا، أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأنْ يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفِّقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل، يلهمهم التوبة منها.
ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب (٧١)]، وذلك أنه يُجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم.
وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق (٢، ٣)] .
قال ابن كثير: أي: ومن يتق الله فيما أمره به وتركَ ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.
وفي (المسند) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال (٢٩)] والآيات في البابِ كثيرةٌ معلومةٌ.
قال ابن إسحاق: فرقانًا: أي: فصلًا بين الحق والباطل.
قال ابن كثير: فإنَّ من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سببَ نصره ونجاته، ومخرجه من أمور الدنيا،
[ ٦٧ ]
وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه، وهو محوها وغفرها وسترها عن الناس، وسببًا لنيل ثواب الله الجزيل.
وأما الأحاديث:
[٦٩] فالأول: عن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ» . فقالوا: لَيْسَ عن هَذَا نسألُكَ، قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابنُ نَبِيِّ اللهِ ابنِ نَبيِّ اللهِ ابنِ خليلِ اللهِ» قالوا: لَيْسَ عن هَذَا نسألُكَ، قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلوني؟ خِيَارُهُمْ في الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فقُهُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
و«فَقُهُوا» بِضم القافِ عَلَى المشهورِ وَحُكِيَ كَسْرُها: أيْ عَلِمُوا أحْكَامَ الشَّرْعِ.
أي: أنَّ أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية هم أصحابها في الإِسلام إذا علموا أحكام الشرع.
[٧٠] الثَّاني: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ
الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسرائيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ.
رواه مسلم.
في هذا الحديث: التحذيرُ من الاغترار بالدنيا، والميل إلى النساء، فإنهما فتنة لكل مفتون.
[٧١] الثالث: عن ابن مسعودٍ - ﵁ -: أنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسألُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ، وَالغِنَى» . رواه مسلم.
الهدى: الرشاد.
[ ٦٨ ]
والتقى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والعفاف: التنزه عما لا يباح، وما لا يليق بالمروءة.
والغنى: غنى النفس، والاغتناء عما في أيدي الناس.
وفيه: شرف هذه الخصال والالتجاء إلى الله في سائر الأحوال.
[٧٢] الرابع: عن أبي طريفٍ عدِيِّ بن حاتمٍ الطائيِّ - ﵁ -، قَالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أتْقَى للهِ مِنْهَا فَليَأتِ التَّقْوَى» . رواه مسلم.
يعني أن من حلفَ على فعل شيء أو تركه، فرأى غيره خيرًا من التمادي على اليمين واتقى الله، فَعَلَهُ وَكفَّر عن يمينه.
[٧٣] الخامس: عن أبي أُمَامَةَ صُدَيّ بنِ عجلانَ الباهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَخْطُبُ في حجةِ الوداعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا الله وَصلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا أُمَرَاءكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» . رواه الترمذي، في آخر كتابِ الصلاةِ، وَقالَ: (حديث حسن صحيح) .
بدأ بالتقوى لأنها الأساس؛ لتناولها فعل سائر المأمورات، وترك سائر المناهي، وعطف عليها ما بعدها وهو من عطف العام على الخاص، والله أعلم.