الحياة السياسية (١)
مَرَّتِ الأندلسُ خِلالَ حياةِ أبي المُطَرِّفِ بأربعِ مَرَاحِلَ سِيَاسيةٍ، هي:
المَرْحَلةُ الأولى: مَرْحَلةُ الخِلَافةِ:
وتَبْتَدِئُ مِنْ تَارِيخِ إعْلانِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَكَمِ بنِ هِشَامِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ المَرْوَانِي، المُلَقَّبِ بالنَّاصرِ لِدِينِ الله تَسْميتَهُ بأميرِ المؤمنينَ سنة (٣١٦)، وتَنْتَهِي بوفَاةِ الحَكَمِ المُسْتَنْصِرِ باللهِ سنة (٣٦٦).
وكانَ لِشَجاعةِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصرِ وصَرَامتهِ سَبَبًا في وِحْدَةِ البَلاَدِ مِنْ أَقْصَاهَا إلى أَقْصَاهَا، وغَدا ثَانِي أَعْظَمِ مُلُوكِ الأَنْدَلُسِ بَعْدَ عبدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ، وهو بانِي مَدِينةَ الزَّهْرَاءِ الشَّهِيرةِ، ودَامتْ دَوْلتهُ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الحُكْمِ، ثُمَّ توفي سنةَ (٣٥٠).
ثُمَّ خَلَفَهُ ابنهُ الحَكَمُ الثَّانِي المُسْتَنْصِرُ باللهِ، وقدْ جَاوزَ السَّابِعَةَ والأربعينَ مِنْ
_________________
(١) كل ما ذكرته في هذا المبحث والذي يليه إنما هو استقراء للتاريخ من المصادر التالية: كتاب (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية) لأمير البيان شكيب أرسلان، وهو مطبوع في ثلاث مجلدات بالقاهرة، وكتاب (قرطبة حاضرة الخلافة بالأندلس) للدكتور عبد العزيز سالم، دار النهضة بمصز، وكتاب (قرطبة في العصر الإسلامي - تاريخ وحضارة) للدكتور أحمد فكري، صدر عن مؤسسة الجامعة بالاسكندرية، و(التاريخ الأندلسي من الفتح إلى سقوط غرناطة) للدكتور عبد الرحمن علي الحجي، وهو مطبوع في دار القلم بدمشق.
[ ١ / ١٣ ]
عُمُرهِ، وكانَ الحَكَمُ حَلِيمًا رَفِيقًَا، كمَا كانَ صَارِمًا قَاسيًّا على المتلَاعِبينَ مِنَ العُمَّالِ، وظَلَّ مُدَّةَ خِلاَفتهِ مُوَاصِلًا لِغَزْوِ الرُّومِ، ومَنْ خَالَفهُ مِنَ المُحَارِبينَ، ولَمَّا أَحَسنَ بِقُرْبِ نِهَايتهِ عَهِدَ لابنهِ هِشَامِ الثَّاني الذي لُقِّبَ بالمؤيدِ باللهِ، وكانَ صَبِيًّا، وقدْ أُخِذَ عليهِ لِتَقْدِيمِة ابنهِ الصَّبِيِّ على الأَكِفَّاءِ مِنْ أَعْمَامهِ، وتُوفِّي الحَكَمُ سنةَ (٣٦٦)، وبِمَوْتهِ اخْتَفَى آخرُ العُظَماءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ الأَنْدَلُسِيْينَ (١).
المرحلةُ الثانية: مَرْحَلةُ الدَّولةِ العَامِريَّةِ:
لما بُويعَ هِشَامُ بالخِلاَفةِ كانَ له مِنَ العُمُرِ أحدَ عشَر سنةً، واستطاعَ مُحَمَّدُ بنُ أَبي عامرٍ المعروفُ بالحَاجِبِ المَنْصُورِ أنْ يَكُونَ وَصِيًّا على الغُلاَمِ الخَلِيفةِ، وما لبثَ حتى اسْتَجْمَعَ أَزِمَّةِ السُّلْطةِ في يَدِه تِبَاعًا، وانتهى الأمرُ بأنْ فَرَضَ ابنُ أبي عَامِرٍ نَفْسَهُ حَاكِمًا مُطْلَقًا للأندلُسِ، وغَدا الخليفَةُ هِشَامٌ ليسَ له مِن الأمرِ شَيء، وكانَ ذلك سنة (٣٧١)، وقامَ المنصورُ بأمورِ الخِلاَفةِ خيرَ قِيامٍ، وكانَ حُكْمهُ مِنَ العُصُورِ الزَّاهيةِ في تاريخِ الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ تُوفِّي سنة (٣٩٢) مُتَأثرًا بِجِرَاحهِ إثْرَ قُفُولهِ مِنْ غَزْوَة لأَرَاضِي قُشْتَالةَ.
