* [قولُهُ في الهِرَّة: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنما هي مِنَ الطَّوَافِينَ عليكم أو الطَّوّفاتِ" + ٦١، يعني]: إنما تَطُوفُ على ثِيَابِكُم، وتأوي إلى فُرُشِكُم فليستْ بِنَجِسٍ.
قالَ مَالِكٌ: (إلا أنْ يُرَى في فَمِها نَجَاسةٌ فلا تَتَوضَّأُ مِمَّا شَرِبتْ منهُ) يُريدُ: إذا كَانَ المَاءُ قَلِيلًا، وحُكْمُ الهِرِّ حُكْمُ السِّبَاعِ التي أباحَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الوُضُوءَ بِفَضْلِ ما شَرِبتْ.
قالَ أبو عُمَرَ (٢): وفي هذا الحَدِيثِ دَلِيل على وُجُوبِ رَفْعِ النَّجَاسةِ مِنَ الثِّيَابِ وغَيْرِها، لِقَوْلهِ - ﵇ -: "إنَّها ليستْ بِنَجَسٍ" فلَو كانتْ نَجِسَةً لأنْجَسَتُه وأفْسَدتهُ، ولم يَجُزْ إسْتعمالُه في وَضوءٍ ولا في غَيْرِه.
_________________
(١) سقط من أول الكتاب عدد من الأوراق، وفيها أحد عشر بابا من الموطأ، من صفحة (٥)، إلى صفحة (٢٩)، وما وضعته بين معقوفتين زيادة من الموطأ.
(٢) هو أحمد بن عبد الملك بن هاشم الإشبيلي نزيل قرطبة، الإِمام العلامة الفقيه، المعروف بابن المكوي، تُوفِّي سنة (٤٠١)، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ١/ ٢٣٠.
[ ١ / ١٢٩ ]
* قولُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِصَاحبِ الحَوْضِ: (لا تُخْبِرْنا، فإنَّا نَرِدُ على السِّبَاع، وَتَرِدُ السِّبَاعُ عَلينا) [٦٢] يقُولُ: لا تُخْبِرْنَا بِشُرِبِ السِّبَاع مِنْ حَوْضِكَ، فإنَّا نتَوضَّأ ونشرَبُ مِنْ فَضْلَتِها، وهذا يَدُلُّ على الحُكْمِ في المَاءِ لِغَلَبةِ الطَّهَارِة عليهِ.
قالَ أبو المُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ (١): المَاءُ عِنْدَنا على الطَّهَارِةِ، إلا أنْ يَتَغيَّرَ لَوْنُهُ، أو طَعْمُهُ، أو رَاِئِحَتُهُ مِنْ شَيءٍ نَجَسٍ حلَّ فيه إلا قَلِيلَ المَاءِ، فإنَّ النَّجَاسَةَ اليَسِيرَةَ تُفْسِدُه وإنْ لم تغيِّرْهُ.
* قولُ ابنِ عُمَرَ: (إنْ كانَ الرِّجَالُ والنِّسَاءُ لَيَتَوضَّئُونَ جَمِيعًَا في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) [٦٣]، قالَ عِيسَى (٢): يعني أنَّ الرَّجُلَ وامْرَأتَهُ كانَا يَتَوضَّئانِ مِنْ إنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ فيه أَيديهُما.
قال أبو مُحَمَّدٍ (٣): في هذا دَلِيلٌ على إباحَةِ الوُضُوءِ بالمَاءِ المُسْتَعَملِ الذي قد توضَّأ به، وإنما كُرِه الوُضُوءُ بالمَاءِ الذي قد توضَّأ به مِنْ أَجْلِ أنَّةُ قد أُدِّي به فَرْضٌ، كما كُرِه أنْ يُرْمَى مِنَ الجِمَارِ بما قد رُمِيَ به.
وقالَ ابنُ القَاسِم (٤): مَنْ تَوضَّأ بما قد تَوضَّا به وصَلَّى جَازَتْ صَلَاتُه إذا كانَ
المُتَوضِّيءُ به أوَّلًا طَاهِرَ الأعْضَاءِ وإلَّا فلا يتوضَّاُ به.
* قولُ النبيِّ - ﷺفي ثَوْبِ المَرْأةِ: "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ" [٦٥]، يُرِيدُ: إذا جَرَّتْ ثَوْبَها على نَجَاسةٍ يَابِسَةٍ ثُمَّ جَرَّتهُ بعد ذلك على تُرَابٍ طَاهِبر فقد أَزَالَ عَنْ ثَوْبِها ما كَانَ
_________________
(١) هو أحمد بن أبي بكر بن الحارث القُرَشي الزُّهري، أحد من روى عن الإِمام مالك، وكان فقيها محدثا ثقة، تُوفِّي سنة (٢٤٢)، وروى عنه البخاري ومسلم وغيرهما.
(٢) هو عيسى بن دينار بن واقد، أبو محمد الغَافِقي القُرْطبي القاضي، الإِمام الفقيه المفتي الزاهد، صحب عبد الرحمن بن القاسم، وتخرَّج به، وله مصنّفات، تُوفِّي سنة (٢١٢)، ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٣٩، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٩٠٢.
(٣) هو عبد الله بن عثمان الأسدي القرطبي، المحدث الفقيه الثقة، ولد سنة (٢٨٣)، والمتوفى سنة (٣٦٤)، ينظر: تاريخ علماء الأندلس لإبن الفرضي ١/ ٢٣٢.
(٤) هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، الإِمام العلامة الفقيه، صحب الإِمام مالك وغيره، وتوفي سنة (١٩١)، ينظر: السير ٩/ ١٢٠.
