الكرم: الإنفاق بطيب نفس، والجود: الإنفاق فيما يعظم خطره ونفعه.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ (٣٩)] .
أي: ما أنفقتم في رضا الله ﷿ فهز يخلفه في الدنيا بالمال، أو بالقناعة، وفي الآخرة بالجزاء المضاعف، قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة (٢٤٥)] .
وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢٧٢)] .
أي: ما تنفقوا من خير فثوابه لأنفسكم، فلا تمنُّوا به، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.
[ ٣٦١ ]
قال عطاء: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابه. ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تنقصون.
وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢٧٣)] .
أي: فيجازيكم بقدره.
[٥٤٤] وعن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
ومعناه: يَنْبَغي أنْ لا يُغبَطَ أحَدٌ إلا عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.
الحكمة: العلم. وضابطها ما منع الجهل، وزجر عن القبيح، والعلم النافع هو القرآن والسنَّة.
[٥٤٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إلا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» . رواه البخاري.
فيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر لينتفع به في الآخرة.
[٥٤٦] وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: أن الصدقة تقي من النار، ولو كانت قليلة، وفي الحديث الآخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار» .
[ ٣٦٢ ]
[٥٤٧] وعن جابرٍ - ﵁ - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - ﷺ - شَيْئًا قَطُّ، فقالَ: لا. متفقٌ عَلَيْهِ.
كان - ﷺ - لا ينطق بالرد فإن كان عنده المسؤول، وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد كما قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء (٢٨)] .
[٥٤٨] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك.
[٥٤٩] وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان.
[٥٥٠] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رَجُلًا سَألَ رسول الله - ﷺ -: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
المراد: الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك.
وقوله: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . المراد به: إفشاء السلام على من لقيت.
وفيه: حض على ائتلاف القلوب واستجلاب مودتها.
[ ٣٦٣ ]
[٥٥١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ.
في هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على فعل الخير ولو كان قليلًا، كما قال النبي - ﷺ -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .
قال ابن بطال: ومعلوم أنه - ﷺ - كان عالمًا بالأربعين، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أنْ يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر.
[٥٥٢] وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . رواه مسلم.
الفضل: ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه من زوجة، وعبد، ودابة، وقريب؛ فلا يلام على إمساك ما يكف به الحاجة لذلك.
[٥٥٣] وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عَلَى الإسْلاَمِ شَيْئًا إلا أعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءهُ رَجُلٌ، فَأعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ
[ ٣٦٤ ]
جَبَلَيْنِ، فَرجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أسْلِمُوا فإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءَ مَن لا يَخْشَى الفَقْر، وَإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُريدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الإسْلاَمُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم.
في هذا الحديث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ترغيبًا في الإسلام.
وفيه: كمال معرفته - ﷺ - بدواء كل داء.
[٥٥٤] وعن عمر - ﵁ - قَالَ: قسم رسول الله - ﷺ - قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤلاَءِ كَانُوا أحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إنَّهُمْ خَيرُونِي أنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: ما كان عليه - ﷺ - من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.
[٥٥٥] وعن جبير بن مطعم - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْن، فَعَلِقَهُ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة، فَخَطِفَت رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبيُّ - ﷺ -، فقال: «أعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلا كَذّابًا وَلا جَبَانًا» . رواه البخاري.
«مَقْفَلَهُ» أيْ: حَال رُجُوعِه. وَ«السَّمُرَةُ»: شَجَرَةٌ. وَ«العِضَاهُ»: شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.
في هذا الحديث: ذم البخل، والكذب، والجبن.
وفيه: ما كان عليه - ﷺ - من الحلم وحسن الخلق، والصبر على جفاة
[ ٣٦٥ ]
الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة.
[٥٥٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللهُ - ﷿ -» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، لما تدفعه عنه الصدقة من الآفات، وتنزل بسبها البركات.
وفيه: أن من عُرِف بالعفو والصفح ساد وعظم في قلوب الناس، وأن من تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة.