ثُمَّ تَولَّى عبدُ الملكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَبي عَامِرٍ الحِجَابةِ مَعَ بقاءِ اسمِ الخِلاَفةِ للمُؤيِّدِ باللهِ هِشام الثَّانِي، وقد استمَرَّ عبدُ الملكِ فِي تَجْهِيزِ الجُيُوشِ، وتَوْطِيدِ الأَمْنِ، وحِمَايةِ الثغُورِ، لَكِنَّهُ مَا لَبثَ أَنْ توفي في صَفَر سنة (٣٩٩)، فَخَلَفهُ أخوُه عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ المنصورِ بنِ أَبي عَامِرٍ المُلَقَّبِ بالناصر والمعروفُ بِشَنْجُولَ، ولم يكنْ مثلَ أبيهِ وأخيهِ، فلمْ يَلْبثْ أَنْ طَلَبَ مِنَ الخَلِيفَةِ هِشَام المؤيَّدِ باللهِ بأن يَكْتَبُ إليهِ وِلَايةَ العَهْدِ مِنْ بَعْدِه، وحَصَلَ لَهُ مَأْمُولَهُ، فكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ فَتِيلٍ في الفِتْنَةِ،
_________________
(١) وصف الذهبي في السير ١٧/ ١٣٢ - ١٣٣ هشامًا هذا بقوله: كان ضعيف الرأي، قليل العقل، يُصدق بما لا يكون، وأعطى مرة مالا عظيما لمن جاءه بحافر حمار وزعم أنه حافر حمار العزيز، وأتاه آخر بحجر، فقال: هذا من الصخرة، وأتاه آخر بشعر، فقال: هذا من شعر النبي - ﷺ، فلهذا كان المنصور يمنع الناس من الإجتماع به.
[ ١ / ١٤ ]
يُضَافُ إلى ذَلِكَ إلى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْظَى باحْتِرَامِ الجَيْشِ، ولاَ بِحُبِّ النَّاسِ له مِمَّا هيَّا للثورةِ عليه.
وانتهزَ مُحَمَّدُ بنُ هِشَامِ بنِ عبدِ الجبَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الفُرْصَةَ في غِيابِ شَنْجُولَ، بأنْ ثَارَ عليهِ وسَيْطَرَ على قُرْطُبةَ، ثُمَّ اسْتَطاعَ أنْ يَقْبضَ على شَنْجُولَ ويَقْتُلَهُ، وذلكَ في رجَب سنة (٣٩٩)، وهَكَذا انْهَارتْ الدَّولةُ العَامِريَّةِ.
المَرْحَلةُ الثالثة: مَرْحَلةُ الفِتَنِ:
عُرِفتْ هذه المرحلةُ بدايةُ القَلاَقِلِ، وتُحَدَّدُ على النَّحْو التَّالي:
أ - بدايةُ الفِتنةِ (١): بدأتْ بأنْ أجبرَ مُحَمَّدُ بنُ هِشَامِ بنِ عبدِ الجبَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الخَلِيفَةَ هِشَامَ المُؤَيَّدَ بالله بأنْ يَتَنازَلَ عَنِ الخِلاَفةِ، وتَمَّ له ذَلِكَ، ثُمَّ تَسَمَّى بالمهْدِي (٢)، ثُمَّ عَمَدَ إلى الخَلِيفَةِ هِشَامِ المُؤيَّدِ فأَخْفَاهُ، وأشاعَ بينَ النَّاسِ أَنَّهُ ماتَ، ثُمَّ عَهِدَ إلى هِشَامِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ النَّاصِرِ بالخِلَافةِ مِنْ بَعْدِه، ولكِنَّ سُوءَ خُلُقِ المَهْدِي وإهَانتَهُ لِرُؤَسَاءِ قَبَائلِ البَرْبرِ وَزُعَمَائِهِم جَعَلَ هِشَامٌ يَتَقَرَّبُ للبَرْبَرِ، ويَسْعَى مَعَهُم لِخَلْعِهِ، فَجَمَعُوا جُمُوعَهُم للإنْقِضَاضِ عليه، ولكنَّه بَادَرَهُم بِجَمْعٍ أكبرَ، فَشَتَّتَ شَمْلَ البَرْبرِ وقتَلَ هِشَامَ بنَ سُلَيمانَ، وانْسَحَبَ البَرْبَرُ بعدَ قَتْلِ هِشَامِ بنِ سُلَيْمَانَ إلى ضَوَاحِي قُرْطُبةَ، وفِيهِم ولدُه سُلَيْمَانُ بنُ هِشَامٍ، فَعِنْدَما عَرَفُوه وَلَّوهُ عَلَيْهِم ولَقَّبُوهُ بالرَّشِيدِ، وبَدَءَوُا يَعُدُّونَ العُدَّةَ للإسْتِيلاَءِ عَلى قُرْطُبةَ.
