قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .
حسن الخلق: بسط الوجه وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. وقال علي: الخلق العظيم آداب القرآن. وقال - ﷺ -: «بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق» .
وقال تَعَالَى: ﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] الآية.
أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه وعفوا عمَّن أساء إليهم.
قال الثوري: الإِحسان أن تُحسن إلى المسيء.
وفي الحديث عن النبي - ﷺ -: «ثلاث أُقسم عليهنَّ: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .
[٦٢١] وعن أنس - ﵁ - قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - أحْسَنَ النَّاس خُلُقًا. متفقٌ عَلَيْهِ.
كان حسن الخلق غريزة في النبي - ﷺ - جبله الله عليها، واكتسابًا من القرآن، ولهذا قال - ﷺ -: «أَدبني ربي فأَحسن تأديِبِي» .
[ ٤٠٨ ]
[٦٢٢] وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجًا وَلا حَرِيرًا ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ - ﷺ - عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلا لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألا فَعَلْتَ كَذا؟. متفقٌ عَلَيْهِ.
قوله: (ألين من كف رسول الله - ﷺ -)، وورد في حديث آخر: أَنه شعث الكف والقدمين، فقيل: إن اللين بحسب أَصل الخلقة والخشونة لعرض عمل.
وفي الحديث: كمال خلقه - ﷺ - وتسليمه للقدر.
[٦٢٣] وعن الصعب بن جَثَّامَةَ - ﵁ - قَالَ: أهديتُ رسولَ الله - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رأى مَا في وجهي، قَالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أنّا حُرُمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: الحكم بالعلامة، لقوله: (فلما رأى ما في وجهي) .
وفيه: جواز رد الهداية لعلة، والاعتذار عن ردها تطيبًا لقلب المهدي.
[٦٢٤] وعن النَّوَاس بنِ سمعان - ﵁ - قَالَ: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.
البر: الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.
[ ٤٠٩ ]
[٦٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله - ﷺ - فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقًا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
الفحش: ما يشتد قبحه من الأَقوال والأَفعال. والتفحش: تكلّف ذلك، أي: ليس ذا فحش في كلامه وأَفعاله.
وقوله: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» . لأَن حسن الخلق يدعو إِلى المحاسن، وترك المساوئ.
[٦٢٦] وعن أَبي الدرداءِ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
«البَذِيُّ»: هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.
في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، لأَنه يورث لصاحبه محبة الله، ومحبة عباده.
وفيه: قبح الفحش والبذاءة، لأَنه يورث البغض من الله وعباده.
[٦٢٧] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» . رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح» .
التقوى تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه.
[ ٤١٠ ]
[٦٢٨] وعنه، قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَانًا أحسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
كلما كان العبد أَحسن أَخلاقًا كان أَكمل إيمانًا.
وقوله: «وخياركم خياركم لنسائهم» . وذلك بالبشاشة وطلاقه الوجه، وكف الأَذى، وبذل الندى، والصبر على إيذائها. وفي رواية: «إِن أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» .
[٦٢٩] وعن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، وأَنه يبلغ صاحبه أَعْلى الدرجات. وبسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى.
[٦٣٠] وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وَإنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
«الزَّعِيمُ»: الضَّامِنُ.
[ ٤١١ ]
في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: (إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم) .
وفيه: الحث على التخلق بحسن الخلق وترك الكذب.
[٦٣١] وعن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقًا، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ»، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«الثَّرْثَارُ»: هُوَ كَثِيرُ الكَلاَمِ تَكَلُّفًا. وَ«المُتَشَدِّقُ»: المُتَطَاوِلُ عَلَى النَّاسِ بِكَلاَمِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلامِهِ، وَ«المُتَفَيْهِقُ»: أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلاَءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلاَمِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّرًا وَارْتِفَاعًا، وَإظْهَارًا للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ.
وروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ ﵀ في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلاَقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى» .
قال الحافظ: حسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف (١٩٩)] .