قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ﴾ [آل عمران (١٣٤)] .
[ ٤١٢ ]
في هذه الآية تحريض على التخلُّق بالإِحسان إلى الناس من العفو عنهم وكظم الغيظ، وغير ذلك.
وقال تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ﴾ [الأعراف (١٩٩)] .
قال مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، يعني: من أخلاق الناس من غير تجسُّس.
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، أي المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه.
قال الشعبي: لما أنزل الله ﷿ على نبيه - ﷺ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: «ما هذا يَا جبريل؟» قال: «إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .
وقال تَعَالَى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت (٣٤، ٣٥)] .
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.
وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة.
وقال تَعَالَى: ﴿وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى (٤٣)] .
أي: من صبر على الأذى ولم يجاز على السيئة، فإن ذلك من عزم الأمور المشكورة التي أمر الله بها.
[ ٤١٣ ]
[٦٣٢] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ - لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ» . رواه مسلم.
الحلم والأناة من صفات العقلاء. وسبب قول النبي - ﷺ - ذلك للأشج. ما جاء في حديث الوفد، أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إِلى النبي - ﷺ -، وأقام الأَشج عند رحالهم فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أَحسن ثيابه ثم أَقبل إلى النبي - ﷺ - فقربه وأَجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي - ﷺ -: «تبايعوني على أَنفسكم، وقومكم» . فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يَا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أَنفسنا، ونرسل من يدعوهم. فمن أتبعنا كان منَّا، ومن أَبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله. الحلم، والأناة»، قال: يَا رسول
الله، أكانا فِيَّ أم حدثًا، قال: «بل قديم» . قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.
[٦٣٣] وعن عائشة ﵂، قالت: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[٦٣٤] وعنها أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» . رواه مسلم.
[٦٣٥] وعنها أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ» . رواه مسلم.
الرِّفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأَخذ بالأَسهل، وهو ضد العنف،
[ ٤١٤ ]
وهو الشدة والمشقة، فصاحب الرفق يدرك حاجته أَو بعضها، وصاحب العنف لا يدركها، وإِن أَدركها فبمشقة، وحريٌّ أن لا تتم.
[٦٣٦] وعن أَبي هريرة - ﵁ - قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» . رواه البخاري.
«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.
في هذا الحديث: الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.
وفي رواية ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أَن فقه: بأَبي وأُمي - ﷺ -، فلم يؤنب ولم يسب، فقال: «إِن هذا المسجد لا يُبال فيه، وإِنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه» .
وفي الحديث أيضًا: نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد، وأَنه يكتفي في ذلك بصب الماء عليها من غير تحجير.
[٦٣٧] وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
اليسر: ضد العسر. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج (٧٨)] . وقال النبي - ﷺ -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والتعسير يوجب التنفير.
[ ٤١٥ ]
[٦٣٨] وعن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ» . رواه مسلم.
فيه الحث على الرفق في جميع الأمور، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران (١٥٩)] .
[٦٣٩] وعن أَبي هريرة - ﵁ - أنَّ رَجُلًا قَالَ للنبيِّ - ﷺ -: أوْصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.
الغضب: جماع الشر، وباب من مداخل الشيطان الثلاثة وهي: الغفلة، والشهوة، والغضب. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع.
[٦٤٠] وعن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ» . رواه مسلم.
معنى إِحسان القتلة: أَن لا يقصد التعذيب للمقتول وإِحسان الذبحة أن يرفق بالبهيمة عند الذبح. قال الإِمام أحمد: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أَنها تعرف ربها، وتعرف أَنها تموت.
[٦٤١] وعن عائشة ﵂ قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله - ﷺ - بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلا أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثمًا، فَإنْ كَانَ إثمًا، كَانَ
[ ٤١٦ ]
أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رسول الله - ﷺ - لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ، إلا أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: استحباب الأَخذ بالأَيسر في أُمور الدين والدنيا إذا لم يكن فيه معصية.
وفيه: استحباب ترك الانتقام للنفس كما في الحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» .
وفيه: ما كان عليه - ﷺ - من الحلم والصبر والقيام بالحق، والصلابة في الدين. وهذا هو الخلق الحسن قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم (٤)] .
[٦٤٢] وعن ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب ملاطفة الناس، وتسهيل الجانب لهم وقضاء حوائجهم.
وفي الحديث الآخر: «إنكم لا تسعون الناس بأَرزاقكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق» .