وتَأجَّجتِ الفِتْنةُ في قُرْطُبةَ حَيْثُ نَادَى مُنَادِي المَهْدِي بأن مَنْ أتَى بِرَأْسِ بَرْبَرِيٍّ فَلَهُ كَذَا وكَذَا، فتَسارعَ العَامَّةُ مِنْ أَهْلِ قُرْطُبةَ في قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عليهِ حتَّى امتدتْ
_________________
(١) ينظر: جذوة المقتبس ص ١٨، وبغية الملتمس للضبي ص ٢٤، والسير ١٧/ ١٢٣، بالاضافة إلى المصادر المتقدمة.
(٢) وصف ابن عذارى في البيان المُغْرِب ٣/ ٧٤ المهدي هذا بأنه أشام خليفة على وجه الدنيا، وقال الذهبي في السير ١٧/ ١٢٩: فلما استوثق الأمر للمهدي أظهر من الخلاعة والفساد أكثر مما عمله شنجول.
[ ١ / ١٥ ]
الأيدِي إلى صَالِحِي المُسْلِمينَ، فَقُتِلُوا صَبْرًا، ونُهِبتْ بِيُوتُهم، وهُتِكَتْ أَعْرَاضُهم، بلْ قُتِلَ الكَثيرُ مِمَّنْ قَدِمَ للرِّبَاطِ في ثُغُورِ الأَنْدَلُسِ مِنْ بلادِ المشرقِ الإسلامِيِّ، فَقُتِلُوا على أَنَّهُم بَرْبر، حتَّى أنَّ كُلَّ مَنْ كان بينَهُ وبينَ أحدٍ عَدَاوةٌ قالَ: هذا بَرْبَرِيٌّ، فَقُتِلَ.
ب - امتدادُ الفتنةِ: وعندما بلغَ البَرْبرُ ما جَرَى لإخْوَانِهِم بِقُرطُبَةَ زَحَفُوا عَليها، وعلَى رَأْسِهِم سُلَيمَانُ بنُ هشَامٍ الرَّشِيدُ، وحَاصَرُوا المَهْدِيَّ في قَصْرِه، وكانَ ذَلِكَ في شَوَّال سنة (٣٩٩)، ولكِنَّ المهدِيَّ فَك حِصَارَهُم، وأَعْمَلَ فِيهم القَتْلَ، وظَفَر المَهْدِيُّ بقَائِدِ البَرْبرِ سُلَيْمَانَ بنِ هِشَامٍ فَقَتلَهُ، فَفَرَّ البَرْبَرُ إلى ضَوَاحِي قُرْطُبةَ، فاخْتَارُوا سُلَيْمَانَ بنَ الحَكَمِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ النَّاصرِ ولَقَّبُوهُ بالمُسْتَعِينِ -وهُو اْبنُ أَخِي الرَّشِيدِ- (١) الذي سُرْعَانَ مَا عَادَ إلى قُرْطُبةَ بِمُسَاعَدِة النَّصَارَى لموَاجَهَةِ المَهْدِي على أَنْ يُعْطيِهم مَا يَخْتَارُونهُ مِنَ الحُصُونِ المتاخِمةِ لهُ، وفي الوقتِ نَفْسهِ كانَ هناكَ وَفْدٌ مِنْ قِبلِ المَهْدِي يُسَاوِمُ النَّصَارَى على ابنِ عَمِّه ومَنْ مَعَهُ مِنَ البَرْبرِ المسلِمينَ، ولَكِنَ النَّصَارَى كَسْبًا للطرَفِ القَوِيِّ مَدُّوا يدَ المُسَاعَدةِ إلى سُلَيْمَانَ المستعينِ والبَرْبَرِ، ثمَّ وَقَعَتْ الحَرْبُ بينَ جَيْشِ المُسْتِعِينِ وبينَ جَيْشٍ لأتْبَاعِ المَهْدِي، وكانتْ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِم، وَلَجَئُوا إلى المَهْدِيِّ في قُرْطُبةَ، واشْتَبكَ جَيْشُ سُلَيْمَانَ المُسْتِعينِ مَعَ أَهْلِ قُرْطُبةَ الذينَ حَشَدَهُم المهدِي مِنْ غَيْرِ نِظَامٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِم مَقْتَلَةٌ عَظِيمَة، ودَخَلَ المُستَعِينُ ومَنْ مَعَهُ منَ البَرْبرِ والنَصَارَى قُرْطُبةَ، وقتلُوا مِنْهم أكثرَ مِن ثَلاَثينَ ألفًا.