[٥٥٧] وعن أَبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري - ﵁ - أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ثَلاَثَةٌ أُقْسمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسألَةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقرٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - وَأُحَدِّثُكُمْ حَديثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: «إنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًَّا، فَهذا بأفضَلِ المَنَازِلِ.
[ ٣٦٦ ]
وَعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالًا لَعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالًا، وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخبطُ في مَالِهِ بغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي
مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قوله: «ما نقص مال عبد من صدقة» . يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ (٣٩)] .
قوله: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا»، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)] .
قوله: «ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» وهذا مشاهد بالحس ويشهد له قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر (١٥)] .
قوله: «إنما الدنيا لأربعة » إلخ فالأول عَلِمَ وعَمِلَ صالحًا. والثاني: عَلِمَ وعزم على العمل الصالح لو قدر، فأجرهما سواء والثالث: لم يعْلَمْ ولم يعمَلْ في ماله صالحًا. والرابع: لم يعلَمْ وعزم على العمل السيِّئ، لو قدر على مال فوزهما سواء.
وقال بعض العارفين:
أربعة تعجبت من شأنهم ؟؟ فالعينُ في فكرتهم ساهرة ؟؟؟
فواحد دنياه مبسوطة ؟؟ قد أوتي الدنيا مع الآخرة ؟؟
وآخر دنياه مقبوضة ؟؟؟؟ وبعدها آخرة وافرة ؟؟؟؟؟
وثالث دنياه مبسوطة ؟؟ ليست له من بعده آخرة ؟؟؟
ورابع أسقط من بينهم ؟؟ ليست له دنيا ولا آخرة ؟؟؟
قال الله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء (٢١)] .
[٥٥٨] وعن عائشة ﵂: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إلا كَتِفُها. قَالَ: «بَقِيَ
[ ٣٦٧ ]
كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
ومعناه: تَصَدَّقُوا بِهَا إلا كَتِفَها. فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلا كَتِفَهَا.
فيه: تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يكثر المرء ما أنفقه فيها.
[٥٥٩] وعن أسماء بنت أَبي بكرٍ الصديق ﵄، قالت: قَالَ لي رسول الله - ﷺ -: «لا تُوكِي فَيُوكي الله عَلَيْكِ» .
وفي رواية: «أنفقي أَوِ انْفَحِي، أَوْ انْضَحِي، وَلا تُحصي فَيُحْصِي اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعي فَيُوعي اللهُ عَلَيْكِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وَ«انْفَحِي» بالحاء المهملة، وَهُوَ بمعنى «أنفقي» وكذلك «انْضحي» .
في هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من منع ما عنده من المال قطع الله عنه مادة الرزق، وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ (٣٩)] .
وفيه: الحث على الإنفاق في وجوهه ثقة بالله تعالى.
[٥٦٠] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يَقولُ: «مَثَل البَخيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَديد مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلا يُريدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[ ٣٦٨ ]
وَ«الجُبَّةُ»: الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.
القبض والشح من جبلة الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء (١٠٠)]، والنفقة تستوعب عيوبه.
وفي الحديث: وعدٌ للمنفق بالبركة والصيانة من البلاء والبخيل بضد ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر (٩)] .
[٥٦١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
«الفَلُوُّ» بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضًا: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وَهُوَ المُهْرُ.
فيه: أن الله لا يقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وهو الحلال. وفي رواية: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب.
قوله: «بيمينه» . قال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا ولا نقول كيف، هكذا رُوي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم.
[٥٦٢] وعنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت
[ ٣٦٩ ]
ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتًْا في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» . رواه مسلم.
«الحَرَّةُ» الأَرْضُ المُلَبَّسَةُ حجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ«الشَّرْجَةُ» بفتح الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هي مَسِيلُ الماءِ.
في هذا الحديث: أن الصدقة تنتج البركة والمعونة من الله.
وفي الحديث الآخر: «ما نقصت صدقة من مال بل تزيده، بل تزيده» .