[ ١ / ١٣٠ ]
قد تعلَّقَ بهِ مِنَ النَّجَاسةِ اليَابِسَةِ، وأما إذا جَرَّتهُ على نَجَاسةٍ رَطْبَةٍ لم يُزِلْهَا إلا الغُسْلُ بالمَاءِ.
قالَ ابنُ القَاسِم: القَلَسُ شَيءٌ يَخْرُجُ مِنَ الحَلْقِ مِثلُ القَيءِ، رُبَّما كانَ مَاءً، ورُبَّما كانَ طَعَامًا، فمنْ أَصَابَهُ ذلكَ في صَلَاتهِ فإنْ كانَ مَاءً تَمَادَى فيها ولا شَيءَ عليهِ، وإنْ كانَ طَعَامًا يَسِيرًا تَمَادَى فيها ولا شَيءَ عليهِ، وإنْ كانَ كَثيرًا قَطَعَ صَلَاتَهُ وتَمَضْمَضَ بالمَاءِ وابتدأَ صَلَاتهِ.
* تَرْكُ ابنِ عُمَرَ حينَ غَسَّلَ ابنَ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ [٦٨]، وتَرْكُه الوُضُوءَ والغُسْلَ دَلِيلٌ على أنْ لَا وُضُوءَ ولا غُسْلٌ على مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًَا.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: أجمعَ أهلُ المَدِينةِ على أنَّ لا وُضُوءَ على مَنْ أَكَلَ طَعَامًا قد مسَّتُهُ النَّارُ، فسَأَلتُهُ عَنْ حَديثِ الأَغَرِّ عَنْ أبي هُرَيرةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "تَوضَّؤوا مما غَيَّرتُه النَّارُ" (١) فقالَ لي: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، والعَمَلُ في هذا على فِعْلِ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وعلي وغيرِهم مِنَ الصَّحَابةِ الذينَ كَانُوا لا يَتَوضَّئُونَ مما مَسَّتُه النَّارُ.
* قال أبو المُطَرِّف: روَى جَابِرُ بنُ عبدِ الله قالَ: "كانَ آخِرُ الأمْرَينِ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَرْكُ الوُضُوءِ مما مَسَّتُه النَّارُ" (٢).
* وفي حَدِيثِ سُويدِ بنِ النُّعْمَانِ [٧٢]، مِنَ الفِقْه: نَظَرُ إمامِ الجَيْشِ لأهلِ العَسْكَرِ عندَ قِلَّةِ الزَّادِ فتُجْمَعُ أَزْوِدَتُهم لكي يَقُوتَ منها مَنْ لا زَادَ معهُ، كما فعلَ النبيُّ - ﵇ -.
وقالَ بعضُ الفُقَهاءِ: هذا الحديثُ يُوجِبُ إخْرَاجَ الطَّعَامِ مِنْ مَخَازِنِ المُحْتكِرينَ إذا قَلَّ في الأسْوَاقِ فَيَبِيعُونهُ مِنْ أهلِ الحَاجَةِ [لعُسْرِ] (٣) ذلك اليومِ (٤).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٩٤)، وأحمد ٢/ ٤٥٨، وابن حبان (١١٤٨).
(٢) رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي ١/ ١٠٨، وابن حبان (١١٣٤)، والبيهقي ١/ ١٥٥.
(٣) في الأصل: بعسر، وما وضعته هو الذي يتوافق مع السياق.
(٤) ذكره ابن حجر في الفتح ١ (١/ ٣١٢) نقلا عن المهلب.
[ ١ / ١٣١ ]
* وقوله في السَّوِيقِ: "فأَمَرَ بهِ فَثُرِّيَ" [٧٢]، يعني: بُلَّ بالمَاءِ، لِيَكُونَ أَسْهَلَ لأَكْلِه وشُرْبِه، وفي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْه: مَضْمَضَةُ الفَمِ عندَ أَكْلِ الطَّعَامِ، وهو مِنْ بابِ النَّظَافةِ، وفيه تَرْكُ الوُضُوءِ مما مَسَّتِ النَّارُ.
* قالَ أبو المُطَرِّف: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ قَوْلَةَ أنسٍ: (لَيْتَنِي لمْ أَفْعَلْ) [٧٩]، رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قالَ: إنَّ أَنَسَ مَاتَ على الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وقِيلَ: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ هذه القِضَةَ مِنْ أَجْلِ إنْكَارِ أبي طَلْحَةَ وأُبَيٍّ على أَنسً وُضُوءَهُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وفي هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أَنَّ أَعْمَالَ أَهْلِ المَدِينةِ حُجَّةٌ على مَنْ خَالَفَهُم مِنْ أَهْلِ الآفاقِ، ولِذَلِكَ قالَ أُبَيٌّ وأبو طَلْحَةَ لأنسٍ: (أَعِرَاقيَّةٌ؟) [٧٩]، يعني: جِئْتنا مِنَ العِرَاقِ بِما ليسَ عليه العَمَلُ بالمَدِينَةِ، فقالَ: (لَيْتَنِي لمْ أَفْعَلْ)، فأقرَّ أنَّ عَمَلَ أهلِ المَدِينةِ حُجَّةٌ على مَنْ خَالَفَهُم.
وفي هذه القِصَّةِ مِنَ الفِقْه: زيارةُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، وإكْرَامُ الرَّجُلِ مَنْ زَارَهُ بِطَعَامِه، وإنْكَارُ الفُقَهاءِ ما لا يُعْرَفْ مَعْمُولا به في المَدِينةِ، واعْتِرَافُ الرَّجُلِ بِخَطَئِه.
[ ١ / ١٣٢ ]