وقدْ أُوذِي أَبو المُطَرِّفِ في هذه الفِتنةِ، قالَ ابنُ حيَّانَ: امتُحِنَ بالبربرِ أوَّلَ ظُهُورِهِم مِحْنَةً أَوْدَتْ بِمَالهِ (٢).
ج - مُناورَةُ للمَهْدِي: لما رأَى المَهْدِي مَا حَلَّ بهِ مِنْ هَزِيمَةٍ أَظْهَرَ هِشَامَ
_________________
(١) قال الذهبي في السير ١٧/ ١٣٣ في ترجمته: دانت له الأندلس سنة (٤٠٣)، جال بالبربر يفسد وينهب البلاد، ويعمل كل قبيح، ولا يبقي على أحد.
(٢) تاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.
[ ١ / ١٦ ]
المؤيَّدَ وأَقْعَدَهُ حيثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وأَرْسَلَ قاضيهِ لِيفَاوِضَ البَرْبَر ويُبْلِغُهُم أنَّ هِشَامَ المؤيَّدَ هُوَ الخَلِيفَةُ ومَا هُو إلَّا كالحَاجِبِ له، لكنَّ أهلَ قُرْطُبةَ خَذَلُوا المَهْدِيَّ، وخَرَجُوا يُرَحِّبُونَ بِسُلَيمانَ المستعينِ، ثُمَّ نُودِي بالبَيْعَةِ بالعهدِ لِسُليمانَ بنِ الحَكَمِ.
ثُمَّ فَرَّ المهدِيُّ ومَنْ مَعَهُ مِنْ قُرْطُبةَ، واتَّفَقَ مَعِ النَّصَارَى على أنْ يَتَنازَلَ عَنْ بَعْضِ الثُّغُورِ نَظِيرَ - مُسَاعَدَتِهِم ضَدَّ المُسْتَعِينِ، فخَرجَ إليهم المستعينُ باللهِ مَعَ البَرْبرِ إلى مَكَانٍ قُرْبَ قُرْطُبَةَ يُعْرَفُ بدَارِ البَقَرِ، وكَانَت الدَّائِرَةُ فيها على المستعينِ والبَرْبرِ، ودَخَلَ المَهْدِيُّ قُرْطُبةَ مِنْ جَدِيدٍ، فعَاثَ فِيها ومَنْ مَعَهُ فَسَادًا، ثُمَّ أَجْهَزَ عَلَى كُلِّ بَرْبَرِيٍّ حَتَّى الأَطْفَالَ والنِّسَاءَ، فَحَدثتْ مَقْتَلةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ تَنَادَى إلى سَمْعِه بأن المُسْتِعينَ ومَنْ مَعَهُ مِنَ البَرْبرِ يَعُدّونَ العُدَّةَ لِقِتالهِ، فخَرَجَ إليهِم، فكانَت الدَّائرةُ في هذِه المرَّةِ على المَهْدِيِّ الذي عادَ إلى قُرْطُبَةَ لِيَتَحَصّن بِدَاخِلَها، ولكنَّ العَبيدَ قتلُوه وأَعَادُوا هِشَامًا المؤيَّد إلى كُرْسِيِّ الخلافةِ في ذِي الحجَّة سنة (٤٠٠)، فَكانتْ وِلاَيةُ مُحَمَّدِ المهدِيِّ منذُ قامَ إلى أَنْ قُتِلَ سِتَّةَ عَشَر شَهْرًا، منْ جُمْلَتِها الستَّةُ الأَشْهُرِ التي كانَ فيهَا سُلَيمانُ بِقُرْطُبةَ.
ولَمْ يَهْدأ لِسُليمَانَ المُسْتَعِينِ بالٌ طِوَالَ تِلْكَ الفَترةِ، إذ ظَلَّ يَجُولُ بِعَسَاكِرِه البَرْبرِ في بلادِ الأَنْدَلُسِ، إلى أن اسْتَطاعَ دُخُولَ قُرْطُبةَ في أوائلِ شَوَّال سنة (٤٠٣)، وقُتِلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وعَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ والأَعْيانِ (١)، ثم أعطَى الأمَانَ لأهلِ قُرْطُبَةَ، وقامِ بخَلَعِ هِشَامِ المَؤيَّدِ مِنَ الخِلاَفةِ وقَتْلِهِ، ثُمَّ قامَ بِتَقْسِيمِ الأَنْدَلُسَ بينَ القَبَائلِ التي نصَرتْهُ مِنَ البربرِ وغَيْرِهم.
المرحلة الرابعة: دولة بنى حَمُّود: بَحَثَ العَامِريُّونَ وأَتْبَاعَهُم - وَهُم الذينَ فَرُّوا عَنْ قُرْطُبةَ بعدَ دُخُولِ المسْتَعينِ باللهِ لها - عَنْ خَلِيفَةٍ أُمُويٍّ فَلَمْ يَجِدُوا أَصْلَحَ
_________________
(١) منهم الإِمام العلامة أبو الوليد ابن الفرضي الذي وري الثرى من غير غسل ولا كفن ولا صلاة بعد أن بقي في داره ثلاثة أيام مقتولا، ينظر: كتاب (أبو الوليد ابن الفرضي القرطبي) ١/ ٤٢٢.
[ ١ / ١٧ ]
للأمرِ مِنْ عليِّ بنِ حَمُّودٍ الهَاشِميِّ، وبدأ البربرُ في قُرْطُبَةَ يَسْأَمُونَ حُكْمَ المُسْتَعِينِ، فاجتمعتْ أَهْدَافُ العَامِريَّةِ والبَرْبَرِ فتَمَّ التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا، واتَّفَقَ الفَرِيقَانِ على الإتِّصَالِ بِعَليِّ بنِ حَمُّودٍ، فَزَحفَ مِنْ سَبْتةَ إلى مَالَقةَ فَتَملَّكَها، ثم إلى قُرْطُبَةَ فَهَزمَ المُسْتَعِينَ وقَتَلَهُ سنة (٤٠٦)، وبذلكَ انْقَطَعتْ دَوْلةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وتَولَّى الأمرَ عليُّ بنُ حَمُّودٍ، وبَقِي عَامَيْنِ إلى أن قتَلَهُ عَبيدُه، ثُمَّ وَلِيَ أَخُوهُ القَاسِمُ بنُ حَمُّودٍ، وبَقِيَ بِها إلى سنةِ (٤١٢)، إذ قامَ عليهَ ابنُ أَخِيهِ يَحْيَى بنُ عَلِيِّ بنِ حَمُّودٍ بِمَالقةَ، فَهَربَ القَاسِمُ عَنْ قُرْطُبَةَ بلاَ قِتَالٍ، وصَارَ بإشبيلِيّهَ حتَّى اجْتَمعَ أمْرُهُ واسْتَمَالَ البربرَ، وزَحَفَ بِهِم إلى قُرْطُبَةَ فَدَخلَها سنة (٤١٣)، وهَرَب يحيى إلى مَالَقَة، فَبَقِي القَاسِمُ بقُرْطُبةَ شُهُورًَا واضْطَرَبَ أَمْرُهُ، فعاشتْ قُرْطُبةُ فَتْرةً مِنَ الزَّمَنِ في اضْطِرَاباتٍ مُتَقَطعَةً، تَوَالتْ خِلَالهَا العَدِيدُ مِنَ الزَّعَاماتِ دُونَ أَنْ تَسْتَقِرَّ على حَالٍ.
[ ١ / ١٨ ]